حصريا

البيئة العربية في القرآن الكريم. د. عيسى جرادي- الجزائر-

0 1

البيئة العربية في القرآن الكريم

 

سيبقى القرآن الكريم أزكى و أسمى وثيقة  إلهية المصدر وُضعت بين يدي الإنسان .. وضعها رب العالمين  لتكون له  منهاجا يحيا به .. و عقيدة يؤمن بها .. و طريقا يتبعه .. و سبيل نجاة له يوم الدين .

هذه الوثيقة التي هي علم الله و كلامه .. لا يجاريها  في خصائصها و قدسيتها و سعة استيعابها شيء  مما كتب الإنسان أو تصوره أو رصده .. فالقرآن كتاب الله  ..  و ليس للإنسان – الذي عُلم الأسماء كلها –  أن يحاول الإتيان بشيء يماثله و لو بنسبة واحد في المائة .. إذ لا سبيل لإدراك ذلك على الإطلاق .

من أي زاوية نظرت إليه .. تبين لك معمارٌ محكم البناء .. موصول الأطراف .. لا يدانيه في حسنه و إحكامه شيء مما ألفنا قراءته أو تدبره .. و سأختار في هذا المقال – الذي يمكن أن يشكل نواة دراسة مستفيضة – جانبا من هذا البناء .. أسميته ” البيئة العربية  ” .. حيث يفيض هذا المصطلح على الوسط  الذي أنزل فيه القرآن  بكل عناصره المادية و المعنوية.. و هو وسط عربي بامتياز .. ثقافيا و اقتصاديا و دينيا .. و هو أيضا هذه الصحراء المترامية الأطراف التي شكلت على الدوام – و على  امتداد آلاف السنين – فضاء مفتوحا  لقريحة العربي و تصوراته و مسالكه .

و وجه الإعجاز في هذا الخطاب .. أنه جادل العربي بما يعرف  فأفحمه .. و وفر مادة  موازية لتعريف غير العربي بحقائق الكتاب .. فكانت أساس الإيمان لمن اعتنق دينا ظهر في بيئة غير بيئته .. لكنه يخاطب و يستوعب كل البيئات .. و كان القصد من هذا السرد تصحيح مفاهيم خاطئة و إبطال  أوضاع مختلة .. و رد عادات سيئة و عبادات زائفة .. في سياق عرض لحقائق تتجاوز عالم الشهادة إلى عالم الغيب .

فعندما جرى تعريف الجنة  للناس – على سبيل المثال – .. كان السبيل إلى تقريب صورتها عناصر مستقاة من البيئة الصحراوية .. فالعربي يفتقد الماء و الظل  و الثمر .. و هي أثمن ما قد تجود به أرض قاحلة .. و كانت التجارة – إشارة إلى الجلب و هو غير البيع – أساس عيشه  و الإبل رمز ثروته  و وسيلة تنقله .. و كان المحبذ إليه من اللباس و الحلية  الذهب و الفضة و السندس و الاستبرق  – على سبيل المثال – .. و الخيل التي  كانت رمز فخره و حربه .. و عندما وجه نظره للنظر في الكون من حوله .. أحاله إلى ما بين يديه من أرض و جبال و نجوم و كائنات حية .. ليستخلص منها العبرة .

و عندما كشف زيف عبادته .. وصف معبوداته بالعجز .. و إنها لا تفي بغرض مفيد و لا تدفع عنه في مُلمة .. و لأن العربي كان يستوعب أهل الكتاب – و خاصة اليهود – في بيئته .. تم تنبيهه إلى فساد تدينهم و تحريف كتابهم  .. كي لا يغتر  بادعاءاتهم و لا يتمثل بقبح أخلاقهم .

لقد كانت البيئة أساس بناء المعتقد الجديد .. بما حثهم عليه من التدبر و التفكر و إعمال العقل و نبذ التقليد  الأعمى ..

و كل ما ذكر من عناصر هذه البيئة .. يعني شيئا له قيمة و لو رمزية عند العرب .. فالبيئة بها المدلول و الإحاطة تعني ما هم  عليه من  فكر و معتقد .. و ما يروون من قصص و أساطير .. و ما يسود بينهم من أخلاق و طباع و عادات .. و ما يحيط بهم من أرض و سماء .. و ما يتخلل عيشهم من مظاهر التجارة .. و ما يسود بينهم من علاقات و معاملات  .. و ما يقترن بوجودهم من أحياء ( نبات و حيوان ) .. و ما قد يبلغهم من ملل أو يساكنهم من أقوام من غير العرب  .

 

فهذه العناصر بجملتها .. و التي تشكل ثقافة العربي في عموم جزيرة العرب و أطرافها الممتدة إلى الشام و العراق و اليمن .. هي ما ألفوا مشاهدته أو ممارسته أو اعتقاده  .. فهي بمثابة عالمهم الخاص .. و هي في المقابل ميدان المواجهة معهم .. إذ الإنسان في الغالب الأعم أسير المألوف في حياته .. و من العسير تغيير معتقده .. أو حمله على ترك ما يراه حقا من زاوية نظره .

فإذا أتينا إلى كتاب الله .. وجدنا إدارة الحوار مع هؤلاء الناس قد اتسعت لاستيعاب كل هذه المظاهر .. كما سيتضح بيانه .

اخترت في الجزء الأول من هذا الموضوع .. بسط الحديث عن العناصر المادية لهذه البيئة (  و أضفت إليها عبادتهم القائمة على تأليه محسوسات هي هذه الأصنام التي شكلت باستمرار مركز معتقدهم و تدينهم ).. و أرجأت الحديث عن البيئة المعنوية إلى الجزء الآخر من الموضوع  .. كما وطأت الموضوع بالإشارة إلى الكتاب .. و هو بمثابة مدخل لذلك .

 

 

عن الكتاب ..

 

نزل القرآن بلغة العرب .. فخاطبهم بالألفاظ التي تجري على ألسنتهم .. و بالبيان الذي توارثوه ..  و بالأمثال التي تداولوها .. و بالعبارات التي تعكس مشاعرهم .. و بلهجاتهم  المعروفة (بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖۖ  195الشعراء ).

و جاء ميسرا لاستخلاص العبر (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَۖ 55الدخان ).. و تدبر المعاني التي احتضنها ( كِتَٰبٌ اَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ اُ۬لَالْبَٰبِۖ 28ص ) .

و ليس فيه لفظ غريب قد يشكل عليهم فهمه ( وَلَوْ نَزَّلْنَٰهُ عَلَيٰ بَعْضِ اِ۬لَاعْجَمِينَ 198 فَقَرَأَهُۥ عَلَيْهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُومِنِينَۖ  199الشعراء ) .. و ليس فيه تناقض أو تضارب أو ما يخالف العقل و المنطق فيعيبوه ( اَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ اَ۬لْقُرْءَانَۖ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اِ۬للَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اِ۪خْتِلَٰفاٗ كَثِيراٗۖ 81 النساء ).

و برغم ما برعوا فيه من بيان و فصاحة .. فقد تحداهم أن يأتوا بمثله ( وَإِن كُنتُمْ فِے رَيْبٖ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَيٰ عَبْدِنَا فَاتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثْلِهِۦ وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اِ۬للَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَۖ  22 البقرة ).. فهذا القرآن :

  • – مذكور في كتب الأولين .. و تيقن من صدقه و أنه من الله علماؤُهم ( وَإِنَّهُۥ لَفِے زُبُرِ اِ۬لَاوَّلِينَۖ 196 أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمُۥٓ ءَايَةً اَنْ يَّعْلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِےٓ إِسْرَآءِيلَۖ  197الشعراء ).
  • – و هو آية  الآيات التي تصحب البشر إلى يومهم الأخير على هذا الكوكب .. آية لا يمكن إنكارها أو معارضتها بمثلها (  اَوَلَمْ يَكْفِهِمُۥٓ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ اَ۬لْكِتَٰبَ يُتْل۪يٰ عَلَيْهِمُۥٓۖ ..51العنكبوت) .
  • – مفصل بمحتواه من الحقائق التي لم تغفل شيئا ( وَلَقَدْ جِئْنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلْنَٰهُ عَلَيٰ عِلْمٍ هُديٗ وَرَحْمَةٗ لِّقَوْمٖ يُومِنُونَۖ 51الأعراف ) .
  • – شمل غيب السابقين و أخبارهم ( ذَٰلِكَ مِنَ اَنۢبَآءِ اِ۬لْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَۖ ..102 يوسف).. مما جهله العرب و لم يعرفوا عنه شيئا  ( تِلْكَ مِنَ اَنۢبَآءِ اِ۬لْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَاۖ فَاصْبِرِۖ اِنَّ اَ۬لْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَۖ  49هود )
  • – و فيه مجد العرب و ذكرهم ما آمنوا به و أنصتوا إليه ( قَدَ اَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَٰباٗ فِيهِ ذِكْرُكُمُۥٓۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَۖ 10 الأنبياء )
  • – و فيه الحكمة التي افتقدوها في مسالكهم ( .. وَأَنزَلَ اَ۬للَّهُ عَلَيْكَ اَ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُۖ وَكَانَ فَضْلُ اُ۬للَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماٗۖ 112النساء) .

 

و مع كل هذا البيان .. فقد نفروا منه ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِے هَٰذَا اَ۬لْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمُۥٓ إِلَّا نُفُوراٗۖ 41 الإسراء ) .. فكانوا إزاءه  صما و بكما ( قُلِ اِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِۖ وَلَا يَسْمَعُ اُ۬لصُّمُّ اُ۬لدُّعَآءَ ا۪ذَا مَا يُنذَرُونَۖ 45 الأنبياء .. لقد سيق ما فيه لحثهم على الإنصات له .. و إمعان النظر فيه و تدبر معانيه .. من أجل غاية واحدة أن يدركوا خطأ معتقدهم و عاداتهم..  و يؤمنوا به .. فماذا كانت النتيجة ؟

لقد مضى الكفار في ما اختاروه لأنفسهم من مخاصمته و إنكار حقائقه و اللغو فيه .. ( وَقَالَ اَ۬لذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَٰذَا اَ۬لْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَۖ 25 فصلت ) .. و ما أغنى  ذلك عنهم شيئا .

 

المعبودات الزائفة ..

 

في بيئة العرب عموما .. إذا استثنينا ” النصرانية ” التي يدين بها بعض العرب في اليمن .. أو اعتنقها  بعض الأفراد المعدودين في مكة .. إلى جانب الطوائف اليهودية في اليمن و المدينة و أطرافها .. كانت عبادة الأوثان بمثابة المعلم الديني البارز الذي ميز معتقد العربي .. فكان لكل قبيلة صنمها .. و ربما صنع شخص لنفسه صنما يعبده .. ليسود الشرك بينهم .. مدعين أن هذه المعبودات – الآلهة  هي وسيطهم مع الله .. و إنهم يتقربون بها إليه شفاعة لاستدرار الخير و درء الشر ( .. وَالذِينَ اَ۪تَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمُۥٓ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَي اَ۬للَّهِ زُلْف۪يٰٓۖ ..   3الزمر ).. ويبرز هذا في حجهم زمن الجاهلية و تلبيتهم (  لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ) ! .. في مقابل إقرارهم  أن الله هو الخالق و ليس غيره .. مقابل نفيهم الساعة و المعاد مطلقا .. إلى حد أن تعجبوا كيف يعاد إحياء أجساد بليت و تمزقت و لم يبق منها شيء !

 

فما كان موقف القرآن من هذا الاعتقاد الذي أجج حربهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم .. و حملهم على نقل شكواهم إلى عمه بدعوى إساءته إليهم إذ ( سفه أحلامهم ، وشتم آباءهم، وعاب دينهم ، وفرق جماعتهم ، وسب آلهتهم )؟ و كيف رد عليهم ؟

لقد أرشدهم إلى الحق .. بتبيان بطلان ما هم عليه :

  • – فعبادتهم و نسكهم لا قيمة له .. إنما هي ممارسات جوفاء اختلقوها و تشبثوا بها .. ما أنزل الله منها شيئا .. على غرار ما يصدرون من صفير و تصفيق و هم يطوفون بالبيت ( وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ  35الأنفال ) .. أو حين يطوفون بالبيت عراة .. فكيف يُتقرب إلى الله بهذه الأفعال المنكرة ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ  28الأعراف)
  • – لا يصونون الأشهر الحرم .. حيث يفترض أن يركن الناس إلى السلام و الموادعة .. و يكفوا عن الظلم  و سفك الدماء .. فتراهم يؤخرون و يقدمون من الأوقات ما يوافق أهواءهم ( إِنَّمَا اَ۬لنَّسِيُّ زِيَادَةٞ فِے اِ۬لْكُفْرِ يَضِلُّ بِهِ اِ۬لذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَاماٗ وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَاماٗ لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اَ۬للَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اَ۬للَّهُۖ زُيِّنَ لَهُمْ سُوٓءُ اَ۬عْمَٰلِهِمْۖ وَاللَّهُ لَا يَهْدِے اِ۬لْقَوْمَ اَ۬لْكٰ۪فِرِينَۖ 37التوبة )
  • – منحوا معبوداتهم أوصاف الذكورة تأكيدا لقوتها و سطوتها .. و جعلوا الملائكة إناثا .. و بمنطق القسمة العادلة لا يستقيم هذا ( أَفَرَٰٓيْتُمُ اُ۬للَّٰتَ وَالْعُزّ۪يٰ 19 وَمَنَوٰةَ اَ۬لثَّالِثَةَ اَ۬لُاخْر۪يٰٓ 20 أَلَكُمُ اُ۬لذَّكَرُ وَلَهُ اُ۬لُانث۪يٰۖ 21 تِلْكَ إِذاٗ قِسْمَةٞ ضِيز۪يٰٓۖ 22 النجم )
  • – هي مجرد أسماء أضفوها على حجارة صماء نحتوها بأيديهم .. فكيف يستقيم أن تصنع بيدك إلها تعبده و تخضع له (  إِنْ هِيَ إِلَّآ أَسْمَآءٞ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ اَ۬للَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍۖ .. 23النجم ) .
  • – حجارة صماء ليس لها أن تخلق شيئا ( أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـٔاٗ وَهُمْ يُخْلَقُونَۖ 191الأعراف)
  • – لا  تنصر من يستنصرها .. و لا تدفع عن نفسها ضرا و لا تجلب نفعا (  وَالذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَۖ 197 الأعراف ) .
  • – و لا هي تجيب من يدعوها ( إِنَّ اَ۬لذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اِ۬للَّهِ عِبَادٌ اَمْثَالُكُمْۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمُۥٓ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَۖ 194الأعراف ).
  • – و لا هي تمشي أو ترى أو تسمع كالأحياء على الأرض ( أَلَهُمُۥٓ أَرْجُلٞ يَمْشُونَ بِهَآۖ أَمْ لَهُمُۥٓ أَيْدٖ يَبْطِشُونَ بِهَآۖ أَمْ لَهُمُۥٓ أَعْيُنٞ يُبْصِرُونَ بِهَآۖ أَمْ لَهُمُۥٓ ءَاذَانٞ يَسْمَعُونَ بِهَاۖ قُلُ اُ۟دْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِۖ 195 الأعراف ).
  • – نحتوا لها عيونا ليخال الناس أنه تنظر .. لكنها في الواقع لا تبصر شيئا (  إِنَّ وَلِيِّيَ اَ۬للَّهُ اُ۬لذِے نَزَّلَ اَ۬لْكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّي اَ۬لصَّٰلِحِينَۖ 196 وَإِن تَدْعُوهُمُۥٓ إِلَي اَ۬لْهُد۪يٰ لَا يَسْمَعُواْۖ وَتَر۪يٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَۖ 198 الأعراف ) .
  • – هذه المعبودات مما اختلق آباؤهم أضلتهم جميعا .. و سترتد عليهم وبالا يوم الدين (  فَلَا تَكُ فِے مِرْيَةٖ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۖ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُۖ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٖۖ 109 هود ) .. فهي يوم القيامة عدو يتبرأ منهم (  وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاٗ ثُمَّ نَقُولُ لِلذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمُۥٓ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمُۥٓ إِيَّانَا تَعْبُدُونَۖ 28 فَكَف۪يٰ بِاللَّهِ شَهِيداَۢ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُۥٓ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ 29يونس).

 

فهل نفعهم هذا التحذير و التبصير ؟

كلا .. بقي من تشبث بمعبوده الزائف على اعتقاده و مات عليه .. و رجع منهم من رجع عن باطله .. و تلك قصة  عباد الأصنام في كل زمان و مكان .. و رأينا هذه الأيام كيف ينتشل البوذيون معبوداتهم التي حطمها طوفان ” النيبال ” .. ليعيدوا ترميمها و السجود لها .. فما أتفه من عقل ليس بعقل .

 

عن الطبيعة  و المكان ..

 

عاش العرب في الجزيرة – و في مكة تحديدا –  ضمن ظروف بيئية يمكن وصفها بالقاسية .. بيئة قاحلة في أغلبها على خلاف بيئات أخرى يعرفونها .. خصبة و غنية بالأنهار كبلاد الرافدين  و أرض النيل ( أَلَمْ يَرَوْاْ كَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٖ مَّكَّنَّٰهُمْ فِے اِ۬لَارْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْۖ وَأَرْسَلْنَا اَ۬لسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراٗ وَجَعَلْنَا اَ۬لَانْهَٰرَ تَجْرِے مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْۖ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْناً اٰخَرِينَۖ  7الأنعام ).. فالصحراء لا تمنح رفاها لقاطنيها .. إنما تجبرهم على الشدة و الجلد و كفاف العيش .. على خلاف البيئات الخضراء المطيرة .. حيث يحظى الناس فيها بجنات و عيون .

 

غير أن ذلك لا ينفي أن الطبيعة برمتها – و بغض النظر عن اختلاف مكوناتها – توفر للإنسان أفقا للنظر و التأمل .. فما من شيء خلقه الله .. إلا و مثل آية من آياته .. تدل على قدرته و حكمته .. تُبصره بخالقه و تدعوه للتفكر و الإيمان .. و من ذلك :

 

1 – السماء و النجوم .. هذه القبة السماوية التي سمت  و ترصعت بالنجوم  .. فنظر إليها العربي مبديا شعورا بالرهبة  و إحساسا بالجمال و الروعة .. فهي بمثابة سقف يظلهم ( وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ  32الأنبياء) .. فلفت نظرهم إليها (وَإِلَي اَ۬لسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ 18الغاشية ).. رجاء أن يستشفوا من قوتها قدرة الخالق عز و جل .. و من تماسكها إحكام صنعته ( اَفَلَمْ يَنظُرُوٓاْ إِلَي اَ۬لسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖۖ  6ق).. و من شدتها عظمة خلقه ( ءَآنتُمُۥٓ أَشَدُّ خَلْقاً اَمِ اِ۬لسَّمَآءُۖ بَنَيٰهَا 27 رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّيٰهَا 28 وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَيٰهَاۖ 29 ق ).

ثم هذه النجوم  المتلألئة و قد  أبهرتهم بسطوعها .. فيبصرونها و هي تنتقل عبر مواقعها في بروج محددة و مسارات دقيقة ( وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِے اِ۬لسَّمَآءِ بُرُوجاٗ وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ16 الحجر ) … فكانت لهم معلما يهتدون به في إسرائهم وَهُوَ اَ۬لذِے جَعَلَ لَكُمُ اُ۬لنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِے ظُلُمَٰتِ اِ۬لْبَرِّ وَالْبَحْرِۖ .. 98 الأنعام ) .. كما رمقوا الشعرى و هي من أشد النجوم سطوعا فعبدها بعضهم غافلين عن كونها مجرد مخلوق يفتقر إلى ربه ( وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ اُ۬لشِّعْر۪يٰۖ 48النجم ).

 

2 – الشمس و القمر .. نظر العرب إلى الشمس و هي تتوهج فتضيء أركان الأرض .. و إلى القمر و هو  يطلع ينير رحابهم .. فاحتفوا بهذين الجِرمين ( تَبَٰرَكَ اَ۬لذِے جَعَلَ فِے اِ۬لسَّمَآءِ بُرُوجاٗ وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجاٗ وَقَمَراٗ مُّنِيراٗۖ 61 الفرقان ) .. و ذهب الأمر ببعضهم إلى عبادة الشمس  لما رأوا من أثرها في حياتهم .. و نظروا إلى القمر و هو يتقلب في منازله ( وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّيٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ اِ۬لْقَدِيمِۖ  38 يس ).. فاتخذوه و الشمس أساسا لضبط حسابهم الشهري و السنوي ( هُوَ اَ۬لذِے جَعَلَ اَ۬لشَّمْسَ ضِيَآءٗ وَالْقَمَرَ نُوراٗ وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اَ۬لسِّنِينَ وَالْحِسَابَۖ مَا خَلَقَ اَ۬للَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّۖ نُفَصِّلُ اُ۬لَايَٰتِ لِقَوْمٖ يَعْلَمُونَۖ  5هود ).

و رأوا الليل و النهار يتعاقبان .. هذا للسكينة و ذاك للسعي ( وَهُوَ اَ۬لذِے جَعَلَ اَ۬ليْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٗ لِّمَنَ اَرَادَ أَنْ يَّذَّكَّرَ أَوَ اَرَادَ شُكُوراٗۖ 62 الفرقان ) .. فكان ذلك آية لهم إن كانوا يعقلون ( إِنَّ فِے اِ۪خْتِلَٰفِ اِ۬ليْلِ وَالنَّه۪ارِ وَمَا خَلَقَ اَ۬للَّهُ فِے اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوْمٖ يَتَّقُونَۖ  6هود ) .

 

3 – الأرض و الجبال .. فالأرض  تنبسط أمامهم لتبدو و كأنها بلا نهاية .. فحفز نظرهم إليها( وَإِلَي اَ۬لَارْضِ كَيْفَ سُطِحَتْۖ 20الغاشية).. و الجبال تقف شامخة و قد تعددت ألوانها و أشكالها ( ..  وَمِنَ اَ۬لْجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمْرٞ مُّخْتَلِفٌ اَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞۖ 27 فاطر ) .. و هي في تقدير العربي مظهر الرسوخ و القوة .. فلفت نظرهم إليها ( وَإِلَي اَ۬لْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ 19 الغاشية) .. و استعظموا أمرها كيف يتسنى تدميرها إذا حلت الساعة .. فأجيبوا (  وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ اِ۬لْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّے نَسْفاٗ 103طه ) .. وما أيسر ذلك على خالقها .. إذ تدك بمعية الأرض التي تحملها .. فتتلاشى كالسراب  ( وَبُسَّتِ اِ۬لْجِبَالُ بَسّاٗ 5 فَكَانَتْ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّاٗ  6الواقعة ) .. و في ذلك كله  مبعث ( تَبْصِرَةٗ وَذِكْر۪يٰ لِكُلِّ عَبْدٖ مُّنِيبٖۖ 8ق ).. و لتيسير عبورهم من مكان لآخر .. كانت هذه الفجاج التي لولاها لشق عليهم الانتشار في الأرض ( ..وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاٗ سُبُلاٗ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَۖ 31النساء ).

4 – البحر  و الماء .. يحيط البحر بجزيرة العرب من أغلب جهاتها .. و في المقابل يشح الماء العذب و هو أثمن ما يطلب العربي في صحراء جافة يندر فيها نزول المطر و تنذر بالعطش .. و لهذا السبب تحدى كفار قريش النبي صلى الله عليه و سلم  ( وَقَالُواْ لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّيٰ تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ اَ۬لَارْضِ يَنۢبُوعاً 91 الإسراء ).. اعتقادا منهم بعجزه عن إتيان ذلك .. فأحيلوا إلى استشعار هذه النعمة المزدوجة .. فالبحر و هو ماء يبسط بين أيديهم خيراته ( ..  وَمِن كُلّٖ تَاكُلُونَ لَحْماٗ طَرِيّاٗ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةٗ تَلْبَسُونَهَاۖ وَتَرَي اَ۬لْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَۖ 12فاطر ) .. و المطر ينزل يغذي الينابيع التي يسقون بها زرعهم و يشربون منها .. و تشرب منه أنعامهم ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اَ۬للَّهَ أَنزَلَ مِنَ اَ۬لسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِے اِ۬لَارْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعاٗ مُّخْتَلِفاً اَلْوَٰنُهُۥ .. 20 الزمر ).

 

5 – الشجر و الظل ..  في بيئة صحراوية شديدة الحرارة  سيكون المرء بحاجة إلى شيء يستظل به .. و لا أجدى من شجرة ظليلة توفر هذا الرفاه ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلاٗ .. ۖ 81النحل).. فالظل رحمة الله شمل بها الإنسان في فضاء مفتوح على الحرارة التي تمتص الرطوبة من الجسد ( اَلَمْ تَرَ إِلَيٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَ۬لظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِناٗ ثُمَّ جَعَلْنَا اَ۬لشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاٗ 45 ثُمَّ قَبَضْنَٰهُ إِلَيْنَا قَبْضاٗ يَسِيراٗۖ  46الفرقان  ).

و الشجرة التي توفر الظل لتقي الناس من حر الشمس .. هي ذاتها التي تدر عليهم ثمرا هو زادهم .. و هي استثناء النخلة الموصوفة بالشجرة الطيبة المباركة (  وَالنَّخْلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلْعٞ نَّضِيدٞ 10 فاطر ) .. التي يراها ساكن الصحراء زاده الذي لا يمكنه الاستغناء عنه .. و معينه الي لا ينضب .

و هذه الجنات الوارفات التي توفر لهم الظل و الثمر ( هُوَ اَ۬لذِےٓ أَنزَلَ مِنَ اَ۬لسَّمَآءِ مَآءٗ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٞ وَمِنْهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَۖ 10 يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ اِ۬لزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالَاعْنَٰبَ وَمِن كُلِّ اِ۬لثَّمَرَٰتِۖ إِنَّ فِے ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوْمٖ يَتَفَكَّرُونَۖ 11 النحل ).. و هي مصدر وقودهم ( اِ۬لذِے جَعَلَ لَكُم مِّنَ اَ۬لشَّجَرِ اِ۬لَاخْضَرِ نَاراٗ فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَۖ  79 يس).

 

6 – الحيوان .. فللبيئة الصحراوية التي ألفها العربي و تكيف مع مناخها  كائناتها الحية الخاصة بها .. الأنعام التي لا يمكن الاستغناء عنها .. إذ هي مصدر ثروته و معاشه بما  توفر له من لحم للأكل و لبن سائغ للشرب .. و هي مركبه الذي يجتاز به المفاوز و يطوي به المسافات تحمل عنه أثقاله (وَالَانْعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَۖ 5 وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَۖ 6 وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمُۥٓ إِلَيٰ بَلَدٖ لَّمْ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ اِ۬لَانفُسِۖ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞۖ 7 النحل ).

و منها لباسهم و خيامهم و أثاثهم  و جملة  ما ينتفعون به في حياتهم  ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَناٗ وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ اِ۬لَانْعَٰمِ بُيُوتاٗ تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعَنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنَ اَصْوَافِهَا وَأَوْب۪ارِهَا وَأَشْع۪ارِهَآ أَثَٰثاٗ وَمَتَٰعاً اِلَيٰ حِينٖۖ 80 النحل ).. و هي عندهم مبعث  للزينة و التفاخر ( وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَۖ 6النحل ).

و عندما يتعلق الأمر بالتميز .. يحضر في المشهد الجمل .. هذا الحيوان المهيب الذي خلق للصحراء  و خلقت الصحراء له .. يطوي ارضها  و يتحمل حرها و عطشها و رياحها المغبرة .. فلفت نظرهم إليها ( اَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَي اَ۬لِابِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ 17الغاشية  ).. و مما توفره لهم من حاجات .. يكون  ذلك سببا كافيا لتنبيههم إلى عظم نعم الله عليهم .

و تتبوأ الخيل المسومة موقعا استثنائيا في حرص العربي على ما يمنحه وجاهة خاصة .. فهي سلاحه و رفيقه في السفر و مظهر اعتزازه .. و لعل قصة حاتم الطائي الذي ذبح فرسه لضيفه تغني عن كل وصف .. لذا حظيت في كتاب الله بوصف مميز ( وَالْعَٰدِيَٰتِ ضَبْحاٗ 1 فَالْمُورِيَٰتِ قَدْحاٗ 2 فَالْمُغِيرَٰتِ صُبْحاٗ 3 فَأَثَرْنَ بِهِۦ نَقْعاٗ 4 فَوَسَطْنَ بِهِۦ جَمْعاً 5العاديات  ).

و هذا العربي الذي تعلم استئناس الجوارح لغرض الصيد و علم كلابه ذلك (.. وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ اَ۬لْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اُ۬للَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اُ۪سْمَ اَ۬للَّهِ عَلَيْهِۖ وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ سَرِيعُ اُ۬لْحِسَابِۖ  5المائدة ) .

و ذكر الكلب لغير غرض الصيد لوصف هذا الإنسان  ( .. فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ اِ۬لْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثَ اَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْۖ َ.. 176 الأعراف ) ..  و ذكر الحمار لوصف الجاهل الي لا يعقل و لا يدري له سببا وجيها لوجوده (  .. كَمَثَلِ اِ۬لْحِم۪ارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراَۢۖ .. 5 الجمعة ) ..  و لتمثيل حالة إنسان ينفر من الحق ( مَا لَهُمْ عَنِ اِ۬لتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ 48 كَأَنَّهُمْ حُمُرٞ مُّسْتَنفَرَةٞ 49 المدثر ) .. و هذه الطيور التي تسبح في الفضاء لا سبيل لهم إليها ( أَلَمْ يَرَوِاْ اِلَي اَ۬لطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِے جَوِّ اِ۬لسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اَ۬للَّهُۖ إِنَّ فِے ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوْمٖ يُومِنُونَۖ  79النحل) .

 

7 – المكان ..  في الكتاب الكريم يُعرض المكان باعتباره الفضاء الذي ينتمي إليه العربي و يرتبط به عاطفيا  .. و يشكل جزءا من ذاكرته  البصرية  و الحسية .. فالأرض التي تنبسط بين عيني الرائي يخالها بغير حقيقتها ( وَالذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعْمَٰلُهُمْ كَسَرَابِۢ بِقِيعَةٖ يَحْسِبُهُ اُ۬لظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّيٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـٔاٗ .. 38النور) .. و هذا هو السراب الصحراوي الذي يمنح الإنسان فكرة عن التلاشي و الفناء .

و تبرز الإشارة إلى المكان في معركة بدر حيث تواجه الجمعان بانتظار الالتحام القريب ( اِذَ اَنتُم بِالْعُدْوَةِ اِ۬لدُّنْي۪ا وَهُم بِالْعُدْوَةِ اِ۬لْقُصْو۪يٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْۖ .. 42 الأنفال ) و العدوة هي الضفة أو شفير الوادي .. و الركب هو القافلة  التي كانت محط نظر الطرفين .. و مثله ذكر” حنين “و هو ماء بين مكة و الطائف .. واجه فيه المسلمون تحالف ” ثقيف و هوازن ” ( ..  وَيَوْمَ حُنَيْنٍ اِذَ اَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـٔاٗ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ اُ۬لَارْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَۖ  25 التوبة ) .. و هو واد يضيق بالمقاتلين من الطرفين .. و لنا أن نتصور حالة الفوضى و قد أدبر المسلمون قبل أن يعيد جمعهم رسول الله صلى الله عليه و سلم .

و حضرت مكة عنوانا للمكان كله .. فهي أرض حرام جيء إليها بإسماعيل عليه السلام و أمه هاجر .. و هي محط إبراهيم الذي وصفها بواد  قاحل و جاف  و لا زرع فيه ( رَّبَّنَآ إِنِّيَ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِے بِوَادٍ غَيْرِ ذِے زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ اَ۬لْمُحَرَّمِۖ .. 39 إبراهيم ) .. على خلاف العراق حيث نشأ أو الأرض المقدسة ” فلسطين ” حيث هاجر و استقر .. و مكة هي بكة و هي أم القرى  التي تفرض سلطانها المعنوي على الكل و  تجبى إليها ثمرات  كل شيء ( وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ اِ۬لْهُد۪يٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنَ اَرْضِنَآۖ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً اٰمِناٗ تُجْب۪يٰٓ إِلَيْهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَےْءٖ رِّزْقاٗ مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَۖ 57القصص ).. و هي المسجد الحرام الذي تشد إليه الرحال .. و هي التي تحيط بها الجبال كسوار بمعصم .

و تتجلى يثرب كما تسمى قبل الهجرة .. و هي  المدينة المنورة كما سماها النبي صلى الله عليه و سلم حين هاجر إليها  .. و من حواليها الصياصي و هي حصون اليهود (  وَأَنزَلَ اَ۬لذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنَ اَهْلِ اِ۬لْكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمْ .. 26 الأحزاب).. و البروج العالية ( وَلَوْ كُنتُمْ فِے بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۖ .. 77 النساء ) .. و هي في جملتها رمز للقوة و الرخاء.

و بعيدا عن مكة .. تُلتقط صورة الأحقاف و هي امتدادات واسعة من الرمال .. حيث ظهر النبي هود عليه السلام .. و ليس بعيدا عنها في اليمن تبرز سبإ الغنية بمائها و بساتينها قبل أن يجرفها طوفان السد .. ثم مدائن صالح الخاوية  في الشمال الشرقي حيث  بقيت شاهدة على زمن غابر ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ اَ۬لْجِبَالِ بُيُوتاٗ فَرِهِينَۖ  149الشعراء ) .. و ما لحق خصوم الأنبياء من دمار ( وَكَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِۢ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلْكَ مَسَٰكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنۢ بَعْدِهِمُۥٓ إِلَّا قَلِيلاٗ وَكُنَّا نَحْنُ اُ۬لْوَٰرِثِينَۖ 58القصص ).

 

 عن الأدوات  و المصنوعات ..

و يتخلل المشهد المادي صور للوسائل و الأدوات السائدة في هذه البيئة .. فالعربي يوظف القلم و هو أداة الكتابة ليسجل أفكاره ( نُّٓۖ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ  1القلم ) .. و يستعمل الرق و هو الورق وسيلة لحفظ ما هو مكتوب ( وَالطُّورِ وَكِتَٰبٖ مَّسْطُورٖ 1 فِے رَقّٖ مَّنشُورٖ 2  الطور.

وذكر المكيال و الميزان إشارة إلى التطفيف إن حدث (  وَيْلٞ لِّلْمُطَفِّفِينَ 1 اَ۬لذِينَ إِذَا اَ۪كْتَالُواْ عَلَي اَ۬لنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ2 وَإِذَا كَالُوهُمُۥٓ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَۖ  3المطففين ) .. و مع الموازين ثمة نقد يتداول بينهم من فضة ( الدرهم ) و ذهب ( الدينار ) (وَمِنَ اَهْلِ اِ۬لْكِتَٰبِ مَنِ اِن تَامَنْهُ بِقِنط۪ارٖ يُوَ۬دِّهِۦٓ إِلَيْكَۖ وَمِنْهُم مَّنِ اِن تَامَنْهُ بِدِين۪ارٖ لَّا يُوَ۬دِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ .. 74 آل عمران ) .

و ما يستخلصون من ذخائر البحر من مرجان و لؤلؤ يصنعون منها حليهم ( .. وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةٗ تَلْبَسُونَهَاۖ ..  14النحل ) .. و أدوات طعامهم من قدور و جفان و هي القصاع ( .. وَجِفَانٖ كَالْجَوَابِۦ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۖ ِ..  13 سبإ ) ..  و يلحق بذلك التنور و هو المكان المعد لإنضاج خبزهم ( حَتَّيٰٓ إِذَا جَآءَ امْرُنَا وَفَارَ اَ۬لتَّنُّورُ .. 40هود ) .. و لا تغيب وسائل الحرب عن المشهد ( .. وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْۖ ..ۖ 81النحل ) و هي الدروع السابغة (أَنِ اِ۪عْمَلْ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرْ فِے اِ۬لسَّرْدِۖ .. 11سبإ ) .. و هذه الأدوات و إن ذكرت في سياق تاريخي مختلف .. فإن ما له اسم عند العرب له وجود عندهم .

يتبع ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.