القضية القرآنية الكبرى (عودة الأحرف السبعة إلى دائرة البحث) – عمر ماجد السنوي -العراق-
القضية القرآنية الكبرى
(عودة الأحرف السبعة إلى دائرة البحث)
عمر ماجد السنوي | العراق
من الغلط الظنّ أنّ القضايا التي يطول فيها الخلاف هي قضايا ستظل غامضة، فإنّ بعض المسائل تبلغ من التعقيد وتعدُّد الروايات والأقوال حدًّا يجعل إعادة النظر فيها ضرورة علمية، فيصير أمرها من الوضوح بمكان. ومن أبرز هذه المسائل في علوم القرآن قضية نزول القرآن على سبعة أحرف؛ وهي القضية التي اختار لها الأستاذ الدكتور محمّد حسَن حسَن جبَل (ت 2015م) عنوانًا دالًّا لكتابه: «القضية القرآنية الكبرى». الصادر عن مكتبة الآداب بمصر، سنة 2014م.
الكتاب لا يتعامل مع حديث الأحرف السبعة بوصفه مسألة هامشية في علم القراءات، وإنما يضعه في مركز البحث في تاريخ النص القرآني، وطبيعة القراءات، وكيفية تلقي القرآن وأدائه ونقله. وتكمن أهمية العمل في أن مؤلفه لم يكتفِ بعرض الأقوال المتداولة، بل سعى إلى الوصول إلى تفسير يراه أكثر اتساقًا مع مجموع الروايات والدلالات اللغوية والآثار الواردة في الباب.
ما موضوع الكتاب؟
ينطلق الكتاب من الحديث النبوي المشهور في نزول القرآن على سبعة أحرف، وما أثاره هذا الحديث من خلاف واسع بين العلماء في تحديد المقصود بـ«الأحرف السبعة».
ويشير المؤلف إلى أن القضية لم تكن محل اتفاق تفسيري؛ فقد تعددت أقوال العلماء في معنى الأحرف السبعة، حتى بلغت عنده واحدًا وخمسين قولًا، رأى أن كثيرًا منها متداخل، فعمل على تصنيفها وتقريبها في مجموعات رئيسة.
ومن هنا يتحول الكتاب من مجرد عرض للخلاف إلى محاولة للإجابة عن السؤال المركزي: ما المراد حقيقةً بقول النبي ﷺ: «أُنزل القرآن على سبعة أحرف»؟
لقد بنى جبل كتابه على ثلاث معالجات رئيسة:
أولًا: المعالجة التحليلية
وهي القسم الأوسع من الكتاب، وفيها يتتبع المؤلف الروايات التاريخية الواردة في الحديث، ثم يستعرض أقوال العلماء في تفسير الأحرف السبعة، قبل أن ينتقل إلى تحليل ألفاظ القضية ومفرداتها.
ومن اللافت في هذا القسم أن المؤلف لا ينظر إلى كلمة «الحرف» بمعزل عن سياقها في علوم القراءات، بل يحاول تحديد دلالتها اللغوية والاصطلاحية، وكذلك يبحث في ألفاظ مثل: القرآن، والنزول، والإنزال، والسبعة، والحرف، ثم يحاول الربط بين هذه الدلالات وبين الروايات الواردة في الحديث.
ثانيًا: تلخيص رأي الإمام أبي شامة المقدسي
يفرد المؤلف معالجة مستقلة لرأي الإمام أبي شامة المقدسي (ت 665هـ) في كتابه «المرشد الوجيز في علوم تتعلق بالكتاب العزيز»؛ لما يراه من أهمية هذا الرأي في فهم القضية.
وهذا الاختيار لم يكن اعتباطيًا، بل يأتي ضمن محاولة المؤلف بناء موقفه العلمي من خلال مقارنة ما قاله العلماء السابقون، ولا سيما من تناولوا القضية بصورة مباشرة ومستقلة، الذين كادت تكون أقوالهم مهملة في العصور المتأخرة.
ثالثًا: المعالجة بالمأثور
يعود المؤلف في هذا القسم إلى الأحاديث والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، ثم يستعرض ما قيل في تفسيرها، رغبة في اختبار الرأي الذي انتهى إليه على ضوء المادة المروية في القضية.
وبذلك يحاول أن يجعل النتيجة التي يصل إليها ليست مجرد احتمال لغوي، وإنما نتيجة تتكئ على الرواية واللغة معًا.
إلى ماذا ينتهي المؤلف؟
هذه هي النقطة الأهم في الكتاب.
يرى محمد حسن جبل أن الأحرف السبعة من جنس القراءة، وأن تفسيرها لا ينبغي أن يُختزل في اختلاف اللهجات والأداء اللغوي وحده.
ويذهب إلى أن من صور الاختلاف التي تدخل في الأحرف السبعة تبديل كلمة بكلمة في بعض المواضع، أو اختلاف بعض الألفاظ بما لا يخرج عن المعنى والسياق، مع حديثه عن صور أخرى من الاختلاف التي تناولها بالتفصيل.
ومن ثَمّ فهو لا يقبل التفسير الذي يجعل الأحرف السبعة مجرّد سبع لغات أو لهجات عربية، ويرى أن هذا لا يستوعب حقيقة القضية ولا يفسّر جميع الروايات الواردة فيها.
والغاية التي يريد الوصول إليها هي أن الرخصة في القراءة بالأحرف السبعة كانت مرتبطة بمرحلة حرجة يتعيّن فيها مزيد من التيسير على الناس الذين باتوا يدخلون في دين الله أفواجًا، ولكن المراحل التي تلت وفاة رسول الله ﷺ، وكان فيها جمع المُصحف وكتابته في عهد الخلفاء الراشدين مثَّلت مراحل ضابطة وحاسمة لحفظ النص القرآني وأوجه أدائه، وحماية الأمّة من فتن الاختلاف في كتاب الله، مما أدّى إلى انحسار العمل برخصة التيسير، إلا ما هو ضمن حدود رسم المصحف الإمام.
القرآن بين التلقي الشفهي والتدوين:
ومن الجوانب المهمة في الكتاب أن المؤلف لا يقف عند حدود تفسير الحديث، بل يربط القضية بمسألة كتابة القرآن وتدوينه في عهد النبي ﷺ.
فهو يؤكد أهمية ما كُتب من القرآن في العسب واللخاف والأكتاف وغيرها، ثم ما جرى من جمعه في عهد أبي بكر الصديق، ونسخه في المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنهما.
وهنا يحاول المؤلف إبراز قيمة التدوين المبكر للنص القرآني إلى جانب التلقي والحفظ والأداء، ويرى في ذلك عنصرًا مهمًا في فهم كيفية صيانة النص القرآني من التبديل والتحريف.
وهذه من النقاط التي تمنح الكتاب اتساعًا يتجاوز السؤال الضيق: «ما معنى الأحرف السبعة؟» إلى سؤال أوسع يتعلق بتاريخ نقل النص القرآني وضبطه.
ما قيمة الكتاب؟
تكمن قيمة الكتاب أولًا في موضوعه؛ فحديث الأحرف السبعة من أكثر مسائل علوم القرآن والقراءات تعقيدًا، وقد أدى اختلاف العلماء في تفسيره إلى نشوء طيف واسع من الآراء المتباينة. كما أنّ الموضع فيه نوع من الخطورة التي أدّت ببعض الأشخاص والفِرَق إلى اتهام بعض الصحابة بتجويز تحريف ألفاظ النص القرآني، وعدم تقديسها.
وتكمن قيمة الكتاب ثانيًا في طبيعة المؤلف العلمية؛ فالدكتور جبَل من المتخصصين في اللغة العربية وأصولها وعلوم القرآن، وله عناية واضحة بالتأصيل اللغوي والقرآني.
أما القيمة الثالثة فتتصل بـمنهج الكتاب؛ إذ لم يكتفِ المؤلف باختيار قول واحد وعرضه، وإنما حاول أن يجمع الروايات والأقوال، ويعود بها إلى عصورها الأولى، ثم يصنفها ويحللها ويقارن بينها، قبل أن يعلن النتيجة التي يرجحها.
قراءة نقدية للكتاب:
قوة الكتاب في الوقت نفسه هي موضع صعوبته؛ فالمؤلف يتعامل مع مادة علمية شديدة الكثافة، ويستعرض عددًا كبيرًا من الروايات والأقوال والتحليلات اللغوية، وهو أمر مفيد للمتخصص والباحث، لكنه قد يجعل القراءة أكثر مشقة على القارئ غير المتخصص.
كما أن كثرة التفريعات وتعدد مستويات النقاش تجعل الكتاب أقرب إلى البحث العلمي المتخصص منه إلى الكتاب التمهيدي الذي يشرح القضية للقارئ العام.
وهذه ليست ملاحظة سلبية في ذاتها، بل هي تحديد لطبيعة الكتاب: إنه كتاب يحتاج إلى قراءة متأنية، وإلى معرفة أولية بمباحث علوم القرآن والقراءات واللغة العربية.
ومن جهة أخرى، فإن النتيجة التي يرجحها المؤلف ليست نهاية الخلاف في المسألة؛ فموضوع الأحرف السبعة سيظل موضع نقاش بين العلماء، ولذلك ينبغي للقارئ أن يميز بين عرض المؤلف للمرويات والأقوال وبين ترجيحه الشخصي الذي يبني عليه تصوره للقضية.
هل الكتاب مناسب للقارئ العام؟
إذا كان القارئ يبحث عن كتاب مبسط يعرّفه بالأحرف السبعة في صفحات قليلة، فلن يكون هذا الكتاب هو الخيار الأسهل.
أما إذا كان يريد أن يعرف لماذا اختلف العلماء في معنى الأحرف السبعة، وما الأدلة التي استند إليها كل اتجاه، وكيف حاول أحد المتخصصين في اللغة وعلوم القرآن أن يحسم المسألة، فالكتاب جدير بالقراءة.
ولهذا يمكن وضع الكتاب في منطقة وسطى بين الدراسة الأكاديمية المتخصصة والكتاب التراثي؛ فهو يستفيد من المادة التراثية، لكنه يعيد تنظيمها وتحليلها من منظور عالِم معاصر متخصص.
الحكم على الكتاب:
«القضية القرآنية الكبرى» كتاب بحثي جاد، قيمته الأساسية في جمع مادة واسعة حول واحدة من أعقد قضايا علوم القرآن، ثم محاولة بناء تفسير متماسك لها.
وهو كتاب مهم للباحث في علوم القرآن والقراءات واللغة العربية، ومفيد أيضًا للقارئ المثقف الذي يريد تجاوز الإجابات المختصرة إلى فهم جذور الخلاف.
لكن قراءة الكتاب لن تكون قراءة خفيفة؛ فهو يحتاج إلى صبر ومتابعة، وربما إلى الرجوع إلى بعض المصادر التي يناقشها المؤلف. ولذلك فإن أفضل طريقة لقراءته هي بَعدَم انتظار «إجابة جاهزة» لمعنى الأحرف السبعة، وإنما بمُتابعة كيف تشكّلت المشكلة، وكيف اختلَف العلماء فيها، وكيف بنى المؤلف اختياره النهائي للراجح منها.
وفي هذا تكمن أهميته الحقيقية: فالكتاب يضع القارئ أمام تاريخ سؤال علمي كبير ظل حاضرًا في علوم القرآن قرونًا طويلة.