تفسير “الجلي في التفسير استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية” لأبي يعرب المرزوقي. (تصنيفه، طبعاته، طريقته في التفسير، ملامحه.)
د. أحمد بن مولدي بن بلقاسم جميلي (المعهد العالي لأصول الدين جامعة الزيتونة تونس).
ملخّص البحث:
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام تناولت في هذا البحث دراسة تفسير الدكتور أبو يعرب المرزوقي الذي سمّاه ب “”الجلي في التفسير استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية””. وهو شخصية عِلْمية معروفة في تونس، ويُعَدّ تفسيره أهمّ إنتاجاته العِلْمية، وسأتعرّض في هذا البحث لذِكْر أهمّ محطّات حياة المؤلِّف العلمية والعملية ثمّ بيّنت طريقته في تفسيره وأهمّ مميّزاته (الخصائص والأسس).
1 – تعريف بالمفسّر وتوجّهاته الفكرية:
– حياته العلمية والعملية:
هو محمد الحبيب المرزوقي كنيته ابو يعرب هو من مواليد بنزرت بشمال الجمهورية التونسية سنة 1947م. تحصل على اجازة في الفلسفة ثم سافر ودرس بالسوربون. أنجز بحث الاستاذية ثم تحصل على شهادة التعمق في البحث ثم حصل على دكتوراه الدولة (النظام القديم) في الفلسفة العربية واليونانية سنة 1991م. موضوعها (منزلة الكلي في الفلسفة العربية) الى جانب شهادة في القانون واخرى في الفلسفة الألمانية من جامعة فرنسية. درّس بعدّة جامعات في تونس وخارجها
وقد أصدر 27 كتاب وترجم عدة كتب من الالمانية والانجليزية والفرنسية.
– آراء المرزوقي في الساحة الثقافية الفكرية المعاصرة وتأثيره فيها:
يعدّ أبو يعرب من أهمّ الشخصيات الفكرية في الساحة التونسية ويعرف بتوجّهاته الإسلامية المناهضة للعلمانية والتيارات الحداثية في قراءة النصّ الديني يقول د. جمال بوعجاجة في هذا السياق: “لم يكن المرزوقي متعاليا على الفكر الفلسفي المعاصر بل كان محاورا لأبرز رموزه، فقد أشار غير مرة لتأويلية نصر حامد أبو زيد، وردّ على حسن حنفي، وكان يصنف الكثير من رواد الفلسفة المعاصرة ضمن الأصولية العلمانية التي يعدها وريثة الفلسفة الميتة، وامتدادا للمنقول، ويعيب على هؤلاء ضعف مستوى الإبداع والابتكار في مشاريعهم الفكرية –إن لم نقل انعدامها- .ولم يقف الحوار مع المفكرين فحسب بل امتد الى الفقهاء(محمد سعيد البوطي)إذ يحاور المنظومة الأصولية التى مثلها الفكر المقاصدي والتيار السلفي المنادي بتطبيق الشريعة والفكر الإخواني في بعده النظري والعملي سواء خلال تجربة المعارضة أو في فضاء الحكم. فقد كانت نصوص هؤلاء مرجعا لا من جهة اعتماد نصوصهم لكن للردّ والتجاوز والتفاعل في إطار الاعتراف بأهمية المزاوجة بين الجانب النظري والبعد العلمي في معالجة الفلسفة الإسلامية، والرؤية القرآنية الاستخلافية. فلا يخفي المرزوقي إيمانه بضرورة تنزيل الاستراتيجية القرآنية في الواقع الحضاري الراهن، لكن على خلاف التجربة الإخوانية أو السلفية أو المقاصدية، فهو يؤمن بارتباط الإسلام والسياسية وضرورة تنزيل القيم القرآنية في السياق الاجتماعي وفضاء اليومي، وهو ما جعله قريبا من المشهد السياسي المباشر محللا وناقدا ومستشرفا.”
2- التفسير الفلسفي ” (تصنيفه، طبعاته، ملامحه، الدراسات حوله).
– التعريف بالتفسير (تصنيفه وطبعاته):
“الجلي في التفسير استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية” وهو يمتدّ على 3 أجزاء ويعتبر تفسيرا موضوعيا للقرآن ويكتسي طابعا فلسفيا وطرحا معاصرا لعدّة قضايا حضارية كالاستخلاف والوجود وفاعلية الإنسان. طبعته الدار المتوسطة للنشر تونس، طبعة أولى، 2010م/1431هـ. وهو تفسير غير تام للقرآن مرتّب حسب القضايا فمثلا الجزء الأول عنونه بـ “مقوّمات الاستراتيجية ومنطق السياسة المحمّدية ” ويمتدّ على 300 صفحة، أمّا الجزء الثاني “الثمرات المعرفية نظرية غايات الفعل الاستراتيجي والسياسي وأدواتهما” ويمتدّ على 200 صفحة. أمّا الجزء الثالث فعنونه ب ” الثمرات الوجودية الحصانة الروحية ودور النخب” ويمتدّ على 208 صفحة.
– خصائص تفسيره ومميّزاته(ملامحه):
يعدّ تفسير الجلي من أهمّ المصنّفات التي ألّفها د. أبو يعرب المرزوقي وهو ذو طابع فلسفي والملاحظ أنّ هناك بعض التفاسير القرآنية الفلسفية قبل الجليّ للمرزوقي، مثل:
تفسير الفارابي(ت339هـ) – تفسير ابن سينا(ت428هـ) – تفسير الرازي (606هـ) -تفسير المتألهين(ت1050هـ) -تفسير الطبطبائي(ت1402هـ). والمؤلّف قد وضع مصنّفه لعدّة أسباب قام الدكتور جمال بو عجاجة ببيانها في أطروحته للدكتوراه حيث قال: “لا يُخفي المرزوقي مقصده من التفسير الفلسفي مواجهة للتيارات التحريفية سواء أكانت تحت غطاء الأصولية الدينية أم الأصولية العلمانية طالما أنها تخضع لمنهج المنقول دون التفاعل المباشر مع النص، لاحتكامها لوساطة التراث المشحون بالخرافات والشّعوذة أو المناهج المستوردة من الغرب بأبعادها الإلحادية. ومن هنا تتحقق المساهمة في التكوثر الدّلالي باقتراح مقولات تأويلية جديدة تنفتح على أفق رمزي من جهة وتحفّز الفعل الحضاري من جهة أخرى باعتبار تعدّد المعاني وقدرة العقل على الاستنباط والاجتهاد والتفكير، وحاجة المشاريع الفكرية النقدية التأسيسية إلى البناء والتراكم المعرفي من أجل استكمالها بحسب الحاجة الملحّة إليها.”
وتتمثل مرتكزات تفسير الفلسفي “الجليّ في التفسير”:
*تجاوز المقابلة بين الفرقان والوجدان إلى أصل الكيان في حقيقة الإنسان.
*عدم الوقوف عند منجزات مرحلة فلسفية وتحويلها إلى حقائق تستنبط منها معاني النص القرآني في ظاهرها.
*تحويل حقائق القرآن إلى معان منشودة تدرك بالبحث لا دلالات موجودة تستخلص بالنقل.
*الموازنة بين الحقائق القرآنية والحقائق الكونية.
– الدراسات حوله:
هناك دراسات علمية قيّمة حول تفسير الجلي نذكر منها بحوث الدكتور محمد الكنفودي الذي ألّف عدّة دراسات ونشره موقع مرصد تفسير للدراسات القرآنية” ضمن سلسلة بعنوان “التفسير الفلسفي للقرآن:”
• البحث الأوّل: تعريف مجمل باجتهاد أبي يعرب المرزوقي.
• البحث الثاني: وهو الجزء الثاني من سلسلة التفسير الفلسفي للقرآن” «التفسير الفلسفي للقرآن» بين تاريخ الفكر الإسلامي وتأسيس المرزوقي”.
• البحث الثالث: وهو الجزء الثالث من السلسلة ” التفسير الفلسفي لنصّ القرآن عند المرزوقي الدلالة والمفهوم”
• البحث الرابع: وهو الجزء (الحلقة) الرابع من السلسلة وعنوانه ” منهج التفسير الفلسفي عند أبي يعرب المرزوقي، الضوابط والأبعاد”
• البحث الخامس: وعنوانه “المداخل المنهجية الرئيسة لتفسير القرآن في التراث التفسيري وموقف المرزوقي منها.”
• البحث السادس: وعنوانه ” تفسير آيتي سورة الإسراء من منظور التفسير الفلسفي المعاصر لأبي يعرب المرزوقي”.
وقد تطرّق عدد من الباحثين للمنجز التفسيري للدكتور أبو يعرب المرزوقي ونذكر منهم الدكتور محمود محمّد علي (أستاذ الفلسفة بجامعة أسيوط) وقد كان نقده لتفسير أبو يعرب لاذعا وذلك في بحث أنجزه بعنوان “أبو يعرب المرزوقي وتهافت التفسير الفلسفي. ”
وقد تطرّق د. جمال بوعجاجة لتفسير “الجلي” في بحث الدكتوراه الذي أنجزه في العلوم الإسلامية وعنوانه ” المقاربات القرآنية المعاصرة في تونس: تحليل ونقد ” نوقش بالمعهد العالي للحضارة الإسلامية جامعة الزيتونة تونس في شهر سبتمبر 2025م وأشرف على هذا البحث “الدكتور إلياس قويسم”.