النَّرجسيَّة والمُعجَم د.محمد جمعة الدِّربيّ -مصر-
النرجسية والمُعجم: قراءة نقدية في صناعة المعاجم العربية المعاصرة
بقلم: الدكتور محمد جمعة الدِّربيّ
عضو هيئة التدريس بجامعة الأقصر وعضو اتحاد كتاب مصر
المُعجم الناجح هو ذلك الذي يمتلك المرونة الكافية لتسجيل المُفردات والتراكيب المُعاصرة الشائعة في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تحولت في عصرنا الرقمي إلى مصدرٍ رئيسٍ من مصادر التغذية المُعجميَّة الحديثة.
ومن يُتابع هذه الوسائل والمنصات اليوم، يجد مئات الصفحات والمواقع التي تتحدث عن عجائب “النَّرجسيَّة” بوصفها مرضاً نفسياً واجتماعياً خطيراً؛ يجعل المصاب به أنانياً، مُحباً للذَّات، مُسيطرًا، قالباً للحقائق، ومُلوِّثاً لسُمعة مُنافسيه أو مُعارضيه، فضلاً عن ميله الواضح للحديث مع النساء اللَّواتي يتحرَّجن غالباً من مُعارضته.
إضاءة لغوية: منعَ بعض اللغويِّين نعت المرأة بالإمَّعة؛ لأن هذا الذَّمّ أليق بالذكور.
(يُراجع: نعوت النساء عن الأصمعيّ (ت 216هـ) – تحقيق ودراسة د. محمد جمعة الدِّربيّ – دار الوطن للنشر والتوزيع، ط1/2023م، ص142).
—
من عجائب السلوك النرجسي: شهادة واقعية
ومن العجائب – والعجائب جَمَّة – ما حدَّثني به فمًا لأُذُن أحد الثِّقات؛ أنه خرج ذات يوم صيفيّ من صلاة الفجر، فلمحه أحد زملائه النَّرجسيِّين من التاركين لصلاة الجماعة – وكان على النَّرجسيّ أثَر السَّفَر – فما كان من هذا النَّرجسيّ إلا الحِقد والطَّعن في صلاة الرَّجل الثِّقة!
ولم يستطع النَّرجسيّ كبت أو إخفاء حِقده، بل ذهب يستقطب بعض أصحابه مُعلِّلًا حِقده بأطروحة غريبة مفادها: “أن صلاة الفجر ينبغي ألا تتيسَّر للمُعارضين!”
سألتُ الثِّقة عن سبب الخلاف بينه وبين زميله النَّرجسيّ؛ فأكَّد لي بالمُستندات أنهما ابنا دُفعة واحدة، وأنه يعرف تاريخ زميله العلميّ والخُلقيّ؛ وليتني ما سألتُ الثِّقة ولا عرفْتُ المُستندات! ثم أنشدني قول الشاعر (من بحر البسيط):
أخي حسِبتُك إيَّاه وقد مُلئتْ أرجاءُ صدرك بالأضغان والإحَنِ
—
النرجسية في ميزان “معجم اللغة العربية المعاصرة”
عرَّف مُعجم اللغة العربيَّة المُعاصرة النَّرجسيَّة بأنها:
- لغوياً: مصدر صناعيّ يعني إعجاب المرء بنفسه وافتتانه بها.
- في اصطلاح علم النَّفْس: شذوذ جنسيّ يشتهي المرء فيه ذاته.
- المثال الملوق: مثَّل لها بتعبير: “نرجسيَّة الفتاة”!
(يُراجع: معجم اللغة العربية المعاصرة للدكتور أحمد مختار عمر بمُساعدة فريق عمل كان محمد جمعة الدِّربيّ واحدًا منهم – عالم الكتب – القاهرة، ط1/2008م، مادة ن ر ج س، جـ3/2191).
تأثر المعجم بـ “المعجم الوسيط”
ولا يخفى هنا الاتِّكال الواضح في التعريف على الطبعة الثالثة من المُعجم الوسيط (أشهر معجمات مجمع اللغة المصري)؛ حيث كانت تلك الطبعة من مصادرنا الأساسية في إعداد مُعجم اللغة العربيَّة المعاصرة؛ ففي الوسيط نجد: “النرجسيَّة شذوذ جنسيّ، فيه يشتهي المرء ذاته (مج)”. (المعجم الوسيط، مادة ن ر ج س، جـ2/949).
ولا إشكال هنا في التصرُّف الخفيف بتقديم الفعل (يشتهي). كما يُحسب لمُعجم اللغة العربيَّة المعاصرة البدء بالضبط الأشهر وهو النَّرجسيَّة (بفتح النون) قبل الضبط الأقلّ شهرة وهو النِّرجسيَّة (بكسر النون)، فضلاً عن ذكر بعض المعلومات التصريفية وتدعيم التعريف بمثال.
—
مآخذ نقدية على معجم اللغة العربية المعاصرة
رغم الميزات السابقة، ربَّما يؤخذ على المُعجم – والدِّربيّ واحد من فريق العمل الذي صاغه – عدة مآخذ:
- إغفال مصطلحات معاصرة: إغفال لفظ (السيكوباتي)؛ فلم يرِد في شرح كلمة (النرجسية)، ولا في مدخل مُستقلّ لها، على الرَّغم من بداية ظهور اللفظ في الاستعمالات العربيَّة المُعاصرة.
- التحيز ضد المرأة: المثال المذكور (“نرجسية الفتاة”) فيه تحيُّز ضدَّ المرأة؛ وكان في الإمكان التمثيل بتعبيرات أكثر حيادية وموضوعية مثل: (خطورة النَّرجسيَّة)، أو (مُستويات النَّرجسيَّة)، أو (علاج النَّرجسيَّة).
- إغفال معلومات تصريفية هامة: وهو المأخذ الكبير، حيث أُغفل كون النَّرجسيَّة “اسماً مؤنَّثاً منسوباً” (وهو الاسم المزيد في آخره ياء مشدَّدة للدلالة على ارتباطه بالمنسوب إليه في صيغة التأنيث)، مثل: الأثيريَّة (مادة أثيريَّة)، الأخويَّة (علاقة أخويَّة)، والتنويريَّة (مقالات تنويريَّة).
والعجيب أن مُعجم اللغة العربية المعاصرة ذكر هذا النوع من المعلومات التصريفية مع مداخل أخرى، ومنها:
- (إقليميَّة): وصفَها بأنها اسم مؤنَّث منسوب إلى إقليم (“مياه إقليميَّة”)، وبأنها مصدر صناعيّ من إقليم بمعنى “نزعة تؤكِّد الخصائص المحليَّة”.
- (ائتلافيَّة): وصفها بأنها اسم مؤنَّث منسوب إلى ائتلاف (“صيغة ائتلافيَّة”)، وبأنها مصدر صناعيّ تعني “هيئة تضمّ أعضاء من جهات مُختلفة أو مُتخاصمة يعملون معاً لتحقيق أهداف مشتركة”.
(يُراجع المعجم: مادة أ ق ل م، جـ 1/105، ومادة أ ل ف، جـ1/111).
—
الطبعة المجمعيَّة الجديدة للمُعجم الوسيط (2021م) والنقد الصريح
في عام 2021م، صدرت الطبعة المجمعيَّة الجديدة للمُعجم الوسيط (الخامسة كذباً الرَّابعة صدقاً) بتصدير الدكتور حسن الشافعيّ رئيس المجمع، وبتقديم الدكتور محمد حسن عبد العزيز عضو المجمع.
ودعْك هنا من أيَّة طبعات رابعة أو خامسة أو سادسة عليها شعار المجمع المصريّ، ودعْك أيضاً من “نرجسيَّة المجمع” واعترافه بالطبعة الرَّابعة المُدلَّسة الصادرة باسمه عن مكتبة الشروق الدَّوليَّة على الرَّغم من تحذيراتي السابقة؛ وقد كان لي فضل السَّبق في الكشف عن فساد هذه الطبعة التي صدَّر لها المرحوم الدكتور شوقي ضيف رئيس المجمع!
توثيق للمراجعة:
- “أسئلة وإشكالات في التناصّ والتلاصّ” – د. محمد جمعة الدِّربيّ – مجلة الربيئة، الجزائر 2019م.
- “المكتبة الشاملة ومسئولية الباحث والمحقِّق” – د. محمد جمعة الدِّربيّ – النشرة العلميَّة، الإمارات 2022م.
- “المعجم بين الطباعة والرَّقمنة: دراسة في المكتبة الشاملة” – د. محمد جمعة الدِّربيّ – مجلة كليَّة الآداب، جامعة الفيوم، مصر 2023م.
مميزات وعيوب طبعة 2021م
خفت هذه الطبعة تماماً من أيَّة معلومات تصريفيَّة أو أمثلة توضيحيَّة عن النرجسية، وعرَّفتها بأنها: “حُبّ المرء ذاتَه، وتعشُّقه إيَّاها وهُيامه بها، كما فعل (نرجسُ) في الأسطورة اليونانيَّة”. (المعجم الوسيط، ط5/2021م، مادة ن ر ج س، جـ2/1432).
ويُحسَب لهذه الطبعة:
- استبعاد تعبير “شذوذ جنسيّ”.
- الإشارة الذكية إلى الأسطورة اليونانية؛ فمن حقّ المعاجم الضخمة والموسوعات ربط المداخل بالخُرافات والأساطير والأعراف الفاسدة لتوضيح السياق، مع تجنُّب أخطاء المعاجم القديمة. (يُراجع: “جهود أحمد السواحلي في تحقيق التراث اللغويّ” – د. محمد جمعة الدِّربيّ – مجلة كليَّة الآداب، جامعة الزقازيق، 2021م).
—
خاتمة: أفق مستقبلي للصناعة المعجمية
لا مانع إطلاقاً من وصف النَّرجسيَّة بالمرض أو الوباء في المعاجم الحديثة، بل قد يصفها المُعجم المجازيّ بأنها “طاعون”! (يُراجع: “معالم الوباء والطاعون في المعجم العربي: دراسة لغويَّة” – د. محمد جمعة الدِّربيّ – مجلة العرب، الرياض، 2024م، ص553).
إن النَّرجسيَّة تفتح مجالاً خِصباً لدراسة مُعجم الشعراء المنسوبين إليها، بل ودراسة صنَّاع المعاجم النرجسيِّين الذين يظنون أن الصناعة المُعجميَّة حكرٌ عليهم وحدهم؛ فلا يقبلون نقدًا ولا تصحيحاً، ولا يُفيدون من المعاجم السابقة عليهم! (وأذكر هنا أن أحد زملائي بمجمع اللغة المصريّ أقسم أمامي عام 2003م بأن جميع الدِّراسات الأكاديميَّة التي انتقدت المعجم الوسيط لا تفهم نظام المعجم أو منهجه!).
ولعلَّ هذا المقال الخفيف يُفيد في تغذية “حرف النون” الذي سيصدر من المعجم الكبير – أضخم معاجم مجمع اللغة المصري – والذي صدرت نسخته التجريبيَّة الأولى من حرف الهمزة منذ سبعين سنةً (عام 1956م)؛ وعسى أن يكون ظهوره قريباً!