حصريا

الحركة القرآنية، نشأتها، امتداداتها، وخلفياتها الفكريّة. دراسة تاريخيّة، تحليليّة، نقديّة – د. حبيب مونسي -الجزائر-

0 2
  • الحركة القرآنية، نشأتها، امتداداتها، وخلفياتها الفكريّة.
  • دراسة تاريخيّة، تحليليّة، نقديّة.
  • حبيب  مونسي
  • عضو المجلس الأعلى للّغة العربية -الجزائر.
  •    المقدّمة:
  • تمثّل الحركة القرآنيّة (Quranism) واحدة من أبرز الظّواهر الفكرية الجدليّة في المشهد الإسلامي المعاصر. تقوم هذه الحركة على أطروحة مركزية مفادها الاكتفاء بالقرآن الكريم وحده مصدراً للعقيدة والتّشريع، وإنكار الحُجيّة المستقلة للسّنة النّبوية القولية، واعتبارها اجتهاداً بشرياً غير ملزم. وقد أثارت هذه الدّعوة -منذ بزوغ ملامحها الأولى في أواخر القرن التّاسع عشر- جدلاً واسعاً بين الأوساط الأكاديمية والدّينية على حدّ سواء، ليس فقط بسبب مضامينها العقدية، بل أيضاً لما يكتنفها من إشكاليات تتعلّق بجذورها التّاريخية، وامتداداتها الفكرية، والجهات الرّاعية لها.
  • يهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة تاريخية، تحليلية، نقدية للحركة القرآنية، تتجاوز السّرديات التّقليدية إلى استقصاء الأبعاد غير المعلنة في خطابها، والكشف عن الشّبكات الفكرية والمؤسّسية التي تقف وراءها، فضلاً عن تتبُّع أبرز الأسماء الجديدة التي التحقت بها في العقود الأخيرة. ويعتمد البحث منهجاً تاريخياً، تحليلياً مقارناً، يستعين بأدوات التّحليل النّقدي للخطاب لفكّ شيفرات النّصوص القرآنيّة وكشف ما هو مسكوت عنه فيها.
  •    01– التّعريف بالحركة القرآنية وجذورها التّاريخية:
  •     1.1 الماهية والخصائص:
  • القرآنيون -أو “أهل القرآن” كما يسمون أنفسهم أحياناً- هم جماعات وأفراد ينتمون إلى الإسلام ظاهراً، لكنّهم يرفضون الاحتجاج بالسّنة النّبوية القولية، ويعتبرون القرآن الكريم المصدر الوحيد المعصوم للتّشريع. وهم في ذلك ينقسمون إلى تيارين رئيسين: تيار يعتبر القرآن الكريم المصدر الأساسي مع قبول السّنة بوصفها مصدراً ثانوياً غير ملزم، وتيار يرفض أيّ مصدر خارج القرآن جملة وتفصيلاً. ومن أبرز ما يميّز القرآنيين:
  • الإيمان بأنّ القرآن الكريم “مبين” و”كامل” و”واضح” بذاته، ولا يحتاج إلى بيان خارجي.
  • رفض حجيّة الأحاديث النّبوية بحجّة تأخر تدوينها، واشتمالها على الضّعيف والموضوع، وتعارض بعضها مع القرآن أو العقل.
  • – قبول ما يسمونه “السّنة الفعلية المتواترة” -كالصّلاة والحجّ- بوصفها ممارسات عملية متواترة لا تحتاج إلى رواية نصيّة.
  •     1.2 الجذور التّاريخية، الهند والاستعمار:
  • تُجمع المصادر التّاريخية على أنّ الحركة القرآنية بصيغتها المنظمة ظهرت في شبه القارّة الهندية في أواخر القرن التّاسع عشر، في سياق الاحتلال البريطاني للهند (الذي احتُلت رسمياً عام 1859م). وقد مهّد السيد أحمد خان (1817-1897م) -وهو من أوائل الدّعاة إلى الاقتصار على القرآن- الطّريق لظهور هذه الفكرة، إذ كان يرى أنّ القرآن الكريم كافٍ للتّشريع، وألف تفسيراً للقرآن تضمن آراءً غريبة خالفت بها مسلّمات الدّين.
  • غير أنّ المؤسس الفعلي للحركة القرآنية كتيار منظم هو   عبد الله بن عبد الله الجكرالوي   (المعروف أيضاً بـ “غلام نبيّ”)، الذي عاش في لاهور (باكستان حالياً) وأسّس جماعة “أهل الذكر والقرآن” حوالي عام 1902م. وقد أنكر الجكرالوي الأحاديث قاطبة، وصنّف الرّسائل في ذلك، وأطلق على أتباعه اسم “أهل الذكر والقرآن”. ويُلاحظ أن تسمية الحركة بـ “الجكرالويين” كانت شائعة في تلك الفترة، نسبة إلى مؤسّسها.
  • أما في مصر، فقد ظهرت الدّعوات القرآنية في سياق الاحتلال البريطاني بعد 1882م، لكنّها لم تتّخذ طابعاً تنظيماً إلاّ في العقود الأخيرة من القرن العشرين على يد “أحمد صبحي منصور” (مواليد 1949)، الذي فُصل من جامعة الأزهر في الثّمانينيات بسبب إنكاره للسّنة النّبوية القولية. وقد سافر منصور إلى الولايات المتّحدة عام 1988، وانضم إلى “رشاد خليفة” ([1]) ، ثمّ غادر دائرته، وحصل على حقّ اللّجوء في أمريكا عام 2002، حيث أسّس “المركز القرآني الدّولي” (International Quranic Center).
  •     1.3 الامتداد العالمي:
  • من الهند ومصر، انتشرت الحركة القرآنية إلى مناطق متعدّدة من العالم الإسلامي: إلى شبه الجزيرة العربية، وبلاد الشّام، وليبيا، وماليزيا، وإندونيسيا، وغيرها. وقد اتخذت الحركة في كلّ بيئة خصوصياتها، لكنّها حافظت على جوهرها الفكري المتمثّل في رفض السّنة القولية والاكتفاء بالقرآن الكريم.
  • 02- أبرز رموز الحركة القرآنية- القديم والجديد:
  •     2.1 الرواد المؤسّسون:
  •                 أولاً: عبد الله الجكرالوي: (القرن العشرين) يُعتبر المؤسّس الفعلي للحركة القرآنية كتيار منظّم. أقام في لاهور، وأسّس جماعة “أهل الذّكر والقرآن“، وأنكر الأحاديث قاطبة، وصنّف الرّسائل في ذلك. وقد لقب أتباعه بـ “الجكرالويين” نسبة إليه. ويذكر بعض الباحثين أنّ الحركة القرآنية نشأت في الهند “إبّان الاحتلال الإنجليزي على يد “أحمد خان” الذي وضع شروطاً تعجيزية لقبول الحديث، ثمّ تبلورت على يد الجكرالوي.
  •   ثانياً: السيد “أحمد خان” (1817-1897م): وإن لم يكن قرآنياً بالمعنى الضّيق، إلاّ أنّه مهّد الطّريق لفكرة الاكتفاء بالقرآن الكريم، وألف تفسيراً للقرآن خالف فيه مسلمات الدّين. وقد عدّه بعض الباحثين “أول من أنكر السّنة في شبه القارة الهندية في العصر الحديث.
  •   ثالثاً: محب الحقّ عظيم آبادي: من مؤسّسي الحركة في بهار (الهند)، وقد شارك الجكرالوي في تأسيس الفكر القرآني، ويُنسب إليهما معاً القبول بما يسمى “السّنة الفعلية المتواترة” مع رفض السّنة القولية.
  •     2.2 الامتداد المصري: أحمد صبحي منصور:
  • يُعتبر الدكتور “أحمد صبحي منصور” (مواليد 1 مارس 1949) الأب الرّوحي للقرآنيين المعاصرين، و”زعيم القرآنيين” كما يلقب. كان مدرّساً في جامعة الأزهر، لكنّه فُصل في الثّمانينيات بسبب إنكاره للسّنة النّبوية القولية. سافر إلى الولايات المتّحدة عام 1988، وحصل على حقّ اللّجوء عام 2002، وأسّس “المركز القرآني الدولي” (IQC) هناك. يتبنى منصور خطاباً يجمع بين الدّعوة إلى “القرآن وحده” والتّرويج للديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد ألّف العديد من الكتب والرّسائل في نقد السّنة النّبوية، ويُتهم بأنّ كتاباته “خدمة لأعداء الإسلام” بتكليف من “جهات مشبوهة”.
  •     2.3 التّيار الأمريكي: رشاد خليفة و”المسلمون المخلصون”:
  •                يُعد رشاد خليفة (1935-1990) عالم كيمياء حيوية مصري-أمريكي، من أشهر وجوه الحركة القرآنية في الغرب. أسّس منظمة “المسلمون المخلصون” (United Submitters International – USI) في توسان، أريزونا، واشتهر بدعوته إلى “إعجاز الرّقم 19” في القرآن الكريم. اغتيل في مسجد توسان عام 1990، لكنّ منظمته استمرت في النّشاط، ولا يزال لها أتباع في أمريكا وكندا. وتتميّز جماعة “المسلمين المخلصين” بممارسات تخالف الممارسات الإسلامية السّائدة: فالنّساء لا يرتدين الحجاب، ويشاركن في الحياة المجتمعية بنشاط، ويؤدون الصّلاة ثلاث مرّات فقط في اليوم (استناداً إلى أنّ القرآن ذكر ثلاث صلوات فقط).
  •     2.4 التّيار التّركي-الكردي: إديب يوكسل:
  •                 إديب يوكسل (مواليد 1957) ناشط أمريكي-تركي-كردي، من أبرز الشّخصيات المعاصرة في الحركة القرآنية. كان في شبابه إسلامياً وناشطاً في الدّعوة الإسلامية، لكنّه تحوّل إلى الفكر القرآني بعد مراسلته لرشاد خليفة وقراءة كتابه. سُجن في تركيا لأكثر من أربع سنوات بسبب نشاطه السّياسي، ثمّ غادر البلاد عام 1989 وانضم إلى “المسلمين المخلصين” في توسان، لكنّه انفصل عنهم لاحقاً. شارك في ترجمة القرآن الكريم إلى الإنجليزية، ونشر العديد من الكتب بالتّركية والإنجليزية، ولا يزال نشطاً على منصّات التّواصل الاجتماعي.
  •     2.5 التّيار الماليزي: قاسم أحمد:
  •                 قاسم أحمد (1933-2017) مفكر وكاتب وشاعر ماليزي، يواحد من رواد الحركة القرآنية في جنوب شرق آسيا. ألّف كتاب “الحديث: مراجعة نقدية” عام 1997، دعا فيه إلى تقييم علمي للأحاديث والتّراث الإسلامي، معتبراً أنّ الأحاديث مسؤولة عن تخلّف المسلمين. أسّس “الجمعية القرآنية الماليزية“، وحُظر كتابه في ماليزيا وأُعلن أنّه مبتدع. كان يعمل قبل وفاته على مشاريع فكرية جديدة.
  •     2.6 التّيار السّوري: محمد شحرور:
  • يُصنف محمد شحرور (1938-2019) مفكر سوري، غالباً ضمن القرآنيين المعاصرين، وإن كان منهجه أكثر تعقيداً. اشتهر بكتابه “الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة” (1990)، ووصف بـ “مارتن لوثر الإسلام”. يقدم شحرور قراءة حداثية للقرآن الكريم، ويرفض كثيراً من مسلمات الفقه التّقليدي، ويشكّك في عدالة الصّحابة، ويرفض الأحاديث الواردة في ذلك. ورغم أنّه لم ينكر السّنة إنكاراً تاماً، فإنّ منهجه يؤدّي عملياً إلى إضعاف مكانتها في التّشريع.
  •     2.7 التّيار الإندونيسي: إنكار السّنة في أرخبيل الملايو:
  • شهدت إندونيسيا -أكبر دولة إسلامية في العالم- ظهور حركات “إنكار السّنة” (Ingkar Sunnah) منذ السّبعينيات. فمن أبرز وجوه هذا التّيار: نظوار شمسو (Nazwar Syamsu) الذي أسّس “جماعة الإسلام القرآني” في جاكرتا حوالي عام 1978، و  دالمي لوبيس   (Dalimi Lubis) في سومطرة الغربية. وقد أصدرت النّيابة العامة الإندونيسية قراراً بسحب مؤلّفات نظوار شمسو ومنع تداولها، باعتبارها تشكّل خطراً على الفهم الدّيني السائد. وقد تبنّى هؤلاء المفكرون خطاباً يعتمد على القرآن الكريم والعلم الحديث وحدهما، رافضين الاستناد إلى الأحاديث النّبوية.
  •     2.8 وجوه جديدة في السّاحة العربية:
  • شهد العقد الأخير ظهور أسماء جديدة في السّاحة العربية تنتمي إلى الفكر القرآني أو تقترب منه، من أبرزهم:
  • –   إبراهيم عيسى: إعلامي مصري، أثار جدلاً واسعاً بانتقاده للسّنة النّبوية ودعوته إلى مراجعتها.
  • –   إسلام بحيري: باحث مصري، فصل من التّلفزيون المصري بسبب آرائه النّاقدة للسّنة، وألّف كتباً في نقد التّراث الحديثي.
  • –   خالد منتصر: كاتب مصري، يتبنى خطاباً نقدياً تجاه التّراث الفقهي والحديثي.
  • هذه الأسماء تمثّل امتداداً للتّيار القرآني في سياقه المصري، وإن اختلفت درجات تبنّيها للفكر القرآني، فإنها تشترك في النقد الجذري للسنة النبوية والدعوة إلى “تنقية” الإسلام من التراث.
  •    ثالثاً: الجهات الرّاعية والدّاعمة، قراءة في الخلفيات:
  •     3.1 الاستعمار الغربي كسياق تاريخي:
  • لا يمكن فهم نشأة الحركة القرآنية بمعزل عن السّياق الاستعماري الذي احتضن ولادتها. فقد نشأت الحركة في الهند ومصر في ذروة الهيمنة الاستعمارية البريطانية. ويذهب العديد من الباحثين إلى أنّ الاستعمار “شجع كلّ حركة تعمل على تقويض أركان الإسلام من الدّاخل، وهدم دعائم قوّة الأمّة”. وقد نشأت الحركة في “جو متداع” اتّسم بالهزيمة النّفسية لدى بعض فئات المسلمين، والرّغبة في تقليد المستعمر وتطويع الدّين بما يتوافق مع “العلوم العصرية”. ويُلاحظ أنّ الحركة القرآنية نمت “تحت رعاية الاستعمار الذي كان يراها السّلاح الأقوى في محاربة الإسلام”، ذلك أنّ الاكتفاء بالقرآن الكريم وحده -بتأويلات عصرية- يجعل من السّهل “تأويل القرآن الكريم بما يلائم أهدافهم في ترسيخ وجودهم وإضعاف كيان المسلمين”.
  •     3.2 الولايات المتحدة كمركز للحركة في العصر الحديث:
  • تحوّلت الولايات المتحدة في العقود الأخيرة إلى مركز رئيسي للحركة القرآنية، وذلك من خلال:
  • منح اللّجوء السّياسي: حصل أحمد صبحي منصور على حقّ اللّجوء في الولايات المتحدة عام 2002، وأسّس “المركز القرآني الدّولي” هناك. وهذا النّمط -مَنْحُ اللّجوء للدّعاة القرآنيين- يثير تساؤلات حول الدّور الأمريكي في رعاية هذه الحركة.
  • الإعفاءات الضّريبية: سُجل المركز القرآني الدّولي كمنظمة غير ربحية 501(c)(3) في الولايات المتّحدة، ممّا يجعل التّبرعات له معفاة من الضّرائب. ورغم أنّ المركز ينفي تلقيه “أيّ تمويل من أيّ حكومة أو كيان”، فإنّ وضعه كمنظمة خيرية في أمريكا يمنحه شرعية ويسهل تدفق التّبرعات إليه.
  • النّشاط الإعلامي الرقمي: يعتمد القرآنيون بشكل كبير على المنصّات الرّقمية لنشر أفكارهم، مستفيدين من فضاء الإنترنت المفتوح الذي لا يخضع لرقابة الدّول الإسلامية.
  •     3.3 قضية التّمويل، بين النّفي والإشارات:
  • تشير بعض المصادر إلى وجود تمويل غربي للحركات القرآنيّة، وإن كانت الأدلّة المباشرة محدودة. فمن جهة، ينفي المركز القرآني الدّولي تلقيه تمويلاً حكومياً، ويؤكد أنّه يعتمد على “تبرعات خاصّة صغيرة ومساهمات من المؤسس ومجلس الإدارة”. غير أنّ هناك إشارات أخرى تدعو إلى التّأمل:
  • يتهم البعض أحمد صبحي منصور بأنّه ألّف كتبه “بتكليف من جهات مشبوهة، لتشكيك المسلمين في سنة نبيِّهم”.
  • يذكر موقع إسلامي أنّ “اليهود” -في إشارة إلى جهات صهيونية- هم من “موّل رشاد خليفة لتأسيس أتباعه في توسان، أريزونا”.
  • تشير بعض المصادر إلى وجود “دعم غربي، وتحديثي علماني ضخم” لجهات تروّج لأفكار مناهضة للسّنة.
  • ومع أنّ هذه الادعاءات تحتاج إلى تدقيق، فإنّها تعكس تصوّراً واسعاً في الأوساط الإسلامية التّقليدية بأنّ الحركة القرآنية ليست ظاهرة عفوية، بل مدعومة من جهات خارجية.
  •     3.4 الاتحاد الأوروبي ومشروع “القرآن الأوروبي”:
  • يثير مشروع “القرآن الأوروبي” الذي يموّله الاتحاد الأوروبي بمبلغ 9.8 ملايين يورو، تساؤلات حول الدّور الغربي في إعادة تعريف مكانة القرآن الكريم في الحضارة الأوروبية. ويهدف المشروع إلى “استكشاف تأثير القرآن الكريم على الحضارة الأوروبية” بين عامي 1143 و1850. ورغم أنّ المشروع بحثي بحت في ظاهره، فإنّ تمويله الضّخم وإطاره الزّمني الطّويل يثيران تساؤلات حول الرّسائل السّياسية والثّقافية الكامنة وراءه. ويشير بعض المحلّلين إلى أنّ مثل هذه المشاريع تساهم في خلق “إسلام أوروبي” منفصل عن تقاليده التّاريخية، ممّا يخدم أجندات علمانية تهدف إلى تفكيك الرّوابط بين الإسلام وتراثه.
  •    04- المسكوت عنه في خطاب القرآنيين:
  •     4.1 –التّناقض المنهجي:
  • يعاني الخطاب القرآني من تناقض منهجي جوهري: فبينما يرفض القرآنيون السّنة القولية بحجّة أنّها “اجتهاد بشري“، فإنّهم يقبلون “السّنة الفعلية” كالصّلاة والحجّ بوصفها متواترة. لكنّ هذا التّمييز غير مبرّر منطقياً، لأنّ نقل الممارسات العملية يتمّ أيضاً عبر الرّوايات والأسانيد، ممّا يجعل الفصل بين “القولي” و”الفعلي” تحكماً غير علمي. وهذا التّناقض يُسكت عنه القرآنيون، إذ يفضح عدم اتساق منهجهم.
  •     4.2 إشكالية التّفسير:
  • يدّعي القرآنيون أنّ القرآن الكريم “مبين” ويمكن فهمه دون وسائط، لكنّهم في ممارستهم التّفسيرية يعتمدون على تأويلات عصرية مستمدة من الخطاب الحداثي الغربي. فـ “العقل” الذي يدعون إليه ليس عقلاً مجرّداً، بل عقل حداثي غربي بملابساته الفلسفية الإبستمولوجية. وهذا المسكوت عنه يكشف أنّ القرآنيين لا يكتفون بالقرآن فحسب، بل يستبدلون السّنة بمناهج فكرية غربية.
  •     4.3 نزع القداسة عن التّراث تمهيداً لنزع القداسة عن النّص:
  • يلاحظ المراقبون أنّ الخطاب القرآني -رغم ادعائه التّمسك بالقرآن الكريم- ينتهي عملياً إلى نزع القداسة عن النّص القرآني نفسه، وذلك من خلال:
  • تأويل النّصوص بما يلائم الأهواء العصرية.
  • رفض التّفسير المأثور، ممّا يفتح الباب لتأويلات لا ضابط لها.
  • إنكار الإعجاز اللّغوي أحياناً، والقول بـ “الصّرفة”.
  • وهذا المسكوت عنه -وهو الأثر المدمّر للتّفسير القرآني على النّص القرآني نفسه- نادراً ما يصرّح به القرآنيون، لكنّه الحصيلة المنطقية لمنهجهم.
  •     4.4 العلاقة بالعلمانية واللّيبرالية:
  • يتبنى أبرز وجوه الحركة القرآنية -كأحمد صبحي منصور- خطاباً ليبرالياً علمانياً، يدعو إلى الدّيمقراطية وحقوق الإنسان، ويُصنّف ضمن “الإسلام الليبرالي“. وهذا الاندماج بين الفكر القرآني والخطاب اللّيبرالي الغربي هو مسكوت عنه آخر: فالقرآنيون لا يكتفون بنقد السّنة، بل يسعون إلى إعادة تشكيل الإسلام وفقاً للقيم الغربية الحديثة. وهذا يكشف أنّ المشروع القرآني ليس مشروعاً “إصلاحياً” داخلياً فحسب، بل هو مشروع سياسي-ثقافي يرتبط بالتّحولات العالمية الكبرى.
  •     4.5 غياب المشروع الإيجابي:
  • يلاحظ النّقاد أنّ القرآنيين يمتازون بطابع “الرّفض” و “النّفي” أكثر من طابع “الإيجاب” و”البناء“. فهم يعرّفون أنفسهم بما يرفضونه (السّنة) أكثر مما يعرّفون أنفسهم بما يقدّمونه. وهذا المسكوت عنه -غياب المشروع الإيجابي البديل- يشير إلى أنّ الحركة القرآنية حركة “هدم” أكثر منها حركة “بناء“. وكما لاحظ بعض الباحثين، فإنّ “الاعتماد الحصري على القرآن الكريم مقترناً بإنكار حجّية السّنة لا يمثل موقفاً سليماً منهجياً، أو مستداماً أكاديمياً”.
  •     4.6 التّقاطع مع الخطاب الاستشراقي:
  • ثمّة تقاطع خفيّ -لكنه عميق- بين الخطاب القرآني والخطاب الاستشراقي الكلاسيكي. فالاستشراق كان دائماً يرى في السّنة النّبوية “إضافة بشرية” شوّهت “نقاء” الإسلام القرآني. والقرآنيون يكرّرون هذا الطّرح نفسه، دون أن يعترفوا بمصدره. هذا المسكوت عنه -أي علاقة القرآنيين بالاستشراق- يكشف البعد الأيديولوجي للحركة، ويضعها في سياقها الاستعماري الحقيقي.
  •    خامساً: الموقف الأكاديمي والنّقدي من الحركة القرآنية:
  •     5.1 الرّدود الأصولية والحديثية:
  • لقد تصدى جمهور علماء الأصول والحديث للشّبهات القرآنية بردود منهجية دقيقة، تلخصت في:
  • إثبات حجّية السّنة: استناداً إلى الأدلّة القرآنية (كآيات الطّاعة) والبرهان العقلي (ضرورة البيان).
  • الرّد على شبهة تأخر التّدوين: التّأكيد على أنّ الحفظ لم يكن مرهوناً بالتّدوين المبكر، بل بالحفظ الصّدري، والتّواتر العملي، والقولي.
  • الرّد على شبهة الضعيف والموضوع: التأكيد على أن وجود الضعيف لا يقدح في الصحيح، وأن علماء الحديث وضعوا منهجاً دقيقاً للتمييز.
  • الرّد على شبهة التّعارض: التّأكيد على أنّ ما يُزعم من تعارض مردُّه إلى ضعف السّند أو سوء الفهم، وأنّ الصحيح لا يعارض قرآنياً قطعياً ولا عقلاً صريحاً.
  •     5.2 الموقف الأكاديمي:
  • تُدرس الحركة القرآنية في الأوساط الأكاديمية الغربية، بوصفها ظاهرة اجتماعية-فكرية تستحقّ التّحليل، لكنّها لا تحظى بقبول واسع بوصفها منهجاً تفسيرياً سليماً. فقد خلصت دراسة أكاديمية إلى أنّ “الاعتماد الحصري على القرآن الكريم، مقترناً بإنكار حجّية السّنة، لا يمثّل موقفاً سليماً منهجياً أو مستداماً أكاديمياً”. ويشير باحثون آخرون إلى أنّ الحركة القرآنية “ظهرت في القرن التّاسع عشر وتمثّل خروجاً عن الفكر الإسلامي التّقليدي”، وأنّها ارتبطت بالاستعمار والحداثة.
  • يتبين لنا أخيرا، أنّ الحركة القرآنية ليست ظاهرة دينية محايدة، بل هي نتاج سياق استعماري-حداثي معقّد. نشأت في الهند ومصر تحت الهيمنة الاستعمارية البريطانية، ووجدت في الغرب -وخاصة في الولايات المتحدة- ملاذاً آمناً ومنصّة لنشر أفكارها. وتعدّدت وجوهها وامتداداتها، من عبد الله الجكرالوي في لاهور، إلى رشاد خليفة في أمريكا، إلى أحمد صبحي منصور في مصر والولايات المتّحدة، إلى إديب يوكسل في تركيا وأمريكا، إلى قاسم أحمد في ماليزيا، إلى محمد شحرور في سوريا، إلى نظوار شمسو ودالمي لوبيس في إندونيسيا، فضلاً عن الأسماء الجديدة كإبراهيم عيسى وإسلام بحيري في مصر.
  • وتظل قضية التّمويل والدّعم الغربي مثار جدل، فهي وإن كانت تفتقر إلى الأدلّة القاطعة في بعض جوانبها، فإنّ السّياق التّاريخي والمؤسّسي يشير إلى وجود رعاية غربية -مباشرة أو غير مباشرة- لهذه الحركة، سواء عبر منحِ اللّجوء السّياسي، أو الإعفاءات الضّريبية، أو التّمويل البحثي، أو الدّعم الإعلامي.
  • أمّا المسكوت عنه في خطاب القرآنيين، فيتضمّن تناقضات منهجية، وإشكاليات تفسيرية، وارتباطاً بالخطاب اللّيبرالي والعلماني والاستشراقي، وغياب مشروع إيجابي بديل. وهذه كلّها نقاط عمياء تكشف أنّ الحركة القرآنية ليست مجرّد “اجتهاد” إصلاحي، بل هي مشروع أيديولوجي متكامل يهدف إلى إعادة تشكيل الإسلام وفقاً لأجندات خارجية.
  • ويبقى السّؤال مفتوحاً حول مستقبل هذه الحركة في ظلّ تنامي الخطابات الإسلامية التّقليدية، وتزايد الوعي الأكاديمي بجذورها الاستعمارية، وتنامي الحركات الإسلامية المعتدلة التي تجمع بين التّمسك بالأصول والانفتاح على العصر. وما يزال البحث في هذه الظّاهرة مطلباً أكاديمياً مهمّاً، يتطلّب مزيداً من الدّراسات الميدانية والتّحليلية لكشف خلفياتها وأبعادها الخفيّة.
  •    قائمة المصادر والمراجع
  • – الموسوعة الحرّة، “قرآنيون”،  ويكيبيديا .
  • – الموسوعة الحرّة، “أحمد صبحي منصور”،  ويكيبيديا .
  • – الموسوعة الحرّة، “Quranism”،  Wikipedia .
  • – د. لمياء أحمد عبد الدّايم نصر الله، “القرآنيون المعاصرون نشأتهم وأشهر رموزهم”،  إسلام أونلاين ، 2023.
  • – Aisha Y. Musa, “Qurʾān Alone Movements and Reform », The Oxford Handbook of Islamic Reform, 2026.
  • – Ahl al-Quran”,  Oxford Reference .
  • – The Contemporary Quranist Movement in Bangladesh and Its Principal Arguments: An Analytical Study”,  Academia.edu , 2026.
  • – Prophetic Hadith and the Qur’ān Only Movement: The Response of Muslim Scholars”,  Academia.edu , 2023.
  • – “القرآنيون منطلقات ومناهج دراسة نقدية”,  Academia.edu , 2020.
  • – The Quranists and Their Most Important Dubious Matters A Critical Study”,  Academia.edu , 2014.
  • – Quranists, Islam’s Outcasts”,  Fanack , 2025.
  • [1] – رشاد خليفة (1935 – 1990) هو شخصية مثيرة للجدل في الفكر الإسلامي المعاصر، اشتهر بأطروحته التي تدعو إلى الاكتفاء بالقرآن وحده، وإنكار السّنة النّبوية، وادعائه الرّسالة، وبنائه نظرية “الإعجاز العددي” للقرآن الكريم بناءً على الرقم 19. وُلد رشاد خليفة في 19 نوفمبر 1935 بمصر. كان والده، عبد الحليم محمد خليفة، شيخًا لطريقة صوفية (طريقة الرشاد الشاذلية)، فنشأ في بيئة صوفية. . هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1959 في بعثة دراسية، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء الحيوية. أصبح مواطنًا أمريكيًا، وعمل كخبير لدى الأمم المتحدة، ثم أصبح إمامًا للمركز الإسلامي في مدينة توسان بولاية أريزونا. في أواخر حياته، طور خليفة أفكاره إلى درجة ادعائه النّبوة والرّسالة. أعلن في عام 1988 أنّه “رسول الله” وأن جبريل كان ينزل عليه بالوحي. زعم أنّه “الرّسول الأخير” الذي أشار إليه القرآن، مفرقًا بين النبي والرّسول للقول بإمكانية وجود رسل بعد محمد ﷺ. كما تضمنت أفكاره الأخرى آراءً مثيرة للجدل، مثل: – القول بأن طاعة الرسول مقصورة على ما جاء به من القرآن فقط. زعم وجود “آيات شيطانية” أُقحمت على القرآن. التأكيد على أن الصلاة تكون كما صلاها إبراهيم، وليس كما علمها النبي محمد. القول بأن يوم القيامة سيكون في عام 2280م. في 31 يناير 1990، عُثر على رشاد خليفة مقتولًا طعنًا بالسكين داخل مسجده في توسان، أريزونا. كان عمره آنذاك 54 عامًا. وقد ألقي القبض على أحد أعضاء جماعته بتهمة الاغتيال، لكن المحاكمة لم تكتمل. كانت وفاته نهاية مسيرته المثيرة للجدل، لكن أفكاره استمرت عبر المنظمة التي أسسها والتي لا تزال نشطة، خاصة على الإنترنت.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.