حصريا

حقيقة الصفات الإلهية وإثبات مشروعية مسماها -د. محمد السيد محمد-مصر-

0 17

حقيقة الصِّفات الإلهية وإثبات مشروعية مسمَّاها:

يرتكز تحقيق هذه المسألة على محورين جوهريين؛ يهدف الأول إلى جلاء (المفهوم) وماهيته الوجودية، ويسعى الثاني إلى إثبات (اللفظ) ومشروعيته الأثرية؛ وبيان ذلك في الأمرين الآتيين:

الأمر الأول: مفهوم الصِّفات (الدلالة والماهية).

الأمر الثاني: مشروعية إطلاق لفظ (الصِّفة) وتحقيق وروده.

الأمر الأول: مفهوم الصِّفات (الدلالة والماهية):

لتحرير مفهوم الصِّفة جلاءً لحقيقتها ومنعاً للخلط بينها وبين غيرها، وجب تناولها من خلال مسلكين تكامليين:

النقطة الأولى: مفهوم الصِّفات في لسان العرب (الاشتقاق والدلالة).

النقطة الثانية: مفهوم الصِّفة في الاصطلاح والمنطق العقلي (التحقق والوجود).

النقطة الأولى: مفهوم الصِّفات في لسان العرب (الاشتقاق والدلالة):

تتوارد معاجم اللغة العربية على إثبات أن مسمى (الصِّفة) يدور حول معنى “الأمارة والعلامة الكاشفة” عن حقيقة الشيء وما يتحلى به؛ ويمكن رصد أبعاد هذا المفهوم عبر النقول الآتية:

1 – في “كتاب التعريفات”: عُرِّفت الصِّفة بأنها: “الاسم الدال على بعض أحوال الذات، كـطويل وقصير، وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف التي يُعرف بها”[1].

وهذا التعريف يضع اليد على ركيزتين جوهريتين؛ الأولى: أن الصِّفة ليست الذات نفسها، بل هي معنىً دال على أحوالها. والثانية: أنها “أمارة لازمة“؛ أي علامة ثابتة في الأعيان لا ينفك الموصوف عنها، وبها يتحقق تمييزه عن غيره وتتم معرفته؛ مما يؤكد أن نفي الصفات يلزم منه بالضرورة نفي معرفة الذات وتمييزها.

وفي منزع اشتقاقي آخر: قيل هي: “ما وقع الوصف مشتقاً منها وهو دال عليها، وذلك مثل: العلم، والقدرة ونحوه”[2].

وهذا الملحظ اللغوي يقرر قاعدة عقلية كبرى؛ وهي أن (الوصْف المشتق) كـ “العليم والقدير” لا يقوم ولا يثبت إلا بوجود “أصل المَعنى” المشتق منه والقائم بالذات؛ وهو “العلم والقدرة”. فثبوت اللفظ المشتق يُعد برهاناً لغوياً ووجودياً على قيام الصِّفة بالـموصوف حقيقة؛ إذ يمتنع في العقل واللغة وجود (عليم) بلا (عِلم) يقوم به، مما يقطع الطريق على مَن زعم أن الأسماء الإلهية أعلام جامدة مجرَّدة عن المَعاني.

وفي “مقاييس اللغة”: يربط ابن فارس بين الصِّفة والتحقُّق العيني بقوله: “الوصف: تحلية الشيء… والصِّفة: الأمارة اللازمة للشيء. ويقال: اتصف الشيء في عين الناظر: أي احتمل أن يُوصَف”[3].

والتحقيق في هذا النص يُبين أنَّ الصفة عند ابن فارس ليست مجرد (لفظٍ) واصف، بل هي “أمارةٌ لازمة” في ذات الموصوف، وكونها (تحلية) للشيء يقتضي ثبوت معناها له حقيقةً؛ إذ المحلى لا يكون إلا بشيءٍ قائمٍ به. كما أنَّ ربطه بين (الاتصاف) وبين (عين الناظر) يُؤكد أنَّ الصفات هي مناطُ “الرؤية والتحقق”؛ فالموجود الذي لا صفة له لا يحتملُ أن يُوصف، وما لا يُوصف لا يُرى، وما لا يُرى في الأعيان (ولا يتصور وجوده فيها) فهو العدم.

وفي “لسان العرب”: يُقررُ ابن منظور أنَّ “مادة: و ص ف” تدل على نعت الشيء له، وعليه وصفا وصفة: حلاه”[4].

وتبرز القيمة المنهجية لهذا التعريف في لفظة (حَلاهُ)؛ إذ تُشير اللغة هنا إلى أن الصفة هي بمثابة “الحلية” التي يزدان بها الموصوف وتظهر بها حقيقته. والتحلية لا تكون إلا بـمعنىً وجوديٍّ ثابتٍ قائمٍ بالذات، فمن غير المتصور لغةً أو عقلاً أن يُوصف الشيء بأنه “مُحلّى” وهو خِلو من الأوصاف والنعوت؛ مما يؤكد أن صفات الله تعالى هي كمالات ثبوتية تُحلي ذاته العليّة بأوصاف الجلال والجمال.

الخلاصة اللغوية: يتبين من مجامع هذه التعريفات أن (الصِّفة) في لسان العرب هي: المائز الوجودي الذي يُخرج الشيء عن حيز الإبهام إلى حيز التعيّن؛ فهي العلامة الثابتة والأمارة الكاشفة التي يتحلى بها الموصوف ويتميز بها عما سواه.

فيتضح من هذه التعريفات: أن المعاني اللغوية لكلمة (صفة) تدور حول ما يميز الشيء عن غيره، أو العلامة والأمارة التي يتميز بها، أو ما يتحلى به الشيء عن غيره.

أما الـتمايز الدلالي بين (الوصْف) و(الصِّفة) من الناحية اللغوية؛ فقد ذهب أئمة اللسان إلى التفريق بينهما باعتبارات دقيقة؛ فمنهم مَن جعل “الوصْف” دالاً على الهيئات التي يتحلّى بها الشيء، و”الصِّفة” دالة على العلامة المميزة الكاشفة لحقيقته. ومنهم مَن جعل “الوصْف” هو المصدر (الفِعل)، و”الصِّفة” هي الحِلية الثابتة (الأثر الوجودي).

ويُجلي ابن فارس هذا الفرق ببراعة في “مقاييسه” بقوله: “الوصْف: تَحلية الشيء”[5]، بينما “الصِّفة: الأمارة اللازمة للشيء[6]. وهذا يعني أن “الوصْف” ينظر إلى مقام التحسين والبيان، بينما تنظر “الصِّفة” إلى مقام الثبوت واللزوم الذي لا ينفك عن الموصوف؛ وكلاهما يؤديان في النهاية إلى إثبات حقائق ثبوتية تميز الموصوف وتحلّيه.

وفي ذات السياق التحليلي، يُعضد ابن منظور التمايز بين رتبتي (المصدر والأثر)؛ حيث ينقل في “اللسان”: “قيل: الوصْف: المَصدر، والصِّفة: الحِلية… والوصْف: وصْفُكَ الشيء بحِليته ونَعته”. ثم يتتبع التصريفات اللغوية لهذا المَعنى بقوله: “وتواصف الشيء: من الوصْف، واستوصفه الشيء: سأله أن يصفه له، واتصف الشيء: أمكن وصْفه”[7].

والتحقيق في تقريرات ابن منظور يفيد بأن (الصِّفة) هي النتيجة الوجودية القائمة بالذات (الحِلية)، بينما (الوصْف) هو الفِعل أو الإخبار الصادر عن الواصف. كما أن قوله: “اتصف الشيء: أمكن وصْفه”؛ يُعد مفتاحاً منهجياً في إثبات حقائق الصِّفات؛ إذ يمتنع لغةً وعقلاً “وصف” ما لا “صِفة” له، فإمكانية الوصف فرع عن ثبوت الصِّفة في الأعيان.

ويُجلي الجرجاني كُنه العلاقة بين (الوصف والصفة) بكونها: “نسبة ثبوتية، وتلك النسبة إذا اعتبرت من جانب الصفة يُعبر عنها بالقيام”[8]؛ أي قيام المعنى بالذات. كما يُؤصل للمصطلحين لغوياً بكونهما: “مصدرين، كالوعد والعدة”، ثم ينقل تفريق المتكلمين الدقيق بينهما بقوله: “الوصف يقوم بالواصف، والصفة تقوم بالموصوف”[9].

وهذا التفريق يُعد مِفتاحاً مَنهجياً بالغ الأهمية؛ فالوصف هو (فعل الواصف) وإخباره وبيانه، أما الصفة فهي (المعنى الوجودي) الثابت والقائم بذات الموصوف حقيقة. وبناءً عليه؛ فإن إثبات “الوصف” دون “الصفة” – كما فعلت المعطلة – هو إثبات لقول بلا حقيقة، وإخبار بلا مُخبر عنه في الأعيان.

ويُحرر الراغب الأصفهاني الفارق الدلالي بين المصطلحين بربطهما بثنائية (القول والحال)؛ إذ يرى أن “الوصْف” هو محض ذكر الشيء بحِليته ونَعته، بينما “الصِّفة” هي الحال الثابتة التي عليها الموصوف في نفس الأمر؛ ممثلاً لذلك بـ “الزِّنة” التي هي قَدْر الشيء وحقيقته.

ويستند الأصفهاني في هذا التفريق إلى منزع عقدي ولغوي مهم؛ وهو أن “الوصْف” -باعتباره إخباراً – قد يحتمل الحق والباطل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ﴾؛ تنبيهاً على أن الخلل قد يقع في “إخبار الواصف” لا في “حقيقة الموصوف”.

وبناءً عليه، وجَّه الأصفهاني دلالة التنزيه في قوله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ بأنها نفي لتمثيلات الواصفين وتشبيهاتهم القاصرة، لا نفي لأصل الصِّفات؛ فالله سبحانه موصوف بـ “الـمَثَل الأعلى” الذي هو الوصف الأكمل والجمال الأسمى، كما في قوله: ﴿وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾. وبذلك يغدو “الوصْف” الحق هو ما وافق “الصِّفة” الثابتة لله في وحيه، وما خالف ذلك فهو محض افتراء ينزه الرب عنه.

وفي هذا يقول الراغب الأصفهاني: “الوصف: ذكر الشيء بحليته ونعته، والصفة الحال التي عليها الشيء من حليته ونعته، كالزنة التي هي قدر الشيء، والوصف قد يكون حقا وباطلا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ﴾ [النحل: 116]. تنبيها على كون ما يذكرونه كذبا.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180]، تنبيه على أن أكثر صفاته ليس على حسب ما يعتقده كثير من الناس، لم يتصور عنه تمثيل وتشبيه، وأنه تعالى عما يقوله الكفار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الروم: 27]”[10].

النقطة الثانية: مفهوم الصفة في الاصطلاح والمنطق العقلي (التحقق والوجود):

تعددت عبارات العلماء في ضبط مفهوم الصفة اصطلاحاً، ويمكن استخلاص أبعادها الوجودية من خلال المحددات الآتية:

1 – الصِّفةُ كـمعنىً زائدٍ قائمٍ بالذات:

تعرف الصفة بأنها: “هي حال وراء الذات أو ما قام بالذات من المعاني والنعوت التي هي زائدة عليها ولا تنفك عنها”[11]. أي: (حال زائدة على حقيقة الذات، أو هي المعاني والنعوت القائمة بها بحيث لا تنفك عنها وجوداً).

والمراد بقولهم: “زائدة على الذات”؛ هو التمييز في “الاعتبار الذهني” بين مفهوم الذات المجردة وبين ما يلحقها من كمالات، لا أن الصفة كيان مستقل منفصل عن الموصوف في الخارج. فـ (العِلم) معنى زائد في التصور على مفهوم (الذات) العالِمة، ولكنه في “الواقع العيني” صفة قائمة بالذات لا قِوام لها إلا بها، وبثبوتها يتحقق كَمال الموصوف وتميزه.

2 – الصِّفةُ كـمُوجبٍ لاستحقاقِ الوصف:

تعرَّف الصفة بأنها: (المعنى الوجودي القائم بالموصوف، والذي بمقتضاه يستحق اتصافه بالنعت المشتق منه)؛ أي هي الشيء الذي يوجد بالموصوف أو يكون له ويكسبه الوصف الذي هو النعت الصادر عن الصفة[12].

والمراد بهذا المفهوم أن الصفة (كالعِلم) هي «الأصل الثابت» في الذات، والوصْف أو النعت (كالعليم) هو «الأثر والخبر» الصادر عنها والتابع لها؛ فلولا قيام الصفة بالذات لامتنع صِدق الوصف عليها؛ إذ لا يُنعت الموصوف بكمال إلا إذا قام به ذلك الكمال حقيقة.

وبهذا يترتب (الوصْف اللفظي) على (الصفة العينية) ترتُّب الفرع على أصله، مما يبطل مسلك المعتزلة ومن شايعهم في إثبات الأسماء المشتقة مع نفي الصفات القائمة بالذات، إذ إن مقتضى الصدق اللغوي والضرورة العقلية يُحيلان ثبوت المشتق دون قيام المشتق منه بالمحل.

3 – الصِّفةُ كـمعنىً تابعٍ مُفتقرٍ في قِوامِه للذات[13]:

تعرف الصفة بأنها: كل معنى أو حقيقة تقوم بذات الموصوف، بحيث يمتنع استقلالها بالوجود أو انفصالها عنه؛ كـ (السعادة، والقوة، والجمال، والعزة، والقدرة، والكمال).

ومن ثم؛ فإن حقيقة الصفات – سواء كانت متعلقة بالذات أم بالأفعال – أنها لا تقوم بنفسها، بل هي ملازمة للموصوف تابعة له في الحكم الوجودي. والتحقيق العقدي يقضي بأن صفات الخالق سبحانه تتبع ذاته العَلية؛ فكما أن ذاته العَلية مباينة للمخلوقات متفردة بالوجود، فكذلك صفاته تتبع ذاته في المباينة والتفرد، مما يبطل القياس الفلسفي والكلامي لصفات الرب على صفات خلقه.

والتحقيق العقلي لهذه الماهية يقضي بأن الصفة لا تملك قِواماً ذاتياً يؤهلها للتحقق في الأعيان بمفردها، بل هي تابعة للموصوف وتستمد وجودها الخارجي من قيامها به. لذا؛ فإن مآل الحكم على الصفة يتبع الحكم على الذات تلازماً ووجوباً؛ فمتى ثبت وجود الذات وجب ثبوت صفات كمالها الملازمة لها، ومتى انتفت الصفات استحال تصور وجود الذات متميزة في الخارج.

وهذا التلازم الوجودي يمثل الضربة القاضية لـمذاهب نفاة الصفات؛ إذ إن دعواهم بإثبات ذات مجردة عن الصفات في الخارج هي دعوى ممتنعة عقلاً، تؤول في مآلها المنطقي إلى نفي وجود الذات الإلهية بالكلية، لأن ما لا يتصف بصفة تميزه لا حقيقة له في الأعيان، وإنما محله الأذهان فقط.

4 – الصِّفة كـمائزٍ وجودي وحقيقة شرعية:

تُعرَّف الصفة بأنها: (كل معنى أو عَين قام بالذات الإلهية مما يحقق تميزها عن غيرها، وورد به نص الكتاب والسنة) [14]. ويقصد بذلك: أن الصفة تجمع بين الثبوت الوجودي للذات، والشرعية التوقيفية المستمدة من الوحي.

والتحقيق في هذا التعريف يجمع بين “الضرورة العقلية” و “التوقيف الشرعي”؛ فالصفات هي التي تُخرج الموصوف من دائرة الإبهام إلى دائرة (التعيُّن والتميُّز) في الأعيان، إذ الموصوف بغير صفات هو العدم المحض. وبما أنَّ ذات الله ﷻ لا تُدركها الأبصار ولا تُحيط بها العقول، كان لزاماً أن يكون “الوحي” هو المصدر الوحيد لإثبات تلك الصفات، فما قام بالذات مما ميّزها ونطق به الوحي؛ فهو الصِّفة التي نؤمن بها ونُثبتها لله كمالاً وجلالاً.

وهذا المفهوم الأخير هو ما سأعتمده في هذا البحث؛ لكونه أوجز هذه الحدود وأجمعها لحقائق الإثبات الشرعي والوجودي. ويمكن جلاء أبعاد هذا التعريف من خلال شرح مُقيداتِه المنطقية:

القيدُ الأول: (هي ما قامَ بالذاتِ الإلهية):

ويُمثلُ هذا القيد الركيزة الجوهرية في فَهْمِ ماهية الصفة؛ إذ يقرر أن الصفة لا تملك استقلالاً وجودياً يؤهلها للقِوام بنفسها، بل هي مفتقرة بالضرورة إلى “محل” تقوم به وهو (الذات). فالتعبير بـ “القيام بالذات” ينفي عن الصفة كونها كياناً بائناً أو منفصلاً عن الموصوف، بل هي معنى يتحقق في الأعيان بتبعية الذات والارتباط بها؛ وبثبوت هذا القيام يتحقق كمال الموصوف وتميزه عن محض العدم أو الـمُطلقاتِ الذهنية.

ويمكن جلاء مقتضى هذا القيد من خلال تحرير (قواعد الإضافة إلى الله ﷻ)؛ إذ إن ما يضاف إلى الباري في نصوص الوحيين ينقسم إلى نوعين لا ثالث لهما:

الأول: إضافة الأعيان القائمة بنفسها: ويقصد بها الذوات المنفصلة والمستقلة بوجودها كـ (بيت الله، وناقة الله، وعبد الله)؛ فإضافة هذه الأعيان هي “إضافة مخلوق إلى خالق”، وغايتها التخصيص والتشريف، ولا تقتضي قيام هذه الأعيان بذات الله سبحانه.

الثاني: إضافة الأوصاف والمعاني التي لا تقوم بنفسها: كـ (عِلم الله، ورحمته، وسَمعه، وبَصره، وحكمته)؛ وبما أن هذه المعاني لا استقلال لها في الوجود الخارجي، فإن إضافتها هي “إضافة صِفة إلى موصوف”.

والبرهان العقلي القاطع في هذا النوع الأخير هو أن نفي كونها صفات قائمة بالذات يلزم منه (وجود الصفة بلا موصوف)؛ وهو مُحال في بدائه العقول، وما لزم عنه المُحال فهو باطل. وبناء عليه؛ فكل معنى أضيف إلى الله وليس له قِوام ذاتي مستقل، وجب قولاً واحداً إثباته كصفة ثبوتية قائمة بذاته العلية.

النوع الأول: إضافة الصفة إلى الله تعالى (إضافة معنى لذات):

وضابطها: أن يكون المضاف معنى أو حقيقة لا تقوم بنفسها، بل تفتقر بالضرورة إلى محل تحل فيه ويقوم بها. والمقصود هنا هو النظر إلى (ماهية الصفة) بمعزل عن التخصيص؛ أي: الصفة في حد ذاتها – كالعِلم أو السَّمع أو اليَد أو القَدَم – قبل إضافتها إلى الخالق أو المخلوق. “أي: إن (الصفة باعتبار ماهيتها المجردة) تفتقر في تحققها الوجودي إلى غيرها؛ إذ يمتنع عقلاً وقوعها مستقلة بنفسها، بل لا بد لها من “محل” تحل فيه وذات تقوم بها. فقِوام الصفة بالموصوف قِوام تلازم، لا قِوام تجاور وانفصال؛ وبناء عليه، فإن كل معنى لا يستقل بنفسه إذا أضيف إلى الله وجب أن يكون صفة له قائمة بذاته.

فهذه المعاني لا يُتصوَّر لها وجود مستقل في الأعيان بمعزل عن (موصوف) تتبعه وتنعته؛ فإذا أضيفت إلى الله ﷻ كانت “إضافة صفة إلى موصوف”، مما يوجب قيام معناها بذاته العلية بما يليق بجلاله وكماله، ويمتنع معها القول بأنها عين بائنة أو مخلوق منفصل.

أمثلة تطبيقية توضح الفرق الوجودي بين العين والصفة:

المثال الأول: مثال (يد الله) في مقابل (ناقة الله):

تعد (اليد) صفة قائمة بذات الله سبحانه؛ لكونها حقيقة لا تستقل بوجودها الخارجي؛ إذ يمتنع في العقل والعيان وجود “يد” قائمة بنفسها تذهب وتجيء بمعزل عن صاحبها. وهذا على النقيض تماماً من مثال (ناقة الله)؛ فالناقة عين مستقلة، نشاهدها تذهب وتجيء وتتحرك بقوامها الذاتي.

والفرق الجوهري يكمن في أنَّ اليد لا قِوام لها إلا بـ (مَحَلٍّ) تقوم به؛ فكل إضافةٍ يمتنع استقلالها الوجودي هي «إضافة صفة إلى موصوف». والموصوف هنا هو (الذات) التي تقوم بها الصفات وتُنسب إليها، والتي لا يمكن بحالٍ أن تتحقق في الأعيان الخارجية إلا بصفاتها الكاشفة عن كمالها.

ويجب التقرير بأن هذا التفريق بين الذات والصفة هو (تقسيم ذهني اعتباري) لغرض التصور والفهم والبيان فحسب؛ أما في الواقع العيني والوجود الخارجي، فلا انفصال بينهما البتة؛ إذ لا وجود لذات مجردة عن الصفات، كما لا وجود لصفات مستقلة عن الذات، بل الحقيقة الواحدة المتحققة في الأعيان هي: «الذات المتصفة بصفات كمالها».

المثال الثاني: مثال (خلق الله) في مقابل (المخلوق):

يُعدُّ (الخَلْقُ) صفةً فعليةً قائمةً بذات الله سبحانه؛ فهو فِعلٌ من أفعاله التي لا قِوام لها إلا به، إذ يمتنعُ عقلاً وواقعاً وجودُ فعلٍ مجردٍ يستقلُّ بوجوده الخارجي أو ينفصلُ عن فاعله ليكون قائماً بنفسه يذهب ويجيء[15]. بل الخَلْقُ معنىً وحدثٌ يفتقر في تحققه العيني إلى مَحلٍّ يقوم به وهو الفاعل (الله جل وعلا)؛ وبناءً عليه، فإنَّ إضافته لله في قولنا «خَلْقُ الله» هي «إضافةُ صفةٍ إلى موصوف» (أي فعلٍ إلى فاعل).

وهنا يجب التفريق بدقة بين (الخَلْق) الذي هو فعل الله القائم بذاته، وبين (الـمَخلوق) الذي هو العين المنفصلة عنه المتميزة بذاتها؛ فالفعل لا يستقل عن فاعله، بينما المفعول عين مباينة لصانعها. وهذا التمييز يبطل منزلقات التجريد والتعطيل الفلسفي التي حاولت جعل الأفعال الاختيارية أموراً اعتبارية لا حقيقة لها في الأعيان.”

المثال الثالث: مثال (سمع الله) وضابط التفريق بين الصفة والمخلوق:

في تركيب «سمع الله»، نجدُ أنَّ الإضافة هي «إضافةُ صفةٍ إلى موصوف»؛ ذلك أنَّ السمع حقيقةٌ وجودية تفتقرُ بالضرورة إلى محلٍّ تقوم به، فلا يُتصور في العقل ولا في العيان وجود سمعٍ مجردٍ يستقلُّ بذاته أو ينفصلُ عن صاحبه. وبناءً عليه؛ فالسمعُ معنىً قائمٌ بالذات السامعة، وهي الله ﷻ.

والضابطُ الجوهري المستقر هنا هو أنَّ الربَّ سبحانه لا يُوصفُ إلا بما قام بذاته المقدسة من كمالات؛ أما ما يخلقه من أعيان مباينة له ومنفصلة عنه، فلا تُسمى صفاتٍ له. فالحقيقةُ الوجودية للصفة تقتضي (القيام بالموصوف)، بينما الحقيقة الوجودية للمخلوق تقتضي (البينونة والانفصال)؛ وبذلك يبطلُ قولُ من جعل صفات الله العينية والفعليّة مخلوقاتٍ يخلقها في غيره كالجهمية والمعتزلة، إذ إن مقتضى مقالتهم يؤول إلى وصف المحل الحادث بالصفة الإلهية، وهو ممتنع عقلاً ونقلاً.

المثال الرابع: مثال (كلام الله) ونقض فرية خلق القرآن:

يستدلُّ أهلُ السنةِ بقوله تعالى: ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، على أنَّ الكلامَ صفةٌ ثبوتيةٌ قائمةٌ بذاتِ الخالقِ سبحانه؛ فوجهُ الاستدلالِ أنَّ (الكلامَ) حقيقةٌ وجودية لا تستقلُّ بوجودها الخارجي، بل تفتقرُ بالضرورةِ إلى (مُتكلمٍ) يقومُ به ويصدرُ عنه.

وبناءً على قاعدةِ الإضافة؛ فإنَّ إضافةَ الكلامِ إلى الله جل وعلا هي «إضافةُ صفةٍ إلى موصوف»؛ إذ يمتنعُ في العقلِ واللغةِ وجودُ كلامٍ يقومُ بنفسِه بـمعزلٍ عن الذاتِ الناطقةِ به. وبـهذا يتبينُ تهافتُ قولِ من جعلَ كلامَ اللهِ مخلوقاً منفصلاً في غيرِه كالجهمية والمعتزلة؛ إذ لو قامَ الكلامُ في جِرمٍ أو مـحلٍّ حادث، لكان كلاماً بالضرورة لذلك المحلِّ لا لله؛ فـالصِّفةُ لا تُنسبُ في الحقيقةِ إلا لمن قامت بذاتِه، والقول بخلاف ذلك قلبٌ لحقائق اللغة وضرورات العقول.

المثال الخامس: مثال (علم الله وقدرته) وتلازم الصفات الوجودية والذات:

تظاهرت أدلة الوحي على إثبات (العلم والقدرة) كصفات حقيقية قائمة بذات الله سبحانه؛ فمن القرآن قوله تعالى: ﴿لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ﴾ [النساء: 166]، ومن السنة قول النبي ﷺ في دعاء الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بـعِلْمِك وأستقدرك بـقدرتك»[16].

ووجه الاستدلال: أن إضافة (العلم والقدرة) في هذه النصوص هي «إضافة صفة إلى موصوف»؛ إذ هما معنيان وجوديان لا يقومان بـنفسهما ولا ينفصلان عن الذات في الأعيان الخارجية. فالعلم يفتقر بالضرورة إلى (عليم) يقوم به، والقدرة تفتقر بالضرورة إلى (قدير) تلازمه وتصدر عنه.

وبناءً عليه؛ فإن النص الشرعي قد نطق بـإثبات هذه المعاني كحقائق ثابتة للرب، والضرورة العقلية تَقضي بـأنَّ مَحَلَّ قيام هذه الصفات المعنوية الوجودية هو الذات العلية لا غيرها، مما يبطل تأويل مَن جعلها بمعنى الإرادة أو المفعولات المنفصلة.

المثال السادس: مثال (الرضا والمعافاة) وتلازم صفات الأفعال الاختيارية والذات:

يُستدلُّ بقول النبي ﷺ في دعائه: «أعوذُ بـرضاكَ من سَخطِكَ، وبـمُعافاتِكَ من عُقوبتِكَ»[17]، على إثباتِ هذه المعاني كـ “صِفاتٍ فعليةٍ اختيارية” قائمةٍ بذات الله ﷻ؛ فوجهُ الاستعاذةِ بـ (الرضا والمعافاة) يقتضي منطقياً وعقدياً أنها صفاتٌ حقيقيةٌ يَتعلقُ بها الطلبُ واللجوء.

وبناءً على قاعدةِ الإضافة والتلازم؛ فإنَّ هذه المعاني لا قِوامَ لها في الأعيان الخارجية إلا بالذاتِ العليةِ؛ إذ يمتنعُ في صريح العقل وجود رضا أو معافاة يستقلان بوجودهما أو ينفصلان عن الخالق سبحانه. فالمصاحبة بالحرف (الباء) في الاستعاذة تقطع بأنَّ الملتجأ إليه هو صفة المنفرد بالكمال القائمة به لا مخلوق من مخلوقاته؛ إذ الاستعاذة بالمخلوق شرك، مما يبطل مذهب من جعل صفات الأفعال أموراً نسبية أو مفعولات منفصلة حادثة في غيره.

والتحقيقُ المنهجي يوجبُ هنا التفريقَ بين رتبتين:

الأولى (مقام الصفة): وهي (الرضا، والسخط، والعفو) بـاعتبارِها إراداتٍ وأفعالاً قائمةً بذاتِ الله ومـُتعلِّقةً بـمشيئتِه؛ وهذه هي “الصِّفة” المقصودةُ بـالبحث.

الثانية (مقام الأثر): وهي ما يترتبُ على هذه الصِّفاتِ من آثارٍ بـائنةٍ عن الله؛ كـ (النعيمِ) الذي ينالُه المرضيُّ عنه، و(اندفاعِ النقمةِ) عن الـمُعافَى؛ فـهذه الآثارُ “مـخلوقاتٌ مـُنفصلة” عن الذات العلية وليست صِفاتٍ لها. وبـهذا يتبينُ أنَّ إضافةَ الرضا والسخطِ في الحديثِ هي إضافةُ صِفةٍ لـموصوف، بخلافِ إضافةِ النعيمِ والجزاءِ التي هي إضافةُ مـخلوقٍ لـخالق[18].

وبناءً على ما تقدَّم، تترسخُ القاعدةُ الوجوديةُ الكبرى: (أنَّ كلَّ موصوفٍ لا يُوصفُ إلا بما قام بذاته، لا بما هو بائنٌ عنه ومـُنفصلٌ عنه).

فالموجود المُباين لله ﷻ في الوجود العيني هو صفة للمحل الذي قام به، لا لله سبحانه؛ ومثال ذلك: “يد الإنسان”؛ فاليد هنا وإن كانت في ماهيتها صفة (لكونها لا تستقل بنفسها وتفتقر إلى محل تـقوم به)، إلا أن هذا المَحَلَّ الذي قامت به هو (الإنسان).

وبما أن الإنسان مخلوق بائن عن الله، وله ماهيته ووجوده المستقل، فإن “اليد” في هذا السياق تتبع موصوفها في حُكْم الحدوث والمخلوقية؛ فهي إضافة صفة إلى موصوف مخلوق.

وبناءً عليه؛ فإن الإضافة في قولنا: (يد الإنسان) هي -أيضاً- “إضافة صفة إلى موصوف”، غير أن الموصوف هنا هو (الإنسان)؛ وهو موجود مخلوق له ماهيته وكينونته المستقلة والبائنة عن الله ﷻ.

ومن ثَمَّ؛ فإن هذه الصِّفة تتبع مَحلَّها (الإنسان) في حُكْم الحدوث والمخلوقية، ولا تُنسب للخالق سبحانه إلا من جهة “الخَلْق والمِلْك”، لا من جهة “الاتصاف والقيام بالذات”؛ فالصِّفة لا تُعرِّف إلا بالمَحَلِّ الذي قامت به وتحيَّزت فيه.

وبذلك يتبطل مسلك المُشبِّهة الذين قاسوا صفات الخالق على صفات المخلوق، كما يبطل مسلك المعطلة الذين نفوا قيام الصفات بالذات الإلهية بدعوى لزوم التشبيه؛ فالصِّفة تابعة لمَحلِّها، وكما أن ذات الله لا تشبه ذوات خلقه، فصفاته القائمة به لا تشبه صفات خلقه القائمة بهم.

وتتجلى ثمرة هذا التأصيل في إبطال مذهب الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من وجهين:

الوجه الأول: إثبات قيام المعنى بالذات: زعم النُّفاة أنَّ إضافة الصفات لله هي مجرد “تسمية لفظية” أو “إخبار قولي” عارٍ عن المعنى، فأثبتوا لله أسماءً كـ (السميع والبصير) مع نفي حقائق السمع والبصر القائمة بذاته. وبتحرير قاعدة الإضافة، يتبطل هذا الزعم؛ إذ ثبت لغةً وعقلاً أنَّ كل مَعنىً أُضيف إلى موصوف وهو لا يقوم بنفسه (كالعلم والقدرة)، وجب أن يكون صفةً حقيقية قائمة بذلك الموصوف.

الوجه الثاني: كشف التناقض المنطقي: يذهب مذهب النُّفاة إلى أنَّ الوصف يقوم بـ “الواصف” (أي قولنا نحن) دون أن يكون له حقيقة في “الموصوف”. وبإعمال قواعد الإضافة، يتبين أنَّ نفي (الصِّفة) التي هي المعنى القائم بالذات، مع إبقاء (الوصْف) الذي هو اللفظ، هو لغوٌ يَلزم منه وجود صِفة بلا مـوصوف، وهو مـُحالٌ عقلاً.

بناءً على ذلك، يُعد إثبات (الذات المتصفة) هو الردَّ اليقيني على من جعلوا الصفات مجرد إضافات اعتبارية لا حقيقة لها في الأعيان

وبالمثال يتضح تهافتُ المذهبِ الاعتزالي:

لو قلنا: (محمدٌ ذكيٌّ)؛ فقد وصفنا محمداً بصفةِ الذكاء، وهنا يُطرح السؤال: هل قام بـمحمدٍ معنىً حقيقيٌّ استحقَّ لأجلِه هذا الوصف؟

الجواب اليقيني: نعم؛ فلولا قيام مَعنى الذكاء بذاته لما صح اتصافه به. إلا أن المعتزلة يزعمون أن الوصف هنا هو مَحض القول: (محمد ذكي)، بجعل الوصف مجرد “إضافة ونسبة اعتبارية” لا تُوجب قيام مَعنىً بالذات؛ فكأن “الذكاء” عندهم هو (الكلمة اللفظية) لا (الحقيقة القائمة بالموصوف).

وهذا قول باطل بضرورة العقل واللغة؛ إذ حقيقة الصِّفة هي “ما قام بالموصوف” وأوجب له مسمَّى الكمال، وكل موصوف لا يُوصف بحق إلا بما قام بذاته؛ فالفصل بين “استحقاق الوصف” وبين “قيام المعنى بالذات” هو هدم لحقائق الوجود، وقلب للُّغة التي تجعل الخبر تابعاً للمُخبَر عنه.

وبهذا نكون قد استوفينا بيان (النوع الأول) من أنواع الإضافةِ المسندةِ إلى الله ﷻ في الكتابِ والسنة؛ وهي “إضافةُ الصفةِ إلى الموصوف”.

والتحقيق الذي انتهينا إليه هو أن كل مَعنىً أو نعت أضيف إلى الله وهو لا يستقل بنفسه (كالعلم، والقدرة، والوجه، واليد)، وجب إثباته كصفة حقيقية قائمة بذاته المقدسة، مباينة لصفات المخلوقين. وبهذا الأصل ينهدم مذهب المعطلة الذين جعلوا هذه الإضافات مَحض مسميات لفظية أو مخلوقات بائنة، إذ ثَبَتَ عقلاً ولغةً أن “الاتصاف” فرع عن “القيام بالذات”، وأن الإضافة في نصوص الوحي مَحْمولة على حقيقتها ما لم يقم دليل على الاستقلال والبينونة.

النوع الثاني: إضافة المِلْك والتشريف (وهي إضافة المخلوقات إلى الخالق):

وتختص بكل ما كان بائناً عن ذات الله تعالى ومنفصلاً عنها، وتنقسم بالنظر إلى ماهية المُضاف إلى قسمين:”

القسم الأول: إضافة الأعيان القائمة بذواتها (كل عين منفصلة تُضاف إلى الله تعالى):

وضابطه: أن كل ما أُضيف إلى الله سبحانه وكان “عيناً مستقلة” يصح تعقُّل وجودها وانفكاكها عن غيرها، فإن إضافتها إليه إضافة مِلْكٍ وخَلْقٍ وتَشريف، لا إضافة اتصافٍ وقِيامٍ بالذات.”

الـمظهر التطبيقي للمفارقة الوجودية بين إضافتي الصفة والعين:

المثال الأول: ناقة الله:

يتجلى التمايز الوجودي والـمفاهيمي بين إضافة الصفة وإضافة العين في قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقۡيَٰهَا﴾ [الشمس: 13]؛ إذ تندرج هذه الإضافةُ ضمن سياق “إضافة الـمِلْك والتشريف” لا “إضافة الاتصاف”.

وعلّة ذلك أنَّ (الناقة) ذاتٌ موضوعية قـائمةٌ بـنفسِها، ومستقلةٌ بكيانها في الأعيان الخارجيّة، وتتحرك بـقِوامٍ ذاتي مـستغنٍ عن محلٍّ يحلُّ فيه.

وتأسيساً على المحدد المعياري للصفة بـأنها: (ما لا يقوم بـنفسه، ويفتقر بـالضرورة إلى محلٍّ يـحلُّ بـه)؛ يـمتنعُ -بـالضرورة العقلية والشرعية- أن تكون (الناقة) صفةً للحقِّ سبحانه قائمةً بـذاته؛ لكونها “عيناً بـائنةً” ومباينةً عنه ﷻ.

وإنما جاءت إضافتها إليه سبحانه على سبيل الاختصاص والتكريم، تـشريفاً لـمنزلتها، وتـمييزاً لها عن سائر الأنعام والمخلوقات.

ومِـلاكُ الأمر في هذا الباب مـبنيٌّ على قاعدةٍ مطردة: أنَّ كلَّ عينٍ مستقلةٍ تُضاف إلى الله تعالى فهي مـخلوقةٌ ومـملوكة، وكلَّ معنىً لا يستقلُّ بـنفسه يُضاف إليه فهو صفةٌ من صفاته.

المثال الثاني: (بيت الله):

يُعدُّ قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [الحج: 26] مِصداقاً جليّاً لهذا النوع من الإضافة؛ إذ إنَّ (البيت) في ماهيته وحقيقته الوجودية “عينٌ قائمةٌ بذاتها”، ومستقلةٌ بجِرمها وبنائها الخارجي.

وعليه، يمتنع لغةً وعقلاً أن يكون (البيت) صفةً لله ﷻ قائمةً بذاته العلية؛ لكونه “مبايناً” له ومُنْفَصِلاً عنه سبحانه.

وتأسيساً على هذا التمايز، فإنَّ إضافة البيت إلى الله تعالى هي “إضافةُ مِلكٍ وتَشريفٍ” لا غَير؛ حيث خَصَّ الحقُّ سبحانه هذا الحَيّز المكاني بالإضافة الدالة على جلالة قدره، وعظيم مكانته، وتميزه عن سائر البقاع والمباني.

وبهذا التطبيق يترسخ الضابط المنهجي الكلي في هذا الباب: أنَّ كلَّ عينٍ بائنةٍ يصحُّ الإشارة إليها بالاستقلال، فهي مخلوقٌ مضاف، ويمتنع حَمْلها على الصفتية القائمة بالذات.

المثال الثالث: (روح الله – جبريل عليه السلام) وتلازم العينية البائنة مع إضافة الخلق:

تتجلى حقيقةُ إضافةِ الأعيانِ المنفصلةِ في قوله تعالى: ﴿فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا، قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا، قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا﴾ [مريم: 17-19]؛ فالمراد بـ (الروح) في هذا الموضع هو مَلَك الوحي جبريل عليه السلام بإجماع المفسرين.

ووجه الاستدلال: أن الروح هنا نُسبت إلى الله جل وعلا «إضافة مِلك وتشريف»، لا إضافة اتصاف تقوم بذاته؛ لكون هذا الرُّوح عيناً قائمة بنفسها ومستقلة بوجودها الخارجي؛ إذ تمثل بشراً، وتحرك، وخاطب مريم عليها السلام بقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: 19].وبما أن الرُّوح في هذا السياق حقيقة وجودية مباينة ومنفصلة تذهب وتجيء بقوامها الذاتي، فقد استحال عقلاً ونقلاً أن تكون صفة قائمة بالذات الإلهية؛ فالمباينة في الوجود تنفي الاتصاف، وتوجب أن تكون الإضافة لبيان الخَلْق والاصطفاء، مما يقطع دابر التأويلات الباطنية والحلولية في أجرام الملائكة ومصطلحات الوحي.

المثال الرابع: (أموال الفَيء):

يُقرر قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: 7] مَحْملاً آخَرَ من إضافات الأعيان المباينة؛ إذ إنَّ (الفيء) والأموال المستحقّة أعيانٌ مادية قائمة بذواتها، ومنفصلة عن الذات الإلهية بالمباينة الوجودية التامة.

ومآل الإضافة في هذا الموضع هو “إضافة المِلكية والاستحقاق السيادي”؛ ذلك أنَّ الحق سبحانه هو المالك المطلق للأكوان خلقاً وتدبيراً، وجاءت إضافة الفيء إليه إشعاراً بحقّه المطلق في الحاكمية، والتشريع، وتعيين مصارف الأموال.

ولـمَّا كانت هذه الأموال ذواتاً وجواهر يمتنع حلولها في الذات الإلهية أو قيامها بها، استحال عقلاً ونقلاً تكييفها على الصفتية؛ فقوامها الذاتي يُخرجها عن حدِّ الصفات القائمة بالمحل.

وتأسيسًا على هذا النظير، يستقر المحدد الكلي في هذا الباب: أنَّ كل عين مادية صحَّ استقلالها الوجودي وثبتت ملكيتها للباري، فإضافتها إليه مَحارُها المِلْك والاستحقاق والتصرف، لا الاتصاف والقيام بالذات.

القسم الثاني[19]: إضافة المعاني والأعيان الحادثة القائمة بـمحلٍّ مخلوق (إضافة خلق وتدبير):

فالقسم الثاني من إضافة المِلْك والتشريف يختص بكل ما أُضيف إلى الله جل وعلا مما لا يقوم بنفسه، ولكنه في ذات الوقت منفصل وبائن عن الله؛ لكونه حالاً وقائماً في مَحَلٍّ مخلوقٍ آخَر يستقل بذاته.

ومِثاله المركزي في نصوص الوحي: صفة (الرُّوح)؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [التحريم: 12].

وهنا يُطرح السؤال المنهجي الحاسم: هل إضافة الرُّوح إلى الله في هذا السياق ونظائره هي إضافة وَصْف لموصوف (بمعنى أن لله روحاً هي صفة ثبوتية ذاتية قائمة بذاته سبحانه)؟ أم أنها إضافة مِلْك وتشريف وخلق (بمعنى أنها ذات لطيفة مخلوقة ومنفصلة بائنة عنه)؟”

وهنا يبرز إشكال معرفي دقيق: إذا كانت إضافة (الرُّوح) من قبيل المِلْك والتشريف لا الاتصاف، فهل يُشترط في هذا النوع من المُضاف أن يكون «عيناً شاخصة» تُرى وتتحرك بنفسها كالناقة والبيت؟ أم أن الرُّوح – لكونها لا تقوم بنفسها في المشاهدة الحسية، إذ لا نرى روحاً تذهب وتجيء بمفردها في الأعيان الخارجية – وجب إلحاقها تبعاً لذلك بباب «الصِّفات القائمة بالذات» كاليد والسمع والكلام؟

وفي الجوابِ التقعيدي الفاصلِ عن هذا الإشكالِ المعرفي؛ يُفككُ المحلل العقدي ابن تيمية هذه الشُّبهة ببيان الفروق الجوهرية بين الأعيان والصفات ومحال قيامها، مستنداً إلى الجمع بين براهين العقول وحقائق المنقول، حيث يقول: «لكنَّ المقصودَ هنا أنَّ الفارقَ بين المضافينِ: أنَّ المضافَ إن كان شيئًا قائمًا بنفسهِ، أو حالًّا في ذلكَ القائمِ بنفسهِ، فهذا لا يكونُ صفةً للهِ؛ لأنَّ الصفةَ قائمةٌ بالموصوفِ. فالأعيانُ التي خلقَها اللهُ قائمةٌ بأنفسِها، وصفاتُها القائمةُ بها تمتنعُ أن تكونَ صفاتٍ للهِ، فإضافتُها إليهِ تتضمنُ كونَها مخلوقةً مملوكةً، لكن أُضيفتْ لنوعٍ من الاختصاصِ المقتضى للإضافةِ لا لكونِها صفةً. والروحُ الذي هو جبريلُ من هذا البابِ، كما أنَّ الكعبةَ والناقةَ من هذا البابِ، ومالَ اللهِ من هذا البابِ، وروحَ بني آدمَ من هذا، وذلكَ كقولهِ: ﴿فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا﴾، ﴿فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾، ﴿وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ﴾، ﴿نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقۡيَٰهَا﴾، ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾. وأما إن كان المضاف إليه لا يقوم بنفسه؛ بل لا يكون إلا صفة كالعلم والقدرة والكلام والرضا والغضب فهذا لا يكون إلا إضافة صفة إليه فتكون قائمة به سبحانه فإذا قيل: “أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك” فعلمه صفة قائمة به وقدرته صفة قائمة به وكذلك إذا قيل: “أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك” فرضاه وسخطه قائم به وكذلك عفوه وعقوبته. وأما أثر ذلك وهو ما يحصل للعبد من النعمة واندفاع النقمة فذاك مخلوق منفصل عنه ليس صفة له…”[20].

ويقول ابن تيمية أيضا: «المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان:

أحدهما: صفات لا تقوم بأنفسها… والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه؛ كبيت الله، وناقة الله، ورسول الله، وروح الله، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ومصنوع إلى صانعه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصاً وتشريفاً يتميز به المضاف إليه عن غيره»[21].

ويقول ابن تيمية أيضا: «مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر سلف الأمة وأئمة السنة: أن الروح عين قائمة بنفسها تفارق البدن وتنعم وتعذب، ليست هي البدن ولا جزءاً من أجزائه»[22].

إن الروح وإن لم تكن عيناً جسمانية مشهودة من جنس البدن، إلا أنها عين قائمة بنفسها، تفارق البدن، وتُقبض، وتُصعد بها إلى السماء؛ فعدم مشاهدتها في عالم الحس لا يخرجها عن كونها ذاتاً بائنة عن الخالق سبحانه. وبناءً عليه؛ فإن إضافتها إلى الله تعالى لا توجب كونها صفة قائمة بذاته، بل هي إضافة مخلوق بائن إلى خالقه؛ غير أن المراد بالروح هنا هو هذا المعنى اللطيف الوجودي الذي به حياة البدن، فصارت إضافتها من باب تشريف المخلوق وتكريمه، لا من باب اتصاف الخالق عز وجل بها.

وبناءً عليه، يتقرر أنَّ القسم الثاني من إضافة التشريف هو: (ما كان مَعنىً أو عينا حالًّا في مَحلٍّ بائنٍ عن الله)؛ فالروحُ وإن كانت لا تقوم بنفسها في العيان الآن، إلا أنها عين قائمة بنفسها وتصعد وتهبط بعد خروجها من الجسد، وأيضا لما حلَّت في المخلوق المستقل بكيانه، صارت بائنة عن الله ومخلوقة له، فكانت إضافتها إليه إضافة مِلك وتشريف.

وقد أوضح الإمام أحمد بن حنبل هذا المعنى في رده على الجهمية، حيث فسّر روح الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ﴾ [النساء: 171]، بقوله: ” وتفسير روح الله … إنما معناها أنها روح بكلمة الله، خلقها الله، كما يُقال: عبد الله، وسماء الله، وأرض الله”[23].

فسوّى الإمام أحمد بين إضافة (الروح) وبين إضافة (العبد والسماء)؛ لبيان أنَّ الجميع يشترك في صفة “الـبينونة والانفصال” عن الذات الإلهية، مما يمنع كونها صفةً قائمة به ﷻ، ويُوجب كونها مفعولاً من مفعولاته التي شرّفها بنسبتها إليه.

وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: “لا يُقاس روح الله، وبيت الله، وعبد الله؛ المُجسمات المخلوقات القائمات المُستقلات بأنفسهن اللاتي كن بكلام الله وأمره، لم يخرج شيء منها من الله، ككلامه الذي خرج منه؛ لأن هذا المخلوق قائم بنفسه وعينه، وحليته وجسمه، لا يشك أحد في شيء منها أنه غير الله، وأنه ليس شيء منها لله صفة، والقرآن كلامه الذي منه خرج، وبه تكلم”[24].

فإن قيل: إذا كانت (الروح) وإن كانت جوهر قائم بنفسه إلا أنه لا يستقلُّ بنفسه في الأعيان، بل لا بد من جسد تحل فيه، فما الموجبُ لإخراجها من باب “إضافة الصفة” وإلحاقها بـ “إضافة الملك والتشريف” كـالناقة والبيت؟

يرتكز دفع الشُّبهة الإلزامية التي يطرحها أهل التعطيل حول إضافة (الروح) إلى الله تعالى في مثل قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] على جوابين منهجيين محكمين:

الوجه الأول: تحقيق دلالة “الحلول في البائن” وعِلة الانفصال الوجودي:

إنَّ الروح -وإن لم تكن كـالناقة والبيت – إلا أنها في حَيِّز التحقق والواقع الخارجي «لا توجدُ إلا وهي حالةٌ ومُودَعةٌ في جِرمٍ وعينٍ قائمةٍ بنفسها»؛ لكونها لا تتقوَّم وجوداً إلا في جسد مخلوق أو جزء منه. وبما أنَّ الروح قد تلبَّست وحلَّت بمحلٍ مادي (المخلوق الحادث) بائنٍ ومنفصل عن الله تبارك وتعالى، فقد شاركت (الناقة والبيت) في عِلَّة «البينونة والمنفصلية التامة عن الذات الإلهية»؛ فكانت إضافتها إلى الرب سبحانه من قَبيل إضافة الـخَلْقِ، والـمِلْكِ، والتَّدبير.

الوجه الثاني: الروحُ (عَينٌ قائمةٌ بنفسِها) لا مَحضُ صِفة:

إن التحقيق في مذهب أهل السنة والجماعة يقضي بأن (الرُّوح) جوهر قائم بنفسه وليست عرضاً؛ فهي ذات لطيفة تتحرك وتسمع وتبصر وتعلم، كما نطقت بذلك نصوص السنة الصحيحة.

ومما يبرهن على “استقلالها الوجودي” وكونها عيناً لا صِفة: حالتها بعد الموت؛ إذ تخرج من الجسد وتُصعد إلى السماء أو تُنزل إلى الأرض، وكذلك حالتها في “النوم” حيث تخرج خروجاً جزئياً عن البدن[25]؛ فكل ما صح انفصالُه وحركته بمعزل عن المحل (الجسد) وجب عقلاً اعتباره “عيناً بائنة”. وبما أن الروح عين مستقلة، فإن إضافتها لله تخرج تماماً عن باب “إضافة الصِّفة للذات” (كاليد والعلم)، وتدخل في باب “إضافة المخلوق للخالق” إضافة مِلْك وتشريف.

وقد جرى لسان العرب بـ “إطلاق لفظ المصدر وإرادة المفعول به”؛ فيُسمّى المعلومُ علماً، والمقدورُ قدرةً، والمأمورُ أمراً، والمخلوقُ بالكلمة كلمةً؛ وفي هذه الحالة يكون المسمّى “مخلوقاً بائناً” لا صفةً قائمةً بالذات. ومن شواهد ذلك[26]:

1 – قوله تعالى: ﴿أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ﴾ [النحل: 1]؛ فالمراد بالأمر هنا (المأمور به) وهو المخلوقُ الذي كُوِّن بالأمر، لا صفة الأمر القائمة بذات الله.

2 – وقوله في شأن عيسى عليه السلام: ﴿بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ﴾ و ﴿وَكَلِمَتُهُۥٓ﴾؛ كما في وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ﴾ [آل عمران: 45]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ﴾ [النساء: 171]، فالمسيحُ عيسى سُمِّي (كلمة الله) لكونه خُلِق بكلمة (كُن)، لا لأنَّ ذاته هي نفس كلام الله وصفته؛ إذ المسيحُ عينٌ بائنةٌ قائمةٌ بنفسها.

3 – ومنه قوله ﷺ في الحديث القدسي للجنة: «أنتِ رحمتي أرحمُ بكِ مَن أشاء»، وللنار: «أنتِ عذابي»[27]؛ فالرحمةُ والعذابُ هنا أعيانٌ قائمة بنفسها مـخلوقةٌ بـائنةٌ عن الله لا يمكن أن تكون صفة لغيرها[28]، أُطلق عليهما لفظ المصدر (الرحمة والعذاب) لكونهما أثراً لرحمته وصفته القائمة به.

ومما سبق يتضح أنَّ ما أُضيف لله وكان “عيناً قائمةً بنفسها” (كالجنة والنار والمسيح) امتنع أن يكون صفةً له، وإن سُمِّي بلفظ الصفة؛ لأنَّ القاعدة الوجودية تقتضي أنَّ الصفة لا تنفصل عن موصوفها لتصبح عيناً مستقلة.

دفع اعتراض وجوابه العقلي والوجودي:

الاعتراض: «قد يعترض معترض بأن (يد الإنسان) كالروح، لا توجد في الأعيان إلا في محل مخلوق؛ فما الفارق المنهجي والعقلي بين طبيعة قيام (الروح) وقيام (اليد) الذي يمنع معه التماثل في نوع الإضافة؟».

والجواب: أن الفارق العقلي والوجودي بين الموضعين حاسم ومستقر؛ وينكشف ذلك من خلال حقيقتين بيانيتين:

حقيقة الاتصاف في الشاهد: إن اليد المضافة إلى الإنسان هي صفته وملَكته القائمة ببنيته البشرية الخاصة به، وليست هي (يد الله) جل وعلا بأي وجه من وجوه التمثيل.

قرينة الانفصال السياقي لحرف الجر (في): إن (الروح) أضافها الله جل وعلا لنفسه إضافة ملك وتشريف، ثم قطع الشارع شائبة اتصاف الذات بها بإخباره الصريح عن حلولها ونفوذها في محل بائن ومنفصل عنه سبحانه؛ وذلك في قوله عز وجل: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ [التحريم: 12]. فدخول حرف الجر الظرفي (في) واتصاله بالضمير الغائب العائد حتما على الذات المخلوقة (كآدم أو عيسى عليهما السلام)، يقطعان دلاليا ويقينيا بأن هذه الروح قد انتقلت بالكامل إلى حيز “الحلول في المفعول الـمَصنوع البائن”.

بالمقابل؛ لم يخبر الله سبحانه قط في نصوص التوقيف أنه جعل (يده)، أو (سمعه)، أو (بصره) حالا في مخلوقاته؛ فثبت أن اليد صفة قائمة بذاته العلية لا تنفك عنها، وأن الروح معنى مَخلوق أودعه الله في غيره؛ فكانت نسبتها إليه نسبة تشريف للمصنوع بإضافته لعظمة صانعه.

مآخذ التمايز المعرفي بين الاتصاف الذاتي والحلول الكوني:

يتضح جليا مما تقدم أن العبرة المنهجية في تحديد نوع الإضافة ليست بمجرد كون المعنى اللفظي لا يقوم بنفسه في الذهن، بل بـ «طبيعة المحل الذي قام به حقيقة في الأعيان»؛ ويظهر الفارق الوجودي بينهما من جهتين:

الجهة الأولى: من جهة المحل والقيام الوجودي:

إن اليد التي هي صفة ثابتة لله تعالى، أضيفت إليه إضافة (اتصاف وقيام بالذات الأزلية)؛ ولم يخبر الباري قط أن صفاته الذاتية تَحُل في مخلوق أو تنفصل عن كيانه الصمدي. أما الروح، فرغم إضافتها إليه تشريفا (من روحي)، إلا أن نص الوحي صرح بوقوع فعل النفخ فيها وحلولها بأداة الظرفية (في) محل بائن وهو (المخلوق)؛ وما قام بالمخلوق وتلبس به امتنع قطعا وعقلا أن يكون صفة للخالق.

الجهة الثانية: من جهة البينونة والانفصال الحسي:

إن اليد المضافة للإنسان هي صفة مخلوقة قائمة بمخلوق (مخلوق في مخلوق)، أما الروح التي نسبها الله لنفسه ثم أخبر بأنه أودعها في بني آدم، فقد اكتسبت حكم «البينونة والانفصال العيني» بمجرد انتقالها وبثها في جسد آدم؛ فدل ذلك على أنها عين مخلوقة شُرِّفت بالنسب الإضافي، وليست صفة إلهية قائمة بالذات المقدسة.

والقاعدة الجامعة: «أن كل معنى أو لفظ أضافه الله تعالى لنفسه وأخبر في نصوص التوقيف بـحلوله أو نفوذه في غيره (المخلوق البائن) فهو مخلوق مُصنَّع شُرِّف بالإضافة، وما أضافه لنفسه ولم يخبر بـانفكاكه عنه ولا حلوله في مفعولاته فهو صفة كمال أزلية قائمة بذاته لا تنفك عنها».

القيد الثاني: الذاتُ الإلهية:

إنَّ لفظَ (الذات) يتعددُ مَدلولُه بين الوضعِ اللغويِّ والأثرِ الشرعي، ويمكنُ جلاءُ معناهُ اللغويِّ في مَنحيين:

أولاً: (الذاتُ) في اللغة له عدة معان[29]:

المعنى الأول: بمعنى (صاحبة):

وهي تأنيثُ (ذو) التي بمعنى (صاحب)، ويُستعملُ هذا الإطلاقُ مُقترناً بالإضافةِ دائماً؛ كما في قولِك: “امرأةٌ ذاتُ علم” أي: صاحبةُ علم. ومنه وُرودُها مضافةً للجهاتِ والأزمان كـ “ذاتِ اليمين” و”ذاتِ ليلة” و”ذات صباح”.

وقد استقرَّ هذا الاستعمالُ اللغويُّ في نصوصِ الوحيينِ وكلامِ العربِ المحض وفي اللغة مقرونا بالإضافة؛ ومن شواهده:

قوله تعالى: ﴿وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 1]؛ أي حقيقةَ الوصلِ بينكم.

وقوله تعالى: ﴿عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [المائدة: 7]؛ أي بـمستودعاتِها وصواحبِها من الخفايا.

ومن السنةِ والأثر: قولُ خبيبِ بن عدي رضي الله عنه (كما في صحيح البخاري):

«وذلك في ذاتِ الإلهِ وإن يَشأ *** يُبركْ على أوصالِ شِلوٍ مُمزَّعِ[30]»

وبناءً عليه؛ فإنَّ اسمَ (الذات) في لسانِ النبوةِ وعرفِ الصحابةِ واللغةِ الأصيلةِ جرى على هذا المعنى بـاعتبارِه مـُضافاً لـما بَعده، وهو ما يـمهدُ لفهمِ كيفيةِ انتقالِ المصطلحِ إلى مدلوله الاصطلاحي اللاحق.

المعنى الثاني: (ذات) بمعنى الاسم الموصول (التي):

ومن مراجيحِ لسانِ العربِ ما عُرِف عن قبيلةِ “طيء”[31] من استعمالِ (ذات) بمعنى (التي)، و(ذو) بمعنى (الذي). ومن شواهدِهم اللغويةِ في ذلك قولُ شاعرِهم:

فإنَّ الماءَ ماءُ أبي وجَدّي *** وبـئري (ذو) حَفَرتُ و(ذو) طَويتُ

أي: بـئري (الذي) حَفَرتُ و(الذي) طَويتُ. وعلى هذا النسقِ يُقال في لسانِهم: “جاءت ذاتُ أرضعتْ ولدَها”؛ أي: (التي) أرضعتْ ولدَها. وهذا الاستعمالُ يُبينُ سعةَ تـصرُّفِ العربِ في هذا اللفظِ قـبلَ أن يـستقرَّ مـدلولُه في العرفِ العلميِّ والاصطلاحي.

المعنى الثالث: (ذات) بمعنى الجهة والسبيل:

ومن وجوه استعمالها في اللغة إضافتها إلى الجهات، كقولنا: “ذات اليمين وذات الشمال”؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ﴾؛ أي جهة اليمين وجهة الشمال.

ويمكن أن يُحمَل على هذا المَعنى قول خبيب رضي الله عنه: (وذلك في ذات الإله)، وكذلك ما ورد في الحديث عن كذبات إبراهيم عليه السلام أنها كانت (في ذات الله)؛ أي في جهته ومرضاته وسبيله. فالمراد بـ “ذات الله” هنا ليس حقيقة النفس المقدسة بالاصطلاح المتأخر، وإنما المعنى اللغوي الذي يقصد (جهة التقرب إلى الله وطاعته)؛ وهو استعمال فصيح يربط بين اللفظ وبين مقصد التعظيم والاحتساب.

المعنى الرابع: (ذات) لتوكيد التنكير:

ومن أوجه استعمالها في اللسان العربي ورودها “زائدة لتوكيد التنكير”؛ ويُقصد بذلك تقوية مَعنى الزمان أو الحدث الـمُنكَّر. ومِثاله قولك: “قدِمنا مكة ذات يوم”؛ فكلمة (ذات) هنا أُضيفت لليوم لتأكيد تنكيره وتعيين مبدئه، ولو قلت: (قدِمنا مكة يوماً يوما فوجدنا المسجد خفيفا) لاستقام الكلام معنىً.

وهذا الاستعمال مـُستفيض في جُملة الأحاديث النبوية، كقول الصحابة رضي الله عنهم: “خَرجنا مع النبي ﷺ ذات يوم”، أو “ذات ليلة”. والغرض البلاغي من هذا الإطلاق هو تهيئة ذهن السامع لاستقبال خبر أو واقعة حدثت في ذلك الوقت الـمُبهَم، وهو استعمال يجري على سَنن العرب في ترسيخ الـمَعنى وتأكيده بالإضافة.

وبعد استعراض هذه المعاني الأربعة؛ يبرز المعنى الخامس وهو إطلاق (الذات) ويراد بها: “نفس الشيء وحقيقته”؛ وهو إطلاق وقع فيه نزاع بين علماء اللغة؛ فمنهم مَن أنكره لعدم جريانه على منطق العرب الأوائل، ومنهم مَن أجازه، وظاهر صنيع الإمام البخاري يميل إلى جواز استعمالها بمعنى (النفس).

وإذا نُظر في “الوجه الاشتقاقي” لهذا الاستعمال؛ فأصل الكلمة (ذات) بمعنى (صاحبة)، فقولنا: “ذات علم” أي صاحبة علم؛ وحيث إن الباري ﷻ هو (ذو العلم) فقد استعمل المتأخرون لفظة (الذات) بإسقاط المضاف إليه وتعريفها بالألف واللام لتدل على (الماهية المقدسة).

ورغم اعتراض بعض العلماء على إطلاقها في حق الله ﷻ لِما في التاء من شبهة (التأنيث اللفظي) – قياساً على مَنع وصفه بـ “علّامة” وجوازه في حق الـمخلوق – إلا أن الـمُحققين من جمهور العلماء على جواز إطلاقها؛ باعتبارها غدت اصطلاحاً شرعيّاً وعلميّاً يُراد به (الوجود الحق والنفس الـمُقدسة)، لا التأنيث الـمستحيل في حقه سبحانه.

ثانياً: الـمَعنى الاصطلاحي لـلفظِ (الذات):

أطلقه المتكلمون على النفس، فإنهم لما وجدوا الله عز وجل قال في القرآن: ﴿تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ﴾ [المائدة: 116]، ويقول: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ﴾ [آل عمران: 28]، فمن باب الإخبار وصفوا هذه النفس بأنها: (نفس ذات علم، وقدرة، ورحمة، ومشيئة)؛ ثم عمدوا – على سبيل الاختصار العلمي – إلى حذف الموصوف (النفس) وتعريف الصِّفة (ذات) بالألف واللام لتدل على الماهية المستجمعة للصفات، فصارت: “الذات”. وهي بهذا الاعتبار تُعد “كلمة مولَّدة” اصطلاحاً، لم يجر استعمالها بهذا المبنى الاسمي المستقل في عرف العرب الخُلَّص، وإنما كان استعمالهم لها مقصوراً على التبعية والإضافة.

والمأخذ النقدي على مسلك المتكلمين هو محاولتهم إطلاق لفظ (الذات) باعتبارها حقيقة مجرَّدة عن الصفات؛ لكننا نرد عليهم بالقاعدة اليقينية: “أنه لا وجود في الواقع العيني الخارجي لذات بلا صفات، ولا لصفات بلا ذات”؛ وإنما التغاير بينهما هو تقسيم اعتباري ذهني لغرض البيان فحسب.

فالذات عند أهل السنة والجماعة هي: الموصوفة بصفات كمالها التي تُميِّزها عن سائر الموجودات، ولها من الخصائص الوجودية والمنعوت الثابتة ما يستلزم اتصافها بكل كمال مطلق يليق بجلالها؛ فالذات والصِّفة حقيقة واحدة في الوجود، متعدِّدة في الاعتبار.

القيدُ الثالث: (مِمَّا يُميزُها عن غيرِها):

ويشير هذا القيد إلى “الوظيفة الجوهرية” للصِّفة؛ فالله سبحانه قد وصف نفسه بصفات كمالية كثيرة ليتعرف بها إلى عباده، وتكون هي السبيل لتمييز حقيقة وجوده المقدس عما سواه من المخلوقات.

فهذه الصِّفات هي التي تخرج الموصوف من حيز (الإبهام) إلى حيز (التعيّن والتفرّد)؛ إذ بها يتجلى للخلق كمال الرب، وعظمة شأنه، وجلال قدرته. وبناءً عليه، يغدو إثبات الصِّفات هو المحرّك الأساس لعمارة القلب باليقين؛ فكلما ازداد العبد معرفة بتلك الميزات والكمال الثابت لله، ازداد تعظيماً لخالقه وتفريداً له بالجمال والجلال المطلق.

القيدُ الرابع: (وردت به نصوصُ الكتابِ والسنة):

ويُرسِّخ هذا القيد مبدأ “التوقيف الشرعي” في باب الصِّفات الإلهية؛ إذ إن مصدر التلقي في إثبات كمالات الباري سبحانه مقصور على ما نطق به الوحي المعصوم. فالعقل وإن أدرك ضرورة اتصاف الرب بالكمال المطلق على جهة الإجمال، إلا أن تفاصيل تلك الصِّفات وأسماءها مرتهنة بالنص ثبوتاً وإثباتاً، وهو ما سأعمد إلى تفصيله وبيان أدلته في مبحث (توقيفية الصِّفات الإلهية) القادم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأمر الثاني: مَشروعيةُ إطلاقِ لفظِ (الصِّفة) وتَحقيقُ ورودِه:

يطرحُ هذا المبحثُ سؤالاً جوهرياً في منهجيةِ التلقي: هل ثَبَتَ لفظُ “الصِّفة” – بـصيغتِه الحرفيةِ ومدلولِه الوجودي – في نصوصِ الوحيين؟

من المقرر يقيناً أن لفظ “الأسماء” قد نص عليه القرآن الكريم في مواضع عديدة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ﴾ [الأعراف: 180]. ولكن النزاع العلمي يتركز حول كلمة (صِفة): هل وردت بذات اللفظ لِتُعبّر عما يقوم بالذات الإلهية من كمالات في الكتاب والسنة؟ أم أنها اصطلاح حادث استقر عليه العمل لاحقاً؟ هذا ما سنعمد إلى تحقيقه من خلال تتبع الاستعمال النبوي وآثار السلف.

من المقرر استقراءً أن القرآن الكريم قد حفل بآيات قاطعة تُثبت (صفات الكمال) لله تعالى بدلالة المعنى والمطابقة، إلا أن اللفظ بصيغته الحرفية (الصِّفة) لم يَرِد في النظم القرآني مطلقاً؛ وإنما جاءت مشتقاته في مواضع متعددة كقوله: ﴿يَصِفُونَ﴾، و﴿وَصۡفَهُمۡ﴾، و﴿تَصِفُ﴾. والملاحظ أن هذه الورودات جاءت في سياق (الإنكار على الكفار) وزيف ادعاءاتهم، لا في مقام التسمية الاصطلاحية لكمال الذات.

أما مَن استدل على مشروعية المصطلح بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ﴾ [النحل: 60]؛ فقد ذهب إلى أن “المثل الأعلى” هو الوصف الأكمل، وهو استدلال بالمعنى واللزوم؛ إذ إن كمال الذات يستلزم ثبوت صفات الكمال، وإن لم يُنصّ على المصطلح بلفظه الصريح في جملة الآيات.

وحول دلالة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ﴾، يذكر القرطبي في تفسيره ما يربط المعنى بباب الصفات بوضوح؛ حيث يقول: “أي الوصف الأعلى من الإخلاص والتوحيد؛ قاله قتادة. وقيل: أي الصِّفة العليا؛ بأنه خالق، رازق، قادر، ومُجازٍ”[32].

وهذا النقل يُبين أن أئمة التفسير الأوائل – كقتادة ومَن بَعده – فَهِموا من “المثل الأعلى” اتصاف الباري سبحانه بـ (الأوصاف الكاملة والأسماء العلية)؛ فجعلوا “المثل” مرادفاً لـ “الصِّفة” في حقّه سبحانه. وبناءً عليه، يكون القرآن قد أثبت حقيقة الصِّفات بلفظ “المثل”، مما يُبطل مزاعم مَن حصر دلالة القرآن في نفي أوصاف المشركين فحسب.

إن الصِّفات الإلهية هي المعاني المضمَّنة في الأسماء الحسنى أو الكامنة وراءها؛ إذ كل اسم يستلزم بالضرورة ثبوت صِفة قائمة بالذات. وهذا التلازم بين (الاسم والصِّفة) في نصوص الكتاب والسنة كافٍ وحده لإثبات شرعية انتساب الصِّفات إلى موارد الشرع الحكيم.

والفرق الدقيق بينهما هو أن “الاسم” يدل على ذات الله مقترنة بصفة كماله؛ كالعليم والسميع والقدير؛ فهذه الأسماء دلت على الذات وعلى ما قام بها من العلم والسمع والقدرة. أما “الصِّفة”؛ فهي نعت الكمال القائم بالذات (كالعلم والحكمة)؛ وبناءً عليه: فالاسم دالّ على أمرين (الذات والصفة)، بينما الصِّفة دالة على مَعنىً واحد قائم بالذات. وبعبارة جامعة: الاسم متضمن للصِّفة، والصِّفة مستلزمة للاسم[33].

يؤصل ابن القيم وغيره في هذا الموضع لقاعدة أن الاسم يدل على الذات والصفة معاً بطريق “المطابقة” (فالسميع يدل على ذات الله وصفة السمع)، بينما الصفة تدل على المعنى القائم بالذات فقط (فالسمع يدل على الصفة وحدها). وبناءً عليه، يكون الاسم “متضمناً” للصفة، والصفة “مستلزمة” للاسم.

وإذا تقرر أن كل اسم إلهي يتضمن بالضرورة صِفة قائمة بالذات، وأن مقتضى العقل واللغة يوجب التعامل مع (اليد والعلم والسمع) المضافة لله ﷻ بوصفها صفات حقيقية لـموصوف عظيم؛ فإن مناط البحث هنا يتركز حصراً على “مشروعية اللفظ” (صِفة وصِفات). فالسؤال ليس عن ثبوت المضمون المجمع عليه، وإنما عن “توقيفية المصطلح”؛ وهل ورد هذا الإطلاق اللفظي في لسان الشارع أو جرى به عرف السلف الصالح بحيث يُردّ به على مَن حظر استعماله كابن حزم وغيره؟

وأصرح دليل أثري نطق بلفظ “الصِّفة” هو حديث الرجل الذي كان يصلي بالناس ويقول مع الفاتحة “قل هو الله أحد”، فاشتكاه الناس للنبي صلى الله عليه وسلم فقال هذه “صفة الرحمن”، “أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صِفَة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه”[34].

وهذا الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم يمثل “حجة قاطعة” في مشروعية إطلاق لفظ “الصِّفة” مضافة إلى الرحمن ﷻ؛ إذ نطق بها الصحابي في مقام التعليل والبيان، وأقره عليها الوحي بتأييد محبة الله له. فلو كان إطلاق لفظ “الصِّفة” محذوراً أو بدعة – كما يزعم مَن حظر المصطلح – لكان التنبيه على خطئه في اللفظ مقدماً على تبشيره بالمحبة.

ولكن يبقى السؤال الجوهري محط التحقيق: هل يدل إطلاق لفظ “الصِّفة” في هذا السياق النبوي على المعاني الثبوتية القائمة بالذات الإلهية —سواء كانت صفات ذاتية لازمة أو صفات فعلية اختيارية؟ أم أن محدودية اللفظ هنا تقتصر على معنى “الإخبار والوصف القولي”؟ هذا ما سنعمد إلى جلاء حقيقته وتفكيك مدلولاته.

إن المرتكز الأساس في إثبات مشروعية لفظ “الصِّفة” أو “الصِّفات” نسبة إلى الله تعالى – باعتبارها مبنى ومعنى – ينهض على ركنين جليين: اللسان العربي الذي نزل به الوحي، والإجماع العملي المستفيض عن الصحابة والتابعين.

فاللغة هي الوعاء الذي استوعب حقائق الإضافة والوصف الإلهي، وعمل الصدر الأول هو البيان التطبيقي الذي لم يُؤثر فيه منازع يُنكر هذا الإطلاق؛ مما يجعل الاعتراض على المصطلح اعتراضاً على مقتضى اللغة وسَنن السلف في الفهم والتعبير.

أولاً: الإجماع العملي للصحابة والتابعين وأئمة السلف:

لقد جرى لسان السلف الصالح – وهم أرباب الفصاحة وأعلم الناس بمراد الله – على تسمية (اليد، والقدم، والساق، والعين) ونحوها من الحقائق المضافة للباري سبحانه بـ “الصفات”؛ فكانوا ينظرون إليها كنعوت كمال قائمة بالذات، مُستعملين في ذلك عبارتي: “صفات الله” و”ما وصف الله به نفسه” دون نكير.

وفي هذا السياق التاريخي الراسخ، ينقل الإمام المقريزي هذا الإجماع المستفيض بقوله: “إن جميع الصحابة على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم؛ أثبتوا لله تعالى صفات أزلية من العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة”. وهذا النقل يؤكد أن مسمى “الصفة” كان مستقراً في وعيهم المنهجي، ومستخدماً في مقام البيان والإثبات، مما ينفي عارضة “الابتداع” عن هذا المصطلح.

ونجد ذلك في قول الشهرستاني: “اعلم بأن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والجلال والإكرام، والجود والإنعام، والعزة والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقا واحدا”[35].

ولتعضيد هذا الإجماع بالشواهد التفصيلية؛ نورد جملة من الآثار الثابتة عن الصحابة والتابعين وأئمة السلف، التي نطقوا فيها بلفظ “صِفة الله” و”صِفاته” بصراحة تامة، مما ينقض دعوى ابن حزم في نفي مشروعية اللفظ.

1 – أثرُ أميرِ المؤمنين عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه:

رُوي أنَّ رجلاً جاءه وهو في مَسجدِ الكوفة، فقال: يا أميرَ المؤمنين، هل ‘تصفُ’ لنا ربَّنا فنزدادَ له حُبّاً ومَعرفة؟ فأجابه عليٌّ رضي الله عنه بـقاعدةٍ مـنهجيةٍ رصينةٍ قائلًا: ‘عليك أيها السائلُ بما دلَّ عليه القرآنُ من (صِفَتِه) فـائتمَّ به، واستضئ بـنورِ هدايتِه”[36].

وتكمن قوة هذا الأثر في نطق أمير المؤمنين الصريح بلفظ (صِفته) مضافة إلى الضمير العائد على الله ﷻ، وفي مقام تعليم وإرشاد؛ مما يبرهن على أن المصطلح لم يكن محل تحرج أو نكارة لدى الرعيل الأول، بل هو السبيل الموصل لمحبة الخالق وتوقيره.

2 – أثر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:

أُثِر عن ترجمان القرآن ابن عباس – في سياق مناظرته لنجدة الحروري زعيم الخوارج (قتل سنة 68هـ) – أنه سُئل: (كيف مَعرفتك بربك؟)، فأجاب بجماع عقيدة السلف: ‘أعرفُه بما عرّفَ به نفسَه من غيرِ رؤية، و(أصفُه) بما وصفَ به نفسَه”[37]. وهذا الأثر يقطع بأنَّ فعل “الوصف” وإثبات “الصفة” كانا ركيزتين في مَحاجّة الفرق الضالة منذ القرن الأول، مِما يُبطل دعوى حداثة المصطلح أو اعتزاليته -كما زعم ابن حزم-.

3 – أثر الإمام الأوزاعي (إمام أهل الشام):

سَاق البيهقيُّ بـإسناده عن الإمام الأوزاعي – أحد كبار أتباع التابعين – قولَه الشهير الذي يُعدُّ قاعدةً في باب التلقي: “نُؤمنُ بما وردتِ السنةُ به من (صِفاتِه) جلَّ وعلا”[38]. وفي هذا تصريح لا يقبل التأويل بلفظ (صِفاته) مضافة إلى ذات الباري سبحانه، وصادراً عن إمام من أئمة الاجتهاد والاتباع؛ مما يثبت أن المصطلح كان مستقراً ومنتشراً في مدارس السلف بالأمصار.

4 – أثر الإمام أبي حنيفة النعمان:

يقررُ الإمامُ أبو حنيفة فيما ينسب إليه كتابه (الفقه الأكبر) – وهو من أقدمِ ما دُوِّن في المعتقد – إثباتَ الصِّفاتِ بعبارةٍ صريحةٍ قائلًا: “ولا يُشبهُه شيءٌ من خلقهِ، لم يَزل ولا يَزالُ بأسـمائِه و(صِفاتِه) الذاتيةِ والفعلية”[39]. وفي هذا دلالة قاطعة على أن تقسيم الصِّفات إلى ذاتية وفعلية، واستعمال لفظ “الصِّفة” مضافاً لله ﷻ، كان أمراً مستقراً لدى أئمة السلف في مطالع عصر التدوين.

5 – أثر الإمام مالك بن أنس (إمام دار الهجرة):

رُوي عن الإمام مالك قولُه التحذيريُّ الشهير: “إياكم والبدع. قيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال: أهلُ البدعِ الذين يتكلمون في أسماءِ اللهِ و(صِفاتِه) وكلامِه وقدرتِه، ولا يسكتون عما سكتَ عنه الصحابةُ والتابعون لهم بإحسان”[40].

والتحقيق في قول الإمام مالك أنه يتضمن اعترافاً صريحاً بمشروعية مسمى “الأسماء والصِّفات”؛ إذ لم يرد في سياقه إبطال للفظ أو إنكار للمصطلح، وإنما انصبّ ذمّه على (الخوض الكلامي المبتدع) في كيفياتها وماهياتها، وهو المسلك الذي سكت عنه الرعيل الأول؛ فثبوت اللفظ عند مالك ركن في الإيمان، والسكوت عما سكت عنه السلف ركن في الاتباع.

6 – أثر إمام السنة عثمان بن سعيد الدارمي:

يُعدُّ الإمامُ الدارمي من أقوى أئمة السلف صولةً في نقد الفكر الاعتزالي، وقد نطق بلفظ (الصفات) في مَواضعَ عديدة من رده على المريسي؛ حيث قال مُؤصِّلاً لقاعدة الإثبات: ‘لا تُكيَّفُ هذه الصِّفاتُ – يَقصدُ الصِّفاتِ الإلهية – ولا نُكذِّبُ بها”[41].

ولم يكتفِ الدارميُّ بـإثبات اللفظ، بل رَبط بينه وبين (باب الأسماء) بـتلازمٍ وجوديٍّ دقيق بقوله: “وأسماءُ اللهِ صِفاتُه، ليس شيءٌ منها مخالفاً لصِفاتِه، ولا شيءٌ من صِفاتِه مخالفاً لأسـمائِه”[42].

وهذا التقرير يُثبت اعتراف أئمة السلف بمشروعية مسمى “الصِّفات الإلهية”، وتأكيدهم على أن الأسماء والصفات مَنبعهما واحد؛ فالاسم دالّ على الصفة، والصفة مُحققة لمعنى الاسم. وبناءً عليه؛ فإن الدارمي أثبت اللفظين (الأسماء والصفات) بقوة وبإدراك تام للعلاقة بينهما، مما يقطع الطريق على مَن حاول افتعال قطيعة مصلحية بينهما.

7 – الاستدلالُ بـ (الصِّفة) في شأنِ النبيِّ ﷺ وعُرفِ المحدثين:

لم يقتصر استعمالُ مصطلح “الصِّفة” على ذات الباري سبحانه، بل جرى به العملُ والاستدلالُ في شأنِ النبيِّ ﷺ؛ مما يُثبتُ أصالةَ اللفظِ في لسانِ الرعيلِ الأول. ومِن أجلى الشواهدِ على ذلك ما نُقِل عن الإمامِ محمد بن سيرين – أحدِ كبارِ التابعين – أنه كان إذا قصَّ عليه رجلٌ رؤيةَ النبيِّ ﷺ في المنامِ، قال له: “صِفِ الذي رأيتَه”؛ فإن وصفَه بـ “صِفةٍ” لا يَعرفُها، قال له: (لم تَرَه).

رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب من شُيُوخ البُخَارِيّ عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب، قَالَ: كَانَ مُحَمَّد يَعْنِي ابْن سِيرِين إِذا قصّ عَلَيْهِ رجل أَنه رأى النَّبِي قَالَ: صف الَّذِي رَأَيْته، فَإِن وصف لَهُ بِصفة لَا يعرفهَا قَالَ: لم يره، وَهَذَا سَنَد صَحِيح”[43].

وقد عَلق الحافظُ ابن حجر على هذا الأثرِ – الذي صَححه وأورده البخاريُّ تعليقاً – بقوله: “إذا رآه في صورته”، أي: “أرادَ أنَّ رؤيتَه إياه ﷺ لا تُعتبرُ إلا إذا رآه على صِفتِه التي وُصِف بها”. وفي رواية “وَلَا تتَمَثَّلُ الشَّيطَانُ بِي” زاد بعده في نـ: “قَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا رَاهُ عَلَى صُورَتِهِ” – أراد أن رؤيته إياه صلى الله عليه وسلم لا تعتبر إلا إذا ‌رآه ‌على ‌صفته ‌التي ‌وصف ‌بها صلى الله عليه وسلم..”[44]..

وهذا الاستعمال المتكرر للفعل (صِفْ) والمصطلح (صِفة) في أخص شؤون النبوة وبإقرار جهابذة الحديث، يقطع بأن اللفظ لم يكن “بدعة منكرة” ولا “اختراعاً كلامياً”، بل هو أصل لغوي وشرعي يُراد به بيان هيئة الموصوف وخصائصه الثابتة له؛ فإذا جاز إطلاقه في حق أكمل الخَلْق، فإنه يجوز من جهة الأولى في حق الخالق – بما يليق بجلاله – لبيان كمالاته ونعوته.

ويُعززُ هذا الفهمَ ما قررهُ الشيخ محمد بن جميل زينو بقولِه: “إنَّ رؤيا الرسولِ ﷺ ممكنةٌ على الوجهِ الذي وردَ في شمائلِه ﷺ من طُولِه، ولونِه، وهيئتِه، ولِحيتِه، وغيرِ ذلك”. ونقلَ عن الـمُناوي قوله: ‘أنَّ الرؤيا الصحيحة أن يراه بـصورتِه الثابتةِ بالنقلِ الصحيح فإن رآه بغيرها كطويل أو قصير، أو شديد السمرة. لم يكن رآه”[45]. والشاهدُ هنا: أنَّ الطولَ واللونَ والهيئةَ قد أُدرجت صراحةً ضِمنَ مسمّى “الصِّفات”؛ مما يبطل دعوى قصر المصطلح على المجردات الذهنية، ويؤكد شموله للحقائق العينية المخبر عنها.

وهذا المسلك في استعمال لفظ (الصِّفة) هو الذي استقر عليه العمل عند كبار أئمة الإسلام؛ كـ الحسن البصري، والشافعي، وأحمد، وابن خزيمة، والخطابي، والسجزي، والدارمي، وسحنون، وابن عبد البر، وغيرهم ممن سلكوا منهج الإثبات. وسأعمد إلى بسط نصوصهم والاحتجاج بها عند الحديث عن “توقيفية الصفات الإلهية”؛ لبيان أن هذا المصطلح كان مفتاحاً منهجياً لدى السلف في تمييز الحقائق وإثبات كمالات الخالق والمخلوق بما يليق بكل منهما.

وتعد هذه الشواهد الأثرية نماذج برهانية كافية لإثبات جريان لفظ “الصفات” على ألسنة الصدر الأول؛ إذ تقطع بأن مصطلح “الصفات الإلهية” لم يكن غريباً عن فقه الصحابة كعلي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم، ولا عن مدرسة التابعين وأئمة السلف قاطبة. وبناءً عليه؛ فإن القول بخلو القرون المفضلة من هذا الإطلاق اللفظي هو محض دعوى يردها “النقل المستفيض”، ويكفي ثبوتها عن مثل هؤلاء الأعلام ليكسب المصطلح مشروعية أثرية لا مجال للمنازعة فيها.

ثانياً: مَشروعيةُ مصطلحِ (الصِّفة) من جِهةِ اللغةِ والبيان:

ويتحقق وجه الاستدلال هنا في أن “الوصْف” عند أئمة اللسان هو: (الإخبار عن حقيقة الشيء وكُنهه). وقد جلا هذا المَعنى جهابذة اللغة كابن فارس وابن منظور – كما سآتي على توثيقه – مبينين أن هذا الإخبار يستغرق كل صفة ثبوتية في الموجود المُخبَر عنه.

والتحقيق اللغوي يقضي بأن (الصِّفة) هي “الأمارات الثابتة واللوازم المتقوّمة بذات الموصوف”؛ وبناءً عليه، تُعدّ (اليد، والقدم، والوجه، والعين) صفات ذاتية عينية للموصوف بمقتضى اللغة، إذ لا يتم الإخبار عن الموجود وتمييزه في الخارج إلا بذكر صفاته الثبوتية.

وبناءً على هذا التأصيل؛ ينقسم الإخبار اللغوي عن الصِّفات إلى مسلكين:

1 – صفات الأعيان (الصِّفات الخبرية): وهي التي تُدرك في الشاهد بالعيان وتكون مناطاً للرؤية الحسيّة، كـ (الوجه واليد والقدم).

2 – صفات المَعاني: وهي التي تقوم بالذات كحقيقة وجودية لا تُدرك بالحسّ المجرد، كـ (العلم، والسمع، والبصر، والحكمة).

وكلا النوعين يندرج في مسمّى (الصِّفة) لغةً؛ لكونهما مناط التمييز الذي يُخرج الموجود عن محض “العدم” أو “الإبهام الذهني” إلى حيّز التحقّق العيني.

فالصِّفة في التحقيق اللغوي هي: (الأوصاف اللازمة الثابتة للذات)، التي لا تتقوم ماهية الموصوف في الأعيان إلا بها؛ وعليه فإن (الوجه، واليد، والقدم، والعين) ونحوها تُعدّ صفات ذاتية حقيقية للموصوف بمقتضى لسان العرب؛ إذ هي مناط تمييزه وتشخُّصه.

فنحن في اللغة لا نُخبر عن “الموجود” ونُميزه عن غيره إلا بذكر صفاته؛ سواءً كانت ذاتية تلازمه ولا تنفك عنه، أو اختيارية (فعلية) تتعلق بمشيئته وفعله؛ فما الصِّفة في جوهرها إلا الأمارة الكاشفة عن حقيقة الذات ومقتضيات وجودها.

فالعرب حين تستنطق الواصف بقولها: (صِف لنا مَن رأيت؟)؛ فإنها لا تطلب قصر الوصف على المعاني المجرَّدة فحسب، بل تبتغي الإحاطة بكافة خصائصه ومقومات وجوده؛ بما في ذلك لونه، وطوله، ومنكباه، وهيكل أعضائه وقوتها.

فلو عمد واصف إلى رسم صورة عينيّة لرجل فقال: (أبيض اللون، سهل الخد، خفيف اللحية، طويل العنق، أخمش الساقين، سريع الخطو..)؛ فماذا يعدُّه السامع في عُرف اللغة والمنطق؟ إنه بلا ريب قد أثبت له “صفات حقيقية” قامت بذاته وميَّزت هُويته. وهذا يبرهن على أن (العين واليد والقدم والوجه) هي في لسان العرب “صفات ذاتية” لموصوفها، إذ لا يتمّ “البيان” ولا يتحقق “التمييز” إلا بذكر هذه الأعيان المضافة للذات، وإدراجها في مسمّى الصِّفات هو مقتضى الفصاحة وحقيقة البيان.

ومما يستدلُّ به على أصالةِ هذا المعنى في لسانِ العرب:

11 – ما قررهُ ابن منظور في ‘لسان العرب’:

ذكرَ في مادة (وصف): “وصَفَ الشيءَ له وعليه وَصْفاً وصِفةً: حلاهُ، والهاءُ عوضٌ من الواو، وقيل: الوَصْفُ المصدرُ والصِّفةُ الحليةُ”. ونقلَ عن الليثِ قوله: “الوَصْفُ وصفُكَ الشيءَ بـحِليتِه ونَعته”[46]. والشاهدُ هنا في قوله: (حَلاهُ) و (الحلية)؛ مما يُفيد أنَّ الصِّفةَ في أصلِ اللغةِ هي جِبلَّةُ الشيءِ وما قامَ به من حقائقَ وأعيانٍ تُحلّيه وتُميزه.

ثم عقد ابن منظور مقارنة منهجية فارقة بين اللغة والنحو بقوله: “وأما النحويون فليس يريدون بالصِّفةِ هذا؛ لأنَّ الصِّفةَ عندهم هي النعتُ، والنعتُ هو اسمُ الفاعلِ نحو ضارب، والمفعولِ نحو مضروب، وما يرجع إليهما من طريق المعنى نحو مثل وشبه، وما يجري مجرى ذلك، يقولون: رأيت أخاك الظريف، فالأخ هو الموصوف، والظريف هو الصفة، فلهذا قالوا لا يجوزُ أن يُضافَ الشيءُ إلى صِفتِه، كما لا يجوز أن يضاف إلى نفسه لأنَّ الصِّفةَ هي الموصوفُ عندهم، ألا ترى أنَّ الظريفَ هو الأخ؟”[47].

وهذا النقل يُبطل مسلك مَن حَصَر مسمى “الصِّفات الإلهية” في القوالب النحوية (كالمشتقات)، مبيناً أن الصِّفة في منطق اللغة أوسع وأشمل؛ إذ هي “حلية” الموصوف وأماراته الثابتة له، سواءً كانت معانيَ أو أعياناً.

وعليه، فإن مَن رام التفريق بين (الصِّفة والوصف والنعت) في باب الإلهيات، فقد استزلّه “الاصطلاح النحوي” الضيق عن سعة “اللسان العربي”؛ إذ الثابت في لغة العرب أن هذه الألفاظ الثلاثة تتوارد على معنىً واحد.

فلا فرق في ميزان اللغة بين أن يُقال: (نعوت الله، أو صفات الله، أو أوصاف الله)؛ لأن التقاسيم التي تضعها بعض المدارس النحوية – بجعل النعت لما يتغير والصفة لما يثبت – فإن قيل: قد يراد بالنعت ما يكون مستقرًا ثابتًا، أو متغيرًا كالخلق، وقد يراد بالصفة مكان لازمًا نقول: هذا اصطلاح نحاة وليس بلسان العرب، أي: هي “مواضعات اصطلاحية” حادثة، لا تُلزم الحقائق الوجودية ولا دلالات النصوص الشرعية. وقد قطع ابن منظور هذا النزاع بقوله: “وأما النحويون فليس يريدون بالصِّفة هذا؛ لأن الصِّفة عندهم هي النعت.. الخ”.

والنتيجة الحاسمة من تقريرات ابن منظور هي ضرورة الفَصْل بين (المعنى اللغوي الأصيل) وبين (الاصطلاح الصناعي للنحاة)؛ فحين نُثبت لله صفاته، فإننا نحتكم إلى المعاني اللغوية التي نزل بها الوحي، لا إلى القواعد النحوية التي فَرَّقت بين الألفاظ لغايات إعرابية وصرفية.

2 – تحقيق مَعنى الصِّفة عند ابن فارس في (مقاييس اللغة):

يُعرِّف ابن فارس الصِّفة بأنها: (الأمارة اللازمة للشيء)، بينما يرى أنَّ النعت هو: (وصْفُك الشيء بما فيه من حُسن). حيث قال: “الصفةُ الأمارة اللازمة للشيء، والنعت وصفك الشيء بما فيه من حسن”[48]. ويمكن قراءة هذا التعريف من خلال مَنحيين:

الأول (القول بالترادف): باعتبار أنَّ كليْهما يشتركان في أصل الإخبار والبيان عن الموصوف.

الثاني (القول بالتغاير النسبي): وهو الأليق بالتقسيم المنهجي للصِّفات؛ فجعلُ الصِّفة “أمارة لازمة” يَنطبق تمام الانطباق على الصِّفات الذاتية التي لا تنفك عن الذات بحال. أما “النعت” – باعتباره الوصف بما في الشيء من حُسن – فهو أعم مَدلولاً؛ إذ يستغرق الصِّفات اللازمة وكذا الصِّفات الفعلية الاختيارية؛ لأن الصفات نوعان: صفةٌ لازمة، وصفة غير لازمة. صفة لازمة لا تنفك عن موصوفها والتي نعنون لها في باب الصفات أنها الذاتية، والتي تنفك وتتعلق بالمشيئة الاختيارية “الفعلية”. فالصفات الفعلية وإن كانت لازمة لله من حيث (الجنس)، إلا أنها غير ملازمة من حيث (الآحاد) لتعلقها بالمشيئة.

وبناءً عليه؛ فإنَّ كلام ابن فارس يُؤصل لكونِ ما كان ذاتياً فهو (صِفة) بالأصالة للزومه، وما كان فعلياً اختيارياً فهو يندرج في مسمى (النعت والوصف) لثبوت مَعنى الحُسن والكمال به، وكلاهما في نهاية المطاف تعبيرٌ عن كمالات الذات الإلهية.

3 – تقريرُ الترادفِ عند أربابِ المعاجمِ والمفسرين:

يُؤكد صاحب “مختار الصحاح” ما سَبقَ بيانه من فكِّ الاشتباك مع الاصطلاح النحوي بقوله: “وأمَّا النحويون فليس يريدون بالصِّفة هذا، لأنَّ ‌الصِّفة ‌عندهم ‌هي ‌النعت[49].؛ مـما يَدلُّ على أنَّ اللفظ في أصلِ اللغة أوسعُ مَدلولاً.

وفي مَقامِ الضبطِ الاصطلاحي، يَذكرُ الـمُناوي في ” التوقيف على مهمات التعاريف” أنَّ: ‘الصِّفة لغةً: النعت. وشرعاً: الاسمُ الدالُّ على بعضِ أحوالِ الذات نحو طويل وقصير وعاقل وأحمق وغيرها. وقال بعضُهم: ما دلَّ على مَعنىً زائدٍ على الذاتِ؛ مـحسوساً كالأبيض، أو مـعقولاً كالعلم”[50]. وهذا النقل يقضي بعدم الفرق بين “الصِّفة” و”النعت” في لسان الشرع واللغة، وأن التفريق بينهما لا يخلو من تكلف مَحض لا تشهد له شواهد الاستعمال الصريحة.

وهذا المَنزع في التسوية بين هذه الألفاظ هو الذي استقر عليه العمل لدى كبار أئمة التفسير؛ كـ ابن جرير الطبري وابن كثير ونحوهما؛ إذ استعملوا “الصِّفة” و”النعت” و”الوصْف” باعتبارها مترادفات تؤدي ذات الوظيفة البيانية في حق الله ﷻ؛ وهي الإخبار عن كمالاته الثابتة له في الكتاب والسنة.

4 – مذهبُ إمامِ الـمُفسرين ابن جرير الطبري في وحدةِ “النعتِ والصِّفة”:

يَتجلى مذهب أئمة السلف في عدم التفريق بين “الصِّفة والنعت” بـوضوح في تفسيرِ الإمامِ ابن جرير الطبري؛ ففي تأويلِه لـقولِه تعالى: ﴿قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [الأنعام: 14]. قال ابن جريرالطبري: “فاطر السماوات والأرض”. يقول: أشيئا غير الله ‌فاطر ‌السماوات ‌والأرض ‌أتخذ ‌وليا؟ فـ “فاطر السماوات والأرض” من نعت “الله” وصفته، ولذلك خفض”[51].

والتحقيق في هذا الاستدلال يهدم دعوى مَن حصر “الصِّفة” في المعاني اللازمة (الذاتية) وخص “النعت” بالمعاني المتجددة (الفعلية)؛ فـ “الفاطر” بمعنى الخالق هي من الصفات الاختيارية الفعلية، ومع ذلك أطلق عليها الطبري مسمى “الصفة” وجمع بينها وبين “النعت” في موصوف واحد.

وعلى ذات الـمَنوال سار الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا﴾؛ حيثُ نَقَل اختلافَ القراءِ ثم رَجَّحَ قراءةَ الخفضِ على أنَّ لفظَ (الرب) هو: “نعتٌ لله”. وفي هذا يقول ابن جرير الطبري كذلك في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] قال: واختلفت القراء أيضًا في قراءة ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ﴾، فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: “والله ربنا” خفضًا، على أن الرب نعتٌ لله[52].

وبناءً عليه؛ فإن صنيع إمام المفسرين يبرهن على أن التفريق بين المصطلحين هو تكلف حادث لا يعرفه أئمة السلف، وأن كل ما أُضيف لله من أسماء وأفعال يصح إطلاق مسمى “الصِّفة” و”النعت” عليه بلا تحجير.

5 – وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ﴾ [الكهف: 44]: “منهم من رفع (الحق) على أنه نعتٌ للولاية كقوله تعالى: ﴿ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا﴾ ومنهم من خفض القاف على أنه نعتٌ لله ¸ كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ﴾”[53].

5 – مذهبُ الحافظِ ابن كثير في إثباتِ النعتِ والوصفِ للهِ تعالى:

يسير الإمام ابن كثير على نهج السلفِ في عدم التفريق بين “النعت” و”الصِّفة” عند حديثِه عن كمالاتِ الباري ﷻ؛ ففي تفسيرِه لقولِه تعالى: ﴿هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ﴾ [الكهف: 44]، يُفصِّلُ الوجوهَ الإعرابيةَ ودلالاتِها المنهجيةَ بقولِه: “منهم من رفع (الحق) على أنه نعتٌ للولاية كقوله تعالى: ﴿ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا﴾ ومنهم من خفض القاف على أنه نعتٌ لله ¸ كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ﴾”[54].

وهذا الاستعمال المتكرر من ابن كثير لمصطلح (النعت) في حق الله سبحانه، يُعد برهاناً إضافياً على أن أئمة التفسير والأثر لم يروا في هذه الإطلاقات محذوراً شرعياً ولا لغوياً؛ بل جعلوها وسيلة لبيان عظمة الموصوف وثبوت كمالاته. وبذلك يتظافر قول ابن كثير مع قول الطبري ممن سبقه، ليشكلا حائط صد منيعاً ضد مَن ادعى أن هذه المصطلحات “بدعة منكرة” أو أنها غريبة عن لسان السلف.

6 – قال ابن تيمية: “ومن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه من الصفات الفعلية[55]،

وقال ابن تيمية أيضا: “إذا قيل: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، فهي كُلُّها أسماءٌ لمسمى واحدٍ ´ وإن كان كُلُّ اسمٍ يدل على نعتٍ لله تعالى لا يدل عليه الاسم الآخر[56].

وقال ابن تيمية أيضا واصفًا أهل الإيمان: “وتضمن إيمانهم بالله إيمانهم بربوبيته وصفاتِ كمالِه ونعوتِ جلاله وأسمائه الحسنى، وعموم قدرته ومشيئته وكمال علمه وحكمته؛ فباينوا بذلك جميعَ طوائف أهل البدع والمنكرين لذلك أو لشيء منه”[57].

7 – وقال ابن القيم: “أسماؤه كلُّها أسماءُ مدحٍ وحمدٍ وثناءٍ وتمجيدٍ، ولذلك كانت حسنى، وصفاتُه كلُّها صفات كمالٍ، ونعوتُه كلُّها نعوتُ جلالٍ، وأفعالُه كلُّها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل”[58].

وقال ابن القيم أيضا: “التوحيدُ الحقُ هو ما نعت الله به نفسه على ألسنة رسله فهم لم ينعتوه من تلقاء أنفسهم وإنما نعتوه بما أذن لهم في نعته به[59].

وقال ابن القيم أيضا: “والتحقيق: أنَّ صفاتِ الرب ™ داخلةٌ في مسمى اسمه، فليس اسمه: الله، والرب، والإله، أسماءً لذاتٍ مجردة لا صفة لها ألبتة، فإنَّ هذه الذات المجردة وجودها مستحيل، وإنما يفرضها الذهن فرض الممتنعات ثم يحكم عليها واسم الله سبحانه والرب والإله اسم لذات لها جميع صفات الكمال ونعوت الجلال كالعلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصر والبقاء والقدم وسائر الكمال الذي يستحقه الله لذاته، فصفاته داخلة في مسمى اسمه، فتجريد الصفات عن الذات والذات عن الصفات فرضٌ وخيالٌ ذهني لا حقيقة له وهو أمر اعتباري لا فائدة فيه ولا يترتب عليه معرفة ولا إيمان ولا هو علم في نفسهفليس الله اسمًا لذاتٍ لا نعتَ لها، ولا صفة ولا فعل ولا وجه ولا يدين، ذلك إلهٌ معدومٌ مفروضٌ في الأذهان، لا وجود له في الأعيان”[60].

وقال ابن القيم أيضا: “… فهذا الموصوف بهذه الصفات والنعوت والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية وإحياء الموتى والقدرة التامة الشاملة والحكم بين عباده وكونه فاطر السماوات والأرض وهو السميع البصير؛ فهذا هو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها له على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء”[61].

8 – تقرير الحافظ الذهبي لقاعدة (تبعية الصفات للموصوف):

يُؤصل الحافظ الذهبي لمنهج السلف بعبارة جامعة تدمج بين إثبات المصطلح وإحكام المعنى؛ حيث يقول: “فإننا على أصلٍ صحيح، وعِقْدٍ متين، من أنَّ الله تقدس اسمه لا مثل له، وأنَّ إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة، إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقلُ وجود الباري ونُمَيِّز ذاته المقدسة عن الأشباه من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته نؤمن بها ونعقل وجودها ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقَّلها أو نُشبهها أو نُكيفها أو نمثلها بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا”[62].

والتحقيق في نص الذهبي يُبين بوضوح عدم تفريقه بين (النعت) و(الصفة)؛ إذ استعمل اللفظين كمترادفين في سياقٍ واحد. كما قرر قاعدةً وجوديةً كبرى هي أنَّ “الصِّفات تابعةٌ للموصوف”؛ فكما نعقل وجود الذات ونجهل كيفيتها (الماهية)، فكذلك نعقل وجود الصفات ونجهل كيفيتها. وبناءً عليه؛ فإنَّ “الصفة والوصف والنعت” هي عنده ألفاظٌ تتوارد على حقيقةٍ واحدة، وهي إثبات كمالات الباري ﷻ، مما يقطع الطريق على أي تفريقٍ اصطلاحي متكلف يهدف إلى تعطيل المعنى.

وفي تحقيق هذا المقام، يضع المحرر العقدي ابن تيمية النقاط على الحروف ببيان ازدواجية دلالة المصطلح؛ حيث يقول: “الصِّفةُ والوصْفُ تارةً يُراد به الكلامُ الذي يُوصَف به الموصوف… وتارةً يُراد به المعاني التي دلَّ عليها الكلام: كالعلمِ والقدرة”.

والتحقيقُ أنَّ (الصِّفة والوصْف) في لسان العرب مـصدران بمعنىً واحد – كالوعد والعِدة – ويُطلقان بالتبادل على مَنحيين:

1 – الاعتبار اللفظي (القول): وهو إطلاق “الصِّفة” على الألفاظ الدالة على الكمال، كـوصف سورة الإخلاص بأنها “صِفة الرحمن”.

2 – التحقق الوجودي (المعنى): وهو إطلاق ‘الصِّفة’ على المَعاني الثبوتية القائمة بالذات (كالعلم والقدرة والحكمة).

ومكمن الضلال عند الجهمية والمعتزلة هو حصر مسمى الصِّفة في “العبارة اللفظية” فحسب؛ إذ ليس عندهم معانٍ وجودية تقوم بالذات، فجعلوا الصِّفة مجرد قول لا حقيقة له في الأعيان. أما الكلابية والأشاعرة، فقد حاولوا المناورة بالتفريق الاصطلاحي؛ فجعلوا “الوصْف” هو القول، و”الصِّفة” هي المعنى القائم بالموصوف.

والحق الذي عليه جماهير أهل اللغة والسلف هو أن كلاً من (الصِّفة والوصْف) يصح إطلاقه على اللفظ تارة وعلى المَعنى تارة أخرى؛ فالعليم “وصْف” من حيث اللفظ، والعلم “صِفة” من حيث المَعنى الوجودي القائم بذات الله، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا استقر مَعنى الإثبات.

وفي هذا يقول ابن تيمية: “الصفة والوصف تارة يراد به الكلام الذي يوصف به الموصوف كقول الصحابي في “قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ”: أحبها لأنها صفة الرحمن، وتارة يراد به المعاني التي دلَّ عليها الكلام: كالعلم والقدرة، والجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر هذه وتقول إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، والكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية قد يفرقون بين الصفة والوصف فيجعلون الوصف هو القول والصفة المعنى القائم بالموصوف، وأما جماهير الناس فيعلمون أن كل واحدٍ من لفظ الصفة والوصف مصدر في الأصل كالوعد والعِدة، والوزن والزِّنة، وأنه يراد به تارة هذا وتارة هذا”[63].

فـ (الصِّفة والوصْف) يترددان في الاستعمال بين منحيين؛ فقد يُراد بهما “الكلام الواصف” للموصوف، وقد يُراد بهما “مدلول الكلام”؛ وهي المعاني الثبوتية القائمة بالذات. فلفظ (العليم) -مثلاً- يُعد صِفة ووصْفاً من جهة كونه لفظاً دالاً على كمال، و(العلم) الذي هو مدلول هذا اللفظ يُعد صِفة كذلك؛ فلا فرق بينهما في ميزان الإطلاق اللغوي والأثري.

وهذا الموقف يُباين مسلك أهل البدع الذين حصروا مسمى (الوصْف والصِّفة) في “القالب اللفظي” المجرَّد، وأبَوْا إطلاقه على “المعاني الوجودية القائمة بالذات”؛ فراراً من مقتضيات الإثبات الحقيقي، وهو مسلك تكلّفي يَصدم منطق اللغة وما استقر عليه فقه السلف.

وعلى النقيض من مسالك التعطيل؛ يُطلق أهل السنة والجماعة (الصِّفة والوصْف) بالتبادل على رتبتين: تارة على الألفاظ الدالة على الكمال، وتارة على المعاني الوجودية المدلول عليها بتلك الألفاظ.

والمستند اللغوي لهذا الإطلاق الشامل هو أن كلاً من (الصِّفة والوصْف) مصدر في أصل الوضع – كالوعد والعِدّة، والوزن والزِّنة – والمصدر في لسان العرب يتسع للدلالة على (الفعل والخبر) كما يتسع للدلالة على (الحقيقة والمخبر عنه)؛ وبناءً عليه، فإن إثبات أهل السنة يتجاوز مجرد “الإقرار اللفظي” ليصل إلى “الإثبات العيني” لكمالات الذات الإلهية.وفي المقابل؛ تُنكر الجهمية والمعتزلة ومَن سار على دربهم إطلاق مسمى (الوصف والصِّفة) على المعاني الوجودية القائمة بالذات؛ لكونهم ينفون أصلاً قيام تلك المعاني بالباري سبحانه. وبناءً على عدميتهم في باب الصِّفات، زعموا أن الصِّفة ليست إلا “محض العبارة” التي يُخاطب بها الموصوف، فحصروا مفهوم الصِّفة والوصف في (القالب اللفظي) والتعلقات الخارجية.

والتحقيق أنَّ هذا المسلك – الذي يَمنعُ تسميةَ “الـمعنى الثبوتي” صفةً – هو مَسلكٌ باطلٌ مـصادمٌ لـما تظاهرتْ عليه أدلةُ اللغة وآثار السلف؛ إذ الصِّفةُ في حقيقةِ لسان العرب هي “الـمَعنى القائمُ بالـموصوف” أولاً، واللفظُ تابعٌ له وكاشفٌ عنه ثانياً.

وخلاصة القول: إن مصطلحي الوصف والصفة يُطلقان اصطلاحاً على معنيين:

المعنى الأول: الدلالة القولية، ويُقصد بها الكلام أو القول الذي يُنعتُ به الموصوف. ومثاله قول الصحابي في حديث (قل هو الله أحد): “إنها صفة الرحمن”؛ إذ المراد بالصفة هنا هو النص القولي أو الكلام الواصف، دون الدلالة على المعنى الذاتي القائم بالموصوف (أي الصفات بمعناها الوجودي).

المعنى الثاني: (الصِّفة) كحقائق وجودية قائمة بالذات:

وهو المفهوم الذي يُقصد به المعاني الثبوتية التي دل عليها الكلام وقامت بالموصوف حقيقة، كـ (العلم، والسمع، والقدرة)؛ وهذا المبحث هو “مناط النزاع” وجوهر الخلاف مع الجهمية والمعتزلة.

والتحقيق أن هؤلاء النُّفاة يقرون بالوصف (بمعنى القول واللفظ) لكنهم يجحدون الصِّفة (بمعنى المَعنى القائم بالذات)؛ فإضافة الصفات لله عندهم هي “إضافة تسمية” لا “إضافة حقيقة”.

وفي هذه المساحة التحريرية، نجد أن الكلابية والأشاعرة قد سلكوا مسلكاً تمايزوا به عن المحضة؛ حيث اصطلحوا على تفريق دقيق: فجعلوا “الوصْف” هو قول الواصف (الخبر)، وجعلوا “الصِّفة” هي المَعنى الوجودي القائم بالذات (كالعلم القائم بالعالم). وبناءً على هذا التفريق، حاولوا إثبات بعض المعاني (كالسبع العقلية) مع بقائهم على أصل نفي الصفات الخبرية والاختيارية، مما جعل مذهبهم يتردد في هذه المنطقة البرزخية بين الإثبات السلفي والتعطيل الاعتزالي.

ويتضح مما سبق أن مصطلح “الصِّفة” و”الصِّفات” وما في معناهما، قد استقر استعماله لدى السلف الصالح وأئمة التفسير، وعَضَده منطق اللغة واللسان. ولم يُؤثر عن أحد من علماء المسلمين تشكيك في شرعية عبارة “الصفات الإلهية” أو اعتراض عليها، باستثناء ما انفرد به ابن حزم الظاهري؛ وسنبين فيما يلي مناحي اعتراضاته والرد عليها.

الاعتراضاتُ المثارةُ حولَ إثباتِ مصطلحِ (الصفات) ونِسبتِها للباري سبحانه:

رغم استقرار مسمى “الصفات الإلهية” في الوجدان المعرفي للأمة، إلا أن هذا المصطلح لم يسلم من منازع الاعتراض والتشكيك، سواءً من جهة “التوقيف اللفظي” أو من جهة “الدلالة اللغوية”. وتتمحور هذه الاعتراضات – التي تزعّمها ابن حزم الظاهري وتبعه فيها بعض النُّفاة – حول دعاوى تفتقر إلى التحقيق العلمي، ويمكن حصر أبرزها فيما يلي:

الاعتراض الأول: دعوى خلوِّ الكتابِ والسنةِ وآثارِ السلفِ من لفظ “الصِّفة”:

انطلق ابن حزم في كتابه (الفِصل) من منزع ظاهري متشدد لينفي شرعية إطلاق مسمى “الصفات” على الله ﷻ؛ مستنداً في ذلك إلى عدم ورود اللفظ بعينه في نص القرآن الكريم أو في السنة النبوية، زاعماً خلو عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم من هذا الاستعمال.

ويُقرر ابن حزم مذهبه بعبارة حادة قائلاً: “وأما إطلاق لفظ الصفات لله ﷻ فمحال لا يجوز؛ لأنه لم ينص قط في كلامه المنزل على لفظ الصفات ولا على لفظ الصفة، ولا جاء قط عن النبي ﷺ بأن لله تعالى صفة أو صفات، نعم ولا جاء قط ذلك عن أحد الصحابة رضي الله عنهم ولا عن أحد من خيار التابعين ولا عن أحد تابعي التابعين؛ وما كان هكذا فلا ينبغي لأحد أن ينطق به. فلا يجوز القول بلفظ الصفات ولا اعتقاده، بل هي بدعة منكرة”[64].

لقد وَصَم ابن حزم كل من أطلق على الله ﷻ لفظ “الصفات” بالخطأ والابتداع؛ محتجاً بخلو الوحي وآثار الصدر الأول من هذا المصطلح بعينه. ولم يقف عند هذا الحد، بل زعم أن هذه التسمية دخيلة على الفكر الإسلامي، وأن محضنها الأول كان عند خصوم السنة؛ وقد أرجع ابن حزم ظهور هذا المصطلح إلى المعتزلة والرافضة، حيث يقول: “إنما اخترع لفظة الصفات المعتزلة وهشام ونظراؤه من رؤساء الرافضة، وسلك سبيلهم قوم من أصحاب الكلام، سلكوا غير مسلك السلف الصالح”[65].

وإذا كان صحيحاً أن القرآن لم ينطق بلفظ (الصِّفة) بصيغته الحرفية، إلا أن دعوى ابن حزم في حصر نشأته عند المعتزلة هي دعوى يردها الاستقراء التاريخي والأثري؛ فقد أثبتنا بالبراهين القاطعة أن هذا المصطلح كان جارياً على ألسنة الصحابة والتابعين، ومستقراً في خطابات أهل اللغة والتفسير؛ مما يبطل مزاعم كونه “اختراعاً كلامياً” أجنبياً عن هدي السلف.

ولم يكن ابن حزم في إنكاره لشرعية مصطلح “الصفات الإلهية” غافلاً عن النص النبوي الصريح الذي أودعه البخاري في “صحيحه” والمتضمن لعبارة “صفة الرحمن”؛ إلا أنه سلك مَسلكاً تأويلياً للالتفاف على دلالته عبر التشكيك في صحة ثبوته. فقد أظهر عدم يقينه وشكه صراحة في صحة ذلك الحديث لأمر يتعلق بإسناده.

فرغم أن الحديث قد جاء بإسنادٍ متصل في صحيح البخاري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها، إلا أن ابن حزم طعن في سنده بدعوى انفراد سعيد بن أبي هلال به، واصفاً إياه بضعف الضبط، ومستشهداً بآراء يحيى بن معين وأحمد بن حنبل في شأنه؛ حيث قال: “وليس بالقوي، قد كدره بالتخليط يحيى وأحمد بن حنبل’. وهو مَسلكٌ يكشف عن مدى تمسك ابن حزم بظاهريته المانعة لإطلاق المصطلح، حتى وإن أدى ذلك إلى رد أحاديث الصحيح بـعللٍ إسنادية لم يوافقه عليها جهابذة هذا الشأن كالبخاري ومسلم.

وقد ورد في صحيح البخاري أصح كتب الحديث النبوي الشريف على الإطلاق. كما أخرجه مسلم في “صحيحه”، في صلاة المسافرين: باب فضل قراءة قل هو الله أحد. وأخرجه البغوي في “شرح السنة”: باب فضل سورة الإخلاص. وأخرجه البيهقي في “الأسماء والصفات”.

وعلى الرغمِ من استقرارِ الحديثِ في “أصحِّ الدواوينِ النبويةِ” بعد القرآنِ الكريم؛ فإنَّ التحقيقَ العلميَّ يقتضي القولَ بأنَّ لفظَ (الصِّفةِ) الواردَ فيه قد لا يَنصرفُ بالضرورةِ إلى (المعاني الوجوديةِ القائمةِ بالذاتِ الإلهية) بمفهومِها الاصطلاحيِّ المتأخر. بل الأقرب للصواب أن “الصِّفة” هنا تُطلق ويُراد بها “القول والخبر” الذي يُوصف به الموصوف؛ أي أن سورة الإخلاص هي “صفة الرحمن” لكونها الكلام الذي نطق بإثبات كمالاته وتنزيهه. وبناءً على هذا الفهم، يكون لفظ “الصِّفة” في الحديث راجعاً إلى (فعل الواصف وبيانه) لا إلى (مقام الذات وأوصافها العينية)، وهو مسلك لغوي معروف يُفرّق بين “الوصف” كفعل وبين “الصِّفة” كمعنىً قائم بالموصوف.

الاعتراض الثاني: الاستدلال بنفي ‘الوصف” في القرآن على إنكار “الصفات”:

لا يتوقفُ ابن حزم عند رفضِ شرعيةِ المصطلحِ فحسب، بل يذهبُ إلى أبعدَ من ذلك ليجعلَ نفيَ الصفاتِ أصلاً قرآنياً؛ حيثُ يحتجُّ بقولِه تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، زاعماً أنَّ الآيةَ تُنكرُ إطلاقَ ‘الصفاتِ’ جملةً وتفصيلاً.

ويقول ابن حزم في معرض احتجاجه: “وقد قال تعالى ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ فأنكر تعالى إطلاق الصفات جملة فبطل تمويه من موه بالحديث المذكور ليستحل بذلك ما لا يحل من إطلاق لفظة الصفات حيث ‌لم ‌يأت ‌بإطلاقها ‌فيه ‌نص ‌ولا ‌إجماع ‌أصلا ‌ولا ‌أثر ‌عن ‌السلف والعجب من اقتصارهم على لفظة الصفات ومنعهم من القول بأنها نعوت وسمات ولا فرق بين هذه الألفاظ لا في لغة ولا في معنى ولا في نص ولا في إجماع”[66].

ويُردُّ على هذا الاستدلالِ من وجهين:

الوجه الأول: صرفُ الآيةِ عن مَحضِ النفيِ إلى تنزيهِ اللهِ عن النقائص:

إنَّ حشدَ ابن حزم لقولِه تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180]، كدليلٍ على حظرِ إطلاقِ لفظِ “الصفات”؛ هو مَسلكٌ يَصدمُ ما أطبقَ عليه ثقاتُ المفسرين.

فالآية لا تتعرض لـمبحث “الصفات الإلهية” بمفهومه العقدي، وإنما تنزع إلى تنزيه الباري ﷻ عن إفك المشركين الذين نسبوا إليه ما لا يليق بجلاله.

فقد بَيَّنَ الإمامُ الطبري أنَّ المُراد بالآيةِ هو تبرئةُ اللهِ: (عما ‌يصفُ ‌هؤلاءِ ‌المفترونَ ‌عليه ‌من ‌مشركي ‌قريش، من قولهم: ولدَ الله، والملائكةُ بناتُ الله). وفي هذا يقول الطبري: “‌‌وقوله: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: تنزيها لربك يا محمد، وتبرئة له، ﴿رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ﴾. يقول: رب القوة والبطش، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾. يقول: عما ‌يصف ‌هؤلاء ‌المفترون ‌عليه ‌من ‌مشركي ‌قريش، من قولهم: ولد الله. وقولهم: الملائكة بنات الله. وغير ذلك من شركهم وفريتهم على ربهم[67].

والمثيرُ للانتباهِ أنَّ الزمخشري -رغمَ اعتزالِه ونفيهِ للصفات – قد وافقَ جمهورَ المفسرين في أنَّ التنزيهَ انصبَّ على: (ما وصفَه به المشركون) من النقائص. فهو يتفق تماما مع الطبري في تفسير هذه الآية.

وعلى هذا المنوالِ سارَ القرطبيُّ مؤكداً أنَّ التنزيهَ مُتجهٌ لـمَن أضافوا للهِ (الصاحبةَ والولد)، فيقول: “قول تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ﴾ نزّه سبحانه نفسه عما أضاف إليه المشركون. ﴿رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ﴾ على البدل ويجوز النصب على المدح، والرفع بمعنى هو رب العزة. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي الصاحبة والولد[68].

وهو ما قرره الجلالُ المحليُّ بـعبارةٍ مقتضبةٍ ومركزة بقوله: “سبحان رب العزة عما يصفون بأن له ولدا”[69].

وبناءً عليه؛ يتبين أن “الوَصف” المنفيّ في قوله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ هو (الوصْفُ بالباطلِ والشرك)، لا الوصفُ بالكمالِ والثبوت؛ وبذلك ينهدمُ أصلُ ابن حزم في تحريمِ المصطلحِ استناداً لهذه الآية.

الوجه الثاني: تلازمُ (الصفةِ والنعتِ) لغةً واصطلاحاً:

إن دعوى ابن حزم في التفريق بين النعت والصفة هي دعوى عارية عن الدليل اللغوي والشرعي؛ إذ قد استقر عند أئمة اللسان وجهابذة التحقيق أن مسمى “الصفة” و”النعت” و”السمة” و”الوصف” ترجع إلى أصل واحد في باب الإخبار عن حقيقة الموصوف وكمالاته.

وبالرد على ابن حزم في شبهته حول إنكار شرعية لفظ (الصفات)، نخلص إلى أن عبارة “الصفات الإلهية” ليست محض اصطلاح حادث أو تأويل كلامي، بل هي حقيقة شرعية ولغوية لها أصل راسخ في لسان العرب وفهم السلف؛ فلا مجال لإنكارها أو التشكيك في مشروعيتها بعد تظاهر الأدلة على صحتها.

فالتحقيق أن استدلال ابن حزم بالآية فيه نظر من وجهين:

الأول: أن الـمُنزَّه عنه في الآية هو “وصف المشركين” لله بالنقص والولد، لا أصل الاتصاف بالكمال.

والثاني: أن نفي “الواصفين” لا يستلزم نفي “الصفة”، كما أن نفي “القائلين” بالباطل لا يستلزم نفي “القول” الحق.

الاعتراض الثالث: دعوى التفريق بين “صيغ المبالغة” و”الصفة المشبهة”:

ويُردُّ على هذا الاعتراض من وجهين:

الوجه الأول: افتقارُ الدعوى للدليل وخروجُها عن محلِّ النزاع:

إن مجرد التمييز الصرفي بين صيغة المبالغة والصفة المشبهة هو “دعوى مجردة” لا تقرر حقيقة عقدية، ولا ينهض عليها دليل يوجب نفي الصفات الإلهية. ويلزم القائل بهذا الفرق أن يبين: كيف يكون هذا التباين الصرفي مؤثراً في استحقاق الرب للوصف؟ وعن أي مدرسة لغوية أو عقدية استقى هذا الإلزام؟ فالمسألة برمتها تقع خارج “محل النزاع”؛ إذ النزاع في ثبوت المَعنى الوجودي القائم بالذات، لا في القالب الصرفي الذي وُضع له اللفظ.

فهذا القول لم يقرر أية حقيقة، فهو مجرد دعوى، إذ يلزم قائله تقديم الدليل على الفرق المزعوم، وأنه مؤثر في نفي الصفات، وعند من؟ وهو خارج محل النزاع.

الوجه الثاني: تلازمُ الثبوتِ والمبالغةِ في الصِّفاتِ الإلهية:

لا ريب أن الصِّفة الـمُشبَّهة باسم الفاعل تَدل في أصلها على (الثبوت واللزوم)، فهي معنىً قار لا ينفك عن الـموصوف ولا ينفك الـموصوف عنه. وقد وصف الله نفسه بقوله: ﴿وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ﴾، و(العلي) هنا صفة مُشبهة تدل على علو ذاتي لازم لا يتطرق إليه الحدوث أو الزوال؛ وبذلك يسقط اعتراض مَن ظن أن الصيغ الصرفية تقتضي طروء المعنى أو حدوثه.

والتحقيق أن لله “الـمثل الأعلى” [النحل: 60]، في كل كمال؛ مما يوجب أن تكون صفاته كلها عليا، منزهة عن شوب النقص أو الـمؤقَّتات. فإذا تأملنا قوله تعالى: ﴿غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾؛ نجد أن (غفور) تظاهرت فيها دلالتان:

الأولى: كَونها صِفة مُشبهة تدل على كمال الـمغفرة كصِفة لازمة لذاته سبحانه.

والثانية: كَونها صِيغة مبالغة تدل على سعة مَغفرته وكثرة وقوع فِعلها وتعدُّد مَفعولاتها.

والصحيح أن أسماء الله وصفاته جامعة بين “ثبوت الوصف” و”دوام الفِعل”؛ فالله غفور بذاته، غفّار بأفعاله ومغفرته التي وَسِعت كل شيء. وبناءً عليه؛ يتبين أن الفوارق الصرفية الدقيقة التي يتشبث بها الـمُعترض لا تأثير لها في إبطال لزوم الصِّفات لله وعظمتها، بل هي قرائن تؤكد كمال الإثبات وتعدُّد وجوه الـمَحمَدة[70].

الاعتراض الرابع: دعوى التفريق بين “المشتق” و”الجامد” في باب الصفات:

يحتجُّ النُّفاةُ بأنَّ (العليم) يُعدُّ صفةً لكونه لفظاً مشتقاً، بينما (اليد) لا تُعدُّ صفةً في اللغة لكونها اسماً جامداً. ويُردُّ على هذه الشبهة من وجوه:

الوجه الأول: إثباتُ الصفتيةِ بالاستعمالِ اللغويِّ ومذهبِ السلف:

والتحقيق أن “اليد” وسائر الصفات الذاتية (الخبرية) والصفات الاختيارية (الفعلية) تندرج في مسمى “الصفة” لغةً وعرفاً؛ إذ هي معانٍ قائمة بالذات تُنعت بها وتتميز من خلالها. وقد جرى عمل السلف وأئمة اللغة على إثبات هذه الحقائق كأوصاف ثبوتية للرب سبحانه، بقطع النظر عن قوالب الاشتقاق الصرفي؛ فالعبرة بقيام المَعنى بالذات لا بصيغة اللفظ المجردة، وهو ما بسطناه تفصيلاً في مباحثنا السابقة.

الوجه الثاني: خلط النُّفاة بين القواعد النحوية والحقائق اللغوية والوجودية:

وقع المعترضون في خلط منهجي بيّن بين (النعت النحوي) وبين (الوصف اللغوي)؛ إذ عقدوا مقارنة فاسدة بين “العليم” (وهو وصف مشتق) وبين “اليد” (وهي اسم ذات جامد). إذ قصروا “الصفة” على الصيغ المشتقة صرفياً كـ (العليم)، وهذا نظر قاصر؛ والصواب في ميزان المقايسة هو المقابلة بين “العليم” وبين “ذو اليد”؛ فحين نضيف (ذو) – التي هي بمعنى صاحب – إلى الاسم الجامد، تكتسب العبارة حكماً وصفياً في النحو واللغة معاً.

فكلمة (ذو اليد) بصياغتها هذه تُعد “وصفاً” لأنها تُخبر عن اتصاف الذات بامتلاك اليد، تماماً كما تُخبر كلمة “العليم” عن اتصاف الذات بالعلم. وخطأ النُّفاة أنهم جردوا “اليد” عن سياق الإضافة والوصف ليرموها بالجمود، بينما القاعدة تقضي بأن أي لفظ جامد (كالعلم، والوجه، واليد) إذا قُيّد بـ (ذو) صار نعتاً محققاً؛ كقولنا: (ذو علم، وذو وجه، وذو يد)؛ وبذلك يندفع التفريق بين المشتق والجامد في باب إثبات الصفات. فالتحقيق يُبين تهافتهم من مَنحيين:

1 – المنحى النحوي: إن كانت العبرة بالصيغة النحوية، فإنَّ الأسماء الجامدة كـ (اليد والوجه) تكتسب حكم “الوصفية” بمجرد اقترانها بـ (ذو)؛ فيقال: (ذو اليد) و(ذو الوجه)، و”ذو” هنا بمعنى صاحب، وهي وصلةٌ لتحويل الجامد إلى نعتٍ يُخبر به عن الذات ويُميزها؛ فـ (ذو اليد) في قوة (العليم) اشتقاقاً وحكماً.

وعليه؛ فإن أي لفظ (جامد) في ميزان النحاة، يكتسب صبغة “الوصفية” بمجرد تقييده بـ (ذو) الاستحقاقية؛ فيقال: (ذو علم، وذو وجه، وذو يد، وذو عين، وذو قدم). فدلالة (ذو) هنا تجعل الاسم الجامد نعتاً حقيقياً يُخبر به عن الموصوف ويُحقق ميزته، تماماً كما تفعل الصيغ المشتقة كـ (العليم). وبذلك يتبين أن استناد النُّفاة إلى مجرد (الجمود الصرفي) لنفي “الصفتية” عن اليد والوجه هو تحكّم لا وجه له، ولا يقوى على معارضة حقائق الإثبات اللغوية والشرعية.

2 – المنحى اللغوي والوجودي: وهو الأهم، إذ إنَّ “الصفة” عند أهل اللغة وعند السلف – وهم أرباب الاحتجاج – هي كل ما مَيَّز الذات وخَصَّها من أمارات وعلامات، سواء كانت معنوية (كالعلم) أو عينية (كاليد والوجه). فاللغة والوجود لا يخضعان للقوالب الصرفية؛ بل “الصفة” هي كل ما قام بالموصوف وحقق عينيته وتميزه في الخارج.

وبناءً عليه؛ فإنَّ محاولة نفي الصفتية عن (اليد والوجه) بدعوى الجمود اللفظي هي مغالطةٌ لغوية؛ لأنَّ العلم في النحو ليس صفة (بل مصدر)، ومع ذلك أثبته النفاة صفةً. فالتفريق بين العلم واليد من جهة “الصفتية” هو تفريقٌ تحكمي لا مستند له من لغة العرب ولا من دلالة العقل على حقائق الوجود.

والخلاصة: فمن الجهة (النحوية الصرفة)؛ لا يُعدّ “العلم” ولا “اليد” صفة (نعتاً)، بل الصِّفة هي “العليم” لكونها صياغة مشتقة. وحتى في قولنا: “الله يعلم”، فإن الفعل والفاعل يقعان موقع الخبر لا النعت؛ فالعلم بذاته ليس صِفة في ميزان النحاة، واليد بإطلاقها اسم جنس جامد، إلا إذا قُيدت بـ (ذو) فحينئذ تصبح “وصلة” للوصف والإخبار عن الذات بكونها (صاحبة يد).

ومن هنا؛ لزم التفريق المنهجي بين (الاصطلاح النحوي) و(الحقيقة اللغوية)؛ فالنحو ينظر إلى “القوالب والإعراب”، بينما اللغة تنظر إلى “الحقائق والمعاني”. وقد حررت هذا الفرق عند ابن منظور وغيره؛ حيث إن (الصِّفة) في رحاب اللغة والوجود هي كل مَعنى أو عَين قامت بالذات فميّزتها وخصّتها، بقطع النظر عن موقعها الإعرابي.

والجدير بالتحقيق أن هذه المسألة تظل في إطار المناقشة “اللغوية” المحضة، ولا مساس لها بـ (الحقائق الثابتة في نفس الأمر)؛ فحقيقة الله ﷻ ووجوده الخارجي العيني حقائق مطلقة سابقة على اللغة ومستقلة عن اصطلاحات النحاة. فالله سبحانه ثابت الذات والصفات بقطع النظر عن قوالب التعبير البشري؛ ومع ذلك، فإننا نُثبت حتى من منظور “اللغة” ذاتها أن كل ما أضافه الرب لنفسه مما يميزه ويخصصه هو (صفات حقيقية) قائمة بذاته العليّة.

الوجه الثالث: مفارقةُ المعاصرين لمناهجِ المتقدمين من النُّفاة:

ومما يبطل دعوى التفريق بين (المشتق والجامد) في باب الصفات؛ أن الأوائل من الجهمية والمعتزلة – على عِظم ضلالهم – لم تكن منازعتهم للسلف في كون هذه الأخبار (كاليد والوجه) تندرج في مسمى “الصفات” من حيث اللغة؛ بل كانوا يقرون بصفتيتها ولكنهم يمنعون إثباتها للباري سبحانه بدعوى التنزيه.

فالمخالفة لم تكن في “توصيف اللفظ”، بل في “استحقاق الإثبات”؛ إذ اعتبروها صفات تختص بالأجسام والمخلوقات، ومن ثم نفوها عن الله. وبناءً عليه؛ فإن خروج بعض المتأخرين اليوم بدعوى أن اليد ليست صفة لكونها “اسماً جامداً” هو إحداث لقول لم يسبقهم إليه حتى أساطين التعطيل الأوائل، الذين كانوا أعرف بلسان العرب ومقاصد الخطاب.

 

[1] التعريفات، للجرجاني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1403هـ -1983م، ص133.

[2] معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، للكفوي، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى (1419هـ -1998م)، ص564.

[3] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى (1399هـ – 1970م)، (5/448).

[4] لسان العرب، ابن منظر، دار صادر، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة (1414هـ)، (9/356).

[5] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، (6/115).

[6] مجمل اللغة، ابن فارس، دراسة وتحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية (1406هـ- 1986م)، (4/927)، معجم مقاييس اللغة (6/115).

[7] لسان العرب، ابن منظور، حرف الفاء، فصل الواو، (10/234).

[8] التعريفات: الجرجاني، ص214 وما بعدها.

[9]  المصدر السابق، الجرجاني، ص326.

[10] المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى (1412هـ، ص525.

[11] انظر: الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية، د. محمد أمان الجامي، دار التقوى المدينة المنورة، ص84.

[12] انظر: تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل، للباقلاني، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، الطبعة: (بدون طبعة)، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية –لبنان، سنة النشر: 1407ه، ص244.

[13] انظر: مناهج الإسلاميين في إثبات وجود الله ووحدانيته: صالح الرقب، الطبعة (بدون طبعة)، الناشر: رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراة – جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1412هـ، (1/ 419 -423).

[14] أي: هي ما قام بالذات الإلهية مما يميزها عن غيرها، ووردت به نصوص الكتاب والسنة. انظر: الصفات الإلهية تعريفها أقسامها: محمد بن خليفة بن علي التميمي، الطبعة: الأولى، الناشر: أضواء السلف –الرياض، سنة النشر: 1422هـ- 2002م)، ص12.

[15] فلا يمكن أن نجد في الخارج فعلاً مجرداً اسمه (خَلْق) يستقلُّ بوجوده أو يتحرك بـمعزلٍ عن الخالق.

[16] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، ح 1162.

[17] أخرجه مسلم في صحيحه، (1/352).

[18] مجموع الفتاوى، لابن تيمية، (17/152).

[19] القسم الثاني: من إضافةُ الأوصافِ الـمُنفصلة (إضافةُ خَلْقٍ وتـشريف).

[20] مجموع الفتاوى، لابن تيمية، (17/151-152).

[21] مجموع الفتاوى، (9/290).

[22] مجموع الفتاوى، (4/258).

[23] الرد على الزنادقة والجهمية، ص252.

[24] الرد على المرسي، ص318.

[25] وقد حققتُ القول في أنَّ (الروحَ) عينٌ قائمةٌ بنفسها، لها وجودٌ حقيقيٌّ يُدرك ويُحس، وتتصفُ بالحركةِ من صعودٍ وهبوط، مباينةً في ذلك لماهيةِ الأعراضِ والصفاتِ التابعة؛ وقد بسطتُ الأدلةَ الشرعيةَ المستفيضة من الكتابِ والسنة، وعضدتها بالبراهينِ العقليةِ التفصيلية في كتابي: “الحقيقة واليقين ونقيضهما”؛ فمن أراد الوقوف على كُنه هذا المبحث واستقصاء أدلته فليراجعه في موضعه.

[26] انظر: الصفات الإلهية تعريفها أقسامها: محمد بن خليفة بن علي التميمي، الطبعة: الأولى، الناشر: أضواء السلف –الرياض، سنة النشر: 1422هـ- 2002م)، ص27-28.

[27] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ﴾ ح 485. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء 8/151، طبعة دار المعرفة.

[28] مجموع الفتاوى، لابن تيمية، (17/152).

[29] انظر: المجلى في شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، للشيخ محمد صالح العثيمين، تأليف: كاملة الكواري، دار ابن حزم، الطبعة الثانية، (1433هـ-2012م)، ص75-76-77.

[30]  البخاري (7402)

[31] والمقصودُ بـهم قبيلةُ (طيء)، وهم من قبائلِ الشمالِ التي استوطنت المنطقةَ الجبليةَ الشهيرةَ (أجأ وسلمى)، فـعُرِفوا بـالنسبةِ إلى مَوطنِهم ‘جبل طيء’. ومن خَصائصِ هذه القبيلةِ في لسانِها ما تـفردت به من استعمالِ لفظِ (ذات) و(ذو) بـمعنى الأسماءِ الموصولة، وهو ما يُعرف في مَدوناتِ اللغة بـ ‘ذو الطائية’، مـما يُظهر التنوعَ في لغاتِ العربِ قـبلَ اسـتقرارِ الاصطلاح.

[32] الجامع لأحكام القرآن” القرطبي، مؤسسة الرسالة (بتحقيق عبد الله التركي)، (12/451).

[33] بدائع الفوائد، لابن القيم، دار الكتاب العربي (بيروت)، (1/162). وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة، (3/116-فتوى رقم 8942).

[34] صحيح البخاري (7375)، وأخرجه مسلم (813)، والنسائي (993)، وابن حبان (793) جميعهم باختلاف يسير.

[35] الملل والنحل، الشهرستاني، طبعة صبيح، (1347هـ)، (1/95).

[36] إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد، ابن الوزير اليمني، محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1987م، ص93. وانظر: محاسن التأويل، للقاسمي (تفسير القاسمي)، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1418هـ، (2/280-281). وانظر: جمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر، ابن المبرد، مخطوط نُشر في برنامج جوامع الكلم المجاني التابع لموقع الشبكة الإسلامية، الطبعة الأولى، (2004م)، (20/ 18).

[37] الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، (1408هـ-1987م)، (6/411). وانظر: التسعينية، لابن تيمية، دراسة وتحقيق: محمد بن إبراهيم العجلان، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، (1420هـ-1999م)، (2/396).

[38] الأسماء والصفات، لأبي بكر البيهقي، ص 515. بإسناد صحيح، وقله ابن تيمية في مجموع الفتاوى، (5/39). وانظر: العرشوما روي فيه، عثمان بن أبي شيبة، تحقيق: محمد بن خليفة بن علي التميمي، مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، (1418هـ-1998م)، ص150-151.

[39] الفقه الأكبر، منسوب للإمام أبو حنيفة، مكتبة الفرقان، الإمارات لعربية، الطبعة الأولى، (1419هـ-1999م)، ص14.

[40] ذم الكلام وأهله، أبو إسماعيل الهروي، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد العزيز الشبل، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، (1422هـ-2002م)، (5/70). الرقم (585).

[41] انظر: صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام، جلال الدين السيوطي، تحقيق: علي سامي النشار، والسيدة سعاد علي عبد الرازق، مجمع البحوث الإسلامية، 1440هـ، ص111.

[42] نقض الدارمي على المريسي، تحقيق، الشوامي، ص213.

[43] انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، تأليف: بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العيني، عنيت بشره وتصحيحه والتعليق عليه: شركة من العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية، وصوورتها دار إحياء للتراث العربي، ودار الفكر، بيروت، دون تاريخ نشر، (24/140)

[44] صحيح البخاري بحاشية السهارنفوري، حاشية المحدث أحمد علي السهارنفوري، تحقيق وتعليق: تقي الدين الندوي، الناشر: مركز الشيخ أبو الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية، مظفر فور، أعظم جراه، يوبي، الهند، الطبعة الأولى، (1432هـ-2011م)، (13/619).

[45] مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع، محمد جميل زينو، دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة التاسعة، (1417هـ-1997م)، (1/329).

[46] لسان العرب، لابن منظور، الحواشي: لليازجي ومجموعة من اللغوين، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، (1414هـ)، (9/356).

[47] لسان العرب، لابن منظور، الحواشي: لليازجي ومجموعة من اللغوين، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، (1414هـ)، (9/357).

[48] انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، (5/ 448)، التعريفات، للجرجاني، (ص 24، 133)، الكليات، ص 83، 546. مجموع الفتاوى، لابن تيمية، (6/ 195). وانظر: النعت، ص 345.

[49] الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، (1407هـ-1987م)، (4/1439).

[50] ” التوقيف على مهمات التعاريف، عبد الرؤوف بن المناوي، تحقيق: د. عبد الحميد صالح حمدان، عالم الكتب، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، (1410هـ-1990م)، ص217.

[51] تفسير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، القاهرة – مصر، الطبعة الأولى، (1422هـ-2001م)، (9/175).

[52] تفسير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، القاهرة – مصر، الطبعة الأولى، (1422هـ-2001م)، (9/192).

[53] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: حكمت بن بشير بن ياسين، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، السعودية، الطبعة الأولىى، 1431ه، (5/160).

[54] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق: حكمت بن بشير بن ياسين، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، السعودية، الطبعة الأولىى، 1431ه، (5/160).

[55] مجموع الفتاوى، لابن تيمية، (16/372).

[56] مجموع الفتاوى، لابن تيمية، (5/160).

[57] مجموع الفتاوى، لابن تيمية، (14/135).

[58] مدارج السالكين، لابن القيم، (1/125).

[59] مدارج السالكين، لابن القيم، (3/521).

[60] مدارج السالكين، لابن القيم، (3/362).

[61] الصواعق المرسلة، لابن القيم، (3/1029).

[62] العلو للعلي الغفار، للذهبي، ص13.

[63] مجموع الفتاوى، لابن تيمية، (3/ 335).

[64] انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لأبي محمد بن أحمد المعروف بابن حزم، تحقيق د. محمد إبراهيم نصر ود. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط 1405، (2/283).

[65] انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لأبي محمد بن أحمد المعروف بابن حزم، تحقيق د. محمد إبراهيم نصر ود. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط 1405، (2/284).

[66] الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، مكتبة الخانجي، القاهرة، دون تاريخ نشر، (2/96).

[67] تفسير الطبري، تحقيق: د. بد الله بن عبد المحسن التركي، (19/661).

[68] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، (1384هـ-1964م)، (15/140).

[69] تفسير الجلالين، جلال الدين محمد بن أحمد المحلي، وجلال الدين السيوطي، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى، مصر، دون تاريخ نشر، ص179.

[70] شرح الواسطية (1/344)

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.