حصريا

أيام التشريق . د.رضا راشد علي – مصر-

0 7

أيام التشريق

 

وهي الأيام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر الله ذي الحجة وهي التي تعقب انتهاء مناسك الحج يوم العيد بتحلليها : الأصغر( برمي جمرة العقبة الكبرى ، والذبح، والحلق)؛  والأكبر:( بالطواف والسعي )، وسميت أيام التشريق؛ لأن الحجاج كانوا يشرقون فيها لحوم الهدي أي  يعرضونها للشمس حتى تجف فلا تفسد بطول المدة.

وفي هذه الأيام قال النبي صلى الله عليه وسلم:

” أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ”  ..وورد هذا الحديث بلفظ آخر هو:

” أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله ” ومن هذا الحديث يتضح أن هذه الأيام جائزة من المولى عز وجل لعباده المؤمنين جميعا، سواء منهم من حج بيت الله الحرام ومن لم يحج .أما من حج فالجائزة من المولى على إتمامهم مناسكهم وما لاقوا في ذلك من كد وتعب وجهد ونصب ومن لم يحج فالجائزة على اجتهاده بالتقرب لله عز وجل في العشر الأوائل من ذي الحجة ثم على ما تقرب به إلى الله تعالى من الأضحية.

فالآن وقد انتهت مناسكهم فقد حق لهم أن يستريحوا لقد ذبح الحجاج وهديهم وذبح غير الحجاج أضاحيهم، وما كان لهؤلاء وأولئك أن يذبحوا هديهم ولا أضاحيهم إلا من بعد أن ذبحوا في نفوسهم الشح والأثرة والأنانية بمدى الإيثار، فحق لهم أن يكافأوا على تضحيتهم وتلبيتهم نداء ربهم .

أيام أكل وشرب

ولنا مع هذا الحديث النبوي وقفتان:

الوقفة الأولى :

مع هذه الإضافة (أيام أكل وشرب) ، حيث إنها بمعنى اللام أي أنها أيام للأكل والشرب. والأكل والشرب مما لا ينفك عنهما الإنسان في أي يوم من الأيام؛ إذ إنهما من الغرائز التي بها قوام البدن الإنساني فما وجه تخصيص هذه الأيام بأنها أيام أكل وشرب؟

والجواب ..أن التخصيص هنا من وجوه أهمها

١-التوسعة في الأكل والشرب ، أي أنها أيام يتوسع فيها في الطعام والشراب وليس الأمر مجرد أكل وشرب .

٢-أن هذه التوسعة أمر مندوب شرعا وليس مجرد عادة اجتماعية أو إلف قبلي، وفي هذا تتجلى عظمة هذا الدين الحنيف الذي أكرمنا الله عز وجل به، وأنه ليس دين تشدد ولا تنطع ولا تزمت ولا تضييق على أتباعه، وإنما هو دين مداره على الاتباع. ففي رمضان يكون الصيام فرضا على المسلم يحرم التفريط فيه، فإذا ما أقبل العيد صار الصيام ( الذي كان أمس فرضا) صار حراما، وأصبح الإفطار( الذي كان أمس حراما) ..أصبح فرضا يتعبد لله به.

وكذلك هنا: يحرم صيام أيام التشريق بما يجعل التوسع في الأكل والشرب قربة يتعبد لله بها..فلله ما أعظمه من دين ذلك الذي يجعل لك من لذاتك قربة تتقرب بها إلى الله عز وجل ثم يثيبك.قال تعالى: { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} سبحان الله الذي يدعوك اللي ذبح الهدي أو الأضحية ثم يأجرك على استجابتك ليكون جزء من لحم هذا الهدي وتلك الأضحية أكلك وشربك في هذه الأيام، فيجمع لك بين إشباع غرائزك في الطعام والشراب وبين عبادة ربك، وكم من شهوة يفعلها المرء وهو مأجور عند الله فيجمع الله عليه بذلك نفعي الدنيا والآخرة عليها.. قال صلى الله عليه وسلم: ” وفي بضع أحدكم صدقة .قالوا يارسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟! قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا كانت في حلال كان له أجر”..والغنم بالغرم كما يقال

الوقفة الثانية

ومنها يتبين كيف أن الإسلام دين واقعي يراعي حاجة النفوس إلى أن تروح عن نفسها، فإن النفس ملول وهي من الحق نفور، فلو أنها أكرهت على متابعة التكليف لشق عليها ذلك، فكان من حكمة الله تعالى الترويح عن النفوس بين الحين والآخر؛ إعانة لها على دوام الالتزام بأمور الشرع ومواصلة السير في طريق السالكين. ولو أنها أكرهت على الالتزام بتكاليف الشرع دون هذه الترويحات لربما نفرت وخرجت عن حيز الطاعة إلى المعصية، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال :” روحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة”. ويزاد عجبك حين ترى الحديث قدم الأكل والشرب في هذه الأيام على الذكر وأن لم يكن العكس فيقال مثلا أيام ذكر لله وأكل وشرب؛  ليدلك على أهمية التوسع في الأكل والشرب في هذه الأيام.

(..وذكر لله عز وجل)

ولا يروعنك هذا العطف (عطف الذكر على الأكل والشرب)، فتتوهم البعد بينهما ، فإنك حين يتجلى لك شيء من المناسبة بينهما (الأكل والشرب من ناحية، والذكر من ناحية أخرى) يزول ذلك العجب.

ومن وجوه هذه المناسبة ما يلي:

١- الجمع بين لذتي الجسد والروح معا، فلئن كان في الأكل والشرب ما يحقق لذة الجسد ففي ذكر الله تعالى ما يحقق لذة الروح، فإن لله عبادا تتلذذ أرواحهم بالذكر في الخلوة والجلوة

لله قوم أخلصوا في حبه

فأحبهم واختارهم خداما

قوم إذا جن الظلام عليهم

قاموا هنالك سجدا وقياما

يتلذذون بذكره في ليلهم

ونهارَهم لا يبرحون صياما

وإنما كان تلذذ الروح بذكر الله ؛ لأن هذه الروح انطوت على حب الله عز وجل، ومما اتفق عليه الحكماء و أطبق عليه العقلاء أن المحب يتلذذ بذكر من يحب، ولهذا جرت عادة الشعراء بذكر أسماء محبوباتهم في اشعارهم تلذذا بذلك، وعدوا ذلك من أمارات صدق الحب؛ أن يذكر المحب اسم حبيبته ولا سيما في أوقات الشدة.. ألم  تر إلى عنترة يقول مخاطبا عبلة:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل

مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها

برقت كبارق ثغرك المتهلل

فإذا كان عنترة يتلذذ بذكر محبوبته وهو مثخن بالجراح فأي لذة تحصل للعبد المحب لربه بدوام ذكره لربه ، {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.

إن ذكر الله عز وجل لذة الروح من هذا الوجه، ومن وجه آخر فإن ذكر العبد لله يستتبع ذكر الله للعبد قال تعالى في الآية الكريمة :{ فاذكروني أذكركم } وقال سبحانه في الحديث القدسي الشريف :” أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ” ، فأي سعادة يغشى نورها قلب  العبدَ وهو يستشعر أن الله تعالى يذكر اسمه في الملأ الأعلى؟!

إذن ففي قوله صلى الله عليه وسلم (أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل ) جمع بين اللذتين: لذة الجسد بالأكل والشرب، ولذة الروح بذكر الله تعالى ليتبين لنا جليا من ذلك نظرة الإسلام إلى الإنسان، وأنه ليس كائنا حيوانيا يكتفي باللذة الجسدية، بل إنسان من جسد وروح، لكل منهما غذاؤه ، والاقتصار على تغذية أحدهما دون الآخر يجعل التغذية ناقصة فأراد الإسلام بالجمع بين الأكل والشرب والذكر أن تكتمل للحاج في هذه الأيام لذته مكافأة من المولى عز وجل له على تلبيته نداء ربه، ومن هنا كان اهتمام الإسلام بتغذية الروح عموما وفي هذه الأيام خصوصا عدلا لاهتمامه بتغذية الجسد إن لم يكن أكثر.

إن المسلم في نظر الإسلام ليس هو الإنسان الحيوان الذي يكتفي بأن ينعم باللذة الجسدية بعيدا عن طاعة الله تعالى، بل لابد أن تكون هذه اللذة  مقترنة بالعبادة ، مهما كانت المسوغات، فمع أن الحجاج ينتهون من مناسك الحج مرهقين متعبين فإن ذلك لا يسوغ لهم البتة أن ينقطعوا عن العبادة بأي شكل من الأشكال، فيا أيها المسلم إن كنت مسلما حقا فلا متعة لك بعيدا عن طاعة الله عز وجل.

٢-الفائدة الثانية من النص على أن أيام التشريق أيام ذكر لله عز وجل هي إظهار الاتفاق بين البيان النبوي والبيان القرآني،  فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نص في حديثنا هذا على أن أيام التشريق أيام ذكر لله عز وجل فهو في ذلك مقتفٍ أثر القرآن إذ يقول الله تعالى :{ واذكروا الله في أيام معدودات) ،  والأيام المعدودات هي أيام التشريق كما قال المفسرون.

وهذا  يؤكد أن السنة وحي من الله كما القرآن الكريم، وهذا أمر مهم جدا التنبه إليه في هذه الأيام التي يُلَحُّ فيها من قبل الموتورين على إنكار السنة، بوهم أنها كلام بشري لا يُحَكَّم في فهم وحي إلهي.

٣-الفائده الثالثة من عطف ذكر الله على أكل وشرب هي الجمع بين  المحافظة على استقامة العبد المؤمن على الطاعات من ناحية وتحقيق حاجة  الحجيج إلى الراحة من ناحية أخرى..من خلال سنة الإسلام المطردة في الجمع بين تحقيق هاتين الحاجتين: حاجة النفس إلى الراحة، والمحافظة على الاستقامة.

وهذه السنة المطردة هي  أن الإسلام بعد أن تنتهي مواسم الخيرات والطاعات لا يسمح للمسلمين أن يقطع الصلة بينهم وبين هذه المواسم بانتهائها، بل يحرضهم على  استصحاب شيء منها بعد انقضائها ولو بشكل أقل ..ففي رمضان لا يترك المسلمين بعد رمضان يخلون بإشباع شهواتهم  في الطعام والشراب فتنبَتُّ بذلك الصلة بينهم وبين ما كانوا يتعبدون لله به في رمضان، فاستحب لهم صيام ست من شوال، وكأنه بذلك يحرضنا على استبقاء رائحة رمضان فينا ولو بشكل أقل، فإذا كنت في رمضان تصوم ثلاثين يوما فرضا فإنه يكتفى منك بعد رمضان بصيام ستة أيام استحبابا، وإذا كنت في رمضان تقوم الليل كله أو جزءا كبيرا منه فإنه يُكتفَى منك بعد رمضان بأن تقوم ساعة أو بعض ساعة، وإذا كنت في رمضان تقرأ كثيرا من القرآن فإنه لا ينبغي عليك بعد رمضان أن تترك المصحف من يدك ولو أن تقرأ كل يوم بضع صفحات ..وعلى هذا فقس.

وعلى نحو ما كان الأمر في رمضان فإن الشيء نفسه يكون في الحج. فإن الحاج لا يكاد ينتهي من مناسك الحج حتى تكون قد وهنت قواه وأرهق بدنه فهو بحاجة ماسة إلى أن يستريح من عناء الحج الذي هو جهاد النساء،  كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لَكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور ” ،وهنا تأتي أيام التشريق فرصة للراحة من عناء تعب مناسك الحج، حيث لا يكلف الحجيج بشيء من العبادات غير الصلوات والتكبير ورمي الجمرات، حتى إن أبا حنيفة وتلميذه أبا يوسف والشافعية كرهوا الاعتمار في هذه الأيام…فمن هنا تتحقق حاجة نفوس الحجيج إلى قسط من الراحة من عناء مناسك الحج والازدحام.

ولكن:

لئن أخلد الحجيج إلى الراحة فقط فإنه يخشى عليهم من أن يطول بهم أمدها فيزول بذلك أثر الحج من نفوسهم وقلوبهم ويصبح كأن لم يكن وهذه خسارة كبيرة ؛ أن يعود الحاج منحجه كما كان قبل أن يحج..فما العمل؟

لا يمكن القول بأنه – محافظة على الاستقامة – يجب أن يواصل الحجيج عباداتهم دون راحة ..فإن هذا قول لا يقول به عاقل إذ إن ذلك ينتهي بالنفوس إلى النفور من الطاعة كلية بما يخشى عليها منه أن تنحط في درك المعاصي..ويعود السؤال :ما العمل ؟

كيف السبيل إلى الجمع بين تحقيق حاجة الحجيج إلى الراحة وإلى تحقيق الاستقامة على العبادة بعد الحج بما يستبقي أثر الحج في النفوس والقلوب؟

هنا كانت حكمة الإسلام في أن يستل خيطا مما كان في الحج ليمتد به إلى ما بعد الحج لكي يربط هذا الخيط بين الحجيج وما كانوا عليه في الحج ويستبقي صلة الحجيج بالحج، وهذا الخيط  هو ذكر الله عز وجل، عبادة يسيرة في العمل عظيمة في الأجر لا تحول دون الراحة من ناحية وتحافظ على الاستقامة من ناحية أخرى.

لقد كانت مناسك الحج ومعها الذكر كما قال تعالى :{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين}..ثم تنقضي المناسك ويبقى الذكر، قال تعالى:{ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} وقال تعالى :{واذكروا الله في أيام معدودات} والأيام المعدودات هي أيام التشريق.

لقد عانى الحجاج في الحج ما عانوا ط، وهم بحاجه الآن وبعد انقضاء مناسكهم  إلى الخلود  للراحة، ولكن إن هم أخلدوا إلى الراحة وانقطعوا بها عن العباده يوما أو بضعة أيام فإنه يخشى عليهم أن ينتهي بهم الأمر إلى الانقطاع الى الكسل والتراخي فتضيع  بذلك ثمرة الحج وتعود المياه الى مجاريها بعد الحج، وكأن الحج لم يكن، فكان الحل الالهي: أن يستريح الحجاج في أيام التشريق،  وأن يوسعوا على أنفسهم في الأكل والشرب، وأن يستمتعوا ما شاءوا  وهم مأجورون على ذلك ، بشرط أن يقترن هذا التوسع وذلك الاستمتاع بعبادة لله  تعالى لا يؤودهم فعلها (أي لا يشق عليهم فعلها)؛ وهي ذكر الله عز وجل: خيطا مستلا من مناسك الحج؛ يستبقي لهم روح الحج، ويربطهم بربهم، حتى لا تنبتَّ تلك الصلة في أيام الراحة بينهم وبين العبادة .

وسهولة الذكر تأتي من أن المرء يستطيع أن يفعله على كل حال :مستريحا او متعبا، مشغولا أو فارغا وحده أو في جماعة. قال تعالى:{ الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار}.

هذا..ولعل لتفريغ الحجيج في أيام التشريق حكمة أخرى، فوق إعطائهم قسطا من الراحة من عناء مناسك الحج؛ وهي تحقيق التعارف بين الناس فلقد قال الله تعالى :{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}  ومعلوم أنه لا تعارف إلا بالاجتماع ولا اجتماع للمسلمين أكبر من اجتماعهم في الحج، ولكنهم في أثناء أداء مناسكهم يكونون  مشغولين بأداء مناسكهم كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حرصا على صحة حجهم وقبوله. فإذا انتهت المناسك كان لهم من  أيام التشريق – بما فيها من التفرغ –  فرصة كبيرة  لأن يتعارفوا، وأن يكون لهم بذلك التعارف المنافع الكبرى والفوائد العظماء. اللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل

والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.