حصريا

العُدوان على القرآن أ.بن جدو بلخير – الجزائر-

0 33

لا جرم أن الحرب على الإسلام ما توقفت يوما، منذ أرسل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الى الناس كافة، ومن يوم تنبأ نبينا بنور النبوة من فعل الأمر الذي هزّ الكون (إقرأ) والحرب الفكرية  مستعرة ما تكاد تخبو، والعدوان على القرآن ماعرف هدوءا ولا ركونا، بل إن شياطين الجن والإنس يسعرون العدوان على القرآن ما يفترون، ولعل بداية العدوان الفعلية التي سجلها القرآن كانت في قول الله تعالى ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) فمن هنا كانت بداية العدوان، فإن القرآن لما تسلّط على قلوبهم وأخذ بعقولهم لم يقدروا على مواجهته، وبدؤوا حربا إعلامية عليه بنعته بالسحر والكهانه والجنون، لم يُجد ذلك نفعا، ولا أحدث تأثيرا والقرآن يواصل تأثيره على الناس، قال القشيري في لطائف الإشارات:

(لأنّ القرآن يغلِب القلوب، ويسلب العقول، وكل مَنْ استمع إليه صَبَا إليه.ولم يعلموا أنّ الذي نُوِّرَ قلبُه بالإيمان، وأُيِّدَ بالفهم، وأُمِدَّ بالنُصرة، هو الذي يسمع ويؤمن.والذي هو في ظُلماتِ جهله لا يدخل الإيمانُ قلبَه، ولا يُباشر السماعُ سِرَّه.)

فانكفأ كبراء المجرمين من قريش يحاصرون نبينا صلى الله عليه وسلم حتى يحولوا بينه وبين بلاغه، فقال أبو جهل ومن معه: “إذا قرأ محمد القرآن فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول”

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ «كانَ النَّبِيءُ ﷺ وهو بِمَكَّةَ إذا قَرَأ القُرْآنَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَكانَ أبُو جَهْلٍ وغَيْرُهُ يَطْرُدُونَ النّاسَ عَنْهُ ويَقُولُونَ لَهم: لا تَسْمَعُوا لَهُ والغَوْا فِيهِ، فَكانُوا يَأْتُونَ بِالمُكاءِ والصَّفِيرِ والصِّياحِ وإنْشادِ الشِّعْرِ والأراجِيزِ وما يَحْضُرُهم مِنَ الأقْوالِ الَّتِي يَصْخَبُونَ بِها» . وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ أنَّهم قالُوا لَمّا اسْتَمَعُوا إلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ وكانَ رَقِيقَ القِراءَةِ: إنّا نَخافُ أنْ يَفْتِنَ أبْناءَنا ونِساءَنا.

كان بعضهم يوصي بعضًا إذا رأيتم محمدًا يقرأ فعارضوه بالرَّجز والشعر واللغو، وكلموا فيه وعيِّبوه أو بالمكاء والصفير، أو أكثروا الكلام والصياح ليختلط عليه.

ولقد كان هذا دليلا على غبائهم وعجزهم، فإنهم لما عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن عمدوا إلى التشغيب، ولو كانوا أولى حجة ومَكَنَة لنهضوا بما يوقف سلطة القرآن على القلوب.

قال البقاعي :هذا يدل على أنهم عارفون بأن مَن سمعه ولا هوى عنده مالَ إليه وأقبل بكليّته عليه، وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحةً لا مثل لها”.

والعدوان على القرآن مستمر والحرب عليه قد تنوّعت أساليبها وأسلحتها، ولست أبغي الاستطالة في ذلك، وإنما أريد اختصاص الحرب على نوعين يدلال على أن الشيطان ينفث في أوليائه بتنويع الأساليب وتجديدها، فإن الشيطان قد كتب على نفسه أن يصرف قلوب الناس عن السماع له والانشغال به، لما تقرّر عنده أن القرآن هو قوة المسلم ومصدر إلهامه وسداد رأيه، فكان منه أن شغلها بما يسمى بالروايات الهابطة والانغماس فيها والاشتغال بها حدّ السفه، ودراستها وكأنها من النصوص المعينة على فهم القرآن أو الموصلة إلى عمق الإنسانية كما يزعمون، وغلوا في هذا غلوا شديدا حتى صارت الدنيا كلها إما كاتب رواية أو قارءها أو دارسها أو مسوقها، وهذا انصراف ما عرفته العرب لما نزل عليها القرآن،  بل نرى عكس ذلك، انصرفوا عن الشعر الى القرآن وتركوا ما هو أدنى لما هو أعلى لسلامة ذوقهم وصحة قياسهم، ونفورهم من المعيب الساقط المبتذل إلى الجميل الحسن المترفع، ولعل لهم سلفا من كفار قريش في ذلك، فإن البقاعي يقول : اجْعَلُوهُ -أي القرآن- ظَرْفًا لِلَغْوٍ بِأنْ تُكْثِرُوا مِنَ الخُرافاتِ والهَذَياناتِ، ومن أجل هذا كان صنيع النضر بن الحارث فإنه كان يأتيهم بقصص الهند كاسفنديار ورستم وما فيها من عجائب الافكار والخرافات ليشغلهم عن القرآن، فهاهم أولاء على أثره يسيرون، يقرأ أحدهم عشرات القصص والروايات، وهو عن قصص القرآن غافلٌ مُعرض، ولعلنا نقرأ الآن في سير تراجم أهل الخنا ويقصون أخبارهم ويسطرون فيها سطور التعظيم ليأتم الناس بهم.

ومما يتفرع من فعل الأمر (والغوا فيه) إعراض اهل الاختصاص عن كتب التفسير وعلوم العربية الخالصة، وسبل أهل العلم المفضية إلى فهم القرآن فهما صحيحا يتماشى مع عربيته وسياقه وسياقها، فأدخلوا علوما من علوم الغرب من لسانيات وغيرها، وغلوا في ذلك غلوا شديدا، وجعلوها قواعد أصيلة حاكمة على القرآن، ونبذوا علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة وما إليها، وحكموا بموت هذه العلوم، وإنما كان منهم ذلك لعجزهم وانبهارهم بالغرب وانهزامهم أمامه، فإنهم لو درسوا العربية وتطلّبوا الحق في مظانه، ونقّبوا في كتبها، واجتهدوا في ذلك كما اجتهدوا في دراسة الغرب لأصابوا مبتغاهم واستغنوا عن هذه العلوم، وإن ما في علم الجرجاني وابن جني حين فلسفوا اللغة في “دلائل الإعجاز” و”الخصائص” ما لا طاقة للسانيين والانثروبولوجيين به، ولو قال قائل إن الغرب سرق من هذين العَلَمين ما كان متهما!، ومما يدلك على هذا اعتراف كبيرهم تشومسكي، وإنه لاعتراف خطير لو كانوا يعقلون.

وما قام بودكاست (مجتمع) إلا لتعظيم هذه اللسانيات حتى جاوزت مكانتها، ولا يقولن قائل لن نعدم منهم علما، مستصحبا الأثر (الحكمة ضالة المؤمن) فهذا شطط من القول، ومغالطة في الحكم، ومجادلة في الرأي، ويقال لهذا عندما تستفرغ جهدك ووسعك وتبذل قصارى النظر في علومنا الأصيلة الملتصقة بالقرآن التصاقا لا ينفك عنها، فإن فعلت ذلك فلن يحوجك شيء إليهم، ولن تكون لك ضالة تنشدها في غير مظانها، وفي عجلة من القول يقال لأمثال هؤلاء كان الكبراء من علمائنا على دراية بعلوم اليونان والفرس والروم، وما أدخلوا شيئا منها إلى فهم القرآن، واعتبر في ذلك بالزمخشري فإنه كان عليما بالفارسية وعلومها وله في ذلك مؤلفات، فلما عمد إلى القرآن لم يقحم حرفا من تلك العلوم ليفيد منها، بل أتى بما أعجز العرب والعجم، وهو مُتسلِّح بالعربية دون غيرها

ولأجل هذا قال الشافعي :  (وإنما بدأتُ بما وصفت من أن القران نزل بلسان العرب دون غيره، لأنه لا يَعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحدٌ جَهِلَ سعةَ لسان العرب وكثرةَ وجوهه وجماعَ معانيه وتفرقَها، ومن عَلِمَه انتفت عنه الشّبه التي دخلت على من جَهِل لسانها.)

وهذا الغرب اللعين بجيشه من المستشرقين لا ينبغي للمسلم ان يحسن الظن بهم أبدا، فإن أدواتهم المعرفية لا تخلو من مكر ودهاء، وقد تفطن لهذا المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري حين قال : (إن المشروع المعرفي الغربي كافر بالمعنى العميق للكلمة.. فهو ليس كافرًا بالإله وحسب وإنما هو كافر بالإنسان أيضًا إذ يعلن موت الإله ثم موت الإنسان باعتباره كائنًا متميّزًا عن الطبيعة. ثم ينتهي به الأمر إلى أن ينزع القداسة عن كل شيء وينكر المعنى) هذا شيء ينبغي أن يستحضره كل باحث ليكون حذرا شديد الحذر من أدواتهم، وليستحضر أن القرآن كلام فيه معنًى لا يقف عنده الكافر، لأن القرآن متعلِّق بالله وعظمته وفيه أسرار ومغاليق من تطلَّبها بغير اللسان العربي ضلّ وأضلّ

وبعدُ :

فقد نقل الزركشي عن الشافعي رضي الله عنه، كلمة جليلة قال:

(جَمِيعُ مَا تَقُولُهُ الْأُمَّةُ شَرْحٌ لِلسُّنَّةِ، وَجَمِيعُ السُّنَّةِ شَرْحٌ لِلْقُرْآنِ، وَجَمِيعُ الْقُرْآنِ شَرْحُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا.

زَادَ غَيْرُهُ: وَجَمِيعُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى شَرْحٌ لِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ)

هذا شيءٌ تقف أمامه كل العلوم فلا سبيل إليه إلا السبيل الذي رسمه الأولون، ومن سلك غير سبيلهم فهو(مُتطلبٌ في الماء جذوة نار)

نهاية العدوان :

انما اقتصرت على سبيلين من سبل المجرمين في عدوانهم على القرآن، وإلا فالسبل كثيرة متنوعة منها الظاهر ومنها الخفيّ، والمعتدون أصناف منهم القريب المنتمي الى الاسلام ومنهم الكافر البعيد، على ان هذا العدوان سيرتد عليهم لا محالة كما ارتد على من قبلهم إذ القرآن محفوظ بنص القرآن ( انا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وإنما الشأن في أمة القرآن التي انتدبها الله للدفاع عنه والاستعداد لهذا العدوان لدحضه فنحن لا نملك الا كتابنا فإن تهاونا في الدفاع عنه كان ذلك من هجرانه (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)

ساعتها لا نكون في مستوى المعركة ويحق علينا قول الله تعالى (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم )

والسلام

وكتب المُتحنِّنُ إليهم

بن جدو بلخير

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.