حصريا

دلالة الحدوث على وجود الخالق جل وعلا -أ. محمد القليط-مصر-

0 23

 

 

 

دلالة الحدوث على وجود الخالق جل و علا…

بسم الله و الحمد لله

رغم أن الخالق معرفته مستقرة في نفوس البشر، قال تعالى: “فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا” (الروم: ٣٠)

فإنه جل وعلا ” فطر خلقه على معرفته وتوحيده ، وأنه لا إله غيره” (تفسير ابن كثير جزء٦ ص٣١٤)

إلا أن تلك المعرفة قد تتواري خلف مَوانع الهوى أو الشهوات فتحتاج النفس إلى الاستدلال لإظهار كمونها و استحضارها مجددًا..

و قد كانت اقوي الدلالات المحصّلة لتلك المعرفة هي دلالة الحدوث على وجود السبب الأول، و تتجلى قوة هذه الدلالة في كونها تستند إلى الحوادث المشاهدة التي لا تزال تلح على حواس الإنسان كل لحظة، فتنطلق منها إلى إثبات الخالق..

و كلما كانت مقدمات البرهان ضرورية أو قريبة من الضرورة كانت البرهان أكثر قوة و أقوى دلالة..!

و لهذه الدلالة عدة صياغات..

الصياغة الأولى: دلالة الحدوث القرآنية…

و هو يتأسس على مقدمتين ضرورتين – و هنا تكمن قوة الدليل – و هما:

– الحوادث موجودة بضرورة الحس، و الحادث ما كان مسبوقا بالعدم أو كان له بداية.
– كل حادث له سبب، و هي مقدمة عقلية ضرورية.

إذن الحوادث الموجودة لها سبب، و لا يمكن أن تتسلسل سلسلة الأسباب إلى ما لا نهاية…

فتلك هي طريقة القرآن، حيث الاستدلال بما نعلمه ضرورة من الحوادث على وجود المحدث، كحدوث الإنسان و غيره من المحدثات المعلوم حدوثها بالضرورة..

“أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون، أم خلقوا السموات و الأرض بل لا يوقنون”(الطور:35،36)

يقول: جعفر شيخ إدريس معلقا على هذه الآية:

“فكأن القرآن يقول لهذا المنكر: إذا لم يكن الله هو الذي خلقك… هل خلقت نفسك؟…”

و قد أبرز ابن تيمية قوة تلك الطريقة القرآنية قائلا:

“الطريقة المذكورة في القرآن: هي الاستدلال بحدوث الإنسان…”
“فنفس حدوث الحيوان و النبات و المعدن…”

إذن هي طريقة يسيرة تناسب كل إنسان…

فإن كل إنسان يغوص في بحر هذه الآيات…

و إذا جوبه بها الملحد في المناظرة…

و هلم جرّا…

الصياغة الثانية: تقسيم الموجودات..

تلك الطريقة من أقصر الطرق إلى إثبات المحدث الأزلي أو الواجب…

الموجودات إما أن تكون كلها حادثة أو كلها قديمة أو منها الحادث والقديم.
“فثبت إذا أن الموجودات تنقسم لقديم ومحدث، ولابد للمحدَث من محدِث قديم”

ففي الطريقة السابقة تم إثبات وجود القديم و إثبات حدوث ما سواه…

و تستغني هذه الطريقة كذلك عن إبطال حوادث لا تتناهى…

فليس في تقدير حوادث لا تتناهى ما يوجب استغنائها عن القديم…

فلو كان واحدا منها للزم أن يحدث نفسه…

و هذا محال..

“فليس فى تقدير حوادث لا تتناهى ما يوجب استغنائها عن القديم…” (ابن تيمية)

الصياغة الثالثة: إثبات حدوث العالم بتوسط إثبات الفاعل المختار..

هي كالطريقة الأولى في الاستدلال بحدوث آحاد الحوادث…

و قد أضيف إليها أن محدث الحوادث لا بد أن يكون فاعلا مختارا…

إذن هي طريقة تعتمد على أن للحوادث محدثا…

و أنه يمتنع أن يكون هذا المحدث علة تامة موجبة بالذات…

فلا يتراخى عنها معلولها…

فينتج من ذلك إثبات حدوث كل ما سوى الخالق جل و علا…

– إثبات المحدث الأزلي
– إثبات كونه ليس علة تامة
– إثبات أنه فاعل بالاختيار
“فثبت أن الحوادث يستحيل أن تحدث بعلة تامة…” (سلطان العميري)

و هذا يدل على استحالة أن يكون شيء من العالم قديمًا…

و الله المستعان..

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.