دلالة الحدوث على وجود الخالق جل وعلا -أ. محمد القليط-مصر-
دلالة الحدوث على وجود الخالق جل و علا…
بسم الله و الحمد لله
رغم أن الخالق معرفته مستقرة في نفوس البشر، قال تعالى: “فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا” (الروم: ٣٠)
فإنه جل وعلا ” فطر خلقه على معرفته وتوحيده ، وأنه لا إله غيره” (تفسير ابن كثير جزء٦ ص٣١٤)
إلا أن تلك المعرفة قد تتواري خلف مَوانع الهوى أو الشهوات فتحتاج النفس إلى الاستدلال لإظهار كمونها و استحضارها مجددًا..
و قد كانت اقوي الدلالات المحصّلة لتلك المعرفة هي دلالة الحدوث على وجود السبب الأول، و تتجلى قوة هذه الدلالة في كونها تستند إلى الحوادث المشاهدة التي لا تزال تلح على حواس الإنسان كل لحظة، فتنطلق منها إلى إثبات الخالق..
و كلما كانت مقدمات البرهان ضرورية أو قريبة من الضرورة كانت البرهان أكثر قوة و أقوى دلالة..!
و لهذه الدلالة عدة صياغات..
الصياغة الأولى: دلالة الحدوث القرآنية…
و هو يتأسس على مقدمتين ضرورتين – و هنا تكمن قوة الدليل – و هما:
– كل حادث له سبب، و هي مقدمة عقلية ضرورية.
إذن الحوادث الموجودة لها سبب، و لا يمكن أن تتسلسل سلسلة الأسباب إلى ما لا نهاية…
فتلك هي طريقة القرآن، حيث الاستدلال بما نعلمه ضرورة من الحوادث على وجود المحدث، كحدوث الإنسان و غيره من المحدثات المعلوم حدوثها بالضرورة..
يقول: جعفر شيخ إدريس معلقا على هذه الآية:
و قد أبرز ابن تيمية قوة تلك الطريقة القرآنية قائلا:
إذن هي طريقة يسيرة تناسب كل إنسان…
فإن كل إنسان يغوص في بحر هذه الآيات…
و إذا جوبه بها الملحد في المناظرة…
و هلم جرّا…
الصياغة الثانية: تقسيم الموجودات..
تلك الطريقة من أقصر الطرق إلى إثبات المحدث الأزلي أو الواجب…
ففي الطريقة السابقة تم إثبات وجود القديم و إثبات حدوث ما سواه…
و تستغني هذه الطريقة كذلك عن إبطال حوادث لا تتناهى…
فليس في تقدير حوادث لا تتناهى ما يوجب استغنائها عن القديم…
فلو كان واحدا منها للزم أن يحدث نفسه…
و هذا محال..
الصياغة الثالثة: إثبات حدوث العالم بتوسط إثبات الفاعل المختار..
هي كالطريقة الأولى في الاستدلال بحدوث آحاد الحوادث…
و قد أضيف إليها أن محدث الحوادث لا بد أن يكون فاعلا مختارا…
إذن هي طريقة تعتمد على أن للحوادث محدثا…
و أنه يمتنع أن يكون هذا المحدث علة تامة موجبة بالذات…
فلا يتراخى عنها معلولها…
فينتج من ذلك إثبات حدوث كل ما سوى الخالق جل و علا…
– إثبات كونه ليس علة تامة
– إثبات أنه فاعل بالاختيار
و هذا يدل على استحالة أن يكون شيء من العالم قديمًا…
و الله المستعان..