حصريا

بين حرب الصواريخ وحرب العقول: من العنف المادي إلى العنف الرمزي -د. نونة صماري-الجزائر-

0 11

 

 

بين حربُ الصواريخ وحربُ العقول: من العنفِ المادي إلى العنفِ الرمزي

لا تختزلُ المأساةُ المعاصرة في أشكال العنفِ المادي المباشر، كالحروب الصاروخية، على فداحتها؛ إذ تُصنَّف هذه ضمن ما يُسمّيه يوهان غالتونغ “العنف المباشر” (Direct Violence)، حيث يكون الأذى مرئيًا ومُدركًا، وتُستثار في مواجهته آلياتُ الصمود النفسي والروحي، بما يعيد للإنسان وعيَه بحدود وجوده ووظيفته الغائية. في مثل هذه السياقات الحدّية، تنزع الذات إلى استعادة مرجعياتها الميتافيزيقية، فتتعزّز أنماطُ التدين العملي، ويبرز ما يمكن وصفه بـ“الترميم الروحي” (Spiritual Resilience).

تحول أنماط العنف في العصر الحديث

غير أنّ التحوّل الأخطر يتمثّل في ما يمكن توصيفه بـ“العنف الرمزي” (Symbolic Violence) و“الاستعمار الإدراكي” (Cognitive/ Epistemic Colonization)، حيث تُستهدف البنى المعرفية والقيمية للإنسان عبر وسائط رقمية كثيفة التأثير. هذا النمط من العنف لا يعمل على إتلاف الجسد، بل على إعادة تشكيل الوعي، وإعادة ترميز الحقيقة، وتفكيك المرجعيات الأخلاقية والدينية، في سياق ما بعد حداثي يتسم بالسيولة (Liquid Modernity) والتشظي القيمي.

التكنولوجيا واقتصاد الانتباه

في هذا الإطار، تؤدي التكنولوجيا—بوصفها حاملاً محايدًا ظاهريًا—دور وسيطٍ في إنتاج “اقتصاد الانتباه” (Attention Economy)، حيث تُستنزف القدرات الإدراكية عبر منصاتٍ رقمية تُعيد تشكيل أنماط الإدراك والسلوك، لا سيما لدى الناشئة، وتزييف الحقائق وفقا للترويج المشبوه لا للحقيقة المعاشة ، كما تسهم الألعاب الإلكترونية عالية الكثافة، والمحتوى المُؤدلج أو المُشوَّه، في إضعاف الوظائف التنفيذية للعقل، وتطبيع العنف الرمزي، وتغذية ما يمكن تسميته بـ“التشويش المعرفي” (Cognitive Distortion) و“تآكل المعنى” (Meaning Erosion).

من العنف المباشر إلى الاغتراب الوجودي

وعلى خلاف العنف المباشر الذي قد يُحفّز التماسك الاجتماعي واستدعاء المعنى، فإن العنف الرمزي يُنتج حالة من “الاغتراب الوجودي” (Existential Alienation)، حيث يُعاد تشكيل الإنسان في غياب وعيه النقدي، فيفقد بوصلته القيمية دون إدراكٍ صريحٍ لعملية الفقد ذاتها. ومن ثمّ، فإن الخطر لا يكمن فقط في تهديد الحياة البيولوجية، بل في تقويض “مرجعية الإنسان” (Human Referentiality) بما هي منظومة المعاني التي تمنحه هويته ووجهته.

تحول نوعي في طبيعة الحروب

وعليه، يمكن القول إن الحروب المعاصرة تشهد انتقالًا نوعيًا من استهداف الأجساد إلى استهداف العقول؛ من القتل الفيزيائي إلى “إعادة هندسة الوعي” (Consciousness Engineering). وإذا كانت الصواريخ تُنهي حياةً فيزيائية، فإن تفكيك البنية الإدراكية والقيمية قد يُنهي إنسانية الإنسان وهو لا يزال حيًّا، عبر إفراغه من المعنى، وإدخاله في دوامة من التناقضات التي تُلغي تماسكه الداخلي.

الحصانة المعرفية وإعادة بناء الوعي

إن مواجهة هذا النمط من العنف تقتضي إعادة بناء الحصانة المعرفية (Cognitive Immunity)، وتعزيز التربية النقدية والروحية، بما يُمكّن الفرد من استعادة قدرته على التمييز، وتثبيت مرجعيته القيمية في عالمٍ يتسم بسيولة المعايير وتسارع التحولات.

الدكتورة نونة صماري . تحت القصف . البحرين 2026 .

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.