كلمة الحق في زمان الجهل والجور. د. بلال فيصل البحر- العراق-
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كلمة الحق في زمان الجهل والجور
الحمد لله وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلَّم، وبعد:
بقلم الشيخ الباحث: بلال فيصل البحر
إسطنبول، 1447 هـ
والناظر في واقع العالم العربي اليوم يوقِن أن أسبابَ الثورة قد استحكمت واستتمت، وما لم ينهض العقلاءُ والعلماءُ والقادةُ في شأن الإصلاح بعَزْمَة ماجد: فإن طوفانَ الثورات الجارفَ آتٍ لا محالة.
ودونك بلاد الحرمين وما يُشاهَد فيها من الإفساد في جنباتـها وإذاعة المنكرات وتسويغها في الجيل الناشئ، مع صمت شيوخ السلفية بـها خوفا، أو جهلا بأصل طاعة ولاة الأمور، حتى صار السلفيُّ فيها غريبا وهي داره بالأمس! عدا ما قد حلَّ بـها من سجن أهل العلم والفضل وظلمهم وقد قاموا للإصلاح والإنصاف والعدل، وليس فيهم من يدعو للثورة أو الخروج على نظامها:
عبرة التاريخ: عدل نور الدين زنكي وأثر القسط
وقد ذكر قاضي صفد في (طبقات الشافعية) أن نور الدين زنكي همَّ بانتزاع أملاك أهل المعرَّة وقال: صحَّ عندي أنـهم يتقارضون شهادةَ الزور؛ فيشهد الرجلُ لصاحبه على مِلْك على أن يشهد هذا له أيضا، فقال له القاضي: اتَّق الله فإن هذا لا يتمُّ في بلد، فقال: ليس هو إلا ما قد سمعتَ، وعزم على أمره، وأمر كاتبَهُ بتحرير صك في هذا، فبينما هو يتنزَّه على فرسه عند نـهر بَرَدَى إذا بغلام على حمار يُنشد:
فاستغفر نور الدين واتَّعظ ومزَّق الصكَّ وعدل عما كان قد عزم عليه.
المشهد المصري: تناقضات البذخ الفاحش وخرافات الجهل باسم الدين
وانظر إلى مصر وما يقع فيها مِنْ طغيان الأثرياء مِنَ الفنانين وغيرهم في مهرجاناتـهم وبذخهم وترفهم الفاحش على مرأى ومسمع من الفقراء والمحرومين الذين يُفتشون عن لقمة العيش في المزابل وحاويات القمامة، حتى إنك لتُشاهِد الكلبَ ينتظر الفقيرَ يأخذ حاجتَهُ من القمامات والنفايات ليبحث هو عما تركه له!
وانظر إلى ما يقع من استجهال العامة في مولد السيد الشيخ العارف بالله أحمد البدوي رضي الله عنه؛ مما لو نُشر البدويُّ نفسه لأغلظ الإنكار عليهم، وفيه تشاهد الرقصَ والجهلَ والبدعَ والشركَ الذي يُقرره وزيرُ الأوقاف وشيخُهُ على أنه كرامات وولاء للأولياء! وترى الـمُمَخْرقين لابسين الثيابَ الخُضْرَ الـمُزَرْكشةِ الـمُبَهْرجة، كأنـهم مُهرجون في سيرك يتراقصون صارخين باسم السيد البدوي وألقابه، ومواكب الإبل تُساق إلى قبره كما يُساق الهديُ إلى بيت الله الحرام، والعجب أن هذا الجهلَ والهوجَ يُنقل في الفضائيات ووسائل الإعلام ومواقع التواصل على أنه دين!
فمتى كان الرقصُ والجهلُ دينا، وقد قال فيهم أبو العلاء المعري:
شبابٌ يحسبون الدينَ جهلا…وشيبٌ يحسبون الجهلَ دينا
فأين علماء الصوفية الذين أنكروه من قبل أين من يدَّعي الانتساب لطريقهم، وبأي كتاب أم بأية سنة تُشرَّع هذه البدعُ التي جاءت الشرائعُ النبويةُ بإنكارها ومَحْو رسومها؟ أم أن تقرير هذه الجهالات اليوم صار من ضروريات حفظ الأمن والنظام!
التصوف السني الحقيقي في مرآة الشيخ محمد زكي إبراهيم
فهات قُلْ لي: ترى أئمة الطريق كالجنيد والجيلاني والرفاعي وغيرهم رضي الله عنهم، يرضون بـهَتْك حرم الدين وأحكامه الظاهرة، وهم الذين قيَّدوا هذا الطريق بلزوم الكتاب والسنة وقانون الشرع؟ ولما ظهر من بعض أتباع العارف الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه بعضُ ما ظاهرُهُ مخالفة مراسم الشرع وأحكامه، كتب القاضي أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي إلى الشيخ وهو شيخه: أنْ أحْكِمْ أتباعَكَ عن مخالفة ظواهر الأحكام وإلا أحكمناهم بسيف الشرع، فسلَّم له الشيخُ وأقر.
فكيف لو رأى الشيخُ عبد القادر وشيوخُ الطريق ما يقع في مولد السيد البدوي من المفاسد والبدع، حتى لقد رأينا في العامة من يسجد لمقام السيد البدوي كما يسجد في صلاته لله تعالى، فأي علم هذا الذي أمسى الأزهرُ فيه وأصبح؟! وقد قال ابن حجر الحافظ في تاريخه الموسوم بـ (الإنباء) وجمع كلامه المفرَّق فيه ابنُ العماد في (تاريخه): “(…) وجِدَ في صبيحته مائة وخمسين جرَّة من جرار الخمر فارغات، إلى ما كان في تلك الليلة من الفساد؛ من الزنا واللواط والتجاهر بذلك، فأمر الشيخ إسماعيل بإبطال المولد بعد ذلك فيما يقال (…) ويحصل فيه من المفاسد والقبائح ما لا يعبَّر عنه)”.
فأين اليومَ في العلماء بمصر من يقوم مقام هذا العالم المتصوف الصالح؛ فيُصلح ما أفسده العوامُّ والطرقيةُ، وينهض حميةً للشرع وغيرةً على الأحكام، وإلا فإن الله تعالى قد جرت سُنَّتُهُ إذا توارى أهلُ الشرع وانزوى العقلاءُ: أن يُسلط عليهم الغلاةُ يسومونـهم الرعبَ والقتلَ، أو ينهض العامةُ بالثورات التي تأتي على الناس بالفتن فتَدْهَمهم وينخرم بـها نظامُ الجامعة.
المأساة العراقية: هيمنة العمائم السوداء وتزييف العقول
وإذا نظرت في العراق الذي لا بواكي له، ومصابُهُ لا نظير له، حتى إن بعض الظرفاء قيل له: نحتاج لإصلاح العراق إلى حجاج أو صدام جديد؟ فقال: بل أصبحنا بحاجة إلى نبي! وجدت أنه قد شاع فيه من الجهل والخرافات والفساد والدعارة والحشيش والشرك والبدع والظلم الذي جاءت به العمائمُ السودُ ما لم يشهده زمان، ولا برح به مكان.
فالعمامة تستجهل العامة: يُقنعونـهم بالحديث مع المهدي في الهاتف تارة، وتارة يُسيرون لهم موكبا لنوكى يرتدون ثيابا بيضاء؛ زعموا أنـها الملائكةُ جاءت لزيارة الحسين عليه السلام في عاشوراء للتعزية به، إلى خرافات وجهالات وظلمات لا حصر لها، بحيث صار العقلاءُ يترحمون على أيام صدام:
يا ليت جَوْرَ بني مروان دام لنا … وكان عدلُ بني العباس في النارِ
وهَبْ أن أهلَ السنة لا يدَ لهم ولا طاقةَ بـهم اليومَ إلى إصلاح هذا الفساد؛ فأين عقلاءُ الشيعة وعلماؤهم المصلحون، ولله الدكتور موسى الموسوي؛ فإنه حين وصف ما في المواكب الحسينية من الجهالات والفساد والبدع والمنكرات التي لا يحتملها عقلٌ أو شرعٌ، ذكر قصة رئيس الوزراء العراقي ياسين الهاشمي في لندن حين أراه الإنجليز فيلماً وثائقياً عن مشاهد التطبير المروعة في شوارع النجف وكربلاء كذريعة استعمارية، وكأن الإنجليز قد أرادوا أن يقولوا له: هل تعتقد أن شعبا مثقفا له من المدنية حظ قليل: يعمل بنفسه هكذا؟
بين نكبة غزة ونذر “الربيع الثوري” القادم
ثم إن ما وصفنا من حال الناس مع ما دَهَمَ أهلَ غزة من نكوب وندوب، وما يكتنف الشامَ بعد خلاصه من طاغية آل الأسد؛ من المؤامرات التي يُدبرها أهلُ الفتنة بليلٍ لإفساد ما صلح منه، فضلا عما هو واقع في ليبيا واليمن، وما زلنا نسمع مِنْ بعض الشيوخ مَنْ يُطلق تخويفَ الناس وتحذيرَهم من السعي في الإصلاح وتغيير المنكر والفساد والجور، ويدعو للصبر والطاعة حتى لا يؤول الأمر كما هو الحال في سوريا إبان الثورة وفي العراق واليمن ولبنان.
وهذا الأمرُ قد صيَّر أصلَ طاعة ولاة الأمر سببا ووسيلةً لتقرير الظلم والجور والجهل والفقر والقهر والمنكرات التي ذاعت وشاعت، وسوف إنْ عشتَ ترى “ربيعا ثوريا” قادما لا محالة؛ إذ العادةُ جرت بأن هذه الحال لا يمكن أن تدوم، ولابد لمن بيده سُبل الإصلاح من التحرك للتغير والإصلاح قبل فوات الأوان. وليست هذه دعوةٌ للخروج ولا للثورة، بل هو إنذار ليتدارك العقلاءُ والعلماءُ الأمرَ، فإن ليلَ الظلم مهما طال لن يدوم، وإذا كان بإمكانك أن تدوس الأزهار، فلا يُمكنك أن تؤخر قدومَ الربيع، فالأمر كله بيد الله، لا بيد أمريكا ولا غيرها، ودوام الدول بالعدل.
“(حَصِّنْها بالعدل، ونَقِّ طُرَقَها من الجور، والسلام)”.
ولو اعتبر الحكام بما آلَ إليه أمرُ غيرهم ممن لم يقم بإصلاح شامل في بلاده؛ برَدِّ المظالم والأخذ على يد الظالم، وإنصاف الفقراء والجوعى، وتحقيق قدر من العدل؛ فإن ما حذَّر منه الشيوخُ من مصير حال بلادهم كحال سوريا والعراق، سينقلب كحال سوريا والعراق أيام الثورات والفتن لا محالة فليست إلا مسألة وقت. فلا بد للعلماء والعقلاء من السعي في تدارك ما حلَّ من الجهل والفقر والظلم قبل أن يسقط في أيديهم فيقرعوا سنَّ الندم ولات ساعة مَنْدَم.
لا يَصْلُحُ الناسُ فَوْضَى لا سَراةَ لَهم … ولا سَراةَ إذا جُهَّالُهُمْ سَادُوا