حصريا

الأسرة في القرآن ودورها في العمران -د.فاطمة الزهراء دوقيه- المغرب

0 113

تقديم:
يشغل موضوع عمارة الأرض وتنمية الحياة البشرية مساحة مهمة في القرآن الكريم، دون أن يتضمن تفاصيله وكيفياته أو يتدخل فيها، بل يرشد إلى مواده وعناصره الأساسية المبثوثة في الكون، على الإنسان اكتشافها والتعامل معها وفق سننها، لاستخراج خيراتها واستثمارها في حياته.ولكنه يتدخل في بناء هذا الإنسان وتزكيته اعتقاداً وتصوراً وفكراً، وسلوكاً وعملاً، لينعكس ذلك رشداً وصلاحاً في إعمار الأرض.ذلك أن هذا الأخير يأتي من المنظور القرآني امتداداً لتزكية الإنسان كمقصود منها، لأن التزكية موضوعها الإنسان المستخلَف في الأرض، الذي بزكاته وصلاحه، يؤثر في الحياة في مختلف مناشطها صلاحًا واستقامةً. كما للقرآن تدخل في العملية العمرانية من نوع آخر، وهو ما يتعلق بتقديمه الهداية العامة لتلك المجالات الحياتية والمناشط الإنسانية، التي يتمظهر من خلالها هذا العمران ويتشكل وينتظم بها في جملته؛إذ ألفيناه يهديه إلى الأقوم والأصلح فيها، فشملها بتشريعه الكامل والمكتمل، بما وضعه من تلك المبادئ العامة الكلية، والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها بتغير الزمان والمكان، إلى جانب ما وضعه لها من تلك الأحكام التفصيلية فيما لا يتطور مهما تغير الزمان والمكان. ونتناول في هذا البحث أعظم هذه المجالات العمرانية التي أولاها القرآن عنايته الخاصة، وهو مجال الأسرة، تلك اللبنة الاجتماعية الأولى التي لا قيام للعمران البشري بدونها،وتتحمل مسؤولية كبرى فيه من عدة نواح.فكيف ينظر القرآن الكريم إليها؟ وما دورها العمراني الذي حدد لها؟ وعلى أية قواعد أسسها وبناها لتحقيق مقصد العمران؟ وقبل تناول هذه المطالب نحتاج أن نحدد ابتداءً مفهوما للعمران بشكل عام من خلال القرآن الكريم دون تفصيل.
*****
المطلب الأول: مفهوم العمران
إن العمران الذي نتحدث عنه، ذلك المذكور في قول الله تعالى الجامع: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ ٱلأَرضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِیهَا﴾ [هود:61]، أي ما يتعلق بالجانب المادي في الحياة البشرية، وهو ما يُعَبَّرُ عنه حديثا بمصطلح التنمية البشرية، بما هي تحسين لأحوال الناس، وكل ما تعلقت به منافعهم ونظام معاشهم. ومعنى الاستعمار “الإعمار أي جعلكم عامريها… ومعنى الإعمار أنَّهم جعلوا الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع، لأن ذلك يعد تعميرا للأرض حتى سمي الحرث عمارة لِأن المقصود منه عمر الأرض”. وبتعبير آخر، فإن “العمارة تحويل الأرض إلى حال تصلح بها أن ينتفع من فوائدها المترقبة منها كعمارة الدار للسكنى، والمسجد للعبادة، والزرع للحرث، والحديقة لاجتناء فاكهتها والتنزه فيها. والإستعمار هو طلب العمارة بأن يطلب من الإنسان أن يجعل الأرض عامرة تصلح لأن ينتفع بما يطلب من فوائدها”، فيطورها وينميها ويصلحها حتى تكون محققة لمنافعه المختلفة، ومحسنة لأحواله مقيمة لنظام آمن ومستقر في حياته.
والعمران من مهام الإنسان الكبرى التي تدخل في إطار وظيفته الاستخلافية التي كُلِّفَ بها: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلٌ فِی ٱلْأَرْضِ خَلِیفَةٌ﴾ [البقرة:30]؛ إذ هو “الركن المكمل لعملية “الاستخلاف”، والقيمة الحضارية الكبرى في الإسلام التي تؤطر حركة الاستثمار في الكون، والتعامل مع الأشياء وفق منهج الله في أمره ونهيه؛ حيث المقصد العام للشريعة الإسلامية: إصلاح الأرض وعمارتها، وتزجية معاش الناس فيها، وتحقيق التمكين عليها، وتعبيد الفعل البشري لله سبحانه، بحيث تكون جميع فعاليات الكون متجهة إلى الله… فمهمة الخلافة تقتضي التعمير في الأرض تعميرا ماديا بالمنشآت الصالحة وبالصناعة والزراعة ومقتضياتها، وتعميرها معنويا بإقامة العدل وإشاعة الإحسان بين الناس”. ومن البديهي أنه لكي يتحقق العمران بهذا المعنى، فلا بدأن يتم عبر اجتماع الناس وإقامتهم واستقرارهم في مكان وموطن وتعاونهم، وكذا عبر مساحة الزمن المتمثل في هذه الحياة الإنسانية والأعمار التي يتمتع بها الناس.
وهكذا يكون مفهوم العمران حاملاً لثلاث معانٍ وأبعاد: العمل والمكان والزمن، وكلها جاءت في القرآن الكريم في الآيات التي وردت فيها مادة “عمر”، بل هي متضمَّـنة في آية الاستعمار نفسها الآنفة الذكر. وقد وجدنا الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِیهَا﴾ يضم هذه المعاني معاً حينما يقول: “يقول: وجعلكم عُمَّارًا فيها، فكان المعنى فيه: أسكنكم فيها أيام حياتكم”.
وعليه، تتم عمارة الأرض، بالبناء والتشييد والزرع وما يستتبعه ويترتب عنه وما يعرض له من أحوال، نتيجة اجتماع الناس وإقامتهم على هذه الأرض في هذه الحياة بما هي هذا الزمن أو العمر الإنسانيين. مما يجعل تعريف ابن خلدون للعمران هو الأصدق والجامع؛ إذ هو هذا الاجتماع البشري في الأرض «الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التوحش والتأنس، والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال”.
وأهم لبنة وأعظم أساس يبنى به هذا الاجتماع البشري ويؤسس للعمران، لبنة الأسرة التي أولاها القرآن الحكيم أهمية كبرى كمجال كبير في الحياة الإنسانية، ونظر إليها وعالج قضاياها بهذا الاعتبار، وهذا محور مطلبنا التالي..
*****
المطلب الثاني: أهمية الأسرة في القرآن الكريم
لا يخفى ما للأسرة من أهمية كبرى في الحياة البشرية على هذه الأرض، وفي تقدم الأمم وقيام حضاراتها، يقول ابن عاشور في هذا المعنى: “انتظام أمر العائلات في الأمة أساس حضارتها وانتظام جامعتها؛ فلذلك كان الاعتناء بضبط نظام العائلة من مقصد الشرائع البشرية كلها، وكان ذلك من أول ما عني به الإنسان المدني في إقامة أصول مدنيته بإلهام إلهي”. والوعي بهذه الأهمية البالغة للأسرة هو ما دفع الكاتب “ستيفن كوفي” – وهو الأب لتسع أبناء والجد لـ49 حفيد، الحائز على جائزة الأبوة عام 2003 من منظمة المبادرة الوطنية للأبوة- أن يقول: «إن الأسرة هي أهم وأعظم مؤسسة في العالم، إنها لبنة البناء في جدار المجتمع، ولا يمكن أن تقوم قائمة أية حضارة دون تماسك الأسرة، ولا أن تحقق أية مؤسسة أخرى في الوجود دورها المهم الذي تلعبه”.
ولقد اعتنى القرآن الكريم أشد العناية بها كقاعدة أساس في الحياة، ولبنة أولى في قيام المجتمعات؛ فوجدناه يدع التفصيل والبيان لمسائل العبادات للسنة النبوية، بينما يفصل إحكاماً ما يتعلق بالأسرة والعائلة؛ فــ«ذكرت أحكامها تفصيلًا من وقت تكوينها بعقد الزواج، إلى أن يقرر الله تعالى التفريق بالموت أو الطلاق، وذكر أحكام الأسرة الممتدة غير المقصورة على الزوجين. وما بينته السنة لا يعد كثيرًا بالنسبة لما بينه القرآن الكريم. ثم ذكر القرآن الكريم توزيع المال في آحاد الأسرة، وفي الميراث، ويكاد القرآن الكريم يستغرق كل أحكامه في تفصيل لا إجمال فيه … فعناية الإسلام بالأسرة كانت بالنصِّ الكامل على نظامها، لكيلا ينحرف الناس بأهوائهم عنها، ولكيلا ينكروا تطبيقها، ويجعلوا لعقولهم سبيلًا للتحكم في أموالها ونظامها، ولأنَّها متصلة بالرضا والغضب بين الزوجين والأقارب، فكان لا بُدَّ من ميزان مقرر ثابت يحكم الأهواء، ويضع الأمور في مواضعها. وإن أحكام الأسرة مؤثرة في المجتمع وموجهة له؛ لأن الأسرة هي دعامة البناء الاجتماعي يضطرب باضطرابها، ويقوى بقوتها. ولأنَّ الإسلام جاء لإقامة مجتمع فاضل تربطه المحبة، وتوثق روابطه المودة، كانت عنايته بأحكام الأسرة، وأن تكون مستقرة يتصل فيها ماضي الأمة بحاضرها”.
وإذًا، يمكننا أن نقول أن في القرآن الكريم تنظيما عاما للأسرة من جوانبها الأساسية، وهو ما “نراه متناثرًا في سور شتى من القرآن، محيطًا بكل المقوّمات اللازمة لإقامة هذه القاعدة الأساسية الكبرى”. ويكتسب هذا النظام أهميته العظمى وتميزه وتفرده، أنه نظام«ملحوظ فيه كل خصائص الفطرة الإنسانية وحاجاتها ومقوماتها، وينبثق… من معين الفطرة وأصل الخلقة، وقاعدة التكوين الأولى للأحياء جميعًا وللمخلوقات كافة.. تبدو هذه النظرة واضحة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:49]، ومن قوله سبحانه: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يس:36]، ثم تتدرج النظرة الإسلامية للإنسان فتذكر النفس الأولى التي كان منها الزوجان، ثم الذرية، ثم البشرية جميعاً: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:1]، ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ [الحجرات:13]. ثم تكشف عن جاذبية الفطرة بين الجنسين، لا لتجمع بين مطلق الذكران ومطلق الإناث، ولكن لتتجه إلى إقامة الأسر والبيوت: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:21]، ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:187]، ﴿نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:223]، ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ [النحل:80]. الأسرة تلبي هذه الفطرة العميقة في أصل الكون وفي بنية الإنسان. ومن ثم كان نظام الأسرة في الإسلام هو النظام الطبيعي الفطري المنبثق من أصل التكوين الإنسان، بل من أصل تكوين الأشياء كلها في الكون.على طريقة الإسلام في ربط النظام الذي يقيمه للإنسان بالنظام الذي أقامه الله للكون كله”.
من هنا كان من مقاصد القرآن الكريم “تكوين الأسرة الصالحة، التي هي ركيزة المجتمع الصالح ونواة الأمة الصالحة”، بل من إن المقاصد الضرورية ما تعلق شرطًا بقيامها؛ فحفظ النسل الذي هو استمرار النوع البشري وخلفته، -الذي “لو تعطل يؤول تعطيله إلى اضمحلال النوع وانتقاصه، كما قال لوط لقومه: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت:29]، على أحد التفسيرين”- لا يمكن أن يتحقق إلا بالأسرة المتكونة عبر الزواج كأصل تكوين النسل وحفظ النوع البشري، ولهذا اعتنت الشريعة بأمر النكاح وجعلته “من أسمى مقاصدها؛ لأن النكاح جِذم نظام العائلة”. وإن الآية الجامعة والدالة صراحة عن هذا المقصد العمراني الكبير من خلال النكاح بالإضافة إلى ما سبق، قوله تعالى:﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:223]، يعني أنهن “مزدرع أولادكم ومحترث نسلكم، وفي الحرث كناية عن النكاح، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فانكحوا مزدرع أولادكم”. إنها تبين كيفية الحرث، فتشير “إلى أن النساء هن حرث للرجال، بمعنى أنهن الزرع الذي به يدوم بقاء الجنس البشري، كما أن في الأرض زرعا يحيا به الإنسان”.
فالأسرة إذاً هي “الوسيلة المأمونة لحفظ النوع الإنساني وبقائه وتكاثره على الوجه الصحيح، لأن الإعراض عن الزواج، قد يؤدي إلى انقطاع النسل، وانقراض الحياة البشرية على هذا الكوكب مع تداول الأيام، كما أن فتح الباب على غاربه، وشيوع التكاثر الإنساني خارج نظام الزواج الشرعي، قد يفضي إلى التناحر والفوضى، أو ميلاد أجيال هزيلة، أو سلالات من المعوقين، غير مؤهلة لاستمرار الحياة المنوطة بحكمة خلق الإنسان”.
كما أنَّ حفظ العرض لمن عده مقصدًا من مقاصد الشرع الكلية، لا يتحقق بدوره إلا في إطار الزواج والأسرة،كحصن يحمي من الانحلال والفوضى الأخلاقية، “ويأمن الأفراد من التفسخ الاجتماعي.. ولا يخفى على كل ذي إدراك وفهم أن غريزة الميل إلى الجنس الآخر حين تشبع بالزواج المشروع والاتصال الحلال، تتحلى الأمة -أفرادا وجماعات- بأفضل الآداب، وأحسن الأخلاق، وتكون جديرة بحمل الرسالة، وحمل المسؤولية على الوجه الذي يريده الله منها”. ولهذا جاء النهي عن فعل الفاحشة شديدًا، بل عن مجرد الاقتراب منها، في قوله تعالى: ﴿ولا تَقْربُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:32]، وقال تعالى: ﴿ولاَ تَقْربُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَر مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:151]، وأكبر المفاهيم القرآنية ذات الصلة بهذا المقصد في النكاح مفهوم “الإحصان”، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاۤءَ ذَ ٰ⁠لِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَ ٰ⁠لِكُم مُّحْصِنِینَ غَیْرَ مُسَـٰفِحِینَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِیضَة﴾ [النساء:42]، والإحصان: العفة، وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم، ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غير زانين، والسفاح الزنى والفجور”. ومفهوم”حفظ الفروج” كقوله تعالى: ﴿وَٱلْحَـٰفِظِینَ فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَـٰفِظَـٰتِ﴾ [الأحزاب:35]، الذي “أُريد به حفظها عما ورد الشرع بحفظها عنه، وقد اندرج في هذا جميع أحكام النكاح وما يتفرع عنها وما هو وسيلةٌ لها”.
وبالزواج كذلك وتكوين الأسرة يوقى ويحفظ الإنسان فردا ومجتمعا من تلك الأمراض الفتاكة الناتجة عن الاتصال المحرم، وفعل الفواحش، كمرض الإيدز والزهري وداء السيلان، وغيرها من تلك الأمراض الخطيرة القاضية على النسل، والموهنة للجسم، والفاتكة بصحته، والناشرة للأوبئة. وهو ما يندرج في مقصد حفظ النفس من حيث صحتها، بل من حيث الحياة نفسها، علما أن من تلك الأمراض ما يقتل.
ونفس الأمر بالنسبة لمقصد حفظ النسب الذي يؤدي فواته إلى “عواقب كثيرة سيئة يضطرب لها أمر نظام الأمة وتنخرم بها دعامة العائلة”. فبتكوين الأسرة تحفظ الأنساب، و”يفتخر الأبناء بانتسابهم إلى آبائهم، ولا يخفى ما في هذا الانتساب من اعتبارهم الذاتي واستقرارهم النفسي، وكرامتهم الإنسانية، ولو لم يكن ذلك الزواج الذي شرعه الله، لعج المجتمع بأولاد لا كرامة لهم ولا أنساب؛ وفي ذلك طعنة نجلاء للأخلاق الفاضلة، وانتشار مريع للفساد والإباحية”. وقد ورد الأمر بحفظ نسب الأبناء جليا في قوله تعالى: ﴿ٱدْعُوهُمْ لِـَٔابَاۤىِٕهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [الأحزاب:5]؛ إذ يأمر سبحانه وتعالى “برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط”، وهو أمر يوجب إبطال التبني أو أن ينسب أحد إلى غير أبيه، ويراد “من دعوتهم بآبائهم ترتب آثار ذلك، وهي أنهم أبناء آبائهم لا أبناء من تبناهم”. ولا يخفى ما في هذا من تقوية لآصرة الأسرة وتماسكها واستقرارها؛ إذ إن “حفظ النسب الراجع إلى صدق انتساب النسل إلى أصله سائقٌ النسلَ إلى البر بأصله، والأصلَ إلى الرأفة والحنو على نسله سوقا جبليا وليس أمرا وهميا، فحرص الشريعة على حفظ النسب وتحقيقه، ورفع الشك عنه ناظرا إلى معنى عظيم نفساني من أسرار التكوين الإلهي علاوة على ما في ظاهره من إقرار نظام العائلة ودرء أسباب الخصومات الناشئة عن الغيرة المجبولة عليها النفوس، وعن تطرق الشك من الأصول في انتساب النسل إليها والعكس”.
فمن كل ما تقدم، نستنتج أن حفظ الأسرة يرقى إلى مكانة مقاصد الشريعة الضرورية كمقوم ضروري من مقومات العمران البشري، مما يبين الأهمية الكبرى لهذه اللبنة الاجتماعية في القرآن الكريم، ويبرز جانبا مهما من دورها في العمران كاجتماع بشري؛ إذ منها يبدأ أصلا، وعليها يتأسس. ولا يقتصر على هذا الجانب بل إنها تتحمل عبء جانب الكيف المتعلق بالصناعة الأثقل المتوقف عليها العمران الراشد، وذلك ما يتطرق إليه المطلب الآتي..
*****
المطلب الثالث: الأسرة محضن الصناعة الثقيلة الأول:
لا عجب من تلك المكانة الرفيعة للأسرة في القرآن إذا علمنا “أن الإنسان هو أكرم المخلوقات، وهو المستخلَف في الأرض، ولذلك كان في حاجة إلى التربية والإعداد… والأسرة هي تلك القاعدة التربوية الإنسانية التي تحتضنه وتوفر له كل احتياجاته، ولذلك كان لها التأثير الأكبر في توجيهه وبلورة بنائه النفسي والوجداني إيجابا أو سلبا، وتشكيله بالقدر الذي تمارسه، أو بالكيفية التي تسمح للآخرين بممارستها معه من أجل بنائه والتأثير فيه”.
وهذه هي الناحية التي تحدد دور الأسرة الأهم في عمارة الأرض؛ من حيث كونها تمثل المحضن الأول، وصاحب الدور الأصل -بينما دور غيرها تابع ومكمل- في صناعة خليفة الله في الأرض؛ إذ فيها تُلبى حاجاته البيولوجية والعاطفية والوجدانية، وكل ما من شأنه تحقيق نموه النفسي السوي، الذي به يتأهل للوفاء بمتطلبات وظيفته الاستخلافية وتحدياتها.. وأهم مرحلة في العمر الإنساني التي يتم فيها ذلك البناء النفسي وتأسيس الاتجاه، وتبلور نمط التفكيري والسلوكي، مرحلة الطفولة، “والطفل الإنساني هو أطول الأحياء طفولة. تمتد طفولته أكثر من أي طفل آخر للأحياء الأخرى. ذلك أن مرحلة الطفولة هي فترة إعداد وتهيؤ وتدريب للدور المطلوب من كل حي باقي حياته. ولما كانت وظيفة الإنسان هي أكبر وظيفة، ودوره في الأرض هو أضخم دور، امتدت طفولته فترة أطول، ليحسن إعداده وتدريبه للمستقبل.. ومن ثم كانت حاجته لملازمة أبويه أشد من حاجة أي طفل لحيوان آخر. وكانت الأسرة المستقرة الهادئة ألزم للنظام الإنساني، وألصق بفطرة الإنسان وتكوينه ودوره في هذه الحياة”.
وإذا علمنا أن بناء الوجدان والإرادة والبعث النفسي، هي المطالب الأولى في مسيرة إصلاح الأمة أحوالها ونهوضها المتجدد، واستعادة قدرتها وتحفيز إمكانات فاعليتها، فإن الطفولة هي نقطة البداية، التي يعد إسقاط دورها من المعادلة التغييرية والإصلاحية، وعدم فهمها وفهم دورها “من أسباب أزمة الأمة، وقصور أدائها، وعدم القدرة على تحريك كوامن الإرادة والطاقة فيها”. وإذا كنا نريد تزكية الإنسان المستخلَف في الأرض، ليتصف بالصلاح، التي تؤهله للإصلاح والقيام بوظيفته الاستخلافية، فإن كل ذلك “معالم تبنى في الطفولة، وتتشكل في أساس تكوين الإنسان الوجداني، ولذلك كانت الأسرة وسلامة العلاقة الأسرية هي القاعدة الأساس للنهج التربوي …الأسرة هي المحضن الأول والأهم للطفل البشري، نفسيا وماديا، فالطفل البشري يولد غير قادر على تحصيل حاجاته وحماية نفسه، دون عناية أسرية توفر له الحاجات المادية والنفسية وترعى طفولته، ولذلك كان بناء الأسرة ونوعية علاقاتها من أهم الأبعاد التربوية الإنسانية التي يتوقف عليها نوع بناء الشخصية الإنسانية”.
وعليه، تكمن قضية إصلاح واقعنا في كسب معركة الإنسان في مرحلة طفولته، وهو ما يتطلب أن تعي الأسرة بدورها الأكبر فيها، ومواصلة توعيتها بذلك من خلال كل وسائل الاتصال والمتابعة مع التقويم للاختلالات الموجودة، وهو الدور الذي لا غنى عنه للتحرك خطوة واحدة في هذا الطريق الإصلاحي إذا علمنا أنه لا ينحصر في الفضاء الأسري الداخلي، بل يتسع ليتحكم ويؤثر في الفضاءات الخارجية في المجتمع؛ إذ “إن فاعلية كل الأدوار في تربية الطفل والناشئة، في المدرسة والإعلام والمجتمع إنما يستند إلى موقف الوالدين، فهما اللذان يمنحان كل القوى والمؤسسات الاجتماعية إمكانية الوصول إلى الطفل، والتأثير فيه؛ بما يوفران لتلك القوى من المشروعية اللازمة في ضمير الطفل، إيجابا وسلبا، من خلال القيام بالدور المنوط بهم في الإشراف التربوي الفعال، وتهيئة أبنائهم للوجهة التي يرغبونها، أو بالسلبية والتخلي عن أدوارهم التربوية، وتسليم قياد أبنائهم لهذه المؤسسات دون حسيب ولا رقيب، لتوجههم وتصوغهم وفقا للمخططات المرسومة لها، وما تسهم به في كثير من حالات الأمراض الاجتماعية، وتعزيز التبعية الفكرية، والعجز التقني، والإرهاب والقهر النفسي والاستلاب الثقافي والوجداني. فالأسرة بيدها القوة والتأثير والمشروعية التي تحدد نوع التأثير الذي يمكن أن تمارسه المؤسسات وبقية قوى المجتمع على الطفل، وعلى بنائه النفسي والوجداني، وعلى قدراته المعرفية، والأسرة بمنزلة النظارة الملونة على عيني الطفل وبصره وبصيرته، يصبغ لونها ما حول الطفل من الوجود والبيئة، فلا يصبح المهم في الحقيقة وفي العمق ماذا يسمع الطفل أو يرى، ولكن المهم كيف يفهم الطفل؟ وكيف يعي ويدرك ما يسمع وما يرى؟ ولذلك يختلف الأطفال -فيما وراء قدراتهم الطبيعية- في كثير من توجهاتهم ونوعية معادنهم وسلوكهم، وهم يدرسون في مدرسة واحدة، وفي صحبة دراسية واحدة، وعلى منهج دراسي واحد، وعلى يد مدرس واحد، ويعود السبب في ذلك -في المكان الأول- إلى تأثير الأسرة والبيئة المنزلية ونوعية الأصدقاء -الذين يجب أن يسهم الآباء في اختيارهم– على البناء النفسي للطفل وطاقاته وتوجهاته الوجدانية”.
******
وبعد هذا البيان النظري لدور الأسرة التأسيسي لمسيرة العملية العمرانية والاستخلافية في الأرض، نحتاج أن نثبته من خلال القرآن الكريم، وهو ما سيكون محور المطلب التالي الذي يرصد تلك الأسس والقواعد والقيم البانية للأسرة الآمنة السليمة علاقاتها، ما يهيئ لها البيئة الصالحة لتعبر منها إلى الوفاء بذلك الدور الثقيل والمسؤولية العظمى في صناعة إنسان الاستخلاف على هدى واستقامة…
*****

المطلب الرابع: قواعد بناء الأسرة في القرآن الكريم
لن يتم للأسرة الوفاء بدورها المنوط بها، إلّا إذا كان البيت الأسري مستقرا متماسكا سليما في علاقاته، ما يسمح بإنتاج الإنسان السوي والصالح، فيما يتعذر ذلك إذا كان مضطربا مشحونا بالقلق والصراع والاستبداد وما إلى ذلك.. وإذا علمنا أن القرآن الكريم أولى الأسرة والعلاقات داخلها أعظم العناية، وعدها المسؤولة الأولى في تزكية الإنسان وتشكيله فردا ومجتمعا، فإن ذلك يتطلب منا التعرف على بيانه لمنهج تكوينها، من خلال تلك القواعد العامة والقيم العليا في بناء الأسرة وعلاقات أفرادها، “حتى يمكن أن نقيم دعائمها على الأسس السليمة: التي توفر المحضن التربوي السليم لبناء الطفل المسلم، وتزيل بعض ما لحقها من انحرافات أملتها التقاليد، وأعانت الظروف وغبش الرؤية وجمود الفكر، خاصة في هذه المرحلة التي تمر بها الأمة والتحديات التي تواجهها اليوم”.
لقد وضع القرآن الكريم أسسًا متينةً وتنظيمات دقيقة لتكوين الأسرة الصالحة، القادرة على القيام بوظيفتها الاجتماعية، وكذا حفظها؛ وذلك من خلال ما وضعه لها من الأحكام الكبرى لإنجاح بنائها، بإنجاح عملية الزواج والإنجاب والتربية. وقبل الخوض في تلك الأسس والقيم، يجدر بنا أن نبتدئ بمفهوم عام للأسرة..
أولا: مفهوم الأسرة
هي تلك الوحدة الاجتماعية الصغرى الناتجة من “اقتران الذكر بالأنثى المعبر عنه بالزواج أو النكاح؛ فإنه أصل تكوين النسل وتفريع القرابة بفروعها وأصولها”. فيبدو أن الحديث عن مفهوم الأسرة يمر عبر الحديث عن مفهوم آصرة الزواج، ذلك السبيل الوحيد والأوحد لبناء الأسرة وسوائها، والذي يُعتبر “ضرورة إنسانية لحفظ النوع، وخلود الأثر، وبقاء الحياة على الأرض واستعمارها، قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود:61]، وتحقيق الخلافة عليها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾ [الأنعام:165]، والعمارة والاستخلاف لا تتحققان بفرد واحد مهما طال عمره، ومهما أوتي من مكانة وقوة، وإنما تتحققان بالكثرة، فكان لا بد من الزواج والتوالد ليكثر النوع، فتعمر الحياة ويتحقق الاستخلاف، وهذا ما أجراه الله تعالى سنة تشريعية في آدم عليه الصلاة والسلام وذريته، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:1]”.
ولقد اعتنى القرآن بهذه الوسيلة “الزواج”؛ إذ وضع له نظاما مفصلا دقيقا من أوله إلى آخره؛ فوضع له مقدمات سليمة وقواعد ضابطة؛ إذ “عُدّ رضا الطرفين أساسًا لإبرامه، وفرض التساهل في المهور وأمور الزواج المادية، وحدد الحقوق والواجبات الزوجية، ووضع قانونًا أخلاقيًّا سليمًا؛ لكي يكون أساسا للتعامل الأسري؛ حتى لا تنهار الأسرة فيؤثر انهيارها في نمو المجتمع وانحرافه، وعُدَّ الطلاق أكره الحلال إلى الله، ووضع دون إيقاعه عقبات شتى”. وقد أقام لهذه الآصرة أصلا في طبيعة الإنسان وفطرته؛ إذ “لما أراد مبدع الكون بقاء أنواع المخلوقات، جعل من نظام كونها ناموس التولد. وجعل في ذلك الناموس داعية جبلية تدفع أفراد النوع إلى تحصيله بدافع من أنفسها غير محتاج إلى حدو إليه أو إكراه عليه؛ ليكون تحصيل ذلك الناموس مضمونا وإن اختلفت الأزمان والأحوال. وتلك الداعية هي داعية ميل ذكور النوع إلى إناثه”.
والزواج كما يعرفه القرآن الكريم عهد وميثاق غليظ، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:21]، أي “عهدًا شديدًا موثقاً يربطهم بهن أقوى الربط وأحكمه”، والوصف بالغلظ دلالة على “قوّته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟”. والبديع في نظم هذه الآية أن جاء معنى الميثاق متناسبا مع معنى الإفضاء وتعديته بــ (إلى) “الدال على منتهى الاتصال …مع كون الظاهر أن يقول وقد أفضيتم إليهن أو أفضى أحدكم إلى الآخر، وهي الإشارة إلى كون كل واحد من الزوجين بمنزلة جزء الآخر، وبعضه المتمم لوجوده فكأن بعض الحقيقة كان منفصلا عن بعضها الآخر فوصل إليه بهذا الإفضاء واتحد به”.
وإذا تأملنا في فعل “أفضى”، واشتقاقه من الفضاء أي المكان الواسع، بمعنى الاتساع ، فسيسمح لنا أن نفهم الإفضاء بمعان رحبة؛ وخاصة أنه قد ورد “بلا مفعول محدد. يدع اللفظ مطلقًا يشع كل معانيه ويلقي كل ظلاله، ويسكب كل إيحاءاته، ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته. بل يشمل العواطف والمشاعر والوجدانات والتصورات والأسرار والهموم والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب. يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان… كل هذا الحشد من التصورات والظلال والأنداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التعبير الموحي العجيب: “وَقَدْأَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ”.. فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادي الصغير ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه ذلك الحشد من صور الماضي وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف! ثم يضم إلى ذلك الحشد من الصور والذكريات والمشاعر عاملاً آخر من لون آخر: “وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا”.
وتعبير “الميثاق الغليظ” دقيق يجعل الزواج في مكانة رفيعة وحرمة شديدة، هي نفسها مكانة الأسرة؛ فقد “أفرغت السورة على عقد الزواج صبغة كريمة أخرجته عن أن يكون عقد تمليك كعقد البيع والإجارة، أو نوعا من الاسترقاق والأسر، كما كان قبل الإسلام عند العرب وغيرهم. أفرغت عليه صبغة “الميثاق الغليظ”. ولهذا التعبير قيمته في الإيحاء بموجبات الحفظ والرحمة والمودة: وبذلك كان الزواج عهدًا شريفًا وميثاقًا غليظًا ترتبط به القلوب، وتختلط به المصالح، ويندمج كل من الطرفين في صاحبه، فيتحد شعورهما، وتلتقي رغباتهما وآمالهما… وإذا تنبهنا إلى أن كلمة ميثاق لم ترد في القرآن الكريم إلا تعبيرًا عما بين الله وعباده من موجبات التوحيد، والتزام الأحكام، وعما بين الدولة والدولة من الشئون العامة والخطيرة، علمنا مقدار المكانة التي سما القرآن بعقد الزواج إليها، وإذا تنبهنا مرة أخرى إلى أن وصف الميثاق “بالغليظ” لم يرد في موضع من مواضعه إلا في عقد الزواج وفيما أخذه الله على أنبيائه من مواثيق: “وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا”، تضاعف لدينا سمو هذه المكانة التي رفع القرآن إليها هذه الرابطة السامية”. وإن دلّ كل ذلك على شيء، فإنما على شدة التأكيد على الحفاظ على رابطة الأسرة، وضرورة دوامها، والوفاء بعهودها، اتساقا مع حديث القرآن عن العقود والعهود عامة والأمر بالوفاء بها، في قوله عز وجل: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة:1]، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ﴾ [النحل:91].
وهكذا، فإن الأسرة هي تلك الوحدة الصغرى في المجتمع الناتجة عن تلك الرابطة الشرعية بين رجل وامرأة جمع بينهما ميثاق غليظ وعهود على مراعاة حدود الله، لتنظيم العلاقات والأدوار والالتزامات، وأداء المسؤوليات المنوطة بهما، الذي من خلاله تنظم عملية التكاثر فيحفظ النسل، ويستمر النوع البشري ويخلف، بل وَيُصْلَح ويُزَكَّى ليصلح في الأرض؛ وذلك بما يتم من بناء لفضاء تسوده تلك القيم الربانية المنظمة للعلاقات السليمة داخلها، وهي التي نتناولها فيما يلي:
ثانيا: قيم وقواعد الأسرة في القرآن الكريم
عانت البشرية زمنا طويلا في ظل تصور مغلوط وفهم خاطئ لقضية الزواج، خاصة ما يتعلق بنظرة الرجل لامرأته؛ إذ كان يعتبره استرقاقا للنساء، يبرر له تصرفاته الخاطئة، وسلوكاته المهينة لكرامة المرأة وشخصيتها. ولهذا نظم القرآن الكريم هذا الفضاء العلائقي المتشابك في إطار ذلك الميثاق الغليظ “الزواج”، بمفاهيم وقيم تراحمية، من خلال تلك العبارات الموحية الملحوظ فيها خصائص الفطرة الإنسانية، التي لا تستريح إلا في ظل تلك المعاني: من سكن، ومودة، ورحمة، ولباس، ومعاشرة بالمعروف، وتشاور، وقوامة، التي بتمثلها تنشأ عوامل النجاح الأسري الضامنة للدفع بالعناصر الإنسانية الصالحة لتنمية الحياة وعمارة الأرض بالصلاح والخير والاستقامة والرشاد.
وفيما يلي نتناول تلك المبادئ والقيم الجامعة المتعانقة، والمكمل بعضها بعضا من خلال الآيات القرآنية المؤطرة لها، مع العلم أن كل مبدإ على حدة هو موضوع قائم بذاته، يستحق بحثا مستقلا وموسعا، فحسبنا هنا الإجمال:
1- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:21]، يخبر الله تعالى هنا عن تلك العناصر البانية للسعادة الزوجية من سكن ومودة ورحمة، باعتبارها أهم المعاني التي يحملها ذلك “الميثاق الغليظ” وذلك “الإفضاء” إلى بعضهم البعض. لقد قضى الله تعالى أن تكون الأسرة “هي محل السكن والسكينة، والدفء الاجتماعي والنفسي، ووسيلة المودة والإيثار، وموطن الرحمة والتراحم والإحسان، والأرض المناسبة لزراعة بذور مستقبل حياة الإنسان السلوكية، وميدان التدريب على هذه المعاني الإنسانية الرفيعة، لتصبح سجية وخلقًا. فالعلاقات الأسرية، تشكل أساسًا للعلاقات الاجتماعية الأوسـع مدى، وركائز أسـاسـية في العلاقات الإنسانية عامة، على اعتبار أن الإنسـانية بعمومها منحدرة من أسرة واحدة”.
وننقل كلاما نفيسا لصاحب المنار في تفسير هذه الآية؛ حيث يقول: “فهذه آية من آيات الفطرة الإلهية، هي أقوى ما تعتمد عليه المرأة في ترك أبويها، وإخوتها، وسائر أهلها، والرضا بالاتصال برجل غريب عنها تشاركه السراء والضراء، فمن آيات الله تعالى في هذا الإنسان أن تقبل المرأة بالانفصال من أهلها ذوي الغيرة عليها، لأجل الاتصال بالغريب، تكون زوجا له ويكون زوجا لها تسكن إليه ويسكن إليها، ويكون بينهما المودة والرحمة أقوى من كل ما يكون بين ذوي القربى، فكأنه يقول: إن المرأة لا تقدم على الزوجية وترضى بأن تترك جميع أنصارها وأحبائها لأجل زوجها إلا وهي واثقة بأن تكون صلتها به أقوى من كل صلة، وعيشتها معه أهنأ من كل عيشة، وهذا ميثاق فطري من أغلظ المواثيق، وأشدها إحكاما، وإنما يفقه هذا المعنى الإنسان الذي يحس إحساس الإنسان، فليتأمل تلك الحالة التي ينشئها الله -تعالى- بين الرجل وامرأته يجد أن المرأة أضعف من الرجل، وأنها تقبل عليه تسلم نفسها إليه، مع علمها بأنه قادر على هضم حقوقها، فعلى أي شيء تعتمد في هذا الإقبال والتسليم؟ وما هو الضمان الذي تأخذه عليه، والميثاق الذي تواثقه به؟ ماذا يقع في نفس المرأة إذا قيل لها: إنك ستكونين زوجا لفلان. إن أول شيء يخطر في بالها عند سماع مثل هذا القول، أو التفكر فيه، وإن لم تسأل عنه هو أنها ستكون عنده على حال أفضل من حالها عند أبيها وأمها، وما ذلك إلا لشيء استقر في فطرتها وراء الشهوة، وذلك الشيء: هو عقل إلهي، وشعور فطري أودع فيها ميلا إلى صلة مخصوصة لم تعهدها من قبل، وثقة مخصوصة لا تجدها في أحد من الأهل، وحنوا مخصوصا لا تجد له موضعا إلا البعل. فمجموع ذلك هو الميثاق الغليظ الذي أخذته من الرجل بمقتضى نظام الفطرة الذي يوثق به ما لا يوثق بالكلام الموثق بالعهود والأيمان، وبه تعتقد المرأة أنها بالزواج قد أقبلت على سعادة ليس وراءها سعادة في هذه الحياة، وإن لم تر من رضيت به زوجا، ولم تسمع له من قبل كلاما، فهذا ما علمنا الله تعالى إياه، وذكرنا به -وهو مركوز في أعماق نفوسنا- بقوله: إن النساء قد أخذن من الرجال بالزواج ميثاقا غليظا، فما هي قيمة من لا يفي بهذا الميثاق، وما هي مكانته من الإنسانية؟”.
2- ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة:187]، وهذا الوصف عجيب في تصوير علاقة الزوجين وشدة الاتصال، ومدى القرب، بليغ في مضمونه؛ بأنهما لباس يستر كل منهما الآخر، دلالة على احتياج بعضهما إلى البعض، كالاحتياج إلى اللباس، الذي لا غنى عنه، فهو الساتر الواقي، فكذلك هي الصلة بين الزوجين؛ “فحاجة كل منهما إلى صاحبه كحاجته إلى الملبس، فإن يكن الملبس لستر معايب الجسم ولحفظه من عاديات الأذى وللتجمل والزينة فكل من الزوجين لصاحبه كذلك: يحفظ عليه شرفه، ويصون عرضه، ويوفر له راحته وصحته”.
وإذا بحثنا في القرآن الكريم، فإنا واجدون أن مفهوم اللباس “من المفاهيم المهمة، خاصة في مجال العلاقة الزوجية؛ إذ يظهر فيه التكامل والتوازن على مستوى الدمج بين الجانب المادي والمعنوي، والظاهري والباطني، وهذا ما بينه تعالى على وجه العموم في قوله: ﴿یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَیْكُمْ لِبَاسًا یُوَ ٰ⁠رِی سَوْءَ ٰ⁠ تِكُمْ وَرِیشًا وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَ ٰ⁠لِكَ خَیْرٌ ذَ ٰ⁠لِكَ مِنْءَایَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ یَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:26].
أما على مستوى العلاقة بين الزوجين فقد وصف القرآن قرب الزوجين من بعضهما بعضا بقرب اللباس من الجسد، فقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَیْلَةَ ٱلصِّیَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَاۤىِٕكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة:187]، كما أن للباس صفات متعددة أخرى، كتوفير الدفء والجمال والستر وغيرها، وكأن هذا ما يتوقع من الزوجين أن يوفراه لبعضهما بعضا”.
ولطالما استوقفتني عبارة “اللباس”، التي تدل من ضمن ما تدل عليه على مفهوم التناسب الجالب للشعور بالراحة والسكينة والانسجام؛ إذ الغالب في الحياة البشرية ألا يحب المرء أن يلبس شيئا ليس مناسبا له، شكلاً ومقاساً. فالتناسب عامل أساسي في جلب الشعور بالراحة والسكينة وسهولة الحركة. وإذا علمنا أن من الأساليب القرآنية تمثيل وتصوير ما هو معنوي بما هو محسوس، فإنا واجدون أن فكرة التناسب هذه قد عبر عنها في قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:26]، أي ما هو متعلق بجانب الأخلاق وما هو معنوي.
3- ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:19]، وإذا كان القرآن يبني بيت الأسرة على السكن والاستقرار، وعلى المودة والرحمة والأنس والانسجام والستر والجمال، وقبل ذلك الرضا وحرية الاختيار والتجاوب والتحاب بين الزوجين، فإنه يضع في هذه الآية ما يزيد هذا البيت رسوخا وقوة في مواجهة عاديات الزمان، ومتاعب الحياة الزوجية، ليبقي تلك الآصرة محفوظة مصانة ومستقرة، وذلك تحت مبدإ حسن المعاشرة الجامع في معناه “لنفي الإضرار والإكراه، وزائد بمعاني إحسان الصحبة”.
والمعاشرة من المفاعلة، تحمل معان كثيرة من “المشاركة والمساواة؛ أي عاشروهن بالمعروف، وليعاشرنكم كذلك… والغرض أن يكون كل من الزوجين مدعاة سرور الآخر، وسبب هنائه في معيشته”. وفِي تتمة الآية بيان ما قد يحصل من تلك المتاعب والتحديات، التي ينبغي معالجتها بمبدإ المعاشرة بالمعروف، وهو أن يجدا ما يكره منهما، يقول تعالى:﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰۤ أَن تَكْرَهُوا شَیْـًٔا وَیَجْعَلَ ٱللَّهُ فِیهِ خَیْرًا كَثِیرًا﴾ [النساء:19]، فهنا إقرار لقاعدة مهمة في الحياة عامة، والزوجية خاصة، وهو أليس كل ما في الحياة يأتي على ما نشتهي ونحب، وبطريقة أخرى، ليس كل ما نكره يكون شرا، أو كما عبر صاحب المنار: “أن بعض ما يكرهه الإنسان يكون فيه خير له، متى جاء ذلك الخير تظهر قيمة ذلك الشيء المكروه، وهي قاعدة عرف العقلاء صدقها بالتجارب”. والمقصود كما يذكر ابن عاشور: “الإرشاد إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة، ولا بميل الشهوات إلى ما في الأفعال مِن ملائم، حتى يسببه بمسبار الرأيِ، فيتحقق سلامة حسن الظاهر من سوء خفايا الباطن”.
4- ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:34]. تتناول هذه الآية أصلا تشريعيا كليا، وقاعدة كبرى في الحياة الأسرية، تتفرع عنها باقي الأحكام المختصة بنظام الأسرة والزواج، وهي قوامة الرجل على المرأة. ولا يمكن فهمها إلا بجوار قوله تعالى أيضا: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:228]، الذي تضمن “كلمة جليلة جداً، جمعت على إيجازها مالا يُؤَدى بالتفصيل إلا في سفر كبير، فهي قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق، إلا أمراً واحداً عبّر عنه بقوله: “وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ”، وقد أحال في معرفة ما لهن وما عليهن على المعروف بين الناس فىمعاشراتهن ومعاملاتهن في أهليهن، وما يجري عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم. فهذه الجملة تعطي الرجل ميزانا يزن به معاملته لزوجه في جميع الشئون والأحوال، فإذا همّ بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: {إنني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي} لهذه الآية، وليس المراد بالمثل المثل بأعيان الأشياء وأشخاصها، وإنما المراد أن الحقوق بينهما متبادلة، وأنهما كفئان؛ فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها، إن لم يكن مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه، فهما متماثلان في الحقوق والأعمال، كما أنهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل، أي أن كلا منهما بشر تام له عقل يتفكر في مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به، ويكره ما لا يلائمه وينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر ويتخذه عبدا يستذله ويستخدمه في مصالحه، ولاسيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة المشتركة التي لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه”.
فالقوامة في ظل العلاقة الزوجية على ما يبدو مفهوم تشريفي تكريمي لجانب المرأة، وتكليفي لجانب الرجل؛ إذ “يصبح فيها الرجل قائما على أمور المرأة، ورعايتها وحفظها تحت مظلة المعروف، ويأتي التخصيص ﴿بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾[النساء:34]، الذي لم يرد على صيغة “بما فضل الله بعضهن على بعضهن”، وكأن المعنى هنا بما فضل الله بعض الرجال على بعض، فمنهم من حاز فضل العلم، ومنهم من ملك القوة أو المال أو الأخلاق، فقام على رعاية زوجه بهذا الفضل الإلهي”. وقد وردت عبارة “القوامين” صفةً للمؤمنين في موضعين آخرين؛ حيث يقول عز وجل: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّ ٰ⁠مِینَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاۤءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:136]، ويقول سبحانه: ﴿یَـٰۤأَیُّهَاٱلَّذِینَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّ ٰ⁠مِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلْقِسْطِ﴾ [المائدة:8]. ومعنى القوَّام قرآنيا “الذي يقوم على شأن شيء ويليه ويصلحه، يقال: قوَّام وقيَّام وقيُّوم وقيِّم، وكلها مشتقة من القيام المجازي الذي هو مجاز مرسل أو استعارة تمثيلية، لأن شأن الذي يهتم بالأمر ويعتني به أن يقف ليدير أمره، فأطلق على الاهتمام القيام بعلاقة اللزوم، أو شبه المهتم بالقائم للأمر على طريقة التمثيل… وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي، ولذلك قال: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: بتفضيل الله بعضهم على بعض وبإنفاقهم من أموالهم، إن كانت (ما) في الجملتين مصدرية، أو بالذي فضل الله بعضهم، وبالذي أنفقوه من أموالهم، إن كانت (ما) فيهما موصولة، فالعائدان من الصلتين محذوفان”.
ويجدر الذكر أن “هذه الرعاية التي هي القوامة، لم يجعلها الإسلام حكرا للرجل بإطلاق.. ولم يحرم منها المرأة بإطلاق.. وإنما جعل للمرأة رعاية -أي “قوامة”- في الميادين التي هي فيها أبرع وبها أخبر من الرجال، ويشهد لهذه الحقيقة نص حديث رسول الله : “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع عليهم، وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسئولة عنهم، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته”، فهذه الرعاية -“القوامة”- هي في حقيقتها “تقسيم للعمل” تحدد الخبرة والكفاءة ميادين الاختصاص فيه.. فالكل راع ومسئول، وليس فقط الرجال هم الرعاة والمسئولون. وكل صاحب أو صاحبة خبرة وكفاءة هو راع وقوام أو راعية وقوامة على ميدان من الميادين وتخصص من التخصصات.. وإن تميزت رعاية الرجال وقوامتهم في الأسر والبيوت والعائلات وفقا للخبرة والإمكانات التي يتميزون بها في ميادين الكد والحماية.. فإن لرعاية المرأة تميز في إدارة مملكة الأسرة وفي تربية الأبناء والبنات… فهي-القوامة- توزيع للعمل تحدد الخبرة والكفاءة ميادينه.. وليست قهرا ولا قسرا ولا تملكا ولا عبودية،بحال من الأحوال”.
ففي ضوء ونور هذه المعاني الهادية، تفهم قوامة الرجل على المرأة فهما إيجابيا صحيحا، بما يحفظ لكل منهما كرامته ودوره في الحياة، فيزول الالتباس، وتسطع الحقيقة، وتسقط دعاوى عدم أهلية وكفاءة المرأة، وتتلاشى أي ذريعة للتسلط عليها والعنف ضدها. فاستحضار المفهوم القرآني للقوامة ينبغي أن يأتي متعانقا مع القيم التي اقترنت بها في اتصاف المؤمنين بها من قسط وعدل كما في الآيات الواردة آنفا، وفي اتساق مع القيم الكبرى في القرآن من الكرامة والحرية الإنسانيتين، وقيمة الشورى التي “لا يكتمل فهم أبعاد مفهوم القوامة في الرؤية الإسلامية إلا في ضوء إدراك أهمية الشورى كقيمة أساسية في العلاقات داخل الأسرة المسلمة”، ذلك أن القوامة تأتي بمثابة “الكلمة الأخيرة التي يحتاجها البيت عند نشوب خلاف لا ينهيه إلا كلمة فصل، فرئاسة الأسرة رئاسة شورية لا استبدادية”.
5- ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:233].
هنا عرض أنموذجي صريح للأساس الكبير للبناء الأسري المتين؛ إنه مبدأ الشورى والتشاور: “عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ”، وهو وإن ورد في حالة الطلاق، فأولى أن يكون في حال الزواج؛ “وكأنه من المتوقع أن الزوجين قد ألفا التشاور بينهما، فاستمرا في تطبيق التشاور في حالة الطلاق”. بهذا التحاور والتشاور يتحقق التراضي الحقيقي، وتُحفظ المودة والمحبة، بما يعنيه ذلك من خير وإصلاح، وتعقل وإنصاف، وقيام للحياة الزوجية على قدمين يقويها ويصلحها، والملاحظ في الآية “عطف التشاور على التراضي تعليماً للزوجين شئون تدبير العائلة، فإن التشاور يظهر الصواب ويحصل به التراضي”.
والشورى، وإن وردت صفة عامة من صفات جماعة المؤمنين في كل شؤونهم وقراراتهم، في قوله تعالى:﴿وَٱلَّذِینَ ٱسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَیْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ یُنفِقُونَ﴾ [الشورى:38]، إلا أنها هنا خاصة بمؤسسة الأسرة، دليلا على الرعاية البالغة بها، وإشارة إلى ما تمثله من أنموذج مصغر للمجتمع؛ يتضمن كل مقوماته بكل ميادينه وتدريب عليها، ذلك أن “الأسرة هي الميدان التأسيسي والأول في هذه الميادين.. تجب هذه الشورى، ويلزم هذا التشاور في مجتمع الأسرة- لتتأسس التدابير والقرارات على الرضى، الذي لا سبيل إليه إلا بالمشاركة الشورية في صنع القرارات.. يستوي في ذلك الصغير والخطير من هذه التدابير والقرارات.. حتى لقد شاءت الحكمة الإلهية أن ينص القرآن الكريم على تأسيس قرار الرضاعة للأطفال -أي سقاية المستقبل وصناعة الغد- على الرضى، الذي تثمره الشورى.. ففي سياق الآيات التي تتحدث عن حدود الله في شئون الأسرة.. تلك الحدود المؤسسة على منظومة القيم.. والمعروف.. والإحسان.. ونفي الجُناح والحرج. وعدم المضادة والظلم والعدوان.. والدعوة إلى ضبط شئون الأسرة بقيم التزكية والطهر، لا “بترسانة” القوانين الصماء!”.
إن الشورى أساسية داخل حياة الأسرة، في جميع المراحل التي تمر منها؛ “ففي الزواج والتزويج شورى، وفي تدبير شؤون الأسرة والأبناء شورى، وفي حال التنازع والخصام شورى. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:3]. فههنا أمر ضمني بالشورى، فما دام هناك حكمان اثنان، فلا يمكن أن يكون تقدير الحالة واعتماد الحل الممكن إلا شورى وائتمارا بينهما، ثم اتفاقاً وتراضياً على الحل والمخرج”.
إنها مقوم لازم لهذه الوحدة المجتمعية العمرانية، وبند من دستور ينظمها، وأساس في بناء العلاقات داخلها، وتسيير أمورها وسياستها، متعانقة ومتسقة مع باقي المبادئ الربانية والقيم السامية، التي هداها إليها الشارع تنظيما للمحضن التربوي الآمن حتى يلبي متطلبات تأهيل الإنسان الخليفة لأداء مهمته في الحياة، مندفعا على سواء نفس، واستقامة تفكير، وسلامة منهج.. وكم من أسر فشلت وفسخت عراها وفككت علاقاتها لانعدام التحاور والتشاور فيها.. ولم تخرج إلى الحياة إلا معوقين يفسدون أكثر مما يصلحون!! مما يبرز الحاجة الماسة في أمتنا في عصرها الراهن إلى الاهتمام بهذه المؤسسة أعظم اهتمام، حمايةً لها من عوامل التخريب والتفكيك، وكل ما من شأنه تعطيل وظيفتها الحضارية، داخلية كانت هذه العوامل أم خارجية، وذلك كجزءٍ كبير من مشروع حفظ هوية الأمة وخصوصيتها الثقافية ونظامها الإسلامي العام، ورافد أساسي لإنتاجها الصلاح والرشد في المجتمع عقيدة وثقافة وعلاقات اجتماعية. وهو ما “يتطلب الكثير من التأمل والتخطيط لـجميع وسائل وأدوات التشكيل الثقافي والتربوي حتى لا تخرج عن جعل الله الذي أراده لها في فطرة الخلق، وحتى لا تتحول البيوت إلى حظائر لا يهمها إلا طعامها وشرابها ونكاحها، وتتحول المجتمعات إلى غابات، والاجتماع البشري إلى ساحة من الإباحية –باسم الحرية الشخصية والحقوق الإنسانية- هـي أشـبه بحـدائق الـحـيوان، حـيث أصـبح الكثير من أنـاسـي الـيـوم لا يبـصر إلا حقـه الذي لا حدود له، وغريزته التي لا يهمه إلا إشباعها، دون أن يفكر ولو للحظة في أبعاد مسئوليته وواجبه”.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.