حصريا

بين الحقيقة و الوهم. أ.ليلى جوادي -الجزائر-

0 114

بين الحقيقة والوهم

بقلم: ليلى جوادي

ابتلي الإنسان اليوم بعصر مليء بالفتن؛ بعضها كان موجوداً من قبل وبعضها الآخر استجد في زماننا هذا، مثل: تسارع الأحداث، تقارب الزمان، والتكنولوجيا التي تعد سلاحاً ذا حدين وباتت فتنتها على المجتمع ظاهرة لا ينكرها أحد. يُضاف إلى ذلك كثرة الأمراض؛ فرغم وجود العلاج وتطور الطب، إلا أن هذا الموضوع يبقى دائماً معقداً، وبعض الأمراض لا يوجد لها علاج إلا نادراً.

ورغم هذا التقدم التكنولوجي وتطور الطب والعلاج، إلا أن بعض الناس لا يزالون يفكرون تفكيراً غير صحيح ولا سليم، بل ويربطون بعض نقائص أفكارهم بالدين بطريقة غير صحيحة، مما أفسد على البعض راحتهم وحياتهم، حتى أصبحت العلاقات مجرد فروض تُقَدَّم خالية من المشاعر الإيجابية، إن لم يكن بعضها مليئاً بالسلبية، وهذا مما ابتلي به الناس في زماننا.

فالبعض إذا اشتكى قلة رزق، أو أصيب بمرض، أو واجه مشاكل أسرية، فكّر مباشرة في العين والسحر والحسد دون أن يلتفت إلى وجود أسباب أخرى قد تكون هي السبب الحقيقي. حتى صار السحر شماعة يعلق عليها الجميع فشله؛ فإن قدّم أحدهم في وظيفة ولم يُقبل، أو تزوج ولم يستطع الاستمرار، أو حتى مرض وأخذ علاجاً ولم ينفع، يفكر مباشرة أنه أصيب بسحر، وليس هناك سبب آخر إلا السحر! هذا لا يعني أنني أنكر السحر لأنه ذُكر في القرآن، لكن هل كل ما يحدث لنا في حياتنا من أمور سلبية هو بالضرورة سحر؟

بين التشخيص الطبي واللجوء العشوائي للرقية

منذ مدة وأنا أتصفح بعض الصفحات على منصات التواصل الاجتماعي، استوقفني منشور على صفحة تحمل عنوان “تمريض العاشر”[1]. قرأته فوجدت فيه رداً لبعض ما يجول في خاطري؛ فكلنا يدري أن الناس -وخاصة فئة النساء- إذا مرضت إحداهن وتعالجت عند طبيب وثانٍ دون فائدة، لجأت مباشرة إلى الرقية لظنها أن العلاج الطبي لم ينفع لأن المرض لا يستدعي طبيباً بل شيخاً راقياً.

وكما قلت عن السحر: لا أحد يستطيع إنكاره، أو إنكار الاستشفاء بالرقية، ولا ينكر فضل القرآن وما جاء فيه إلا كافر، لكنني هنا أتحدث عن أوقات اللجوء للقرآن. فالمسلم من المفترض أن لا يفارقه القرآن قراءة، وحفظاً، وورداً، وتدبراً، وامتثالاً، ثم أخلاقاً، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان خلقه القرآن”[2]. وهذا يدل على أن المسلم لا يعرف القرآن في المرض فقط، بل في الصحة والمرض، وفي الرخاء والشدة.

رغم ذلك، هناك حالات تستدعي تدخل الرقاة -حالات معينة-، لذلك اللجوء للرقية لا يكون عشوائياً، والانتقال بين الرقاة لا يرد القدر. بل الإنسان إذا أهمّ به شيء، الأولى به أن يتضرع إلى الله ثم يراجع نفسه لعل ما أصابه من خطاياه، أو ربما ابتلاء من الله ليختبر صبره، أو قد يكون مرضاً يستدعي تدخلاً طبياً. وحتى إن كان التشخيص الأولي سلبياً، يعيده مرة ومرتين قبل اللجوء للرقاة؛ فالمريض قد يشخص الطبيب مرضه ويخطئ، كما أنه قد يظهر سليماً لأن الطبيب لم يعرف مرضه بعد، وقد يتكرر ذلك مراراً، وهذا لا يدل على أن المرض غير موجود، بل يدل على أن العلم لم يتوصل بعد لاكتشاف المرض أو مكانه، وهذا تماماً ما استعرضه منشور صفحة التمريض:

منشور عيادة “تمريض العاشر” حول مرض الفيبروميالغيا:

“في العيادات، نواجه العديد من المرضى، خاصة أولئك الذين يعانون من ألم منتشر في جميع أنحاء أجسامهم، وغالباً ما تظهر الفحوصات والتحاليل طبيعية، مما يجعل الأهل يقولون لهم: ‘أنت مدلل، ليس بك شيء’. لكن في الحقيقة الكثير منهم يعاني من مرض لا يظهر بسهولة في التشخيص الأول والثاني، وهذا المرض يعرف باسم ‘متلازمة الألم الليفي العضلي’ أو ‘الفيبروميالغيا’.”

أعراضه:

  • التعب والإرهاق المستمر.
  • ألم منتشر في كامل الجسم.
  • تيبس عضلي.
  • صداع مزمن.
  • اكتئاب وقلق.
  • مشاكل واضطرابات في النوم.
  • ضعف ومشاكل في الذاكرة.

التشخيص:

يصعب تشخيص المرض بسبب عدم ظهور أي مؤشرات حيوية غير طبيعية في التحاليل والأشعات، مما يجعل الإنسان يبدو سليماً عُضوياً. لكن الأطباء المتخصصين في أمراض المفاصل والروماتيزم يمكنهم تشخيص المرض من خلال فحص نقاط الألم المعروفة باسم Tender Points؛ فلو وجد الطبيب 11 نقطة ألم محددة خلال الفحص، فإن ذلك يؤكد معاناته من الفيبروميالغيا.

العلاج والملاحظات:

  1. أن الذي يكتشف المرض بدقة هم أطباء المفاصل والروماتيزم، وهذه هي الخطوة الأولى لبداية العلاج الصحيح باختيار الطبيب المعالج.
  2. يجب معرفة أن الأكثر عرضة ومظنة للإصابة بهذا المرض هنّ السيدات.
  3. قد تتسبب الأمراض المناعية في وجود هذا المرض، لذلك يكون نصف العلاج هو علاج المرض الآخر الأساسي الذي يعاني منه المريض. كما أن القلق والتوتر من الأسباب المباشرة؛ وهذا ما يجعل العلاج يبدأ من تقليل التوتر، وأخذ قسط كافٍ من الراحة، ثم الأدوية التي يصفها الطبيب والتي تتمثل غالباً في المسكنات، المهدئات، ومساعدات النوم.

يُعدّ التحكم في مصادر التوتر والضغط النفسي جزءاً هاماً من الخطة العلاجية، إلى جانب اتباع نظام حياة صحي مناسب.

الأبعاد العقدية والاجتماعية لظاهرة “شماعة الوهم”

من نص المنشور يتضح لنا أن التشخيص الأولي السلبي أو الفحوصات السليمة لا تعني دائماً عدم وجود مرض حقيقي، كما لا تعني بالضرورة أن الإنسان مصاب بالعين والسحر؛ بل قد يكون المرض خفياً ويستدعي تركيز الطبيب المتخصص أكثر. وهذا ما أردت إيصاله للقارئ: أن الإنسان إذا أصابه مكروه لا يعني ذلك حتمية وجود سحر، ولا يستدعي منه أن يشك بكل من حوله، كما أنه لا يبرر له قطع أواصر الرحم، أو رمي كل طعام قد يأتيه من جاره، أو الامتناع عن الأكل حتى عند أقرب الأقرباء.

إن ما وصل إليه المجتمع اليوم أمر خطير قد يمس جناب التوحيد دون أن يستوعب الناس هذا الخطر؛ لأنني إذا اعتقدت وشككت أن فلاناً من البشر قادر على أن يتحكم في مصيري أو يمنع رزقي، فقد أشركت أحداً مع الله في تسيير شؤون الخلق. والله سبحانه وتعالى قد فصل لنا ذلك بوضوح في القرآن الكريم حين قال:

﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر * فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۖ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 102]

فالحمد لله الذي جعل وقوع ضرر السحر مقيداً ومقروناً بإذنه الكوني القدري، وهذا ما يجب على المسلم فهمه وتأصيله في قلبه؛ أن ما أصابه ما كان ليخطئه، وما أخطأه ما كان ليصيبه، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وأن الأمة بأسرها لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، وأن المدبر، والنافع، والضار هو الله وحده.

أظن أن المسألة غدت مسألة عقدية بالدرجة الأولى، وصار لزاماً على الجميع مراجعة عقيدته ويقينه وإيمانه بالله، حتى ترجع العلاقات الأسرية والاجتماعية إلى سابق عهدها من النقاء، وتعود الثقة والسكينة إلى أفراد المجتمع بعدما صار أغلبه يوجس خيفة من شطره الثاني. ويكفي أن نعلم أن المجتمع المشتت والمهزوز نفسياً لا ينتج معرفة، كما أنه لا يحقق مقصد الله الأسمى من الخلق؛ وهو العبادة، والعمارة، والاستخلاف في الأرض.

[1] منشور طبي على صفحة عيادات تمريض العاشر، متاح عبر الرابط: https://www.facebook.com/share/1CAthy3fsP/

[2] أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم: 25813، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.