حصريا

في مفهوم البيان النبوي-أ.مونية الطراز

في مفهوم البيان النبوي

أ.مونية الطراز

القرآن الكريم كتاب مبين، نزل به الروح الأمين بلسان عربي يجري على أساليب العرب في البيان والتبيين وعلى نمطهم في البلاغة وفي حبك الكلام، وهو أيضا رسالة الله إلى الناس، تلقاها خاتم المرسلين لتكون بشارة وهدى لمن استهدى من المؤمنين. هو كتاب هداية تنزلت بلاغا للناس فنقلها النبي من عالم الغيب كما كانت عليه في أم الكتاب إلى عالم الشهادة لتعتمل في العالمين قال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾[1].

وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم في نقل الرسالة تمثلت في إخراج الوحي إلى الوجود بالكلمة والعمل، فكذلك كانت أقواله وتفسيراته وتقريراته تعبيرا عن وحي منزّل، وحكيُه وخبره عن الأولين والآخرين كان من دلائل الإرشاد إلى الحق والهدى، وما كان حديثا يفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى لقوم يؤمنون؛ والأخبار والنذر التي صدرت عنه صلى الله عليه وسلم، وكذا التوجيهات والإرشادات التي قدمها تدليلا على مسالك الصلاح، كل ذلك من وظائف النبي في تبليغ الهدايات القرآنية، وكل ذلك من مقصود البيان النبوي الذي تعهد به النبي الخاتم أصحابه مدة التنزيل.

 البيان النبوي بهذا الاعتبار هو ذلك السقاء الذي كان عليه السلام يحيي به نفوس الرعيل الأول قبل أن يَبْلُغ ذكرهم عنان السماء، وهو كل تلك الانفعالات التي اختلفت وجوهها وصورها، من رضا وغضب، وسلم ومسالمة[2]، وهو كل فعل فعله أو توجيه وجه إليه أو حديث حدث به؛ فبكل ذلك كان النبي يبلغ عن الله قولا وعملا، في شرحه للمعاني المشكلة أو ترجمته للمقاصد المبهمة، أو في توليفه الناس على الطريقة والمنهج، في كل ذلك كان عليه السلام مبينا للقرآن؛ وكذلك كان في جده وهزله وفي إنسانيته وبشريته، كاشفا لروح القرآن ومرشدا إلى طبيعته وحقيقته، ومناسبته لطبيعة الإنسان.

كان صلى الله عليه وسلم صاحب رسالة تستجيب للطبيعة البشرية وحقيقتها الترابية، وكان من مهامه عليه السلام تفعيل هذه الخاصية في واقع الناس، كان ببيانه يرفع النفوس عن الدنايا والدنس بمقدار الوسع، ويسمو بها إلى عوالم الطهر الإنساني، يحررها من الحيوانية ليطلقها في ملكوت الله ورحابة الأفق الرباني. لذلك كله يمكن أن نقول، إن البيان الذي أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم كان أوسع بكثير مما يمكن أن يُتصور عن مهمة البيان وعن مفهومه الذي ترسخ في الأذهان؛ بل إن مهمة النبي في البيان كانت إلى جانب الكشف الذي كلف به تروم تعليم الناس طرائق الوصول إلى حقائق القرآن.

بيان القرآن الكريم صنعة تلقاها الصحابة على يد النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا بعده ورثة استأنفوا مهام النبوة، فغدوا أحرص على حفظ جوهر القرآن وعمق رسالته، فلم يكونوا حفظة للوحي على شاكلة المتأخرين، ولم يكن يستهويهم الخوض في دلالات الألفاظ، مع أن بلاغة القرآن تحدت فطاحلة الشعر وصناع الكلام، كان كل همهم استظهار رسالة الهدى في محكم التنزيل، على اعتبار أن الهدى هدى الله، وأن تدبير أمر المخلوق لا يجدر إلا بالخالق الذي يعلم سرائر خلقه وما يصلح لهم في المعاش والمعاد، وإنما القرآن هو السبيل إلى هذا الهدى، ولا بد أن يفهم على حقيقته، تأسيسا على اعتبارين مهمين وبعدين أساسين؛ أولهما: البعد التشريعي، وثانيهما: البُعد المصدري.

أما البعد التشريعي الذي راعاه الصحابة رضي الله عنهم في القرآن الكريم فيتعلق بتلك التشريعات والأحكام التي وردت في نصوصه، والتي كان يضبطها منهج معلوم عبّر عنه الدكتور الشاهد البوشيخي[3] بالهدى المنهاجي[4]، فوفق المنهج الرباني  تتأطر سلوكات الناس وتنضبط أحوالهم في مختلف مناحيها؛ إذ التشريعات التي القرآنية هي نسق من الأحكام المناسبة للفطرة السوية والذوق السليم، وقد أبدع الله تعالى ترتيبها بما يجعلها تستجيب لمقتضى العقل السديد وتغدق بالمعاني والإفادات على كل مستفهم يتدبّر آيات الله ويستثمر مخزونها الغني في واقع الناس، ولذلك حثت النصوص على تدبر الوحي المنزل والنظر إليه نظرا عقليا مستفهما، فلا مناص من التساؤل المستَفْهِم ما دام القرآن على ما هو عليه من حبكة وإتقان، وما دام خطابه من صميم الوحي الرباني، يسمو بكماله عن نقائص الخطاب الإنساني، قال تعالى: ﴿أفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾[5].

 الصحابة رضي الله عنهم تشبعوا فعلا بهذه الحقيقة وذلك المنهج، فكانوا يستحضرون البعد التشريعي الذي يقيم بناء علاقات المخاطَبين مع الله أولا، ومع خلقه ثانيا، وكذا مع كونه الفسيح، ولكنهم كانوا في ذلك مستحضرين للبعد المصدري في التنزيل، بوعي مدرك أن العلاقة بين التشريع الذي جاء به الوحي والعقل المفكِّر هي قناة تواصل بين مرسِلٍ متعال، ومتلقي مخلوق، وهذه علاقة لا يمكن أن تنضبط إلا بوعي حقيقي بأن القرآن الكريم هو كلامُ الله المنزّلُ على النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما قال العلماء في تعريفه؛ فلا هو شعر، ولا هو قول إنساني؛ وأنه المكتوبُ في المصاحف كما ذكروا؛ فلا زيادة فيه من عنده، ولا إدراج فيه لحديث تحدث به بالأصالة عن نفسه عليه السلام.  وهو المنقولُ بالتواتر؛ فلم ينقله واحد عن واحد، بل نقله جمع عن جمع، ممن يستحيل تواطؤهم على الكذب. وهو المتعبَّدُ بتلاوته؛ فلا يقاس على قول بشر مهما بلغ من العظمة والسمو والنبوغ. وهو المعجزُ ولو بسورة منه، وقد أعجز فطاحلة الكلام في عصر التنزيل حتى قالوا ما هذا بقول بشر[6].

هذه جملة من الاعتبارات التي وسمت أسلوب الصحابة رضي الله عنهم، وهي أساسيات لا بد من استحضارها في التعامل مع النصوص، كونها تصل المتلقي بالمُرسِل سبحانه وتعالى، فلا يمكن لكل قراءة أو تفسير ألغى الأبعاد التشريعية والمصدرية في الوحي المنزّل، وأهمل حقيقة التنزيل أو تحلّل منها، أن يترجم المعنى القرآني، أو يؤدي حقيقة البيان المطلوب. ومعلوم أن الله تعالى يذكرنا في مواضع مختلفة من القرآن الكريم بهذه الحقيقة؛ يذكرنا بأصل التشريع وسمو مصدره، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿قل أمر ربي بالقسط﴾[7] وكما دل على ذلك قولُه عز وجل: ﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾[8] وهذا التذكير إحالة على مصدر الهدى الذي جاء به القرآن وتوجيه للنظر إلى اعتبار آخر يتعلق بصاحب الكتاب ومُرسِل الخطاب سبحانه وتعالى والذي يتحدث عن نفسه باعتباره صاحب الرسالة وما فيها من هدايات ومن الآيات البينات، قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾[9].

لقد ورد التذكير بكون القرآن الكريم حاملا للبيان الإلهي في عدة مواضع منه، وورد بصيغ مختلفة، في سورة البقرة، وسورة النور، وفي غيرهما من السور، والآية التي ذكرنا قرئت على وجهين، فقرأته عامة قرّاء المدينة، وبعض الكوفيين والبصريين ” مُبَيَّنَاتٍ” بفتح الياء: بمعنى مفصلات، وأن الله فصلهن وبينهنّ لعباده، فهنّ مفصلات مبينات، كما قال الطبري، وهذا يعني أن تعامل الناس مع القرآن ينبغي أن يصرف الجهد في كشف ما هو مبين أصلا في التنزيل من حقائق وإفادات هي جوهر الهداية المطلوبة، وقرأه آخرون بكسر الياء، قال الطبري: “والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى، وذلك أن الله إذ فصّلها وبيَّنها صارت مبينة بنفسها الحق لمن التمسه من قِبَلها، وإذا بيَّنت ذلك لمن التمسه من قبلها، فيبين الله ذلك فيها”[10]

القرآن الكريم هو عين البيان، يكشف عن حقائق الكون ويفسر الكثير من الدقائق التي يعجز الإنسان عن إدراكها بمحض تطلعاته وإمكانياته، والنبي صلى الله عليه وسلم بلّغ بيان القرآن للناس على حقيقته، فحفظ جوهر الرسالة ومقاصدها، ولم يخرج عن وظيفة التبليغ في النقل، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ، إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد﴾[11]. وقال تعالى موجها خطابه لنبيه عليه السلام: “قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين” قال البغوي: ما أسألكم عليه من أجر (جَعْلٍ) على تبليغ الرسالة، وما أنا من المتكلفين، المتقولين القرآن من تلقاء نفسي، وكل من قال شيئا من تلقاء نفسه فقد تكلف له[12]

النبي صلى الله عليه وسلم لم يجاوز في وظيفته ما فصله القرآن في الأصل، وحتى في إفهامه عليه السلام كان يحيل على الله تعالى وبيانه، امتثالا لمثل قوله عز وجل: ﴿قل أأنتم أعلم أم الله﴾[13] وكل بيانه كان نقلا لهدايات ربه، وكل توجيه باشره إلا وكان فيه وصل بالله الخالق، الأعلم بما يصلح شؤون الناس وأحوالهم، والأدرى بطاقة الإنسان وما يناسبها من تشريع، فهو الخالق العالم بما خلق، قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾[14].

هذا بعض معنى البعد المصدري لنصوص القرآن الكريم، ويرادُ به في الجملة أن مرسِل الخطاب هو اللهُ الخالق المتعالي في عزه وملكوته، وأن المستقبل هو الإنسان المخلوق المخاطب بالتكليف، ومعنى ذلك أن الإنسان حين يباشر نصوص القرآن الكريم لا بد أن يستحضر وضعه ومقامه أمام كلامٍ أسمى من قول البشر، وهذا يقتضي أن يكون التلقي في مستوى الوعي بمصدر الخطاب، بما هو كلام منزّه عن كل نقص بشري أو قصور إنساني، فضلا على أن يكون إنسانيا بمعنى من المعاني.

وتجدر الإشارة إلى أن مرجعية الأحكام التشريعية التي تتصل في الأصل بالخالق، تحيلنا على خصوصية أخرى في الخطاب القرآني، وتتمثل في قابلية المخاطبين لتفهم مضمونه الرفيع على النحو المطلوب، كما أن هذه المصدرية تضع لنا ميزانا يزيد في دقته وحساسيته على الموازين التي نقيس بها خطابات البشر؛ فالاعتبار المصدري في التعامل مع نصوص الوحي، مؤشر على قدرة المخاطبين على حسن الاستمداد وسلامة النظر، ودليل على أهلية المتلقي لإنتاج المعرفة والقيم، انطلاقا من نص الكتاب المنزّل.

 كل هذا نقوله تأكيدا على وعورة مسلك الاستقصاء والتلقي مما يوجب الاحتياط والحذر؛ ولكنه قول يحتاج إلى توضيح يرفع الإشكال، فالقرآن الكريم ليس نصا مفتوحا لكل قراءة سائبة، وليس نصا مغلقا لا يمكن التوصل إلى معانيه والتوسل إلى مقاصده من خلال مبانيه. والحاجة إلى بيانه مع كونه مبينا في ذاته، حاجة واقعة،  فبيان القرآن ضرورة لا تناقض طبيعة التبيين اللازمة في حقه، وهذا ما سنعالجه في العدد المقبل بحول الله.

[1]  المائدة الآية 67

[2]  تحدث العلماء قديما وحديثا عن السنة التشريعية وغير التشريعية، وهذا فيه تفصيل يمكن الرجوع إليه في كتاب: “السنة النبوية ومنهجها في بناء المعرفة والحضارة”، أشغال ندوة نظمها ونشر بحوثها المعهد العالمي للفكر الإسلامي بعمان سنة 1989، ونشرت سنة 1992 في جزئين، انظر الجزء الثاني، ص985 لمزيد من الفائدة في هذا الموضوع، والقصد هنا أن تراعى في السنة التشريعية جوانب قد تهمل في سلوك النبي بحكم بشريته، وهذا ما أريده هنا وهو ما يفيده الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه حيث قال: ” كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله  صلى الله عليه وسلم أريد حفظه ، فنهتني قريش؛ وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم  بشر يتكلم في الغضب والرضى؟! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فأومأ بإصبَعه إلى فيه ، وقال: اكتب ؛ فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق” . رواه أبو داود، وأحمد، والدارمي ، والحديث إسناده صحيح.

[3]  الدكتور الشاهد البوشيخي واحد من أعلام المغرب الحديث ومن خيار مفكريه، يعتبر من أبرز الدعاة إلى التأسيس المنهجي للعلوم الإسلامية، ورائد الدراسات المصطلحية، ومؤسس “معهد الدراسات المصطلحية” بفاس المغرب، ومدير “مؤسسة البحوث والدراسات العلمية” “مبدع”.

[4]  يقصد الدكتور الشاهد البوشيخي بالهدى المنهاجي: “الطريقة المثلى في التفكير والتعبير والتدبير، أو الطريقة المثلى في أداء الخلافة، والطريقة المثلى في أداء العبادة، والطريقة المثلى في أداء الشهادة على الناس” مقتطف من محاضرة للشيخ، تحمل عنوان الهدى المنهاجي، وانظر للتوسع في تطبيق رؤيته كتابه: “نظرات في الهدى المتهاجي للقرآن الكريم” من منشورات “مؤسسة البحوث والدراسات العلمية”

[5]  النساء 82

[6]  لكل تفصيل مفيد يمكن الرجوع إلى ما قيل في تعريفات العلماء للقرآن، وانظر للاستئناس كتاب “مناهل العرفان في علوم القرآن ” للشيخ عبد العظيم الزرقاني ج:1 من ص 17 إلى ص 21 تحقيق فواز أحمد زمرلي، دار الكتاب العربي- بيروت الطبعة الأولى 1995.

[7]  الأعراف 29.

[8]  الأعراف 28

[9]  النور 34

[10]  تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي الأحكام، تفسير سورة النور الآية 34

[11]  الرعد، الآية 7، قال القرطبي شرح الآية: “لما اقترحوا الآيات وطلبوها قال الله تعالى لنبيه – صلى الله عليه وسلم: “إنما أنت منذر”، ” أي معلم” ولكل قوم هاد ” أي نبي يدعوهم إلى الله، انظر تفسير الآية في جامع بيان الأحكام، لأبي عبد الله القرطبي.

[12]  معالم التنزيل تفسير البغوي، سورة: ص الآية 86

[13]  البقرة، الآية 140

[14]  النجم، الآية 32

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.