حصريا

تعريز العاتب وتعزير الكاتب في الكلام على حديث التائب

0 164

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله غافر الذنب، وقابل الندم والتوب، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد المبعوث بالرحمة إلى كافة الناس من عجم وعُرْب، وعلى آله الطاهرين من كل حوب، وأصحابه الصابرين معه في كل فرج وكرب، وبعد:

فقد رأيتُ بعض المشتغلين بالحديث أنكر على الخطباء والكُتّاب استدلالهم بحديث (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) وتبع في ذلك الحافظ الكبير، والناقد البصير، والعالم الخطير، أبا عمرو بن الصلاح، طيب الله ثراه بوابل من الرحمة فياح، فإنه سُئل عنه هل هو مخرج في الصحيح أم لا.؟

فأجاب كما في (فتاويه)بأنه (لم يُـخَرَّج في الصحاح، ولم نجد له إسناداً يثبت بـمثله الحديث) هذا كلامه بحروفه.

وفي جوابه رحمه الله من الإيهام ما نبينه، فإنه إن أراد أنه غير مخرّج في (الصحيحين) لكنه تجوَّز وأطلق الصحاح عليهما، فهو صحيح فإنه لم يُخرّج هذا الخبر واحد منهما، ويقوي هذا الاحتمال أن السؤال خرج عليه، لأنـهم إذا أطلقوا الصحيح انصرف عندهم إلى الصحيحين أو أحدهما.

وإن أراد الاصطلاح الشائع وهو إطلاق الصحاح على الستة وهو ظاهر عبارته، ففيه نظرفقد أخرجه ابن ماجه منهم كما يأتي.

وقد يحتمل أنه قصد به اصطلاح بعض الحفاظ من إطلاق الصحاح على الموطأ والخمسة دون ابن ماجه، كما هو تصرف ابن الأثير وغيره وكان عليه قدماء أهل الحديث قبل الحافظ أبي الفضل بن طاهر، فإنه فيما قيل أول من ألحق ابن ماجه بالأصول وأدخله فيها.

ومن الحفاظ من يدخل في الأصول الستة الدارميَّ بدلاً من ابن ماجه مع الخمسة، ومنهم من يدخل مسندَ الإمام أحمد، فإن كان هذا هو مراد الحافظ أبي عمرو فهو صحيح فإنه لم يُخرّج هذا الحديث واحد من هؤلاء، وهذا هو الظن بابن الصلاح فإنه حافظ كبير مسدد الفتيا يبعد غالباً أنه لم يطلع على الحديث وهو في الأصول.

وبه تعلم أن تعقّب الحافظ ابن الصديقالغماري على ابن الصلاح في عزو هذا الخبر غير مسلَّم على هذا الفرض الاخير، وكذا على الأول، وهو متّجه على الثاني كما مر.

ثم إنه أعني الغماري رحمه الله تعقب ابنَ الصلاح في دعواه أنه لا إسناد قائماً له يثبت الحديث بمثله، فجزم هو بثبوته في كلامه عليه في غير موضع من تواليفه كـ(المداوي) وتعليقه على (مسند الشهاب) و(النوادر) وغيرها.

ولما كان كلام ابن الصلاح موهماً وتعقب الغماري عليه في نوادره المسماة (جؤنة العطار) أشد إيـهاماً، وقد اغترّ به بعض المتأخرين، جرّدتُ هذا الجزء اللطيف في تخريج الحديث والكلام على طرقه وعلله والمحاكمة بين ابن الصلاح ومن تعقبه في ثبوت الحديث وبالله تعالى التوفيق.

 

 

فصل

في طرق الحديث وعلله

الحديث بـهذا اللفظ روي من طرق متعددة نذكر منها ما حضرنا وتيسر لنا الوقوف عليه، وانتهى علمنا إليه، فمذلك:

حديث ابن مسعودرضي الله عنه

وهو الأصل في الباب وعليه المعول، وقدأخرجه ابن ماجة والبيهقي والخطيب في (الموضح) وحمزة السهمي في (تاريخ جرجان) وأبو سعيد بن الأعرابي في (معجمه) ومن طريقه القضاعي في (الشهاب) وأبو عروبة الحراني كما في (جزئه) كلهم عن محمد بن عبد الله الرَّقاشي حدثنا وهيب بن خالد حدثنا معمر عن عبد الكريم عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (التائبُ من الذنب كمن لا ذنبَ له).

وأخرجه الطبراني ومن طريقه أبو نعيم في (الحلية) وابن الشجري في (أماليه) عن معلى بن أسد عن وهيب به.

وقال السخاوي في (المقاصد): (رجاله ثقات بل حسنه شيخنا يعني لشواهده، والا فأبو عبيدة جزم غير واحد، بأنه لم يسمع من أبيه) ونحوه للهيثمي في (المجمع) وابن مفلح في (الآداب) والهيثمي في (الزواجر) أن رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أنه منقطع بعدم سماع أبي عبيدة من أبيه، وكلام الحافظ ابن حجر في تحسينه هو في (الفتح) في باب (يريدون أن يبدلوا كلام الله) من كتاب التوحيد من (الصحيح) وتبعه على تحسينه الغماري والألباني.

وفي تحسينه نظر فقدألمع البيهقي إلى ضعفه في (السنن)وكذا البوصيري في (زوائد العشرة وابن ماجة) وقال السخاوي في (أجوبته): (لولا الإرسال الذي فيه لكان صحيحاً).

والحديث له علل: أحدها: ما مرَّ من الانقطاع فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.

والثانية: قاله البيهقي في رواية وهيب عن معمر فإنه ساقها في (كتابه) ثم قال: (هو وهم والحديث عن زياد بن أبي مريم عن عبد الله بن معقل عن ابن مسعود).

أصله ما في (العلل) لابن أبي حاتم أنه سئل أباه عن حديث رواه ابن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال (الندم توبة، التائب من الذنب كمن لا ذنب له) قال أبي: (هذا خطأ، إنما هو عبد الكريم عن زياد بن الجراح عن ابن معقل قال: دخلتُ مع أبي على ابن مسعود).

فإسناد هذا الحديث عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة عن أبيه غلط ولا وجود له أصلاً، وإنما وهم فيه وهيب وقد كان تغير بأخرة وغلط في روايته له عن معمر بن سليمان، فرواه عنه عن عبد الكريم عن أبي عبيدة عن ابن مسعود، والمحفوظ أنه عن معمر عن عبد الكريم عن زياد بن الجراح عن ابن معقل حديث (الندم توبة) كذلك يرويه الناس السفيانان وابن المبارك وزهير بن معاوية وغيرهم، وقال الدارقطني (وهو أصح من حديث أبي عبيدة).

وأشار الحافظ أبو القاسم بن عساكر في (معجمه) إلى وهم رواية أبي عبيدة عن أبيه فقال: (وروي عنه عن عبد الكريم عن أبي عبيدة بن عبد الله عن ابن مسعود من قوله من غير ذكر زياد في الإسناد).

واختُلف في زياد هذا هل هو ابن الجراح أو ابن أبي مريم، ومن الناس من يعدهما واحداً، والصحيح أنـها اثنان،وبكل حال فإسناد عبد الكريم عن أبي عبيدة عن أبيه لا أصل له كما قاله الحافظ أبو عمرو بن الصلاح، وهو ينبئ بسعة علمه ومحفوظه وإتقانه وضبطه رحمه الله.

وفيه علة ثالثة وهي الوقف نبّه عليها الدارقطني وأبو نعيم، فقال الثاني في (الحلية): (غريب من حديث عبد الكريم لم يصله عن معمر إلا وهيب).

وقد بسط القول فيه الحافظ أبو الحسن الدارقطني في (علله) فذكر أنه اختُلف فيه على وهيب فتفرد عنه برفعه محمد بن عبد الله الرقاشي، وخالفه غيره فرووه عن وهيب موقوفاً.

وفيه على رابعة وهي تفرد وهيب بإسناده وتفرد الرقاشي به عنه وقد قال الخطيب في (الموضح): (تفرد بروايته محمد بن عبد الله الرقاشي عن وهيب بـهذا الإسناد مرفوعاً ولم يُتابع عليه).

وهو معنى قول أبي نعيم غريب، وإن كان ابن أبي حاتم ذكر أنه رواه كذلك بنحو رواية وهيب بـهذا الإسناد عن معمر عن عبد الكريم عن أبي عبيدة عن أبيه، محمد بن ثور الصنعاني، لكنه خطأٌ أيضاً كما قاله أبو حاتم، فكيف وقد تقدم أن هذا الإسناد لا وجود له أصلاً.

وفيه علة خامسة وهي غلط وهيب في متنه، فإن الحديث حديث عبد الكريم، والمحفوظ فيه بلفظ (الندم توبة) كما رواه الجماعة، وأما لفظ وهيب (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) فلا أصل له في حديث عبد الكريم ولا من حديث ابن مسعود مرفوعاً.

وإنما هو عن ابن مسعود قوله موقوف على اختلاف فيه على معمر، وقد بين ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب في (الموضح) فساقه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم عن زياد عن ابن مسعود قال: (الندم توبة والتائب من الذنب كمن لا ذنب له) وخالفه ابن المبارك فرواه عن معمر عن عبد الكريم عن أبي عبيدة عن ابن مسعود، قال الخطيب: (فجعل مكان زياد أبا عبيدة ووقفه أيضاً).

وقال ابن عساكر في (المعجم): (وروي عنه–معمر- عن عبد الكريم عن أبي عبيدة بن عبد الله عن ابن مسعود من قوله من غير ذكر زياد في الإسناد،والصواب قول من قال زياد).

فالراجح رواية عبد الرزاق، وأما رواية ابن المبارك فوهم فيها نعيمُ بن حماد راويه عنه، وبه يتبين أن رواية الحديث من طريق عبد الكريم عن أبي عبيدة عن ابن مسعود لا أصل له لا مرفوعاً ولا موقوفاً.

والمحفوظ مرفوعاً عن ابن مسعود هو حديث (الندم توبة) كما رواه الحفاظ في مسانيدهم أحمد وغيره من وجوه عن جماعة من الحفاظ، وفي بعض ألفاظه أنه قيل لابن مسعود: أنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الندم توبة)؟ قال: نعم.

وأما زيادة (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) فهو موقوف من قول ابن مسعود من رواية عبد الكريم عن زياد، قاله بعقب روايته (الندم توبة) فوهم فيه بعض الرواة ورفعه.

وبه يُعلم غلط من اعتمد هذا الحديث بـهذا الإسناد شاهداً لتحسينه بـمجموع طرقه، وبالتالي غلط الغماري في تعقبه على ابن الصلاح.

حديث ابن عباس رضي الله عنهما

يرويه سَلْم بن سالم عن سعيد الحمصي عن عاصم الحُدّاني عن عطاء عنه، كذلك أخرجه البيهقي وضعفه، وابن الجوزي في (التحقيق) مرفوعاً.

ورواه ابن أبي الدنيا وابن عساكر كلاهما في (التوبة) بزيادة (والـمُستغفرُ من الذنب وهو مُقيمٌ عليه كالـمـُستهزئ بربِّه، ومن آذى مسلماً كان عليه من الإِثم مثلُ كذا وكذا) وذكر شيئاً.

قال المنذري في (الترغيب) وقد روي بـهذه الزيادة موقوفاً ولعله الأشبه، وذكر ابن رجب في (الجامع) أن رفعه منكر، وصوّب الحافظ ابن حجر أن الموقوف منه هذه الزيادة دون أوله.

ووقع عند ابن الجوزي: عاصم الجذامي وهو غلط صوابه الحُدّاني كما نبّه عليه ابن عبد الهادي في (تنقيح التحقيق) وعند البيهقي سعيد بن عبد الجبار وهو الحمصي، وفي (الأفراد) للدارقطني سعيد بن عبد العزيز، والظاهر أنه من تخاليط سَلْم هذا واضطرابه في رواية هذا الخبر.

والحديث منكر بالزيادة وبدونـها، تفرد به سَلْم هذا، وقال الدارقطني في (الأفراد): (غريب من حديث عطاء عنه، وغريب من حديث سعيد بن عبد العزيز الدمشقي عنه، تفرد به سلم بن سالم البلخي عنه).

وسلم هذا متفق على ضعفه، فلا يحتمل التفرد من مثله، ولذا قال الحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي في (التنقيح): (هذا إسناد ضعيف جداً ولا يجوز الاحتجاج به، وعاصم ليس بالمشهور، وسعيد الحمصي هو: ابن عبد الجبار، وكان جرير يُكذِّبه، قاله قتيبة، وقال ابن المديني: لم يكن بشيء وقال النسائيُّ: ليس بثقة،وسلم بن سالم هو: أبو محمد البلخي، وقد كذَّبه ابن المبارك، قاله الحاكم، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال السعديُّ: غير ثقة).

وقال الذهبي في (التنقيح): (إسناده مظلم) فكيف يستقيم أن يصلح مثل هذا الإسناد شاهداً للذي قبله كما هو تصرف الغماري والألباني؟ وكلا الإسنادين كما مرّ منكر، بل الأول لا وجود له! وقد قال الإمام أحمد: (المنكر أبداً منكر) يريد أنه لا يتقوى منكر بمثله.

حديث أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه

رواه أحمد بن عبيد الصفار في (مسنده) كما في (المداوي) ومن طريقه البيهقي عنعثمان بن عمر الضبي ثنا عثمان بن عبد اللَّه الشامي ثنا بقية بن الوليد ثنا محمد بن زياد الألهاني عنه به مرفوعاً.

وسكت عليه البيهقي وكذا الغماري وهو موضوع فإن عثمان بن عبد الله الشامي هذا هو الأموي وهو متّهم كما في (اللسان) وغيره، وقال ابن عدي: (يروي الموضوعات عن الثقات) وقال الدارقطني: (متروك الحديث) وبه تعلم أن عدّ الغماري له شاهداً لما تقدم وهم قبيح طالما أشتدّ نكيره على مثله على الكتاني وغيره.!

حديث أنس رضي الله عنه

أخرجه القشيري في (الرسالة) وعنه ابن النجار في (تاريخه) عن الأستاذ أبي بكر بن فَوْرَك أنبأنا أحمد بن محمود بن خرزاذ حدثنا سعيد بن عبد الله حدثنا أحمد بن زكريا حدثنا أبي قال: سمعتُ أنسَ بن مالك يقول: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (التائِبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له، وإذا أحبَّ اللَّهُ عبداً لم يضُرَّهُ ذنبٌ، ثمّ تلا: إنّ اللَّهَ يُحبُّ التوابينَ ويُحبُّ الـمُتطهرين) فقيل: يا رسولَ اللَّه: ما علامةُ التوبة؟قال: (الندامة).

وأخرجه أيضاً الديلمي في (الفردوس) عن أنس مختصراً.

وهذا إسناد لا يُفرح بـمثله فإنه مسلسل بالمجاهيل، سعيد بن عبد الله ومن بعده، لا يعرفون ولم أقف على حالهم، ولا أظنه يتّصل بأنس أصلاً، فلا يصح مثله في الشواهد.

وأما تضعيف الألباني للخبر في (الضعيفة) بالطعن على راويه ابن خرزاذ بقوله (ابن خرزاذهذا من شيوخ الدارقطني.. فالظاهر أنه هو آفة هذا الحديث) فغلط ظاهر،فإنه ثقة ذكره الحافظ أبو بكر في (تاريخ بغداد) وقال: (أحمد بن محمود بن زكريا بن خرزاذ، أبو بكر القاضي الأهوازي ويعرف بالسينيزي..قدم بغداد فحدث بـها، فكتب عنه أبو الحسن الدارقطني..ثم قال الخطيب: وكان ثقة توفي بالأهواز لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي القعدة سنة ست وخمسين وثلاثمائة).

حديث أبي سعد الأنصاري رضي الله عنه

أخرجه الحكيم الترمذي في (نوادره) وأبو نُعيم في (الحلية) و(معرفة الصحابة) كلاهما عن ابن أبي فديك قال حدثني يحيى بن أبي خالد عن ابن أبي سعد الانصاري عن أبيه قالقال النبي صلى الله عليه وسلم:(التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والندم توبة).

وهو إسناد واه، فإن يحيى بن أبي خالد هذا وابن أبي سعد مجهولان كما قاله ابن أبي حاتم في (كتابه) عن أبيه، وقال الحافظ في (اللسان): ( ابن أبي سعد لا يعرف، قال أبو حاتم: هو حديث ضعيف وهذا مجهول رواه عن مجهول) فلا يصح الاعتبار بمثل هذا الإسناد، فالعجب من الغماري كيف عدّه شاهداً في (جؤنة العطار) وتعقب به ابن الصلاح وهو قد صرح بضعفه في (المداوي) وأعله بجهالة من ذكرنا.!

وأيضاً فإنه ذكره في (النوادر) من حديث أبي سعيد الخدري على الجزم، وقطع في (المداوي) بأن راويه أبا سعيد الأنصاري ليس هو أبو سعيد الخدري أصلاً! ونقل عن الحافظ ابن حجر أن كنيته أبو سعد الأنصاري لا أبو سعيد وليس هو بالخدري، وهو كذلك في (الإصابة) و(المعرفة) لابن مندة وغيرهما، ووهم فيه السيوطي وشرّاح (الجامع الصغير) وغيرهم من حيث ظنوه الخدري فذكروا أن كنيته أبو سعيد.

حديث عائشة رضي الله عنها

ومن عجيب تصرف الحافظ أبي العباس الغماري في (جؤنة العطار) أنه ذكر خبر عائشة شاهداً لتقوية الحديث في تعقبه على ابن الصلاح، وقد ذكره هو في (المداوي) وحكم بوضعه فقال: وحديث عائشة رواه أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) والبيهقي في (شعب الإيمان) آخر حديث موضوع افتراه أحمد بن عبد اللَّه الجويباري، وأخرجه أيضاًابن الجوزي في(الموضوعات) واتّـهم به الفضل بن عبد اللَّه بن مسعود، وقال: لا يحتج به بحال، وعندي أن الـمتّهم به هو شيخه الجويباري المذكور، فإنه وقح كثير الكذب والوضع على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، هذا كلامه.

والحديث من طريق الفضل بن عبد الله بن مسعود اليشكري عن نا أحمد بن عبد الله أبو علي النهروانينا روح بن عبادة عن محمد بن مسلم عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عائشة به مرفوعاً ولفظه: (الموتُ غنيمةٌ والمعصيةُ مصيبةٌ والفقرُ راحةٌ والغِنى عقوبةٌ والعقلُ هديةٌ من الله والجهلُ ضلالةٌوالظلمُ ندامةٌ والطاعة قرّةُ العين والبكاءُ من خشية الله النجاةُ من النار والضحكُ هلاكُ البدن، والتائبُ منالذَّنب كمن لا ذنبَ له)قال البيهقي: (تفرد به هذا النهرواني وهو مجهول، وقد سمعته من وجه آخر عن روح وليس بمحفوظ).

فأيُّ طائل من الاستكثار بمثل هذه الموضوعات على الحفاظ الكبار كابن الصلاح، وأي جدوى من إيرادها في غضون التعقب عليهم، وقد عُلم أن مثل هذا الأسانيد الواهية لا تزيد الخبر إلا وهاء.!؟

وفي الباب حديثان منكران لم يذكرهما من تكلم على هذا الخبركالغماري والألباني، ونحن نوردهما لئلا يغتر بـهماوهما:

حديث أبي هريرة

أخرجه أبو القاسم بن عساكر في جزء (تعزية المسلم) في باب الصلاة على الأموات فقال: أخبرنا الفقيه أبو الفتح نصر الله بن محمد نا نصر بن إبراهيمنا أبو الفضل عبد العزيز بن عليّ بن عبد العزيز الأشنهينا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حريز بن أحمد بن خميس السلماينيُّ إملاءً أنبأ أبي أنبأ أبي أنبأ أبي أحمد بن خميس أنا أبو عبد الله محمد بن عبدالله بن مَهَل الصنعاني بصنعاء أنا عبد الرازق بن همام عن معمر عن مِينة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الموتُ غنيمةٌ والمعصيةُ مصيبةٌ والفقرُ راحةٌ والغنى عقوبةٌ والعقلُ هدايةٌ والجهلُ ضلالةٌ والظلمُ ندامةٌ والطاعةُ قرّةُ العين والبكاءُ من خشية الله عزّ وجل النجاةُ من النار والضحكُ هلاكُ البدن والتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له).

قال ابن عساكر: (كذا وقع في الأصل والصواب عن ميناء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه).

وهذا سند منكر تفرد به ميناء بن أبي ميناء القرشي الزهري الخراز مولى عبد الرحمن بن عوف، وهو منكر الحديث كما قاله أبو حاتم الرازي، وقال: (روى أحاديث في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مناكير، لا يعبأ بحديثه،كان يكذب) وعن أبي زرعة: ليس بالقوي، كذا في (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم عنهما.

وقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة، وقال الجوزجاني: أنكر الأئمة حديثه لسوء مذهبه، كذا في (التكميل) لابن كثير و(مختصر الكامل) للمقريزي، وقال الذهبي في (الميزان): ساقط، فالحديث منكر جداً إن لم يكن موضوعاً، ولا يحل اعتباره شاهداً بـمرة.

والظاهر أن الجويباري سرقه وركّب له إسناداً من طريق عائشة الذي تقدم قبل هذا، فإن متنهما واحد كما ترى، والله أعلم.

حديث علي عليه السلام

وقد ساقه العلامة المسند أبو الفيض الفاداني في (العجالة) مسلسلاً بالعِترة الطاهرة عليهم السلام، وهي نسخة فيها أحاديث حسان وبعضه مما يُستنكر، يروونـها من طريقفَخر الدّين أبي جعفر أحمد بن محمد بن جعفر الحسيني أنا السراج محمد بن علي بن ياسر الأنصاري بروايته هو وبـهاء الدّين محمد الخالص عن السيد الفاضل بقية السادة ببلخ أبي محمد الحسن بن علي بن الحسن بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن علي بن الحسن بن الحسين بن جعفر الحجة بن عبيد الله الأعرج ابن الحسين الأصغر ابن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي كرم الله وجهه قال الأنصاري سماعاً من لفظه قال: حدثني والدي أبو الحسن علي بن أبي طالب الحسن قال ثني والدي أبو طالب الحسن النقيب قال حدثني والدي أبو علي عبيد الله بن محمد ثني والدي أبو الحسن محمد الزاهد قال حدثِي والدي أبو علي عبيد الله بن علي ثني والدي أبو القاسم علي ثني والدي أبو محمد الحسن ثني والدي الحسين وهو أول من دخل بلخ من هذه الطائفة ثني والدي جعفر الملقب بالحجة ثني أبي عبيد الله هو الأعرج ثني أبي الحسين هوالأصغر ثني أبي زين العابدين علي ثني أبي الحسين يعني السبط ثني أبي علي بن أبي طالبأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).

ولا ريب في فضل آل البيت النبوي عليهم السلام وشرفهم، لكن الرواية دين، فتحمّلها وأداؤها شيء، والفضل والشرف شيء آخر، وهذا الحديث بـهذه النسخة فيه من لا يُعرف بالرواية والعلم ومن لم يوقف له على ترجمة، وفيها علي بن أبي طالب الراوي له عن أبي طالب النقيب، وهو منكر الحديث وهو راوي خبر التوسعة على العيال في عاشوراء.

وفيه أيضاً أبو طالب الحسن النقيب وقد ذكره أبو منصور الحلي في (الخلاصة) ونقل عن النجاشي أنه قال: (رأيتُ بعض أصحابنا يغمز عليه في بعض رواياته) فهو خبر مجهول منكر لا يصح الاعتبار به.

وقد روي الحديث بـهذا اللفظ مقطوعاً من قول الشعبي، أخرجه ابن معين في (الثاني من فوائده) رواية أبي بكر المروذي، ووكيع في (الزهد)وأبو حاتم في (تفسيره) وأبو القاسم البغوي في (الجعديات) وابن سلام في (تفسيره) وابن أبي الدنيا في (التوبة) وأبو نعيم في (الحلية) والبيهقي في (الشعب) وأبو إسحق الخُتَّلي في (المحبة) وغيرهمفي قول الله عز وجل (إن الله يحب التوابين) قال الشعبي: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا أحب الله عبداً لم يضره ذنبه).

وقد ذكر بعض أهل الأدب كابن عبد ربه في (العقد الفريد) وغيره هذا الحديث بلفظ (المعترف بالذنب كمن لا ذنب له) ولا أصل له بـهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث.

وقد تبين بـهذا التحقيق خطأالغماري ومجازفته في التعقب على الحافظ الكبير أبي عمر بن الصلاح، وأن الصواب أن هذا الحديث ليس له إسناد قائم يثبت الحديث بمثله عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله ابن الصلاح في فتياه، وأن من حسّنه بشواهده كالغماري والألباني فقد غلط غلطاً بيّناً، فإن شواهده كما مرّ لا تزيده إلا ضعفاً لأنـها من رواية المجاهيل والمتروكين، والحديث الذي اعتمدوه أصلاً في الباب وهو حديث ابن مسعود، وحاولوا تقويته بـهذه الروايات الواهية المنكرة، قد صح بيقين أنه لا أصل له وإنما هو خطأ محض من بعض من رواه، وبالله التوفيق.

 

 

فصل

في الكلام على متنه

وقوله (كمن لا ذنب له) تشبيه وجههأن كلاً من التائب والذي لم يُذنب لم يُكتب عليه ذنب، والتارك للذنب عمداً مثاب فكذا التائب منه، فإنه يثاب على التوبة منه والندم على فعله والعزم على عدم المعاودة، وهو معنى قول الشهاب على البيضاوي.

وفي شعر المتنبي:

وإن كان ذنبي كل ذنبٍ فإنه…محا الذنبَ كلَّ المحو من جاء تائبا

قال أبو العلاء في (معجز أحمد) وهو شرحه على ديوان المتنبي: إن كان ذنبي يوازي ذنوب الناس كلهم، فإن توبتي تمحوه، فإن من جاء تائباً استوجب العفو وإن كان ذنبه بمنزلة جميع الذنوب، أخذه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ومثل البيت قول الآخر:

إذا اعتذر الجاني محا العذرُ ذنبَه…وكلّ امرئٍ لا يقبل العذرَ مُذنبُ

وقال الواحدي في (شرحه): يقول إن أذنبتُ ذنباً لا ذنب فوقه، فالتوبة من الذنب محوٌ لا محوَ فوقه، يريد قولَ النبي صلى الله عليه وسلم:(التائب من الذنب كم لا ذنب له) ونحوه للعكبري في (شرح ديوان المتنبي).

والحديث خرج مخرج النكرة في سياق الإثبات ولأهل الأصول في عمومه نزاع معروف، والصواب أنه يعم إن كان لمعنى معتبر وهو قول جماعة منهم الأستاذ أبو منصور البغدادي في (أصوله) وهذا الحديث منه، فإنه في معنى الامتنان من الله للتائبين، فمعناه التائب من كل ذنب كما في (شرح التلخيص) للبهاء السبكي، فلا يختص بذنب دون ذنب، خلافاً لأبي حامد الغزالي رحمه الله فإنه أخذ منه في (الإحياء) أن التوبة تصح من ذنب دون ذنب، فإن أراد نفس الذنوب فهو تحكّم ولا دليل على اختصاص ذنب دون آخر بقبول التوبة، إلا ما حكي عن ابن عباس في قاتل العمد أنه لا توبة له والجمهور على خلافه، وقيل إنه رجع عنه، وإن أراد صحة التوبة في نفسها فهو صحيح، لأنه بحسب صدق التائب والخروج من العهدة، والله أعلم.

ولا يستثنى من عموم قبول التوبة إلا من تاب حال معاينة ملك الموت كقول ابن عباس أو تيقَّـنَه كما قاله الجمهور لقوله تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن)ولحديث الغرغرة في (المسند) و(السنن) وحسنه الترمذي وغيره، قال العلماء: والحاصل أنه متى فرض الوصول لحالة لا تـمكن الحياةُ بعدها عادة، لا تصح منه حينئذٍ توبة ولا غيرها.

تنبيه: أخرج الإمام أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعاً أن جبريل عليه السلام قال: (يا محمد لو رأيتني وأنا أدُسُّ الطين في فم جبريل مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بـها) وفي رواية: (مخافة أن يقول: لا إله إلا الله) والصحيح أنه موقوف ووهم من رفعه، وفي متنه إشكال أورده العلامة الفخر في (تفسيره) فإن فرعونوالحال هذه لا يخلو أن يكون التكليف ثابتاً في حقه أو لا،وعلى الأول لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة، ولو منعه بما ذكر لكان يمكنه أن يتوب وينطق بالتوحيد بالندم في قلبه كالأخرس، وأيضاً فلو قُدّر أنه منعه لزم الرضا ببقائه على الكفر، والرضا بالكفر كفر، وهو محال على جبريل عليه السلام، وأيضاً فكيف يليق بالله تعالى أن يرسل إليه الرسل يدعونه للإيمان فلما أراده أرسل إليه من يـمنعه منه؟! لأن الملائكة لا تتنزل إلا بأمر الله، وعلى الثاني وهو أن التكليف كان زائلاً عن فرعون في تلك الحال، فحينئذ لم يبقَ لفعل جبريل هذا فائدة أصلاً.

وهو سؤال قوي متجه، ولأجله ذهب بعض الصوفية والمتكلمين على ما حكاه العلامة عبد الصمد الحنفي في (تفسيره) إلى إيـمان فرعون، واختاره الجامي وصنف فيه مسألة مفردة نقضه عليها الملا علي القاري، فصنف العلامة البرزنجي في الرد على القاري، وقاله الشيخ محيي الدين ابن عربي في (الفصوص) لكنه رجع عنه وصرح في الباب الثاني والستين من (الفتوحات) بكفره وهي من آخر ما صنف، وقد أطلق الشعراني في (اليواقيت) أن نسبة القول بإيـمان فرعون كذب على ابن عربي، كيف وكتاب الله قاض عليه بالنار كما قال (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) وقال (يأخذه عدو لي وعدو له) وقال (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) وغير ذلك.

لكن إشكال الفخر الرازي مدفوع بالتزام ما أورده وهو أن الله سلّط جبريلَ عليه السلام على فرعون ليدُسَّ الطين في فمه، لأن إيـمانه كان إيـمانَ دفع البأس عن نفسه، لا إيـمانَ حقيقةٍ واختيار، وقد علم الله ذلك منه فمنعه من مقالة التوحيد زيادة في تبكيته، والله أعلم.

 

 

فصل

وقع في الحديث زيادة(والـمُستغفرُ من الذنب وهو مُقيمٌ عليه كالـمـُستهزئ بربِّه)وهي زيادة منكرة كأصل الحديث كما تقدم، وبتقدير صحته فهو محمول على الذي يصرّ على الذنب ولا يُحدث توبة له كالمستهتر به،وقد قال العارفون: إن العودَ للذنب بعد التوبة منه، أقبح من سبعين ذنباً حكاه العلامة عِلِّيش، ونظمه العلامة ابنُ الخديم فقال:

العَوْدُ بعد توبةٍ للذنبِ…أقبحُ من سبعينَ ذنباً يُنبي

بذاكَ ذو المرتبةِ السَّنيَّةْ…عِلِّيشُعازياً إلى الصوفيةْ

وقد يُحمل على من يُحدث توبةً من الذنب لكن مع العزم على أن يعود إليه، وهو الإصرار كما قاله القرافي وغيره من العلماء، ونظمه ابنُ الخديم اليعقوبي رحمه الله أيضاً بقوله:

حقيقةُ الإصرارِ فيها قَبْلا…إعادةُ الذنبِ بعزمٍ أو بِلا

وليس إصراراً لدى البعضِ خِلا…تكريرهُ إذا من العَزْمِ خَلا

وعزو ذَيْنِكَ إلى القَرافي…به ابنُ ناجي الحَبْرُ ذو اعترافِ

وقد قيل للحسن: ألا يستحي أحدُنا من ربّه، يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: (ودَّ الشيطانُ لو ظفر منكم بـهذه، فلا تملّوا الاستغفار) وفي رواية قال: (ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين).

وفي (تنبيه الغافلين) لأبي الليث عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أن رجلاً قال له: إني أصبتُ ذنباً؟ فقال له: (تُب إلى الله تعالى ثم لا تعُد) فقال الرجل: فإني قد فعلتُ ثم عُدت؟ قال: (تُب إلى الله تعالى ثم لا تعُد)فقال الرجل: إلى متى؟ قال: (حتى يكون الشيطانُ هو المحسور).

وقد أخرج الطبراني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليهلا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خُلق مُفَتّناً توّاباً نساءً، إذا ذُكِّر ذَكَر)وقال الهيثمي في (المجمع): (رجاله ثقات) وحسّنه الألباني.

وذكر ابن بطال في (شرح البخاري) عن ابن المبارك قال: حقيقة التوبة لها ست علامات:

أولها: الندم على ما مضى.

والثانية: العزم على أن لا تعود.

والثالثة: أن تعمد إلى كل فرض ضيعته فتؤديه.

والرابعة: أن تعمد إلى مظالم العباد، فتؤدّى إلى كل ذى حق حقه. والخامسة: أن تعمد إلى البدن الذى ربيتهُ بالسحت والحرام فتذيبه بالهموم والأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم، ثم تنشىء بينهما لحماً طيباً إن هو نشأ.

والسادسة: أن تذيق البدن ألم الطاعة كما أذقته لذة المعصية.

وقد حكى القاضي أبو بكر بن العربي في (القبس) إجماع العلماء على معنى هذا الحديث في الجملة وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومعناه لشيخ الإسلام ابن تيمية في (الفتاوى).

وهو من كرم الله ومنه وفضله على عباده التائبين فإن الثوب المغسول كالذي لم يتّسخ أصلاً كما قاله الغزالي وابن الجوزي، ويقويه أن الله اصطفى أنبياء له بعد التوبة وهو حجة على الروافض في قولهم بامتناع النبوة على من صدر منه ذنب وإن تاب! وقد قال العارف بالله يحيى بن معاذ رحمه الله: (لولا أن العفوَ من أحبّ الأشياء إليه، ما ابتلى بالذنب أكرمَ الخلق عليه).

فائدة: تنقسم التوبة من الذنوب عند أهل المعرفة إلى ثلاثة أقسام:

أحدها: التوبة: وهي حال من تاب خوفا من العقوبة، وهذه توبة العموم.

ثانيها: الإنابة: وهي توبة الخصوص، وتقال في حق من تاب طمعا في الثواب.

ثالثها: الأوبة: وهي توبة خصوص الخصوص، كحال العارفين من الأولياء الذين تابوا لله لا رغبة في ثواب ولا رهبة من عقاب، مع طمعهم في ثوابه ورهبتهم من عقابه، لكنهم تابوا تعظيماً ومراعاةً لأمر الله بالتوبة، واستحباب الشارع تجديدها في كل وقت مع عدم صدور ذنب منهم، حكاه الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه الله، وقد قيل في قوله تعالى (إنه أواب)أي: رجّاع بالتوبة إلى الله، ونظم العلامة ابن الخديم هذا بقوله:

قد قسّموا توبةَ أهل التوبه…لتوبةٍ إنابةٍ وأوْبَه

الاولُ ممن خافَ من عقوبه…والثانِ مَنْ طَمِعَ في المثوبه

وثالثٌ لا في الثوابِ رَغْبَه…منهُ ولا من العقابِ رَغْبَه

بلْ للمراعاةِللامرِ تابا…ذكره الدَّقاقُ لا مُرْتابا

ومن كرائم الشيم ومحاسن الأخلاق التي يمتدح بـها فاعلها عند العقلاء والحكماء قبول عذر من أخطأ في حقك والتجاوز عنه، فكيف بالله تعالى وهو بكل جميل كفيل! كما قال نفطويه:

اقبل معاذيرَ من يأتيكَ مُعتذرا…إن برَّ عندكَ فيما قال أو فَجَرَا

فقد أطاعكَ من أرضاكَ ظاهرُه…وقد أجَلَّكَ من يعيكَ مُستترا

وعن ابن عباس في قوله تعالى (إن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل) قال: (الرضا بغير عتاب).

ولبعضهم في حديث لا يصح عن الشافعي:

إذا اعتذرَ الـمُسيئُ إليكَ يوماً…تجاوز عن مساويه الكثيرةْ

لأن الشافعيَّ روى حديثاً…….بإسنادٍ عن الحَبْر الـمُغيرةْ

عن الـمُختار أن اللهَ يـمحو…….بعُذرٍ واحدٍ ألفي كبيرةْ

ولبعضهم في هذا المعنى:

قيل لي قد أساءَ إليكَ فلان…ومقامُ الفتى على الذلِّ عارُ

قلتُ قد جاءنا وأحدثَ عُذراً…ديةُ الذنبِ عندنا الاعتذارُ

وقد تقصينا ما قيل في هذا المعنى مبسوطاً في كتاب (أخبار نفطويه).

 

 

فصل

وقع في السؤال الذي ورد على ابن الصلاح: وهل يصير في عقيب التوبة كمن لاذنبَ له، ليحكم القاضي برُشده في تزويج ابنته أو موليته، أم لا بدَّ من إصلاح العمل بعد التوبة إلى مدّة معلومة، وكيف حُكم الله في ذلك.؟

فخرج جوابه عليه بقوله: التائب يُلحق عند بعض أصحابنا بالمستور من غير توقّف على إصلاح العمل في المدَّة المعلومة، ولا بأس بالعمل بـهذا، والمستور يلي التزويج، ولا يُـخَرَّج على الخلاف في الفاسق.

وهذا صحيح جداً لأن مقتضى التوبة أن يكون بعد الذنب كما هو حاله قبله، وإنما ألحقه بالمستور مع أن المقتضى أنه يرجع إلى الأصل وهو العدالة، لأن أهل السنة تنازعوا في توبة غير الكافر من كفره هل هي على القطع أو الظن؟ قولان اختار إمام الحرمين أن قبولها مظنون وصححه النووي، وقد قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله: (التائب من الذنب على يقين، ومن قبول التوبة على خطر، فينبغي أن يكون دائم الحذر).

وقول ابن الصلاح (لا يخرّج الخلاف على الفاسق) أراد اختلاف العلماء في الفاسق الذي ارتكب ما يستوجب الحدّ عليه ثم تاب، فهل تقبل شهادته؟ لأن الله قال (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) فإنه يحتمل عود الاستثناء فيه على جلده وفسقه وردِّ شهادته أبداً.

وكافة العلماء على أن الاستثناء غير عامل في جلده فيقام عليه الحدّ وإن تاب إلا ما روي عن الشعبي أنه قال: (لا حدَّ على من تاب) وهو أحد قولي الشافعيوقطع الشيخ أبو علي البندنيجي أنه المذهب، واستظهره في (الحاوي) وصححه أبو علي بن خيران والحليميوالمحاملي والعمراني والشيخ أبو إسحق لأنه حق خالص لله.

والقول الثاني له كالجمهور أنه حق الآدمي فلا يسقط بالتوبة وصححه النووي كما في (الكفاية) لابن الرفعة وغيره.

وأجمعوا على أن الاستثناء عامل في الفسق، فإن تاب ارتفع عنه وصف الفسق ولأجله أطلق ابن الصلاح عدم اللحاق به في مسألتنا.

وتنازعوا في قبول شهادة المحدود بعد توبته فردّها أبو حنيفة وأصحابه والثوري وهو قول شريح والحسن والنخعيوابن المسيبوابن سيرين ومكحول وعبد الرحمن بن زيد والحسن بن صالح، وقبلها جمهور العلماء لأن العلة في ردّ شهادته الفسق وقد زال بالتوبة فوجب قبول شهادته مطلقاً قبل الحدّ وبعده.

وهل يفتقر قبول توبته بحيث تصح ولايته على صلاح عمله؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي حكاهما الشيخ أبو نصر بن الصباغ وغيره، أحدهما لا يفتقر وأفتى به ابن الصلاح كما تقدم وأطلق أنه لا بأس بالعمل به.

وإنما قال ذلك لأن الوجه الثاني أظهر عند الأصحاب وهو أنه يفتقر لأنه ظاهر القران فإن الله قال (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وهذا نص وقد قدر الشافعية مدة ظهور صلاحه بسنة،لأنه لا تظهر صحة التوبة في مدة قريبة فكانت أولى الـمُدَد بالتقدير سنة، لأنه تمرُّ فيها الفصول الأربعة التي تـهيج فيها الطبائع وتتغير فيها الأحوال.

وهذا منهم على جهة الاستحسان والاحتياط وإلا فمن الناس من يستقيم ويظهر صلاح توبته في أقل من هذه المدة، والتحقيق أن صلاحه ليس بشرط لمباشرته الولاية والشهادة لما علل به ابن الصلاح من أنه كالمستور، ولأن ههنا جهتان للتوبة: التوبة في الظاهر وهي كافية في إزالة وصف الفسق عنه وبالتالي قبول شهادته وولايته، والثانية التوبة باطناً وهي فيما بينه وبين الله ومن شأنـها الإكثار من عمل الصالحات لأنه أدعى لقبولها منه، كما قال تعالى (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) وقال (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) فعلم أن العمل الصالح لقبول التوبة باطناً فيما بينه وبين الله، وليس شرطاً للتوبة الظاهرة التي يكفي فيها التوبة باللسان والتبرر من الحقوق كي يرتفع عنه اسم الفسق وتعود له مروءته.

والشارع إنما علق الأحكام بالظاهرة وتعبد المكلفين بـها، ولهذا قال عمر لأبي بكر حين جلده بقذف المغيرة: (تُب أقبل شهادتك)وهو الصحيح وقد نقلالروياني في (البحر) عن بعض الخراسانيين أنه نص الشافعي، وهو أصح لما تقدم أن عمر قبل شهادة القاذف وقال الشافعي: بلغني عن ابن عباس أنه كان يُجيز شهادة القاذف إذا تاب، ولا مخالف لهما في الصحابة، ولذا أكر الشعبي على من ردّ شهادته بقوله: (يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته).!

ومن هنا زيّف الإمام في (النهاية) مقالة القاضي الحسينأن من تاب من الزنا فلا حدّ على قاذفه، فقال: (هذه دعوى عريضة وما أراها تسلم على الخلاف، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتوبة تمحو الذنب وتردّ العدالة، وما يخرم المروءة إذا تُرك عادت المروءة وانجبر ما كان فيها من خرم، وإذا كنا فسّقنا الرجل لزناه ثم لـمّا تاب استبرأناهقبلنا شهادته وعدّلناه، فهذا عود إلى الاعتدال والكمال، وما العِرض إلا نباهة تسمى الجاه، ولا شك أن من يُخرم جاهُه فقد يعود إلى ما كان عليه).

ويستثني التائب من بدعة فإنه لا يُكلّم سنة نص عليه أحمد في رواية المروذي لأن عمر لما ضرب صبيغ بن عسل أمر بـهجرانه حتى بلغته توبته فأمر أن لا يُكلّم إلا بعد سنة) ذكره أحمد.

وفي قوله (كمن لا ذنب له) دليل على أن المرأة الزانية لا يحل  نكاحها إلا بعد توبتها من الزنا، فإن تابت حل نكاحها بعد انقضاء عدتـها، لأن مقتضى الحديث زوال وصف الزنا عنها بالتوبة، وهو قول أحمد وإسحق وأبي عبيد، والجمهور لم يشترطوا توبتها منه.

وتنازعوا في المحارب إذا تاب هل تُسقط توبتُه الحدَّ عنه؟ وهو قول أحمد ووجه للشافعي لحديث (التائب من الذنب) لأن مقتضاه ارتفاع الذنب بالتوبة، ومن لا ذنب عليه فلا حدّ عليه، والجمهور بخلافه.

والتحقيق أن عليه الحد وإن تاب لأنه عليه الصلاة والسلام رجم الغامدية وقال: (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم).

وفي ظاهر هذا الخبر أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له متعلَّق لمن ذهب إلى عدم قضاء الصلوات الفائتة في حق من تاب من تركها، وهو مذهب الإمام الحافظ أبي محمد بن حزم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، والجمهور على خلافه لحديث (فدَيْنُ الله أحقُّ بالقضاء) والله أعلم.

تنبيه: ذكر ابن خضر الشقيري في (المبتدعات) وتبعه الألباني في (الأجوبة) أن مواظبة الخطباء على ذكر حديث (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) آخر خطبة الجمعة بدعة.

وفيه نظر على إطلاقه فإنـهمإن ذكروه على الجزم أنه من كلامه عليه الصلاة والسلام فهو كذلك إن لم يقع منهم التنبيه على ضعفه، وإن قصدوا ذكره على سبيل الموعظة وترغيب الناس في التوبة، فهو حسن ولا يوصف بالبدعة والحال هذهلأنه كسائر الكلام المشتمل على موعظة حسنة، وما زال الخطباء في كل عصر ومصر يداومون على إيراد ما يستحسن ويستملح مواعظ الواعظين والعارفين دون نكير من العلماء، فذكر هذا الحديث ونظائره مما هو من كلام السلف أولى.

فائدة: قال العلماء: يُستحب على الراجح تجديد التوبة من الذنب الذي تاب منه إذا ذكره ومرَّ على خاطره، وإن فرح به أو افتخر بفعله وجب عليه التوبة منه ولا بد، وقال ابن الخديم رحمه الله:

تجديدُ توبةٍ لذِكْرِ الذَّنبِ…مُختَلفٌ في حَتْمهِ والنَّدْبِ

إلا إذا ذاكِرُهُ بهِ فَرِحْ…..فحَتْمُ توبةٍ هناكَ مُتَّضِحْ

واعلم أن الذنوب الصغائر تنقلب إلى كبائر بأشياء: الإصرار، والفرح بـفعلها، واحتقارها، والتحَدُّث بـها على جهة الافتخار، والمجاهرة بفعلها من غير حياء، وحكى ابن حمدون: وصدروها ممن يُقتدى به كأهل العلم، وقد جمعها ابن الخديم بقوله:

صغيرةٌ تكبرُ بالإصرارِ…وفَرَحٍ بـها والاستصغارِ

وبالتَحَدُّثِ بـها افتخارا…وفِعلِها بلا حَيا جِهارا

وبصدورها من الَّذْ يُقتدى…بهِ وذاك في ابنِ حمدونَ بدا

لطيفة: ذكر الحافظ أبو عبد الله الذهبي في (الميزان) الحافظَ عليَّ بنَ أحمد النعيمي أبا الحسن الشاعر في جملة من رُمِيَ بوضع الحديث ثم قال: (قد بدتْ منه هفوةٌ في صباه، واتُّـهِمَ بوضع الحديث، ثم تاب إلى الله واستمرّ على الثقة).

فاستدرك عليه البرهان ابن العجمي في (الكشف) بقوله: (وينبغي أن لا يُذكر مع هؤلاء، لأن التائبَ من الذنب كمن لا ذنبَ له).

وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: كتبتُ عنه فكان حافظاً ورعاً عارفاً متكلماً، روى عن أبي أحمد السكري ومحمد بن أحمد بن حماد الكوفي وعلي بن عمر السكريوغيرهم روى عنه البرقاني وجماعة قال الأزهري: وضع النعيميُّ علىابنِ المظفر حديثاً لشعبة فتنبّه أصحابُ الحديث له، فخرج عن بغداد بـهذا السبب وغاب حتى مات المظفرُ ومن عرف القصة ثم عاد إلى بغداد، وقال الصوري: لم أرَ ببغداد أكمل من النعيمي قد جمع معرفة الحديث والكلام والأدب والفقه على مذهب الشافعي، قال الخطيب: وكان البرقانيُّ يقول: هو كاملٌ في كل شيء لولا بأوفيه، قال: وكان شديدَ العصبية في السنة، وكان يعرف من كل علم شيئاً، قال البرقاني: ورأيتُه في النوم بعد موته في هيئة جميلة وحالة صالحة، مات في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وأربع مائة، قال الصوري: أنشدنا النعيميُّ لنفسه:

إذا اظمأتْكَ أكُفُّ اللئام…كفَتْكَ القناعةُ شِبعاً ورِيّا

فكُنْ رَجُلاً رِجْلُهُ في الثرى…وهامَةُ هِمَّتِهِ في الثُّريّا

فإنَّإراقَهَ ماءِ الحياة ….. دونَ إراقَةِ ماءِ المُحَيّا

والله أعلم، وصلى الله على نبيينا محمد وآله وسلم.

كتبه

أبو جعفر بلال فيصل البحر الكيلاني البغدادي

بالقاهرة / الأول من محرم الحرام سنة 1438

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.