المصلح المنسي… الشَّيخ عبد الباقي الجوبر المسعدي 1923-2015م -أ.الأخضر عالب -الجزائر-
المصلح المنسي…الشَّيخ عبد الباقي الجوبر المسعدي1923-2015م
الأستاذ: الأخضر بن أحمد عالب، باحث في التاريخ المعاصر، ولاية مسعد
تهدف هذه الدراسة البيوغرافية إلى التعريف بأحد أعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمِنْطَقة مسعد والجلفة والبليدة، وهو الشَّيخ عبد الباقي الجوبر الذي تبنى الإصلاح الديني والاجتماعي، فبعد تخرّجه من جامع الزيتونة اختارته جمعية العلماء ضمن مشروعها التعليمي والإصلاحي الوطني الهادف إلى التربية والتعليم والإصلاح والإرشاد والتوجيه، والعودة إلى الإسلام الحق (الكتاب والسُّنة النَّبويَّة وهدي السلف الصالح)، وإحياء مجد اللُّغة العربيَّة في الجزائر، ونشر الوعي الديني والتحرري، وتهيئة جيل للكفاح المسلّح، فقد جاهد الشَّيخ عبد الباقي الاحتلال الفرنسي بفكره وقلمه ولسانه، وبعد نيل السيادة الوطنية واصل رسالة التّربية والتّعليم والتّفتيش، إنه الأديب والشَّيخ عبد الباقي الحاج بن يحي الجوبر المسعدي رحمة الله عليه.
1/- مولده ونسبه:
هو الشَّيخ المصلح، والأستاذ المربِّي الحاج بن يحي بن الجوبر، لقب عائلته حاليا (عبد الباقي)، المسعدي أصلا ومنشأً،من عرش أولاد بن جدو، قبيلة أولاد أم الإخوة وهي إحدى بطون قبيلة أولاد نائل العربية، وُلِدَ سنة 1923م في بلدة مسعد.
2/- دراسته وشيوخه بمسعد:
حفظ الشَّيخ عبد الباقي الجوبر القرآن الكريم في سنّ مبكّرة على يد عمه الشَّيخ أحمد في بادية مسعد، ثم انتقل إلى مدينة مسعد وأتم حفظ القرآن الكريم على يد الشَّيخ أحمد بن عطية، وهذا الأخير قدّمه لصلاة التراويح إكرامًا له بعد حفظ القرآن الكريم وحمد الله على ما أنعم عليه من توفيق، وقعد بعد ذلك في حلقات الدُّروس التي كان يُنجزها الفقيه المصلح الشَّيخ عبد القادر بن إبراهيم المسعدي، فتعلّم عنه المبادئ الأولية في النحو والفقه والعقائد.
3/- رحلته إلى الجامع الأعظم الزيتونة بتونس:
وفي سنة 1938م هاجر في طلب العِلْم إلى تونس والتحق بالجامع الأعظم، ورقم دفتره 20410 وأقام في وكالة التمارين باب سعدون بتونس، انكب الشَّيخ على الدراسة والتّحصيل بجدّ واجتهاد ومواظبة، نال شهادة الأهلية دورة جوان 1942م، وسجل بالسنة الأولى ثانوي للسنة الدراسية 1942-1943م، ثم نال شهادة التّحصيل في العلوم سنة 1946م، ولم يكن يطمح في استمرار أكثر من التّحصيل الذي أحرز عليه، وأبناء أمته في الجزائر تنتظر أولية للعمل معهم.
عاد إلى الجزائر وإلى بلدته مسعد،حيث بدأ مرحلة التَّدريس في إحدى مساجدها، تعرَّض للتضيق بسبب نشاطه السياسي بمسعد.
4/- التَّدريس بمدارس جمعية العلماء:
تأثر الشَّيخ الحاج بن يحي بالفكر الإصلاحي الذي قادته جمعية العلماء، كما تأثربشيخه الإصلاحي الكبير عبد القادر المسعدي، وبعد عودته بأعلى شهادة علمية من الزيتونة، انضم إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأسهم في نشر الدعوة الإصلاحية عبر مدارسها الحرة، فكان له الدور البارز في تنشيط التعليم العربي وإحياء اللُّغة العربيَّة ونشر تعاليم الإسلام وتدريس تاريخ الأمة الجزائرية، وكذا نشر الوعي والحسّ الوطني، ومن أجل بناء الشَّخصية الوطنيَّة الجزائرية القائمة على العروبة والإسلام.
كانت جمعية العلماء تحرص على تعيين خريجي المعاهد الإسلامية في مدارس التعليم العربي الحر، وقد وضع الشَّيخ المسعدي نفسه تحت تصرف جمعية العلماء التي عينته أولا في مدرسة إحياء العلوم بالعلمة، ثم عُيّن بمدرسة البليدة رفقة ثلة منالشيوخ: محمَّد الغسيري أولا، وأبو بكر الأغواطي ثانيا، والمترجم له ثالثا، وعمر بن حسن بن سليمان رابعا، والطيب زعموشة خامسا، وكان ذلك في 13 أكتوبر1947م، ثم نقل بعدها إلى مدرسة الإرشاد بالبليدة معلّما وحين انصرف مديرها الشَّيخ أبو بكر حاج عيسى تولى إدارتها.
وفي سنة 1948م انتقل إلى مدرسة الخلدونية ببوفاريك تحت إدارة الشَّيخ علي بن سعد رفقة الشَّيخ عمر بن تمام الاصنامي،ليواصلالتدريس بمدرسة بوفاريك برفقة المدير علي بن سعد ومحمَّد بن عمر بوجمعة إلى غاية 1952م،كما تولى إقامة دروس الوعظ والإرشاد خلال شهر رمضان 1373ه/1954م ورمضان 1374هــ/1955م، مع العِلم أنَّه عُيّن مديرًا فنيا لها واستمر في عمله هذا إلى سنة 1956م، وهي السنة التي تمّ فيها إغلاق المدرسة من طرف سلطات الاحتلال الفرنسي إثر التحاق معظم معلّميها وبعض تلاميذها والقائمين بشأنها بجيش التحرير الوطني وجبهة التحرير الوطني.
أشاد الشَّيخ أحمد بوزيد قصيبة عبر صفحات جريدة البصائر بمدرسة الخلدونية التي تنشر اللِّسان العربي والدين الإسلامي لفلذات أكباد الفلاحين، كما أشاد بجهود مدير المدرسة الشَّيخ علي بن سعد بمساعدة المعلِّمين الفاضلين الشَّيخ عبد الباقي الحاج الجوبر والشَّيخ محمَّد بن بوجمعة.
5/- دور الشَّيخ عبد الباقي في نشأة مدرسة تهذيب البنات بالبليدة:
عاد الشَّيخ عبد الباقي الجوبر إلى البليدة وانضم إلى مدرسة تهذيب البنات التي فتحتها زوجته السيدة موصلي، وعمل بجانبها إلى سنة 1957م، حيث أغلقت جميع مدارس مدينة البليدة من قبل السلطات الفرنسية، وقد أغلقت كلها وتوقف نشاطها إلا مدرسة تهذيب البنات فقد بقيت تمارس نشاطها سرا إلى سنة 1960م، حيث أذِن لهذه المدارس المغلقة إداريا أن تفتح أبوابها ما عدا مدرسة الهداية ببوعرفة التي استولت عليها الإدارة الفرنسية وحولتها مدرسة فرنسية انتقاما للتي أحرقها الثوار، أمَّا باقي المدارس فقد استأنفت نشاطها كالعادة إلى غاية الاستقلال.
شارك الشَّيخ عبد الباقي الجوبر في النهضة الإصلاحية الجزائرية، فكان له حضور بارز في الحركة الإصلاحية في مِنْطَقة البليدة وضواحيها ومسعد بدرجة أقل، وبذل الشَّيخ جهودا مضنية في سبيل بعث اللُّغة العربيَّة والإسلام من منابعه الصافية، وإعادة الأمة إلى هويتها وانتمائها، ويُعدُّ الشَّيخ عبد الباقي الحاج بن يجي الجوبر أحد أبناء مِنْطَقة مسعد الذين أسهموا في نشر الفكر الإصلاحي والسياسي الذي قادته جمعية العلماء، وتوثَّقت علاقة الشَّيخ المسعدي بأعلام الإصلاح بالمِنْطَقة، وبالرجل الثاني في ميدان الإصلاح العلّامة الشَّيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي التقى به بالبليدة بمناسبة حفل زواج أحد أعيان الإصلاح بالبليدة، ومثال ذلك ما دوَّنته البصائر، ومما جاء: (علي مصطفى قارة أحد أعيان البليدة وتجارها، مصلح قديم اشتهر بالغيرة والثبات وهو عضو ناشط في شعبة جمعية العلماء يسعى في نشر مبادئ جمعية العلماء بكل قوة وإخلاص، وزيادة على ذلك فهو إنسان وفي، فقد ربى الشاب عبد القادر منذ صغره وجعله أحد أولاده وها هو لما كبر زوجه ابنته واستدعى لحفلة الزفاف مساء الأحد الماضي رئيس جمعية العلماء الأستاذ الشَّيخ محمَّد البشير الإبراهيمي وكاتب المركز الشَّيخ أحمد بوزيد قصيبة والشَّيخ فرحات الدراجي والشَّيخ علي الشرفي والشَّيخ عبد الباقي الجوبر، فكانت حفلة رائعة ودرة جبين الإصلاح تعزز به جانبه واستمتع السامعون بنصائح الرئيس الجليل الذي أوجز الكلام ثم انصرف متعذرا كما تكلم كل من المشايخ المذكورين فأجادوا وأفادوا، وقد كان البستان المخصص للحفلة مكتظا بوجوه وأعيان البلدة من شبان وكهول وشيب، تخلل أشجاره الأنوار الكهربائية المختلفة الألوان وقد امتدت الحفلة البهيجة إلى ساعة متأخرة من الليل، وأسرة البصائر تكرر التهنئة للسيد علي مصطفى قارة وتفرح لفرحه كما تسأل الله السعادة والتوفيق للزوجين النسابين والنسل الزكي الصالح).
ومن مشايخ الإصلاح الذين تربطهم علاقة وطيدة بالشَّيخ المسعدي، نذكر منهم الشَّيخ أحمد بوزيد قصيبة الكاتب المركزي لجمعية العلماء، وممثل جمعية العلماء بالبليدة أستاذ الوعظ والإرشاد الشَّيخ علي شرفي، والشَّيخ فرحات بن الدراجي، والشَّيخ علي بن سعد مدير مدرسة بوفاريك، والشَّيخ عمر تمام، والشَّيخ محمَّد بن بوجمعة، والشَّيخ حسين قوائمية، ونخبة من أعيان البليدة وأدبائها وشبابها، وكتب الشَّيخ المسعدي تعزية لزميله الشَّيخ عمر تمام، والذي وصفه بأنَّه أحد أركان الحركة الإصلاحية، ونُشرت هذه التعزية بجريدة البصائر في 14 مارس 1949م وجاء فيها: (فجع صديقنا الشَّيخ عمر تمام أحد أركان الحركة الإصلاحية والمعلِّم بمدرسة بوفاريك في نجله الذي لم تمهله المنية أن يفتح عينيه على النور، فعزاء وسلوى لصديقنا وآله).
6/- نشاطه الصحفي والإعلامي:
لم يكتف الشَّيخ الحاج بن يحيعبد الباقي بالتربية والتعليم والوعظ والإرشاد ونشر الإصلاح، بل أسهم في صحافة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد جمعنا كل مقالاته المنشورة، حيث رصع اسمه كاتبًا في جريدة البصائر الغرّاء، تناول في مقالاته مجالات التَّربية والتَّعليم والأدب العربي، كما كتب عن شخصيات إصلاحية تاريخية مشهورة على المستوى الوطني كالشَّيخ المصلح فرحات الدراجي ورثاه بكلمة عند وفاته وتحسّر لعدم حضوره جنازته ومما قال فيه: ( روح فرحات المعلم الفنان، وإلى روح فرحات الخطيب المصقع، وإلى روح فرحات الأديب النابه الذي لا زالت أثر مقالاته في التوجيه الإصلاحي نبراسا مضيئا، وإلى روح فرحات الذي شارك في أحكام بناء صرح جمعية العلماء وإلى روح فرحات المرحة المنكتة، أهدي هذي العبرات وهي بعض الوفاء، وليسمح لي وهو العزيز عليّ إن أنا أبنته بكلمات فسيأتي يوم نكشف فيه عن أخذ العبرة من سيرته.
فسلام عليك يا فرحات يوم ولدت تحت سماء صحراء النخيل الصافية التي صقلت ذهنك وخلقت منك تلك الشخصية القلقة، ويوم طواك اللحد وضمك القبر تحت أشجار الصنوبر والزيتون تصافحك يد نسيم جبل البليدة الأشم ويوم تبعث مع إخوانك الصالحين المصلحين وصبرا لآلك وزملائك من الأدباء والعلماء).
7/- نشاط الشَّيخ عبد الباقيبعد نيل السيادة الوطنية:
وبعد نيل السيادة الوطنية، باشر الشَّيخ عبد الباقي أول عمل له في تربص سريع ضمن مجموعة من الأساتذة والمعلّمين اختارتهم مدرسة التهذيب العربية لتأطير هذا التربص الذي يدوم شهرا كاملا ابتداء من 2 أكتوبر إلى 02 نوفمبر1962م في دار المعلّمين ببوزريعة.
وفي أول جانفي 1963م عُيِّن أستاذًا في ثانوية ابن رشد بالبليدة واستمر فيها إلى سنة 1982م، ثم عُيِّن مفتّشا عاما للتّربيّة والتّكوين في التَّعليم الثانوي في ولايتي البليدة وتيبازة، ثم توسعت منطقته لتشمل تيارت، غليزان، الشلف، عين الدفلى، ثم أنهى عمله بإحالته إلى التقاعد سنة 1987م.
8/- شهادة الأستاذ محمَّد الحسن فضلاء:
ترك الشَّيخ عبد الباقي الجوبر المسعدي الأثر الطيب والذكرى المشرقة في مدينة البليدة وما جاورها سواء في الفترة الاحتلالية أو في عهد السيادة الوطنية وهذا بشهادة من زامله وعاشره عن قُرب، حيث يقول فيه الشَّيخ والأستاذ محمَّد الحسن فضلاء:( والشَّيخ عبد الباقي أديب وظريف من رجال الإصلاح الديني والاجتماعي، ومن معلّمي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كوّن أجيال متعاقبة من البنين والبنات وأفواجًا من المعلّمين والمعلّمات يحفظون له جميل الذكر).
9/- وفـــــاته:
توفي الشَّيخ الحاج بن يحي عبد الباقي رحمه الله في 19 جانفي 2015م، عن عمر يناهز 92 عام في مدينة البليدة ودُفِن بمقبرة الشهداء هناك.
وفي الختام، يمكننا القول بأن الشَّيخ الحاج بن يحي عبد الباقي الجوبر المسعدي أحد أركان الحركة الإصلاحية في الجزائر عموما والجنوب خصوصا، وأحد طلبة مسعد الزيتونيين الذين استعانت بهم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في بسط مشروعها التَّعليميوالإصلاحي في مِنْطَقة البليدة وبوفاريك وغيرها، وقد ترك الأثر الطيب أينما حلّ وارتحل، وهذا باعتراف كبار أعلام الإصلاح وما شهدت به كتاباته على صفحات جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
المقال مستل من كتاب:
الأخضر عالب، الحركة الإصلاحية في ربوع أولاد نائل مِنْطَقة مسعد أنموذجا 1928-1956م، دار خيال للنشر والترجمة، برج بوعريريج، الجزائر، ط1، 2022م.