حصريا

ملامح التنشئة الأسرية في السنة النبوية

0 23

 ملامح التنشئة الأسرية في السنّة النّبويّة

أ/سميرة بن حمودة

باحثة دكتورالية -جامعة باتنة-

تخصص: القرآن والسنة والفكر الإنساني

حضَّ الإسلام إلى المبادرة لتكوين وتنشئة أسرةسليمة؛كونها اللّبنة الأساسيّةلبناء المجتمعاتوالحضاراتلأنّالمجتمع السّليم الذي تناط به التّكاليف الحياتيّة ينشئ جيلاًمتماسكًا، يقود الأمّة لمصاف عالية بأحكام الشّرع.والنّاظر في نصوص القرآن الكريم والسّنة النّبويّة، يتبيّنلهالسّبيل الواجب اتّباعها لبناء أسرة سليمة، أصلها الارتباط برباطإلهي وهو رباط الزّوجية.

فالأسرة مجموعة أفراد يشكّلون الوحدة المتقاربة برباط الزّوجية،وتُعدأهم مؤسّسة تقوم بواجب إعمار الأرض، وتقدّم خدمات لإحداث تنشئة سوّية تتّكفل برعاية الأفراد ضمن منظومة الآباء والأبناء، وذلك عن طريق نقل القيم والمبادئ والثّقافة من جيل لآخر وإكساب الطّفل تربية تتّضمن التّفكير السّليم والمعرفة الضَّرورية، ممّا يُسهم في توفير القدوة الحسنة وتهيئة الأفراد لتحمّل المسؤولية عبر الإرشاد الأخلاقي والعناية الصّحية، الثّقافية، الرّوحية الاقتصادية…،فيكون بذلك الهدف من التّربية الأسريّة هو النّمو المتكامل المرتبط بروح وتعاليم الشّرع الحنيف والقدوة الحسنة الدّالة عليها السّنة النّبوية المشرفة.

إلاَّأنّالأسرةالمسلمةمُنيتبكثيرمن الأسقامعلىكافّةالأصعدة؛أدّتإلىتحوّلاتعكسيّة أظهرتفيالواقعالمعيشالكثير من المشكلاتكالتفكّكالأسري،عقوقالآباء،والعزوفعنالزّواجوالطّلاقوغيرها، ولعلّ أهمّ أسباب هذا التفكّك والانحلال هو البعد عن المنهج الإسلامي عموما في التّصور الجمعي للأسر المسلمة، وضعف العامل التّربوي المؤسسّ على الأخلاق والقيم الدّينية واستبدالها بقيم مادّيةصرفة؛ ممّا أدّى إلى بعدها عن خصائصها وواجبتها؛ فأدّى ذلك إلى ضعف ترابط أفرادها وسوء تنشئة أبناءها؛ لذا وجب الرّجوع للمنهج النّبوي والتأسّي بقيمه، وتمثل قدوته صلى الله عليه وسلم في التَّنشئة وإعطاء حلول للمشاكل التّي تعترضها.

والناظر في نصوص السّنّة النّبوية يجدها اهتمت بالأسرة عموما ومن جانبين خصوصا؛ جانب الآباء وجانب الأبناء،وإن كان الغالب عند إطلاق مصطلح التّنشئة الأسريّة أن تنصرف لتنشئة الأبناء،وترشيد سلوكهم وأخلاقهم وتقويمها، فالجانب الأبوي يعود إلى وجود الأسرة المسلمة في حدّ ذاتها، وتأسيسه على مقوّمات العلاقة الزّوجية النّاجحة بدءًا من الزّواج الذي إن عدم سقطت الأسرة بكافّة أطرافها، وذلك بما يقوم به كل طرف بمسؤولياته المنوطة به شرعا، وهو ما جاء بيِّنا في سنَّته صلى الله عليه وسلم بدءا بأسرته أوّلًا؛ إذ تعتبر الأسرة النّبويّة نموذجا وقدوة في التّنشئة،وفي مواجهة كل النّوازل، فقد كان عدلابينزوجاته،ويحسنمعاملتهنويتبسطمعهنّويرفقفيالتعاملمعهن،ويفيبحقوقهن،وقد جاء عنهصلىاللهعليهوسلم “خيَركمخيركُملأهله،وأناخَيركُملأَهلي”[1]، وأخلاقياتالتعاملالنّبويفيتربيةالأولادللوصولبهمإلىبرالأمان،بالتواصلوالتراحموالنصيحة بينهم لإنشاء جيل متكامل وسليم.

فالوصول للمَوَّدة والرحمةالمنشودة شرعا، لتكوندروسًاحياتيةلأمتهفيكيفيةالصبروامتصاصالصدماتمنأجلحفظالبيتالمسلموالعبوربهإلىبرالأمان؛كحادثة الإفك،وقضيةتحريمالتبنيفيالإسلام،ومسألة الطلاقوأثرهعلىالأسرةوكيفيةتجنبه، والسعي لإحلالالوئاممحلالخصام،وكيفيةتعاملالنبي -صلىاللهعليهوسلم- معتلكالعوارضفيالحياةالأسرية.

أمَّا الجانب الثّاني فهو تنشئة الأبناء؛ فالتربية في الإسلام لا تقتصر على مرحلة معينة إلا أن مرحلة الطفولة من أهم المراحل وأخطرها وهي أساس المراحل الباقية، والمقصود منها هو تكوينشخصيةالأولاد وتنميتهامنجميعجوانبهاوإحكـامبنائهـاإلى حدالكمال،عنطريقاستخدامالأساليبالتربويةالمناسبةلكلمرحلةمنمراحلعمـرهم،مماييسرلهمحسنالتعاملمعالآخرينفيالمجتمعالذييعيشونفيه، فالأبوانمسـئولانعـن تربية أبناءهم ورعايتهم قالصلىاللهعليهوسلم:”كلكمراعوكلكممسؤولعـنرعيته …والرجلراعفيأهله…والمرأةراعيةفيبيتزوجهاومسؤولةعنرعيتها “[2]؛ليسمنالجانبالماديفحسبولكنرعايةروحيةونفسيةأيضا.

فالمنهجالنبويوضحأساليبالتعاملمعالأولاد،تأديباوتهذيبا،مراوحا في ذلك بينالزجروالترغيب،وبما يناسبمختلفالأطوارالعمرية،وقد بدأصلىاللهعليهوسلمبابنتهفاطمة رضي الله عنها وهي طفلة[3]: «يافاطمةأنقذينفسكمنالنار،فإنيلاأملكلكمناللهشيئا»[4]،بخطابعقدي كبير حتى ينشأ الطفل على امتثال أمره عز وجل، فالسنة النبوية تحوي كثيرا من الأحاديثيمكنالاستفادةمنـهافيإرساءأصول وأسس لرعاية الأبناءوتربيتهموتوجيههم، ومن ذلكتأكيد حقهمفيالاستمتاعومنه حديث السيدة عائشة رضي الله عنها:”سابقنيالنبيفسـبقته،فلبثناحتىإذارهقنياللحمسابقنيفسبقنيفقالهذهبتيك”[5]، فالنبي صلى الله عليه وسلم راعى حاجةالطفلللترويح وعدم مخالفة الفطرة؛ ومنها مساعدةًللطفلعلىاكتسابثقتهفينفسه،لتكوينالشخصيةٍالقائدة،ومنه أخذهصلىاللهعليهوسلمبأذنزيدبنالأرقم،وهوصغير، مؤيدالموقفه وتصديقاله،فيمقابلموقفالمنافقين « أبشرْفقدصدقاللهحديثك»،فأثرقوله عليه السلام فيهوزادوتقديرهلذاته،قالزيدبنالأرقم: «فماكانيسرنيأنليبهاالخلدَفيالدنيا»[6].

هذهوغيرُهانماذجُموجودة في السنة النبوية وأصولها للوالدين أولا؛ فإن عدمت أو اختلّت انجرَّت عنها انحرافات عقديّة، أخلاقيّة وسلوكيّة، ولا بد لتحقيقها الرّجوع إلى الأصل وهو الشرّع، فسنّته صلى الله عليه وسلم أقولاً وأفعالاًهي الموجّه لبناءأسرة تنهض بأعباء أمتها، حيثأنعاملالتربيةالأسريةهوالعاملالحاسمفيتربيةالنشءالمسلم،فعنالنبي -صلىاللهعليهوسلم-: “مامنمولودإلايولدعلىالفطرة،فأبواهيُهَوِّدانهأويُنَصِّرانهأويُمَجِّسانه”[7]

فنجد في سنته -صلىاللهعليهوسلم- صورًامنتعاملهمعأولادهوأحفادهوتوليهمبالنصحوالإرشادوتوجيههمإلىالصحيحفيأفعالهموسلوكهمبمايتناسبمعقدربيتالنبوة[8]، فكانت نماذجمنعلاقةالأبناءبالآباءكما أن الوصاياالنبويةفيبرالوالدينوطاعتهما،واحترامالمسنين،كمابينتخطرعقوقالوالدين،وأنهمنالكبائرالمفضيةبصاحبهاإلىالنار،وأنعلىالأهلتعهدالأبناءبالتربيةالسليمة؛حتىتتحققثمرةتربيتهماأولادهمافيالصغربطاعةالأبناءلهماوتعهدهمابالرعايةفيالكبر، وتطعيمها بمختلف القيمكقيمةالتَّضامن،وتقديرالذات، واحترامالكبار.. ومنه حديث أنسبنمالكأنه عليهالصلاةالسلام” إذا مرعلىغلمانفسلم”[9]، فالتربية بالقدوة الحسنة من أهم أساليب التنشئة للصغار لأنهم جبلوا على التقليد في هذه المرحلة العمرية، ومنه أيضا احترام حقوق الآخرين في قوله عليه السلام:”أنَّرَسولَاللَّهِصَلَّىاللهُعليهوسلَّمَأُتِيَبشَرَابٍفَشَرِبَمنه،وعَنْيَمِينِهِغُلَامٌ،وعَنْيَسَارِهِالأشْيَاخُ،فَقَالَلِلْغُلَامِ: أتَأْذَنُليأنْأُعْطِيَهَؤُلَاءِ؟فَقَالَالغُلَامُ: واللَّهِيارَسولَاللَّهِ،لاأُوثِرُبنَصِيبِيمِنْكَأحَدًا،قَالَ: فَتَلَّهُرَسولُاللَّهِصَلَّىاللهُعليهوسلَّمَفييَدِهِ”[10]، فالعبرة منه التواضعللصغاربالجلوسمعهمواستئذانهمفيحقوقهم،كما فيه تعليمهم لمراعاةمشاعرالآخرين،وتطييبلخواطرهموإكرامهم، ومنه تربيتهمعلىالبذلوالإنفاقفيسبيلالله،وحثهمعلىمخالطةالناسوالتفاعلمعهمتعويدهمعلىالتعاونمعالآخرين، والحوارالهادئالتوجيهإلىالاقتداءبالصالحين.

وإن الذي نؤكد عليهأنهبالإمكانالاستفادةمنالطريقةالنبويةفيإيجادحلولمناسبةلماتعانيهالأسرة المسلمة المعاصرة منمشكلاتتعاملية،بإيضاحمنهجالنبيصلىاللهعليهوسلموأساليبهالمباركةفيالتعاملالأسري،مع ربطهابالواقع المعيش،وبيان أنالشرع الحنيف صالح لكل زمان ومكان، مع التأكيد على ضرورةالتواصل بين أفراد الأسرة، وكذا الوعظوالإرشادمطلوبانمعالودوالتفاهم،بدلاًمنأسلوبالتعنيف والتوبيخ في حال ارتكاب الأخطاء.فالسنةالنبويةقدحوتكافةأساليبالتربيةوالتنشئة،مماسلفذكرهكنماذجفقط،فالموضوعيطولوالمقاملايسعلبسطه،ولكنإطلالةتحثعلىالرجوعإلىحصنالشرعالحنيفالذيلايتغيرولايتبدل.

 

[1]– من حديث عائشة رضي الله عنها، أخرجه: ابن حبان في صحيحه(4177)،و الترمذي في سننه (3895) واللفظ له، والدارمي في سننه (2260)، وابن أبي الدنيا في مداراة الناس (154).

[2] – من حديث عبدالله بن عمر، أخرجه: البخاري، صحيح البخاري ، (2409 ).

[3]-لقول ربه تعالى «وأنذر عشيرتك الأقربين»، في السنة الثالثة بعد نزول الوحي، فكان عمر رسول الله يومها ثلاثا وأربعين، وقد وُلدت فاطمة عام بناء الكعبة، وعمرُه صلى الله عليه وسلم آنذاك خمسٌ وثلاثون، فعُلِمَ أنها يومَ خاطبها بقوله: «يا فاطمة أنقذي نفسك» كانت ذاتَ ثماني سنوات. ينظر: برحاب كلية الآداب والعلوم الانسانية جامعة القاضي عياض بمراكش أطروحة دكتوراه بعنوان: الأساليب النبوية وعلاج قضايا الأسرة في ضوء بعض مصادر  السيرة النبوية، إعداد: سعيد شرفي، إشراف: أ/د  المنصف الكريسي.

[4] -من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (2753) بنحوه، وفي ((الأدب المفرد)) (48) واللفظ له، ومسلم (204) باختلاف يسير.

[5]-أخرجه: الإمام أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل،(24163)، 2/6.

[6]– من حديث زيد بن أرقم، أخرجه الترمذي في سننه الترمذي(3314). والحديث ورد في سبب نزول سورة المنافقين.

[7]-من حديث أبي هريرة، أخرجه: البخاري، صحيح البخاري(1358).

[8]– ينظر: أسلوب تربية الطفل بالقدوة الحسنة في ضوء السنة النبوية، نور ناجحان بنت جعفر. والأحاديث الواردة في حماية الأسرة من التفكك، عماد الدين عمر عامر. وإكراهات الثقافة الاستهلاكية وتأثيرها في التنشئة القيمية للأسرة، بشير خليفي إبراهيم. والأسرة المسلمة المعاصرة في ظل التغيرات المعاصرة، رائدجميلعكاشة،منذرعرفاتزيتون. مراجعة ماجد أبو غزالة.

[9]– أخرجه مسلم في صحيحه،(2168).

[10]-حديث سهل بن سعد الساعدي، أخرجه البخاري في صحيحه،(5620).

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.