حصريا

سؤالات “الرَّبيئة” للدكتور مولود عويمر

سؤالات "الرَّبيئة" للدكتور مولود عويمر

سؤالات “الرَّبيئة” للدكتور مولود عويمر

سأله الدكتور: قوبع عبد القادر

الأستاذ: بن جدو بلخير

كان ولا يزال دأب نادي الرّقيم العلمي ومجلة “الرَّبيئة” المنبثقة عنه: ربطُ الناس بعلماء بلدهم ومفكّريهم والتنويه بهم؛ لما في ذلك من احترامٍ للعلم والوفاء لهم، فإن علماء كل وطن هم أعلم الناس بحال مواطنيهم وأعرافهم وثقافتهم ورجالات إصلاحهم، من أجل ذلك قرّر العلماء أن : “بلديّ الرجل أعرفُ به من غيره”، وقد رأينا من اقتحم بلدا غير بلده، فأفتى فيها وتكلّم في رجالاتها، فخبط فيها خبط عشواء، فظلم وجار في حكمه، فكان لزاما على الإعلام أن يُنوِّه بعلماء البلد، لأن العلم يقتضي ذلك، ولأن تمام الوفاء يشترطه …

وقد اخترنا هذه المرة فضيلة الدكتور المؤرخ “مولود عويمر” حفظه الله، والدكتور نجمٌ لامعٌ في تخصصه، مجتهدٌ في ترجمته للعلماء الذين حافظوا عل هوية الجزائر، فكان له أوفى نصيب من الرّفعة والسؤدد..

 

والدكتور متحصِّلٌ على  شهادة الدكتوراه في التاريخ المعاصر من جامعة باريس 1998

عمل أستاذا للتاريخ والحضارة في المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية بباريس  2004-2002

كما عمل باحثا متعاونا مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي

وترأّس فرقة بحث “تراث الحركة الإصلاحية الجزائرية” ضـمن مخبر المخطوطات

شارك في عددٍ من الملتقيات الدولية في الجزائر والخارج

 

كما أشرف على مجموعة من  الرسائل الجامعية (الماجستير والدكتوراه)

 

وهو الآن أستاذ التعليم العالي بقسم التاريخ بجامعة الجزائر2 ، وعضو المكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كاتبٌ منتظمٌ في جريدة البصائر الأسبوعية لسان حال الجمعية

له من المؤلفات :

اللغة العربية في المهجر: الفرص والعوائق.

أعلام وقضايا في التاريخ الإسلامي المعاصر.

مالك بن نبي رجل الحضارة: مسيرته وعطاؤه الفكري.

الإسلام والغرب بين رواسب التاريخ وتحديات المستقبل.

مجالس فكرية: التراث  – الحداثة – العولمة.

تراث الحركة الإصلاحية الجزائرية 3 أجزاء

السؤالات :

*ما هي عناصر الهوية الوطنية لدى الدول؟

-عناصر الهوية الوطنية متقاربة بين الدول، وإنما الاختلاف في ترتيبها، فهناك من تضع في المقام الأول اللغة كما هو مطروح عند بعض المفكرين القوميين الغربيين أو العرب، ويأتي بعدها التاريخ ثم المصير المشترك. فهي تمثل في أنظارهم العوامل المؤسسة للحمة الوطنية. بينما نجد العديد من المفكرين المسلمين يؤكدون أولا وقبل كل شيء على عنصر الدين، وتأتي بعدها المقوّمات الأخرى التي أشرت إليها سابقا.

قررت بعض الدول التحرر من تاريخها أو ترك لغتها غير أنها عادت إليها بعد سنوات. وتخلصت بعض الدول من دينها الذي اعتبرته “أفيون الشعوب”، لكنها عادت إليه بعد أن وجدت الأيديولوجية التي كانت تتبناها أخطر من الدين الذي نفرت منه، فالإيديولوجية كما يقول الفيلسوف كارل بوبر تتحوّل مع مرور الزمن إلى عقيدة ودين جديد فتصاب بالعقم والعفن.

كما ابتعدت بعض الدول عن فكرة الوطن بذريعة الانتماء للفكرة “الإنسانية”، غير أنها تراجعت عن ذلك لما أدرك أهل القرار والرأي فيها أن المواطن يعرف أوطان الناس أكثر مما يعرف عن وطنه، ويهتم بها أكثير مما يهتم بشؤون وطنه. ولقد كان المؤرخ الفرنسي إرنست لافيست من العلماء الذين انتبهوا لهذا الخلل، فألّف عدة كتب مدرسية للمساهمة في إصلاح ذلك الوضع الخطير.

وهناك من اعتبر التاريخ المشترك هو العنصر الموحد للدولة بغض النظر عن الاختلاف الديني والعرقي واللغوي. لقد كتب المؤرخ البلجيكي هنري بيرين كتابه “تاريخ بلجيكا” في 7 مجلدات من هذا المنظور. وعرفانا بجهده الجبار في إبراز تاريخ هذا البلد الأوروبي “الصغير” الذي لا يتجاوز عمره قرنا ونصف والمتكوّن من عدة قوميات، أمر الملك البلجيكي بنقش صورة هذا المؤرخ في العُملة البلجيكية، وهو شرف لا يحظى به إلا ملوك بلجيكا حسب.

ولم تكن هذه الأفكار المتنوعة طوباوية ومحفوظة في قعر بئر، وإنما تحوّلت إلى وقائع ملموسة، تأسست في ضوئها دول عديدة في أوروبا كألمانيا وإيطاليا في القرن التاسع عشر، ونشأت دول أخرى في القرن العشرين. كذلك قامت دول في القارات الأخرى كباكستان في سنة 1947 تطبيقا للأفكار التي طرحها كل من محمد إقبال ومحمد علي جناح، ودعمها بعد ذلك المفكر أبو الأعلى المودودي، والجمهورية الإيرانية في عام 1979 تجسيدا لأفكار علي شريعتي ومرتضى مطهّري وآية الله الخميني وغيرهم من العلماء والمفكرين الإيرانيين.

هل تطوّرت هذه العناصر؟

إن الدول التي تتقدم باستمرار وتستقبل موجات من الهجرات البشرية من كل أنحاء العالم لتستعين بكفاءاتها ومالها وعضلاتها لدفع عجلة التنمية والتطوّر عندها، تتأثر بهذه التحولات الاجتماعية والاقتصادية وينعكس ذلك سلبا وإيجابا على هويتها. لا أقول أنها تتخلى عن عناصرها الأصلية وإنما تطعمها بعناصر جديدة. فهل الهوية الفرنسية في القرن 19 هي نفسها الهوية الفرنسية في القرن 21؟

يتحدث اليوم أهل الفكر والرأي والقرار في الغرب عن الهوية المتعددة، والانفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى التي ينتمي إليها الوافدون الذين صاروا مواطنين أوربيين بالتجنيس أو باعتبارهم أولياء لمواطنين ولدوا حديثا في أوروبا من أصول إفريقية وآسيوية. فلم تعد المسيحية هي الدين الوحيد للهوية الأوروبية، فالإسلام صار عنصرا من العناصر المشكلة للهوية الأوروبية، وكذلك اقتحام ألفاظ عربية عديدة للقاموس اللغوي الفرنسي والانجليزي…الخ.

نجد أيضا هذه الظاهرة في العالم العربي، فقد عاشت في رحابه العديد من الأقليات العرقية والدينية والمذهبية سواء في العصور القديمة أو في الفترات الحديثة، وهي تطالب اليوم بحقوقها المختلفة ضمن الإطار الوطني؛ فالإيمان بالعيش المشترك، واحترام الخصوصيات، وتعاون الجميع على خدمة الوطن في جميع القطاعات، كل هذه الاعتبارات هي التي تضمن متانة النسيج الاجتماعي وصيرورة الدولة واستقرارها وتقدمها. فإذا كانت الهوية مرتبطة في الماضي بقيم الحسم والصرامة والمحافظة… فإن الهوية الراهنة مرتبطة أكثر بقيم التسامح والتواصل والتفاهم…الخ.

*ما هو الفرق بين هوية الدولة وهوية الأمة؟

-هوية الدولة متصلة بالمسؤولية السياسية بينما هوية الأمة مرتبطة أكثر بالمخزون الثقافي والموروث الحضاري. لقد قدم لنا التاريخ الاستعماري نماذج من هيمنة الدولة الغالبة على هوية الأمة المغلوبة. فموسكو منعت العديد من الشعوب سواء المسلمة أو المسيحية من ثقافاتها ولغاتها الأصلية، وأجبرتها على تبني الثقافة السوفياتية الجديدة. أما الشعوب التي قاومت في البداية هذه السياسة الإمبراطورية فإنها تعرضت لكل أنواع القمع والمسخ.

مازالت شعوب جنوب شرق آسيا لم تنسى ما اقترفه الجيش الياباني تجاهها من جرائم وقمع نفسي وجسدي ومادي لما كان سجينا لأيديولوجيته العسكرية العمياء التي كانت تحتقر الهويات الأخرى شر احتقار. أما التاريخ الاستعماري للدول الأوروبية (البرتغال، إسبانيا، فرنسا، بريطانيا) فهو أيضا حافل بفظائع تجاه الهويات الأصلية في آسيا وإفريقيا وأمريكا. غير أن تلك الشعوب المظلومة استرجعت هويتها بعد أن دفعت ثمنا غاليا في سبيل استرجاعها. لذلك أقول دائما: قد تستغرق الشعوب وقتا طويلا لاستيعاب “مكر التاريخ” لكنها إذا تفطنت استعجلت التغيير!

إن القائمين على تسيير شؤون الدول يدركون اليوم جيدا مدى التأثير المتبادل بين الهويتين، ومراعاة ذلك التأثير والموازنة بين البعد السياسي المتجدد والبعد الثقافي المتجذِّر يحفظان المجتمع من كل الانحرافات الممكنة، ويبعدانه عن كل الصراعات التي تنقض غزله الاجتماعي، وتقضي على كل فرص المجتمع في التقدم، وتحرم أفراده في الرقي والازدهار.

فلا غرابة أن نرى الدول الكبرى تهتم بترقية الثقافة والفنون، وتشجّع على كتابة التاريخ وإحياء الذاكرة القديمة والحديثة، وتدعّم محافظة التراث وترقيته ونشره، لتنمية الحس بالمسؤولية للمواطن وتعزيز الانتماء للفضاء الجماعي لكل فرد في المجتمع، فتضمن بذلك حق الجميع في العيش المشترك، وتدعم الكل في السير معا نحو مصير واحد.

*كيف أسهم أبناء منطقة القبائل في مساعدة ودعم نشاطات جمعية العلماء لمحاربة السياسة الاستعمارية في هذه المنطقة؟

-كان علماء الزواوة ضمن الرواد السباقين إلى الدعوة لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أذكر هنا على سبيل المثال الشيخ المولود الحافظي الذي نشر مقالا في عام 1928 قدم فيه رؤية شاملة لاتحاد العلماء واقترح خطة الطريق لتأسيس جمعية تضم كل رجال العلم في الجزائر.

وأذكر كذلك التاجر المحسن السيد عمر إسماعيل، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر التأسيسي للجمعية، والذي قدم مبلغ مالي قدره 1000 فرنكا كهدية لمن يحقق هذا الحلم الذي أعلن عنه في الجرائد المعروفة آنذاك ك “النجاح” و”الشهاب”، و”البلاغ”…الخ. ولديّ النسخة الأصلية للقانون الأساسي للجمعية الذي قدمته للولاية العامة الفرنسية للحصول على الاعتماد الرسمي وهو موقع من طرف عمر إسماعيل بصفته رئيسا للجنة الدائمة لجمعية العلماء.

هذا من حيث التأسيس، أما ما يخص النشاط العلمي والدعوي والتربوي، فقد ساهم العديد من علماء الزواوة في العمل الإصلاحي عبر كامل القطر الوطني، ولا بأس أن أذكر هنا للقُراء بعض الأسماء اللامعة: أبو يعلى الزواوي، يحي حمودي، الفضيل الورتلاني، سعيد صالحي، باعزيز بن عمر، رابح بونار، حسن حموتن، الهادي الزروقي، محمد الأكحل شرفاء، عبد الرحمن شيبان، أحمد شقار الثعالبي، محمد الحسن فضلاء، ومحمد الطاهر فضلاء،…الخ.

لقد كان لكل شخصية من هذه الشخصيات تاريخ حافل بالنضال الإصلاحي والكفاح الوطني، فقد اهتمت بتدريس اللغة العربية، وساهمت في خدمة الإسلام وإحياء قيمه ونشر تعاليمه السمحاء، وشاركت في تعميق روابط الأخوة بين الجزائريين وترسيخ روح الانتماء للوطن.

كيف كانت نظرة هؤلاء المصلحين للمسألة البربرية التي تطرح اليوم بقوة؟

نظرتهم لهذه المسألة كانت علمية وواقعية، لخصها الشيخ عبد الحميد بن باديس الصنهاجي في قوله: ” مـا مِن نكـير أن الأمة الجزائرية كـانت مازيغـية من قديم عهدها، وأن أمة من الأمم التي اتصلت بها ما استطاعت أن تقلبها عن كيانها ولا تـَخرج بها عن مازيغيتها … فلما جاء العرب وفتحوا الجزائر فتحا إسلاميا لنشر الهداية، لا لبسط السيادة وإقامة ميزان العدل الحقيقي بين الناس، لا فرق بين العرب الفاتحين والأمازيغ أبناء الوطن الأصليين، دخل الأمازيغ من أبناء الوطن في الإسلامَ، وتعلموا لغة الإسلام العربية، طائعين، فوجدوا أبواب التقدم في الحياة كلها مفتحة في وجوههم، فامتزجوا بالعرب بالمصاهرة… ، واتحدوا في العقيدة والنِحلة، كما اتحدوا في الأدب واللغة، فأصبحوا شعبا واحدا عربيا متحدا غاية الاتحاد، ممتزجا غايــة الامـتـزاج”.

لو استوعب رجال السياسة هذه النظرة الموضوعية ما وقعت خصومات عديدة حول الموضوع قديما كالأزمة البربرية التي وقعت داخل حزب الشعب الجزائري (ح ا ح د) في عام 1949 وكادت أن تعصف بسنوات من الكفاح الوطني، وحديثا في السجالات الحاصلة في الساحة السياسية والثقافية حول الموروث الأمازيغي للجزائر، واختلاف وجهات النظر حول إحيائه واعتماد اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية للبلاد، وتحديد كتابتها بالحرف العربي أو التافينيغي أو اللاتيني.

*القومية العربية هل ساهمت في ترسيخ الهوية العربية أم أساءت للهوية الإسلامية؟

-لم تكن العلاقة بين التيار القومي والتيار الإسلامي دائما حسنة بخاصة في فترة المد القومي في الخمسينات والستينات والمد الإسلامي في السبعينيات والثمانينيات. فكل تيار كان مغرورا بقوته الآنية. فلا شك أن هنالك عوامل داخلية وخارجية عديدة ساهمت في تأجيج الصراع بين الأطروحتين الأساسيتين في العالم العربي في القرن العشرين. واشتد هذا الصراع بعد أن تبنى جمال عبد الناصر المشروع القومي، ودعم الملك فيصل مشروع التضامن الإسلامي.

ولم ينحصر هذا الصراع في جانبه الأيديولوجي، بل انتقل الصراع إلى مواجهة مسلحة في العديد من الدول العربية يتحارب فيها المختلفون في الرأي بالسلاح عوضا من الاحتكام للحوار والمجادلة بالتي هي أحسن.

ولا بد أن أقول هنا أن كل واحد من المشروعين حقق انجازات وأصيب بانتكاسات، وقد ظهرت مراجعات عديدة في صفوف أنصار القومية والإسلامية بل ارتد العديد من المفكرين عن إيديولوجياتهم الأصلية وانتقلوا إلى الضفة الأخرى بل هناك من تخلى عن أيديولوجيته القومية ودينه المسيحي ليعتنق الإسلام ويدافع عن الفكرة الإسلامية، وأستحضر هنا مثال المفكر الفلسطيني منير شفيق.

كما قام العديد من المفكرين الإسلاميين بمراجعة أفكارهم سواء في كتاباتهم أو في حواراتهم الإعلامية، ولعل الكثير من القُراء تابعوا برنامج “مراجعات” الذي تبثه قناة الحوار اللندنية التي استضاف خلالها الأستاذ عزام التميمي مجموعة من المفكرين والعلماء كحسن الترابي وراشد الغنوشي وعصام العطار وعصام البشير ويوسف القرضاوي …وغيرهم.

ولعل تعثر المشروعين في تحقيق أهدافهما الكبرى لأسباب كثيرة ذاتية وأخرى خارجية، فإن كثيرا من المفكرين والسياسيين القوميين والإسلاميين تقاربوا فيما بينهم، ودعوا إلى التحاور المشترك وتبادل وجهات النظر والتعاون المثمر على بناء الوطن. ويعتبر مركز الوحدة العربية ببيروت من المؤسسات بادرت لتوفير الشروط الملائمة لهذا التقارب، وأصدر عدة كتب في الموضوع، ونظم عدة ندوات ومؤتمرات في هذا المجال.

*كيف يمكن اجتناب التوظيف السياسي والحزبي لعناصر الهوية؟

-الهوية باعتبارها عاملا جامعا لكل الجزائريين علينا أن نبعدها عن كل توظيف سياسي وسجال حزبي، فهي الضامنة لوحدتنا والحاضنة لحاضرنا والمؤمنة لمستقبلنا. فبالعيش المشترك وقبول الآخر بغض النظر عن الفوارق العرقية والدينية بيننا، نتجاوز معوّقات الحاضر، ونتغلب على مخاوف المستقبل، ونبني وطنا يسود فيه العدل والحرية والرقي.

لقد شاهدنا العديد من الأحزاب السياسية المتطرفة في الدول الغربية كإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا والنمسا وغيرها توظّف التاريخ أو الدين أو العرق أو اللغة لتقصي جزء معتبرا من هذه المجتمعات، ولقد كان العرب والمسلمون أكبر ضحايا هذا الحراك القومي المتطرف، ومازالت الجروح العميقة التي خلفتها حروب البلقان في التسعينيات القرن الماضي لم تضمد بعد.

وقد رفضت الحكومات الغربية هذه الدعوات القومية العنصرية، وقاومت نشاطاتها ومنعتها بكل الوسائل التي يسمح بها القانون ومبادئ الديمقراطية. فهل نقبل نحن في عالمنا العربي بشكل عام، وفي وطننا الجزائر بشكل خاص بالأفكار الهدامة، التي تعمّق الشقاق بين أفراد المجتمع الواحد، وتهدّد وحدته، وتكسر كل مقوّمات تنميته وتقدمه؟

ليس هنالك إنسان عاقل ومواطن صالح يقبل بذلك، ويرضى بخراب عمران البلاد وتهجير العباد، فالحزب الذي يتلاعب بعناصر الهوية، يفضل فئة على فئة أخرى لأسباب إيديولوجية أو لأغراض انتخابية، فإنه يظلم الآخرين ويعزلهم عن حركة المجتمع الذي سيغرق في العنصرية وينتشر فيه الخوف والبؤس. وقد سجل التاريخ المعاصر مآسي إنسانية جراء توظيف بعض الأحزاب العنصرية للهوية في خطابهم السياسي وممارساتها للحكم باسمها فتظلم ملايين من المواطنين بغير ذنب اقترفوه كما وقع في ألمانيا النازية، وفي إيطاليا الفاشية!!

*كيف يمكن التعايش مع عناصر الهوية بعيدا عن الإقصاء والتفتيت والبلقنة؟

-لا شك أن الفكرة الإسلامية إذا ركزت على الجانب الثقافي والحضاري للأمة فإنها ستستقطب كل الفئات الاجتماعية بغض النظر عن أصولها العرقية وانتماءاتها المذهبية واعتقاداتها الدينية. كما أن الفكرة القومية ستستقطب كل أبناء العالم العربي عندما لا تعادي الدين، ولا تلغي العرقيات الموجودة واللغات الأصلية القديمة. فنحن في حاجة ماسة إلى تجسيد هذه الرؤية سواء على المستوى الضيق بين الأفراد أو في نطاق أوسع بين المجتمعات الإسلامية والدول العربية.

كان الإقصاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني هو السبب الرئيس في إشعال نيران الحروب المدمرة في العديد من الدول العربية والإسلامية في عصرنا الراهن. وكان أيضا هو السبب في قيام حروب كثيرة في أوروبا قبل عصر النهضة، وكذلك في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

فإذا نجح العالم الغربي في تغيير ذهنياته وتطوير ذاته وفرض العيش المشترك بين كل أفراد تلك المجتمعات في ظل سيادة القانون والتوافق الوطني، فإننا في العالم العربي ما زلنا نشاهد نكسة تخلف نكسة أخرى، لذلك ستظل مهمة تغيير العقليات من أصعب المهمات المنتظرة في واقعنا العربي. ولقد صدق مالك بن نبي -رحمه الله- حينما كتب هذه الفكرة النافعة: «معرفة إنسان الحضارة وإعداده أشق كثيرا من صنع محرك أو ترويض قرد على استخدام رباط عنق».

لا يكفي أن نتكلم باستمرار عن المحافظة على الثوابت والدفاع عن المرجعية الدينية الوطنية لكي نعزز مكانة الهوية عند الناس، بل يجب أن نعلمها للأجيال وفق ما يساير روح العصر، ونستلهم منها دائما في ممارساتنا الفردية وفي أعمالنا الجماعية، القدوة والعزيمة والأمل.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.