حصريا

دور التكامل المعرفي بين الاجتهاد المقاصدي في النوازل المعاصرة وباقي العلوم

0 1٬099

الباحثة وفاء بلحاج :مختبر علوم الأديان بجامعة ابن طفيل -القنيطرة -المغرب

دور التكامل المعرفي بين الاجتهاد المقاصدي في النوازل المعاصرة وباقي العلوم

إن التكامل المعرفي بين العلوم أضحى ضرورة ملحة في مجال البحث العلمي في وقتنا الحاضر المتسم بالتطور السريع و المتشعب بتعدد التخصصات،وحتى تنفتح العلوم على بعضها البعض سعيا إلى تحقيق رؤية شمولية و عميقة وتدقيق البحث،ومن ثمة استخلاص الحلول بخصوص القضايا المطروحة،فلم يعد اليوم التكامل المعرفي كما كان في المراحل الأولى لتأسيس المعرفة الإسلامية،و الذي تجسد في العقل الموسوعي الشامل للمعارف.
التكامل المعرفي ضرورة وجودية و حاجة إنسانية بين مختلف العلوم، فبثنائية الإمداد و الاستمداد في كل علم مستند إليه في بناء المعرفة تعود على الإنسان و الكون بالنفع، فهو ضرورة تفرضها متطلبات الاستمرار و البقاء الفاعل في الحاضر و المستقبل.
والاجتهاد المقاصدي محتاج أكثر من غيره إلى الاستفادة من مختلف العلوم،فالواقع المعاصر اليوم يعرف تطورا كبيرا في العلوم بقسميها الإنساني و الطبيعي،و الباحث في مجال الاجتهاد المقاصدي في حاجة ماسة إلى الانفتاح على تلك العلوم حتى يستطيع أن يلامس القضايا المعاصرة و يبني اجتهاداته وفق ضوابط علمية.
ذلك أن المجتهد المطلق لم يعد موجودا في وقتنا الراهن، فالنص تستنطقه الوقائع و القضايا المستجدة،ولا شك أن استثمار المعرفة الاجتماعية و الإنسانية هي من صميم فقه الواقع الذي يعتبر ضابطا أساسيا في النظر الاجتهادي المقاصدي،وقد اعتبر الدكتور طه جابر العلواني الدراسات الاجتماعية المختلفة نوعا من فقه الواقع ،باعتبارها آلية من آليات فقه الظواهر الاجتماعية لتيسر فهم الواقع وفقه النصوص الشرعية على ضوء تلك الوقائع.
إن التكامل المعرفي بين العلوم الشرعية وباقي العلوم تساعد المجتهد المقاصدي في فهم مقاصد النصوص و الأحكام وكيفية تنزيلها على الوقائع و الأحداث ضمن إطار ثقافي حضاري معاصر.
فإذا كان فهم النازلة و تفكيكها أساسي في الاجتهاد المقاصدي إلا أن الباحث يحتاج في الوقت نفسه إلى فهم الواقع الذي يتعلق بمجال المعرفي للنازلة و إحاطة بها من جميع الجوانب اقتصادية،اجتماعية…مما يساعده على اكتسابه مهارة و قدرة على تفكيك النازلة وتحديد عناصرها وهذا التكامل المعرفي في بعده الإنتاجي.
لقد كان علماؤنا الأوائل لا يتوانون عن توظيف نتائج ومناهج العلوم المختلفة و استثمارها من أجل مقاربة موضوعية للنوازل المستجدة، كانت السمة المميزة للتراث الفكري و العلمي للحضارة الإسلامية، و الواقع المعاصر يشهد صحوة حقيقية على مستوى الاهتمام بالاجتهاد المقاصدي،و لا ضير بالاستعانة بعلوم أخرى كعلم الاجتماع و علم النفس و الاستفادة من مناهجها لنجاعتها في الرصد و التتبع.
مقاربة الموضوع من الناحية التطبيقية
مثلا : مسألة “زواج القاصرات بعقود الدين في المغرب” لمقاربتها مقاربة شمولية علمية و إمكانية التوصل لحلول للنازلة على الباحث أن ينفتح على العلوم القانونية لمعرفة قول المشرع المغربي في هذا النوع من أنواع عقود الزواج المستحدثة والمواد القانونية التي ناقشت مسألة زواج القاصرات و الثغرات القانونية التي استغلها أولياء القاصرات للتحايل على القانون.
و كذا الانفتاح على علم الاجتماع الأسري و علم الاجتماع الاجتماعي،لمعرفة الأسباب الاجتماعية التي كانت وراء تزويج أولياء بناتهم القاصرات،و كذا انعكاسات زواج القاصرات على نفسية القاصر بالشعور باضطرابات نفسية وعزلة اجتماعية و كذا مخاوف مرضية للقاصر بسبب فقدانها للاستقرار النفسي و الروحي و العاطفي.
و كذا الاستفادة من أبحاث علم الاجتماع في التنشئة الاجتماعية للأسرة باعتبارها وحدة أساس المجتمع و البيئة الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الفرد و أي خلل يصيبها ينعكس سلبا على المجتمع كبناء اجتماعي و وحدة من وحدات العمران الكوني.
و أيضا الاستفادة من علم الاقتصاد باضطلاع على كيفية النهوض بالتنمية المستدامة و خلق أواش اقتصادية تحارب الهشاشة و الفقر و تساعد على حد من تزويج أولياء لبناتهم القاصرات و تحفظ كرامتهم .
من هنا يتضح لنا جليا ضرورة التكامل المعرفي بين الاجتهاد المقاصدي في النوازل المعاصرة و باقي العلوم.
وفي هذا المقام وجب التأكيد على هذا التكامل المعرفي ليس استفادة العلوم الشرعية من العلوم الاجتماعية و الإنسانية فحسب بل من إمداد تلك العلوم بأدوات و مناهج في مجال الشرعي ، فمثلا يمكن لعلم الاجتماع أن ينفتح على علم المقاصد لفهم الظواهر الاجتماعية،كما انفتح على كثير من العلوم الإنسانية كالتاريخ وينطلق الباحث في علم الاجتماع منها في عملية تحليل الظواهر الاجتماعية وفق مقصود الشارع.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.