حصريا

تلخيص كتاب قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى

0 150

تلخيص كتاب ” قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى “

للدكتور: عبد الوهاب المسيري.

مقدمة

هذا الكتاب دراسة نقدية لحركة التمركز حول الأنثى (الفيمينيزم)، ومبررات نشوئها وأهدافها والفروق الجوهرية بينها وبين حركة تحرير المرأة، وكان الكتاب على فصول تحوي أفكار كثيفة ومركزة.

الفصل الأول: بين الإنسان والإنسان الطبيعي

ذكر الكاتب في بداية هذا الفصل نقطة مهمة متمركزة في العقل العربي المسلم، وهي ” الولع بالغالب “، متقبلا أفكاره ومصطلحاته بصدر مفتوح وفكر معزول عن النقد والتحليل والتفسير وطرح الأسئلة، متغافلا تماما عن البيئة الثقافية والرؤية التجريبية التاريخية التي جاءت منها أفكاره ومصطلحاته المختلفة تمام الاختلاف عن بيئته ورؤيته التجريبية التاريخية.

ويقول في ذلك: ” من الأمور المألوفة في الوقت الحاضر أن نتلقى معظم، وإن لم يكن كل، ما يأتينا من أهل الغرب بكفاءة منقطعة النظير، دون أن نحاول أن نحلله أو نفسره، ودون أن ندرك أن ما يأتينا منهم يعكس منظروهم وتحيزاتهم، ولذا ثمة غياب ملحوظ للبعد النقدي في الدراسات العربية والإسلامية للمفاهيم والمصطلحات الغربية” (صفحة 03).

و في هذه الدراسة النقدية ركز المسيري على مصطلح ” فيمينيزم (feminism )” النسوية أو النسوانية، أو الأنثوية، الذي تولّد في عصر ما بعد الحداثة، لذلك حاول معالجته معالجة نقدية كلية نهائية ليصل إلى معناه الحقيقي الذي يتعدّى الترجمة الحرفية، وذلك بوضعه في سياق أوسع بما سمّاه ” نظرية الحقوق الجديدة ” ومتطلبات عصر ما بعد الحداثة.

ينطلق المسيري من رؤيته للمرأة باعتباره انسان، الإنسان الذي له مواطن اختلاف جوهرية بينه وبين الطبيعة، بكونه متجاوزا لهالمركزيته في الكون، والتي تختلف عن رؤية التحديث والعلمنة الغربية التي تعتبره حالا في الكون غير متجاوز له مرجعيته ذاته.

وقد قال أن رؤية التحديث والعلمنة تحققت عبر الزمن عبر مراحل:

المرحلة الأول: عالم مركزه الإنسانية جمعاء

في هذه المرحلة يكون الإنسان سيّد الكون ومركزه، فيأخذ مرجعيته من ذاته متجاوزا الطبيعة، مؤكدا بذلك جوهره الإنساني باسم الشراكة الإنسانية، وأطلق الدكتور المسيري على هذه المرحلة ” الواحدية الإنسانية (الهيومانية)“.

المرحلة الثانية: عالم مركزه الذات الفردية

في غياب أية مرجعية خارج الذات الفردية ينغلق الإنسان على ذاته، فيصل إلى الذات الفردية المفكرة في المصلحة واللذة، فيصبح بذلك انسانا عنصريا إمبرياليا مستبعدا الآخر موظفا له وللطبيعة لمصلحته، فتظهر كما قال المسيري: الثنائية الصلبة ( ثنائية الأنا والآخر)، سمّى الكاتب هذه المرحلة ب ” الواحدية الامبريالية “.

المرحلة الثالثة: صراع بين الإنسان والطبيعة

تتحقق بعد ذلك ثنائية الإنسان والطبيعة حيث تصبح الطبيعة (المادة) في نظر الإنسان لها مرجعيتها الذاتية، وتكييفها الذاتي، فتتحقق ازدواجية صلبة: الإنسان المتمركز حول ذاته (وهو مركز الكون)، وطبيعة متكيفة بذاتها (وهي مركز الكون).

 

المرحلة الرابعة: عالم مركزه الطبيعة

يصل الإنسان في هذه المرحلة إلى مرحلة التلاشي والتفكك والانحلال وغياب جوهره الإنساني تدريجيا ويحل محلّه جوهر طبيعي مادي، لتبقى الطبيعة (المادة) هي المركزية الوحيدة، اطلق الدكتور على هذه المرحلة، ” الواحدية الصلبة “، أي عالم واحدي مركزه الطبيعة بحلول الطبيعي محل الإنساني.

يقول المسيري ” يستمد الإنسان معياريته لا من ذاته وإنما من الطبيعة (المادة)، ويزداد اتحاده بالطبيعة إلى أن يذوب فيها تماما، ذوبان الجزء في الكلّ، حينئذ يظهر الإنسان الطبيعي، وهو إنسان ليس فيه من الإنسان سوى الاسم، إنسان جوهره طبيعي/ مادي وليس إنساني، فهو يذعن للطبيعة ويتبع قوانينها ” (صفحة 06).

المرحلة الخامسة: عالم بلا مركز سقط في قبضة الصيرورة

اطلق الدكتور على هذه المرحلة ” الواحدية السائلة “، بتصاعد التفكك تفقد الطبيعة (المادة) مركزيتها ويغيب في النهاية كل يقين وتصبح النسبية هي المطلق الوحيد والتغيير هو نقطة الثبات الوحيدة، ويسقط كل شيء في قبضة الصيرورة الكاملة. يقول في ذلك ” يتحول العالم إلى كيان شامل واحد تتساوى تماما فيه الأطراف بالمركز، عالم لا يوجد فيه قمة أو قاع، أو يمين أو يسار، أو ذكر أو أنثى، وإنما يأخذ شكلا مسطحا تقف فيه جميع الكائنات الإنسانية والطبيعية على نفس السطح وتُصفّى فيه كل الثنائيات، وتنفصل الدوال عن المدلولات فتتراقص بلا جذور ولا مرجعية ولا أسس، وتصبح كلمة ” إنسان ” دالا بلا مدلول، أو دالا متعدد المدلولات، وهذا هو التفكيك الكامل ” (صفحة 07).

وفي نهاية هذه المراحل تتحقق ثنائية الرجل الأدنى، الإنسان دون الإنسان (Submen) والرجل الأعلى (Supermen) ” يظهر عالم صراع ثنائي ينقسم فيه البشر إلى: جزار وضحية – قاتل ومقتول – أقوياء وضعفاء – باطشون ومتكيفون مرنون ” (صفحة 08).

الفصل الثاني: المساواة والتسوية

يقول المسيري أن حركات التحرر القديمة تختلف عن حركات التحرر الحديثة، فأما الأولى فتعتبر الإنسان على قمة الهرم الكوني، كائنا حرّا مبدعا فريدا، أما الثانية فهي تنطلق من صراع الإنسان مع أخيه الإنسان، وحرب الإنسان ضد الإنسان وضد الطبيعة، وسيادة الطبيعة على الإنسان وإزاحة الإنسان من مركز الكون، ورفض فكرة المرجعية والمركز وأي ثوابت وكلّيات، وبذلك يتمّ تسوية الإنسان بالحيوان والنبات والشيء، إلى أن يتمّ تسوية كل شيء بكلّ شيء، وعلى إثر ذلك يتمّ إبعاد السجلّ التاريخي الناتج عن التجربة الإنسانية الذي يدير به الإنسان علاقاته ويُبحث عن أشكال جديدة للعلاقات بين البشر تقوم على أفكار متحررة من مفاهيم الإنسانية المشتركة ومن عبء التاريخ وهذا هو مبدأ جماعات التحرر الجديدة الذي يرفض العالم المتماسك.

يقول المسيري: ” ولذا نجد جماعات التحرر الجديدة (المتحررة من مفاهيم الإنسانية المشتركة ومن عبء التاريخ، والمدافعة عن التجريب المنفتح المستمر) تدافع عن الفقراء والسود والشواذ جنسيا والأشجار وحقوق الحيوانات والأطفال والعراة والمخدرات وفقدان الوعي وحق الانتحار، وعن كل ما يطرأ ومالا يطرا على بال ”  (صفحة 10).

هذا الدفاع الشرس عن كل شيء لا إنساني هو في الحقيقة ليس دعوة للتسامح بل دعوة لجعله طبيعيا وتمريره ليصبح عاديا، كالشذوذ مثالا، وهذا في حقيقته هجوم معلن عن طبيعة الإنسان الاجتماعية وعلى الإنسانية المشتركة.

لذلك نبّه المسيري إلى الجوهرو الحقيقة غير المعلنين من وراء مصطلح ” حقوق الإنسان ” في ظل مبادئ عالم ما بعد الحداثة، فهذا الجوهر هو هجوم عن مفهوم الإنسانية المشتركةالذي يخدمه السكوت عن بعض القضايامن مثل:

قضية صناعة الاباحية وسلعها المختلفة التي تصدّر من الغرب.

قضية حقوق الشعوب التي تنهب ثرواتها وتسرق أموالها.

قضية صناعة أسلحة الفتك والدّمار.

ويظهر نتيجة لذلك  مجتمع ينادي بمفهوم جديد وهو حقوق الأقليات، الذي ينفصل عن المجتمع الإنساني و ينسف حقوق الأغلبية الإنسانية ” أقلية الجامعات الدينية، أقلية الشواذ جنسيا، أقلية النساء،….”.

ويشرح المسيري فكرة الأقليات وهدفها بقوله: ” وفكرة أن كل النّاس أقليات، تعني أنه لا يوجد أغلبية، أي لا يوجد معيارية إنسانية ولا ثوابت، ومن ثمّ تصبح كل الأمور نسبية متساوية وتسود الفوضى المعرفية والأخلاقية ويصبح لكل أقلّية حقوق مطلقة .. ( وهذا ما حدث في فلسطين المحتلة حين جاء الصهاينة بحقوق يهودية مطلقة لا تعرف الإنسانية المشتركة فقاموا بطرد الفلسطينيين من أرضهم وهدم وطنهم) ” (صفحة 13).

الفصل الثالث: السياق الحضاري المعرفي لحركتي تحرير المرأة والتمركز حول الأنثى

يركز الدكتور المسيري في هذا الفصل على مصطلح ” الفيمينيزم ” في ضوء الصياغة الجديدة للمجتمع واختفاء مركزية الإنسان ومركزية الطبيعة، حيث انتقل موضوع الدفاع عن حقوق المرأة من إطارها القديم ” حركات التحرر القديمة ” الذي كان يدافع عن المرأة في إطار المجتمع الإنساني دون فصلها عن دورها الأساسي في الأسرة كأمّ، إلى دفاع عن المرأة في النموذج الجديد المتعدد المراكز للوصول بها إلى مرحلة التشيؤ والتخلّي عن وظيفتها التقليدية (وظيفة الأمومة)، وذلك في مجتمع حداثي يدعو إلى:

./ الكفاءة في العمل في الحياة العامة مع إهمال الحياة الخاصة.

./ الاهتمام بدور المرأة العاملة (البرانية) وإهمال دور المرأة الأم (الجوانية).

./ الاهتمام بالإنتاجية على حساب القيم الإنسانية والأخلاقية والسياسية.

./ اقتحام الدولة ووسائل الإعلام وقطاع اللذة لمجال الحياة الخاصة.

./ إسقاط أهمية الإحساس بالأمن النفسي الداخلي.

./ إسقاط أهمية فكرة المعنى باعتبارها فكرة ليست كمية أو مادية.

./ تزهيد المرأة في الأمومة وتنشئة الأطفال باعتبارهما لا يحققان أجرا نقديا ولا يعتبران عملا.

يقول المسيري: ” وهكذا تغلغلت المرجعية المادية (بتركيزها على الكمي والبراني) وتراجعت المرجعية الإنسانية الهيومانية (بتركيزها على الكيفي والجواني)، وتراجع البعد الإنساني الاجتماعي الذي يفرض مركزية إنسانية وطبيعة إنسانية متفردة تتمتع بقدر عالم من الثبات ” (صفحة 18) .

ويؤكد المسيري أن حركة الفيمينيزم (حركة التمركز حول الأنثى) هي نتاج هذا الانزياح نحو المادية وإزاحة الإنسان من مركز الكون وهيمنة المادة عليه والذي تمّفي مرحلتين:

./ مرحلة واحدية إمبريالية وثنائية وواحدية صلبة ينقسم فيها العالم إلى ذكور متمركزين حول ذكورتهم ويحاولون أن يصرعوا الإناث ويهيمنوا عليهم، وإلى إناث متمركزات تماما حول أنوثتهن يحاولن بدورهن أن يصرعن الرجال ويهيمن عليهم (صفحة 19).

./ ومرحلة سرعان ما تنحل فيها هذه الواحدية الإمبريالية والثنائية والواحدية الصلبة لتصبح واحدية مادية سائلة لا تعرف فارقا بين ذكر أو أنثى، ولذا لا يتصارع الذكور مع الإناث وإنما يتفككون جميعهم ويذوبون في كيان سديمي واحد لا معالم له ولا قسمات (صفحة 19).

الفصل الرابع: الواحدية الإمبريالية، والثنائية والواحدية الصلبة، والتمركز حول الأنثى

تنطلق رؤية حركة التمركز حول الأنثى من رؤية واحدية إمبريالية تلغي دور الأمومة معتبرة إياها أمرا غير مهم، وتعتبر مؤسسة الأسرة عبئا لا يطاق،فتتمركز المرأة حول نفسها مكتفيةبذاتها، تود اكتشافها وتحقيقها خارج إطار اجتماعي، وهي في حالة صراع كوني أزلي مع الرجل المتمركز حول ذاته، فيصبح بذلك جوهر المرأة في إطار هذه الحركة مختلف تماما عن جوهر المرأة عبر التاريخ الإنساني وفي إطار المرجعية الإنسانية وهي بذلك:

./ تستخدم الجسد كعنصر أساسي في إدراك كل شيء.

./ تطرح برامج إصلاحية مستحيلة غير قابلة للتنفيذ وتجري تجارب مستمرة بلا ماضي ولا ذاكرة ولا فهم.

./ وتدعو الأنثى إلى إدارة ظهرها للآخر فهي مرجعية ذاتها وموضوع الحلول ولا تشير إلا لذاتها وتؤكد بذلك نسوانيتها (ذاتها الأنثوية ) لا إنسانيتها المشتركة، ويتمركز الذكر هو الآخر على ذاته.

./ تعيد سرد التاريخ من وجهة نظر أنثوية أي متمركزة حول الأنثى، يقول المسيري: ” وانطلاقا من هذه الرؤية للتاريخ ينادي دعاة التمركز حول الأنثى بالتجريب الدائم والمستمر ويطرحون برنامجا ثوريا يدعو إلى إعادة صياغة كل شيء، التاريخ واللغة والرموز” (صفحة 22)

وينتج عن ذلك:

./ تحول تاريخ الحضارة البشرية إلىتاريخ الصراع بين الرجل والمرأة وهيمنة الذكر على الأنثى ومحاولتها التحرر من هيمنته.

./ انفصالكامل في الرؤية والأحاسيس بين الرجل والمرأة بغياب أحاسيس إنسانية مشتركة بين الذكر والأنثى وإنكار وجود طبيعة بشرية مشتركة.

وهدفها رفع وعي النساء بأنفسهن وتحسين أدائهن وتسييسهم بإدراك  أن كل شيء هو تعبير عن الصراع الكوني بين الذكور والإناث.

الفصل الخامس:  الواحدية السائلة وذوبان الأنثى

في ظل الواحدية السائلة، تتحول المرأة من إنسان إنسان إلى كائن طبيعي مادي متمركز حول ذاته يتبع قانون مادي لا يحترم الخصوصية أو الثنائية ولا يكترث بالفروق الظاهرة والباطنة ولا بذكورة الذكر ولا بأنوثة الأنثى أو يسوي بينهما، وكل هذا الاختزال يؤدي إلى ظهور جنس واحد أو الجنس الوسط بين الجنسين، هذا النموذج من صفاته أو من ملامحه:

./ إنكار أي شكل من أشكال عدم التجانس أو أي تنوع.

./ أنكار وجود ثنائية ذكر/ أنثى، كلاهما مجرد إنسان طبيعي مادي.

والخلاصة: امرأة بلا هوية أنثوية: ” وهكذا تتحول السوبرومانsuperwoman، عدوة الرجل، إلى سبومانsubwoman، ليس لها هوية أنثوية مستقلة، فهي أقل من امرأة، امرأة ناقصة، تبذل قصارى جهدها أن تكون “كاملة” أي متطابقة تماما مع الرجل” (صفحة 30).

وهذا هو بعينه السقوط، سقوط الأم والزوجة والمرأة، وبذلك سقوط الأسرة وتراجع الجوهر الإنساني المشترك وتسويته بجوهرالحيوانات والأشياء.

الفصل السادس:  حركة التمركز حول الأنثى والنظام العالمي الجديد

إن دعاة حركة التمركز حول الأنثى ينكرون تمام الإنكار الاختلاف النفسي والبيولوجي والاجتماعي بين الذكر والأنثى، ويرفضون فكرة العدل وفكرة توزيع الأدوار وتقسيم العمل بسبب هذا الإنكار ويطمحون لتحقيق فكرة التسوية في الأدوار، فيطالبون بأن يصبح الذكور آباء وأمهات في الوقت نفسه، والإناث يصبحن بدورهن آباء وأمهات بإخضاع العلم لهذه الرغبات، ويدعون للتماثل في المشاعر، وكل ذلك هدفه كما يقول المسيري: ” ضرب فكرة المعيارية والإنسانية المشتركة في الصميم حتى يتمّ تسوية الجميع ” (صفحة 32).

ففي صميمها ليست حركة منادية بالحقوق وليس لديها هدف لتحقيق المساواة بين الرجل والمٍرأة باعتبارها أما وابنة وعضوا في الأسرة والمجتمع، بل هي تعمل في إطار تفكيكي يعمل على زيادة كفاءة المرأة في عملية الصراع بين الذكر والأنثى، برنامجها هو برنامج يهدف إلى تغيير الطبيعة البشرية ومسار التاريخ والرموز واللغات.

الفصل السابع: حركة التمركز حول الأنثى والصهيونية

يقول المسيري أن هناك تشابها كبيرا بين حركة التمركز حول الأنثى وحركة إمبريالية مادية أخرى وهي الحركة الصهيونية، باعتبارهما كليهما ينكران الإنسانية المشتركة ويقسمان البشر بصرامة.

ففي إطار الثنائية الصلبةفاليهود عند أنفسهم، شعب الله المختار الذي له ألمه الخاص، وحقوقه المطلقة في استعادة أرض أسلافه كما يقول في مقابل شعب لا حقوق له، مرجعيته ذاته ويستمد معيارته منها، وبذلك فهو لا يساهم في أي جهود للدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية والدينية للآخر التي تنبع من الإيمان بالإنسانية المشتركة، لأن ذلك إحباط للمشروع الصهيوني في إنشاء دولته القومية ذات السيادة، وهذا الصراع اليهودي مع الآخر يشاكل صراع المرأة مع الرجل وإعلانها الحرب عليه.

ثم تتحول الثنائية الصلبة إلى واحدية صهيونية صلبة متمثلة في الدولة اليهودية الخالصة ذات الحقوق المطلقة، تسحق الشعوب الأخرى من أجل تحقيق الحقوق للذات اليهودية الخالصة.

وكأي حركة إمبريالية مادية تنحل الواحدية الإمبريالية والثنائية والواحدية الصلبة إلى واحدية سائلة تؤمن بتطبيع اليهود أي تحويلهم إلى كائنات طبيعية لا يختلفون عن بقية شعوب الأرض، فتصير بذلك الحركة الصهيونية من حركة تدعو للحقوق المطلقة لليهود إلى تأسيس دولة ذات توجه أمريكي تعتمد على دعم الأغيار الأمريكيين، وهذا التحول للحركة الصهيونية بذوبانها في النموذج الأمريكي يشاكل دعوة حركة التمركز حول الأنثى إلى الذوبان في الرجل وظهور الجنس الوسطuni -sex.

هذا التشابه بين الحركتين الذي يؤدي في النهاية إلى تفكيك المجتمعات الإنسانية العربية والإسلامية سياسيا وحضاريا، أدّى بالعالم الغربي إلى مساندة قوية لحركة التمركز حول الأنثى في البلاد الإسلامية كونها تعطي نتائج سريعة وغير مكلّفة، فالتفكيك هو البديل العملي الوحيد، فنجاح المجتمعات الإسلامية في تماسكها انطلاقا من وحدة التماسك الأولى: الأسرة ورائدتها الأم، التي تعتبر خزانا قيميا وتاريخيا وثقافيا يستثمرهالمجتمع، وهذا يعني التصدي للعولمة (الترشيد داخل الإطار المادي الغربي الذي لا يعترف بالحدود)، لذلك انتشر الخطاب حول الأنثى ذو الصورة التفكيكية الذي يعلن حتمية الصراع بين الذكر والأنثى ويضع نهاية للتاريخ الذكوري الأبوي وبذلك تآكل الأسرة وتفكك المجتمع الإنساني، وهذا في النهاية هدف النظام العالمي الجديد.

الفصل الثامن:  البحث عن بديل

في محاولة الكاتب لإرساء بديل عن هذه النماذج التفكيكية المدمّرة، نادى إلى معالجة مشكلة المرأة باعتبارها مشكلة إنسانية داخل الإطار الإنساني والتاريخي بحلول متولّدة عن نماذجنا المعرفية ومنظوماتنا القيمية والأخلاقية ومن إيماننا بإنسانيتنا المشتركة، يكون فيها المجتمع الإنساني سابقا أو مقدّما على الفرد، يُركز على حقوقه قبل حقوق الفرد، وبذلك تناقش حقوق الأسرة (الكل الإنساني الاجتماعي) كنقطة بدء ثم المرور إلى حقوق الأفراد (الأجزاء الفردية)  بعد ذلك، فننتقل من الحديث عن تحقيق الذات بشكل مطلق إلى تحقيق الذات داخل إطار الأسرة، وبدلا من الحديث عن ” تحرير المرأة ” كي تحقق ذاتها ولذتها، ندرس لنكشف أن أزمة المرأة في حقيقتها جزء من أزمة الإنسان التي تنبع من العصر الحديث.

قدم الدكتور المسيري بعض البدائل منها:

./ إعادة تعليم الرجل ليكتسب بعض خبرات الأبوة والعيش داخل الأسرة والمجتمع (خبرات فقدها الإنسان الحديث مع تآكل الأسرة وتحركه المتطرف في رقعة الحياة الاستهلاكية)، فيعرف بذلك عن قرب الجهد الذي تبذله المرأة/ الأم، ومن تم يمكن لإنسانيتنا المشتركة أن تؤكد نفسها مرة أخرى.

./  إعادة صياغة رؤية الناس للعمل، فيعاد تعريف العمل فيصبح تعريفه ” العمل الإنساني“، أي العمل المنتج إنسانيا، وهنا تصبح الأمومة أهم ” الأعمال المنتجة “.

./ تطوير طرز معمارية تفعّل الجيرة كمؤسسة وسيطة تشبه في وظيفتها الأسرة الممتدة.

./ تأسيس يوم عمل متناسب في تقسيمه مع مؤسسة الأسرة ولا يتعارض مع محاولة المرأة أن تقوم بدورها كأم وزوجة.

./ بعث الاقتصاد العائلي الذي لا يقوض الأسرة ويفككها، تساهم فيه المرأة دون أن تفقد هويتها كأم وزوجة.

./ إقامة دراسات نقدية جادة وعميقة وخلاقة لظاهرة تحرير المرأة في الغرب ونتائجها المدمّرة.

./ إقامة دراسات تعنى بمدى إنتاجية المجتمع ككل في إطار خروج المرأة للعمل في حقل الحياة العامة بدلا من العمل في حقل الحياة الخاصة.

./ التنبه لأثر كل مشروع اقتصادي إنتاجي على بناء الأسرة وعلى دور المرأة كأم.

./ التصدي للمشاريع التي يقال عنها تنموية والتي يفرضها البنك الدولي والتي تهدف في الواقع إلى تحطيم الدولة القومية ومؤسسة الأسرة.

./ دراسة الدور المدمر لبعض الشركات ” العالمية ” (مثل شركات مستحضرات التجميل) التي تعمل في رقعة الحياة الخاصة النفسية (الإمبريالية النفسية)، عن طريق توسيع شهوة الإنسان وتوليد حالة من القلق وعدم الرضا والاتزان داخله، فيتصور أنه لا يمكن تجاوزها إلا من خلال اقتناء سلع بعينها، فيفقد الإنسان إنسانيته ويتحول إلى مجرد جسد مادي بلا ذاكرة ولا وعي.

./ محاولة إدراك العلاقة بين حركة التمركز حول الأنثى وظواهر جديدة كاستخدام العامية في الصحف والمجلات في محاولة لفصلنا عن مرجعتينا التراثية (شخصيات وانتاجاتهم)، واهتمامها أيضا بالجنس في محاولة لنزع القداسة عن الإنسان ليصبح موضوعا بسيطا طريفا لا كائنا مركبا عظيما.

وخلاصة الكتاب ما قاله المسيري: ” إن حركة التمركز حول الأنثى هي جزء من هذه الهجمة الشاملة ضد قيمنا وذاكرتنا ووعينا وخصوصيتنا ويجب أن ندرك هذا ونعيه، حتى لا تكون معركتنا جزئية وغير واعية بذاتها ” (صفحة 49).

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.