حصريا

المدرسة الإستشراقية الألمانية …تاريخٌ وأعلام

0 153

                      بسم الله الرحمن الرحيم

 المدرسة الإستشراقية الألمانية …تاريخٌ وأعلام.

أ.صفية شعثان.

   يُعدُّ القرن التاسع عشر والقرن العشرين عصر الازدهار الفعلي والحقيقي لحركة الإستشراق والتي تبلوّرت مساعيها في مجموعة من المدارس المختلفة الجنسيات والإيديولوجيات التي شاركت جميعها في هدف واحد وهو التعرّف على مجاهيل العالم العربي الإسلامي على حدّ السوّاء، ولعلّ من بين أهم هذه المدارس وأعرقها على الإطلاق المدرسة التاريخية الإستشراقية الألمانية .

   ازدهرت المدرسة الإستشراقية الألمانية في القرن الثّامن عشر، وعلى الرّغم من اتصالها بالشرق منذ عهد الحروب الصليبية، وانشقاقها بعد ذلك عن الكنيسة الكاثوليكية إثر حركة “مارتن لوثر” إلاّ أنّها تأخرت في تلك الحقبة عن بقية دوّل أوروبا .[1]

   ولا يمكننا أن نعرف هذه المدرسة إلاّ بعد الوقوف على تاريخها الطّويل، فقد كانت الحروب الصليبية هي المحرّك الأهم في علاقة الغرب المسيحي بالعالم العربي الإسلامي، ومن الطبيعي أن ينصرف اهتمام الألمان إلى دراسة اللّغات الشرقية بعد أن بدأت هذه الدّراسات تحظى باهتمام العلماء في فرنسا وانجلترا، وكانت علاقات ألمانيا مع الدّولة العثمانية قويّة جدّا، وذلك نتيجة لروابط ومصالح عدّة تجمعها معها، وكان المستشرقون الأوائل من المدرسة الفرنسية هم روّاد المدارس الإستشراقية في أوروبا كلّها، ولما شعرت ألمانيا بأهمية وقيمة الدّراسات الشرقية؛ قامت بإنشاء معاهد تكفُل البحث في اللّغات الشرقية.

     وفي بداية هذا القرن ازدادت اهتمامات الجامعات الألمانية التي تبنت التّراث العربي الإسلامي ونشر نفائسه وتوثيق صلة ألمانيا بالعلوم العربية الإسلامية، ونشرت هذه الجامعات عددا من أمهات الكتب العربية بحيث أسس ” هارتمان ” الجمعية الشرقية الألمانية بالدولة الإسلامية التي أصدرت مجلة ” عالم الإسلام ” التي صدرت عن معهد اللّغات الشرقية بجمعية “هامبورج ” بحيث تهتم هذه المجلة التي أنشأها المستشرق ” كارل بيكر ” بالتعريف بالتراث العربي الإسلامي والعناية به [2] .

وبهذا كانت بداية هذه المدرسة الإستشراقية التّاريخية، التي كانت ولا زالت جذورها ضاربة في أعماق التاريخ.

 وإنّ المدرسة الإستشراقية الألمانية ومنذ ظهورها، حظيت بعدّة مميزات نحاول الوقوف على بعضها :

_عدم خضوع مستشرقيها  للسياسة، لأنّه لم يكن لهم مستعمرات في البلاد العربية .

_الألمان لم يحاولوا التنصير، ولذلك نجا مستشرقوهم من العبث بالتاريخ الإسلامي .[3]

_كما امتازت المدرسة الإستشراقية الألمانية بغلبة الرّوح العلمية على أبحاثهما والتي تتسم غالباً بالموضوعية والتجرّد والإنصاف، وهذه الرّوح مبعثها امتياز الشّعب الألماني بالخصال المميّزة كالثّقة العالية التي جبلوا عليها والعناية الفائقة والصبر الجميل، واتباع المنهج العلمي الصّارم بأعلى المقاييس العلمية المتعارف عليها .[4]

 اتّصف المستشرقون الألمان بالتّفاني في العمل والصّبر والمثابرة، فمنهم من فقد بصره مثل “وستنفلد “[5] ومنهم من أفنى عمره باحثاً ومنقباً ودارساً حتى إنّ ” يوهان رايسكه “سمّي شهيد الأدب العربي .[6]

 مساهمتها في نشر الثقافة الإسلامية، و التعريف بالحضارة الإسلامية العربية وذلك لما نشرت من نصوص قديمة ساعدت على نشر آلاف من أمهات الكتب العربية والإسلامية، بدرجة يستحيل معها – كما يقول المنجد – أن يخرج  مجمع علمي ما أخرجه مستشرق واحد، وجعلتها ميسرة للمثقفين الغربيين.[7]

 مساهمتها في مجال فهرسة المخطوطات العربية والإسلامية، وطال عمل المستشرقين في ذلك حتى إنّ “بروكلمان ” مثلا استغرق نصف قرن في وضع كتابه (تاريخ الأدب العربي) هذا بالإضافة إلى قيامها بتصنيف العديد من المعاجم العربية أو العربية اللاّتينية أو العربية الألمانية واهتمامها بالدّراسات المختلفة في ميادين الثقافة الإسلامية .[8]

 اهتمامها بعد الحرب العالمية الثانية بأحوال الوطن العربي ودراسته من جميع جوانبه .[9]

 ابتدئ تركيزها منذ القرن التّاسع على الدراسات الإسلامية وتتابعت منذ ذلك الوقت دراسات الألمان حول الإسلام .

هذا بالإضافة إلى اختلافها عن غيرها من مدارس الإستشراق الأخرى بالتركيز على البلاد العربية والدّين الإسلامي دون غيرها من لغات وديانات الشرق الأخرى .[10]

     وبعد وقوفنا على تاريخها الطويل لابد من التعرف على أبرز روادها، فمنذ بدايتها عرفت بمستشرقين أفذاذ كتب التاريخ أسمائهم بأحرف من ذهب، إلاّ أنّ تناول هؤلاء المستشرقين، وما جاءت به أبحاثهم ودراساتهم التي مجدّها التاريخ ليس إلى حصرهم سبيل لذلك سنحاول الوقوف على أبرز هؤلاء فقط فمن روادها :

1/ _جوهاب ياكوب رايسكه : (1774/1716م).

مستشرق ألماني من الرّعيل الأول ولد في (25 ديسمبر 1716 ) في أتسوربك بنواحي “هلّه” بألمانيا .[11]

أول مستعرب شهير أنجبته ألمانيا، وقد كان ظهوره في زمن لم تكن فيه العلاقات مريحة بالنسبة للدراسات العربية بشكل عام وبدأ كأنه معجزة .[12]

فهو الرّائد الألماني الأوّل الذي وقف نفسه على الدّراسات العربية والإسلامية، لقد تعلم اللّغة العربية دون معونة أحد، واشترى كل المؤلفات العربية التي وصلت إليها يده بالرّغم من فقره المدقع، وبدأ نشاطه العلمي بنشر المقامة السادسة والعشرون من مقامات الحريري بعد أن ترجمها إلى اللاّتينية، وعندما انتقل إلى جامعة ” ليدن” أوقف دراسته على المعلّقات خاصة تلك المتعلقة ب “طرفة بن العبد” .

كما قام أيضا بفهرسة المخطوطات العربية الموجودة في مكتبة ” ليدن “.[13]

بالإضافة إلى ترجمته لمقدمة كتاب (تقويم التاريخ ) لحاجي خليفة (1747م) ،كما قام بترجمة ألمانية للامية العجم للطغرائي في 1756 ونشره في 1765 نماذج للشعر العربي بعض أبيات في الغزل ومرثيتين كاملتين للمتنبي : النص العربي مع ترجمة ألمانية وتعليقات .[14]

وله العديد من الأعمال التي جعلت منه الرائد الألماني الأول، بل والمؤسس الحقيقي لدراسة اللّغة العربية في ألمانيا، ومات فقيرا مُعدَما بعد أن أطلق على نفسه شهيد الأدب العربي .[15]

2/_تيودور نولدكه (1931-1836م) .

  إنّه شيخ المدرسة الاستشراقية الألمانية من غير مدافع وضليع في اللّغة العربية وآدابها ومن رواد هذه المدرسة الذين عكفوا على دراسة تاريخ وآداب وثقافة العرب والمسلمين …

ولد “نولدكه” في 2مارس 1836بمدينة “هاربورج” الألمانية ساعده نشاطه الدّائب وألمعية ذهنه واطلاعه الواسع على الآداب اليونانية وإتقانه التّام لثلاث من اللّغات السّامية( العربية- السريانية- العبرية ) أن يظفر بهذه المكانة عكف على دراسة الأدب الكلاسيكي واللّغات السّامية .

تحصّل على الدكتوراه عام 1856برسالة حملت عنوان تاريخ القرآن وبعدها بأربع سنوات 1860 نشر ترجمة ألمانية لرسالته (وكانت باللاّتينية).

منقحة لهذه الرسالة تحت عنوان “تاريخ القرآن”- موسعة على الأولى – عرف بتبحرّه الكبير في عالم المخطوطات العربية، وذلك في كل رحلاته التي قام بها، حتى أصبح يقوم بفهرسة مجموعة من المخطوطات التركية.

كما كان يلقي العديد من الدروس في نحو اللّغة العربية وسفر إشعيا وعلى ذكر هذا فإن له كتاب “في نحو العربية الفصحى 1897م” .

وأيضا له أبحاث في علم اللّغات السامية 1904م وأبحاث جديدة عن علم اللّغات السّامية وكتب بالعربية ومنتخبات من الأغاني العربية .[16]

3/_جوزيف شاخت (1902-1969م).

مستشرق ألماني متخصص في الفقه الإسلامي ولد في 15 ماس 1902م في راتيبوري (سيليزيا الألمانية )، تخرّج شاخت من الجامعات الألمانية وعيّن أستاذ للدّراسات الشرقية فيها وانتدب لتدريس فقه اللّغة في الجامعات المصرية، ثمّ انتقل إلى انجلترا وعمل في الإذاعة البريطانية ضد بلاده وأثناء انتقاله لجامعة ” ليدن ” شارك في الإشراف على الطبقة الثّانية من

“دائرة المعارف الإسلامية ” .[17]

حصل من جامعة “برسلاو”على الدّكتوراه الأولى في 1923.[18]

أمّا الدّكتوراه الثّانية حصل عليها من جامعة أكسفورد، وحاضر فيها ثمّ عيّن أستاذا في جامعة ليدن في هولندا وانتخب عضوا في عدد من المجامع العلّمية ومنها المجمع اللّغوي بدمشق واهتم

بدراسة الفقه الإسلامي ونشر عددا من الكتب الفقهية .[19]

وله عدّة أعمال في تاريخ الفقه الإسلامي منها  كتاب” بداية الفقه الإسلامي مع العلم انّه دَرَّس فيه خصوصاً مذهب الإمام الشّافعي ”  ” وتلاه ” مخطط تاريخي الفقه الإسلامي ” و ” موجز في الفقه الإسلامي ” وكتاب ” الحيل والمخارج للقزويني ” و” اختلاف الفقهاء للطبري ” وكتب أبحاثاً في علم الكلام عند علماء المسلمين كما اهتم ” شاخت ” بدراسة الشريعة والقانون في مصر بالإضافة إلى دراسة المخطوطات العربية في استانبول والقاهرة وفارس وتونس …

ووصف الدّكتور عبد الرّحمن بدوي “شاخت” بقوله : ” كان شاخت حريصا على الدّقة العلّمية في عرض المذاهب الفقهية وفي دراسة أمور الفقه عامّة مبتعدا عن النظريات العامّة والآراء الافتراضية التي أولع بها أمثال: ” جولد سيهر” و ” سنتلانا ” ممّن كتبوا في الفقه، ولهذا كانت دراسات ومؤلفات “شاخت “أبقى أثرا وأقرب إلى التّحقيق العلمي وأوثق وأجدى .[20]

  وفي الأخير لا يسعنا إلا القول أن المدرسة الاستشراقية الألمانية بالرغم من أنها بدأت نوعا ما متأخرة عن غيرها إلا أن مستشرقيها أكدوا أصالتها وقدرتها على التصدي لقضايا فكرية هامة، وأن تاريخها هو تاريخ طويل ذو خصائص ومميزات جعل منها تتفوق على باقي قريناتها من المدارس الاستشراقية الأخرى …

 

[1] / أنور محمود زناتي ، زيارة جديدة للاستشراق ، النّاشر مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة الطبعة الأولى 1426ه -2006م ص483.

[2] / محمد فاروق النبهان، الاستشراق تعريفه، مدارسه، آثاره، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية و العلوم والثقافة، ايسيسكو، 1433ه-2012م ص30.

[3] / محمد فتح االله الزيادي، الاستشراق أهدافه ووسائله، الطبعة الأولى (1998م) دار قتيبة ص75.

[4]  /  ساسي سالم الحاج، نقد الخطاب الاستشراقي، الطبعة الأولى (2001م) النّاشر دار المدار الإسلامي، لبنان ج 1 ص 134.

[5]  /  “وستنفلد” مستشرق ألماني  ذو شهرة واسعة ولد سنة 1808م تخصص في اللّغات الشرقية، وأتقنها وحاضر فيها وخاصة اللّغة العربية، له أعمال كثيرة جدا أهمها : أكاديميات العرب و أساتذتها، بالإضافة إلى بعض المخطوطات منها : عجائب المخلوقات للقزويني  أنظر : د- بدوي (موسوعة المستشرقين ) ص276 .

[6]  /  محمد فتح الله الزيادي؛ الاستشراق أهدافه ووسائله، مرجع سابق ص77.

[7] /  محمد فتح الله الزيادي، الاستشراق أهدافه ووسائله (مرجع سابق ) ، نقلا عن المستشرقين الألمان لصلاح الدين المنجد ونقد الخطاب الاستشراقي ص134.

[8]  / المرجع نفسه ص 78.

[9]  / نقد الخطاب الاستشراقي (مرجع سابق ) ص134.

[10]  /  الاستشراق أهدافه ووسائله ( مرجع سابق ) ص 80 .

[11] /  عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين- بيروت  لبنان – الطبعة الثالثة يوليو 1993 ص 298 .

[12]  /  عمر لطفي العالم، تاريخ حركة الاستشراق، الدّراسات العربية والإسلامية في أوروبا حتى بداية القرن العشرين – الطبعة الثانية 2002- دار المدار الإسلامية – بيروت لبنان ص 110 .

[13] / د- ساسي سالم الحاج، نقد الخطاب الاستشراقي، ط الأولى (2001) النّاشر دار المدار الإسلامية لبنان ج 1 ص130.

[14]  /  عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين – دار العلم للملايين – بيروت لبنان – الطبعة الثالثة يوليو 1993 – ص300-302 مقتطفات .

[15]  /  ساسي سالم الحاج، نقد الخطاب الاستشراقي (مرجع سابق ) ص130.

[16] / عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة يوليو 1993م ص595 وما بعدها .

[17] / عبد الرحمن بدوي، موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الثالثة يوليو 1993م، ص 366

[18] /  المصدر نفسه ص366.

[19] /  نجيب العقيقي، المستشرقون – الطبعة الخامسة – دار المعارف ص469.

[20] /  موسوعة المستشرقين ( مصدر سابق ) ص366 وما بعدها .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.