حصريا

الحكم على الفواجع والمصائب..بين الوهم واليقين؛ صُوىً على الطريق

0 157

الحكم على الفواجع والمصائب..بين الوهم واليقين؛ صُوىً على الطريق

جواد بحر النتشة – فلسطين

تحدثت النصوص قرآنا وسنة عما يصاب به الإنسان مسلما كان أم كافرا، من مصائب بشتى ألوانها: موت، مرض، جوع، خوف، هزيمة، زلازل، أوبئة؛ وغيرها من المصائب؛ والمصائب في أصل الأمر لا تنتقي فلانا أو تترك فلانا بحسب دينه وتقواه، وإنما هي أسباب وذوات أسباب أيضا، تصيب من دنا منها، أو لم يَحْم نفسه منها؛ ثم قد تكون التقوى أو عدمها سببا لما يكون بعدهما.

وبين يدي بحث هذه المسألة لا بدّ من التأسيس لطبيعة الحياة بحسب ما تدلّ عليه النصوص:

أصل الحياة في الفهم الإسلامي أنها حياة ابتلاء:

الحياة لم تكن في لحظة من الفهور الإسلامي الرشيد إلا حياة ابتلاء: ابتلاء بالخير، وابتلاء بالشر؛ حتى الحياة والموت خلقهما الله تعالى لهذا الابتلاء؛ قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، (الملك: 2)؛ ذكر العلامة ابن عاشور رضي الله عنه في تفسيره التحرير والتوير، (29/13)، أن ((معنى الابتلاء مُشعر بترتّب أثر له، وهو الجزاء على العمل))؛ وذكر بعد صفحتين في معنى تذييل الآية بالعزيز الغفور أنه: ليجزيكم جزاء العزيز؛ ويكرمكم بعفوه لما يُفلت منكم؛ وقال عزّ من قائل: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، (الأنبياء: 35)؛ وقال أيضا: (لقد خلقنا الإنسان في كبد)، (البلد: 4)؛ ويبدو لي أن الله تعالى قدّر كل هذا الذي تقدم ذكره في الحياة لأن الدنيا ليست نهاية المطاف، وليست هي الجنة الموعودة، ولا العذابات الممدودة؛ وأن الصورة تكتمل بالتقاء الدنيا بالآخرة معا، فتنتهي صولة الدنيا، ليبدأ أثر ما فيها في الآخرة؛ فليس الأمر أن فلانا أصيب ففاته الخير كله؛ بل الآخرة خير وأبقى.

ومع ذلك، فالمؤمن يسعى دوما إلى السلامة وسط هذا المنجم المتفجر الذي يجري فيه؛ أعني الحياة الدنيا؛ فعليه أن يأخذ بأسباب السلامة والعافية: وقاية وعلاجا؛ ومنها العلم والمعرفة في كل سبيل من سبل الدنيا والآخرة؛ والله تعالى حينما أنزل الداء، أنزل معه الدواء؛ وعلى المسلم أن يبحث عن الدواء، وهو ما يبعث إلى البحث العلمي والمزيد منه.

إنه إذا عثر المسلم على الدواء لمرضه، والعلاج لمصابه، فعليه أن يأخذ بسنة التداوي، وإلا كان آثما إذا أدى به مرضه إلى تلف ونحو ذلك؛ إن صحة الأبدان في الشرع مقرونة بصحة الأديان، ولذا وجب على المريض الإطار في رمضان إن كان صومه يؤخر برأه، أو يزيد في مرضه؛ شأن ما ذكرناه عن استحباب التداوي أو مشروعيته، هو عند جمهور العلماء، إلا الإمام أحمد رضي الله عنه وقلة من أهل العلم الذين قالوا: إذا كان من أهل صدق التوكل، فيمكنه أن يكتفي بالدعاء؛ وفي تقديري أنهم بهذا لم يخالفوا ما ذكرناه عن الجمهور، بل انطلقوا إلى دواء آخر، وهو الدعاء ذاته؛ ولهم في هذا أدلة مشهودة، وللدعاء والرقية مقام لا يقدر عليه أكثر الناس؛ هذا، وإن كان الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى قرّر مشروعية عدم التداوي من أصل الأمر.

المصائب وعلاقتها بسياق حياة الإنسان خيرا أو شرا:

والسؤال الكبير ها هنا أطرحه كما يلي: هل ما يصاب به المسلم دليل على انحطاط إيمانه؟ أو: هل هو دليل على أن الله تعالى يحبه فيصيب منه؟ أو: هل ما يصيبه عقاب له؛ أم هو رفع لدرجته، وتكفير لسيئاته؟ بكل ذلك نطقت نصوص قسمْتُها إلى أنواع ثلاثة كما يلي:

النوع الأول: ما يُرجع المصيبة إلى سبب في المصاب نفسه، لتقصير ما، أو معصية ما: ومنه قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير)، (الشورى: 30)؛ قال الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى في تفسيره التحرير والتنوير، (25/99): ((والخطاب للمشركين ابتداءً، لأنهم المقصود من سياق الآيات كلها؛ وهم أولى بهذه الموعظة لأنهم كانوا غير مؤمنين بوعيد الآخرة؛ ويشمل المؤمنين بطريق القياس، وبما دلّ على شمول هذا الحكم لهم من الأخبار الصحيحة، ومن آيات أخرى))؛ ويبدو لي أن الآية جاءت بصيغة العموم الدالة على أن كل مصابٍ فمصيبته داهمته بما كسبت يداه، لأن الناس غالبا ظالمون لأنفسهم، متمادون في معصية ربهم؛ فغلّبت الآية هذا الحال، وحكمت بعمومها، رغم أن عمومها غير مقصود؛ فقد تقع مصيبة لرفع الدرجة؛ أو ابتلاءً يُقصد به التعبير عن حال محنة يُفرز فيه الصابر عمن ليس بأهل للصبر.

النوع الثاني: ما يدل على أن المصيبة تكفير للسيئات: والحق أن هذا النوع لا يبتعد كثيرا عن الأول؛ بل هو تفصيل لبعض جوانبه؛ فتكفير السيئات شاكلة من العقاب الدنيوي الرحيم عليها، حتى لا يعاقب المذنب بسببها في الآخرة، كما سيأتي في بعض كلام العلماء؛ من هذا النوع قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد والبخاري وغيرهما: (ما يصيب المؤمن من وَصَبٍ ولا نَصَبٍ ولا همٍّ ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله من خطاياه)؛ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في  الفتح، (10/109): ((أي يكون ذلك عقوبة بسبب ما كان صدر منه من المعصية))؛ وكذلك ما رواه البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر يأجوج ومأجوج: أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال صلى الله عليه وسلم: (نعم، إذا كثُر الخبَث)؛ نقل الحافظ ابن حجر في الفتح، (13/117)، عن الفقيه المالكي ابن العربي قوله: ((فيه البيان بأن الخيِّر يهلك بهلاك الشرّير إذا لم يغير عليه خبَثه؛ وكذلك إذا غيّر عليه، لكن، حيث لا يُجدي ذلك، ويُصرّ الشرير على عمله السيء، ويفشو ذلك، ويكثر حتى يعمّ الفساد، فيهلك حينئذ القليل والكثير، ثم يُحشر كل أحد على نيّته))؛ وهو تفسير واضح في تنْزيل هذا الهلاك منْزلة العقاب على انتشار الفجور والفسق؛ وكذا في السياق نفسه لا بدّ من ذكر قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وغيره: (ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه، إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة)؛ قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم، (8/182)، شارحا هذا الحديث وما في معناه: ((في هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين؛ فإنه قلّما ينفك الواحد منهم ساعةً من شيء من هذه الأمور؛ وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومها، وإن قلّت مشقّاتها؛ وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور، وزيادة الحسنات؛ وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء))؛ ومما وقع في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، (5/432)، طبعة دار القبلة بتحقيق شيخنا محمد عوامة؛ أن الأرض زلزلت على عهده رضي الله عنه حتى اصطَفَقَتِ السُّرُر، فخطب وقال: ((لئن عادت لأَخْرُجَنّ من بين ظهرانيكم))؛ وقد يُفسر كلامه رضي الله عنه بأن الزلزلة كانت عقابا، وهو الأولى، لتهديده بالخروج من المدينة إن وقعت مرة أخرى، إذ هو لا يقبل أن يكون في مكان يقع عليه عقاب على أثر ذنوب؛ وقد يُفسر كلامه بأن الزلزلة كانت تكفيرا؛ وهو ظاهر في معنى العقاب، وقد يدخل فيه أيضا معنى تكفير السيئات.

النوع الثالث: نصوص تدل على أن وقوع إنسان ما في المصيبة دليل على حب الله له: من هذه النصوص الدالة على هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وأحمد: (من يُرِدِ الله به خيرا يُصبْ منه)؛ نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح، (10/113)، عن أبي عبيد الهروي أن معناه أن الله تعالى يبتلي العبد بالمصائب فيثيبه عليها؛ ويدخل في هذا المعنى بتقديري ما يقع للدعاة والعلماء الناطقين بالحق والناهين عن المنكر؛ والحق أن هذا النوع تعبير عن حالة فردية يعيشها مؤمن بمرض ما، أو محنة في معيشته وحياته في غالب الأحوال؛ أو تعيشها الأمة أو فريق منها، وذلك حينما يكون هؤلاء عاجزين عن التغيير، وأن ما يقدرون عليه هو الصدع بالحق الذي قد يؤدي إلى محنة قاسية.

تنزيل النصوص السابقة على الأحوال:

هذا، وثمة نصوص أخرى تفيد ما تقدّم من المعاني، وليس قصدنا الاستقصاء؛ والسؤال المهم: كيف ننَزّل هذه النصوص على أفرادها من الناس والأمم والدول؟ أي: كيف نحكم على فلان أن الله أراد به في مصابه خيرا أو شرا؛ أو أن أصيب عقابا له؛ أم تكفيرا عن سيئاته ورفعا لدرجاته؟ وهو ما سأبينه في الفقرات التالية:

1- لسنا مسؤولين عن مثل هذا الحكم، ولا يعاقبنا الله تعالى إذا لم نحكم لفلان أو على فلان؛ لكن المقصود هو الاعتبار وإنذار النفس حتى لا تتمادى في غيّها.

2- ثم إن العلم في كل ما تقدّم عند الله، إلا إذا جاء نصّ في حق فلان، فيُحكم به من خلال هذا النص؛ كما تحدثت آيات عن أهل مكة وعن يهود وغيرهم من البشر؛ هذه هي الناحية الوحيدة التي تنال القطعية في هذا الشأن؛ أما غيرها، فبالأغلب غالبا، وأحيانا بالظن الذي يقترب أو يبتعد قليلا أو كثيرا من الوهم؛ لكن؛ مَن بدا لنا من حاله أنه من أهل اليقين بالله، والصدق مع الله، وتقوى لله تعالى؛ رجونا أن يكون ما أصابه رفعا لدرجته، أو على الأقل تكفيرا لسيئته؛ أما من كان حاله فيما يبدو للناس مجرما قتالا شهّادا للزور، ناشرا للفساد، بعيدا عن التقوى، معاديا لأولياء الله؛ فمثل هذا تسوقه حاله إلى حيث النصوص التي تتحدث عن العقاب لعله يصحو؛ أو النصوص التي تتحدث عن عقاب هو مقدمة لعقاب شديد في الآخرة إذا لم يعد إلى ربّه عزّ وجلّ؛ وكذا من تجرّأ على الله تعالى معترضا على الله تعالى فيما اختاره له من المصاب، وقال ما لا يجوز أن يقال في حق المولى عزّ وجلّ.

3- أما عامة الناس الذين ليس حالهم كحال المجرم البين جرمه؛ أو التقي البين تقاه؛ فهؤلاء يقال فيهم: الله اختار لهم ما اختار، ولعل ما أصابهم يجمع بين رفع الدرجة وتكفير الحسنة؛ أما الحكم عليهم بأن ما أصابهم هو عقاب، فهذا تألٍّ على الله تعالى، وتقدّم بالحكم بين يديه سبحانه فيما ليس من شأن البشر.

4- فإذا اتجهنا إلى الأمم والدول، فالكلام غير الكلام، لأن المسؤوليات غير المسؤوليات؛ ها هنا يكون الحديث عن الجهة المصابة من زوايا ثلاث: الأولى: قربها أو بعدها عن الله تعالى؛ والثانية: أخذها بأسباب السلامة أو إهمالها؛ أو أخذها بالأسباب عامة ومنها العلم والمعرفة واستثمار سنن الله تعالى في كونه؛ أو عدم أخذها بها؛ والثالثة: جهة عدوانها على الأمم أو موادّتها للأمم؛ إن أمريكا لا زالت تملك الأسباب: أسباب القوة والمادة والسيطرة والهيمنة والمال والإعلام؛ فمن جهة الأسباب لا مشكلة لديها؛ لكن، قد يأتيها الله من حيث لا تحتسب لظلمها للأمم؛ وقد قال الله تعالى عن المكذّبين: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأُمْلي لهم؛ إن كيدي متين)، (الأعراف: 182)؛ قال العلاّمة أبو السعود في تفسيره، (3/275): ((أي سنستدرجهم استدراجا كائنا من حيث لا يعلمون أنه كذلك؛ بل يحسبون أنه أثَرةٌ من الله عز وجلّ، وتقريب منه))؛ وهذا كله عندما يقع لهم ما يحبون، فيحسبون أنه تكريم من الله لهم، مع أنه إيقاع بهم في مهاوي النهايات؛ وإن هذا لكائن بإذن الله تعالى إذا وُجد في الأمم من تقدر على ملك الأسباب وتحقيق العدالة، وتكافح في سبيل ذلك؛ فإذا تحقق ذلك لأمة من الأمم، فقد تتحول القوة إليها، لينظر الله تعالى كيف يفعلون.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.