حصريا

التأهيل الأسري…..والحاجة إلى تطبيقه على أرض الواقع

0 21

التأهيل الأسري أو الإرشاد الأسري عبارة هبت بها رياح التنمية القادمة من الغرب،وهو أحد تطبيقات علم النفس،والتي جاءت نتيجة تحول حال الفرد والأسرة والمجتمعات برمتها بفعل العولمة وقوانين رسختها المواثيق الدولية تحت مسمى حقوق الإنسان عموما.
وحاجة الفرد خاصة للعيش في أمن وسلام وتصالح مع نفسه ومع من يحيطون به لكن نتائجها كانت وخيمة على كل هؤلاء؛ فهذه القوانين رسخت الفردانية وقنَّنت للأسرة النووية، بل ومضت إلى أبعد من ذلك في القضاء شيئا فشيئا على أنسنة الإنسان وسلامة فطرته، فهاهي الآن تدعو إلى القضاء حتى على هويته كجنس بشري ينقسم إلى ذكر وأنثى،وأبدلت ذلك بمصطلح الجندر.
فلم تعد الفروقات البيولوجية والنفسية المتعارف عليها هي التي تبين الفروق بينهما بل إنها ماضية إلى تقنين قوانين سمحت لأشكال جديدة من الظهور إلى العلن ومنها أسرة الأم العازبة وأسرة الشواذ.
يحدث هذا في العالم الغربي الذي يفتقد لمناهج ربانية تؤطر حياته وترده إلى جادة الصواب إن ضلَّ الطريق، ومع ذلك فإن الكثير من دعاة سلامة الفطرة عملوا جادين على وضع نظريات علمية، وسطَّروا خططا، وسنُّوا مهارات رائعة للفرد وللأسرة عامة وللزوجين بعد انتشار الرذيلة والفساد وتفشي ظاهرة الانتحار والشذوذ والاغتصاب.
وذلك بتشخيص المشاكل الأسرية ومعالجتها بعد تحديد الأسباب ووضع خطة علاج ومساعدة أفراد الأسرة على مجابهة الأزمات بواقعية للتقليل من حالات التفكك الأسري الذي انتشر بقوة بفعل هذا التقدم التكنولوجي والصناعي وأثر العولمة على الفرد والأسرة والمجتمع.
واصطلح على هذا النشاط الذي انتشر أكثر في أمريكا تحت مسمى التأهيل الأسري لعلاج الأسرة المريضة من الداخل بتطوير فعاليتها من خلال علاج أفرادها وإعادة تأهيلهم نفسيا وعاطفيا بالإرشاد تارة وتعليمهم مهارات تارة أخرى..
ونحن في العالم العربي والإسلامي عموما والجزائر بصورة أخص لسنا بمنأى عمَّايحدث حولنا، وبفعل الاستيلاب الحضاري؛ فنحن نتأثر أكثر مما نؤثر، فالمواثيق الدولية المشبعة بمبادئ العولمة وهيمنتها ستؤدي إن آجلا أو عاجلا إلى إضعاف الأسرة وهدمها من خلال تلك الصيحات التي تطلقها المؤتمرات النسوية العالمية؛ كتحديد النسل باسم الصحة الإنجابية للمرأة,والإجهاض الآمن,ومناهضة العنف ضد المرأة، وعملت وتعمل على تقييد صلاحية الآباء والذي اصطلحت على تسميته بالعنف الأسري،وسحب القوامة من الرجال. ولايجب أن نبقى مكتوفي الأيدي أمام هذا التشرذم والتفكك الذي تشهده أسرنا..
وفكرة التأهيل الأسري ليست غريبة عنا، ونحن أمة العمارة والخلافة والتي أبدا لا يمكنها أن تؤدى كرسالة إن لم يُهَيَّأ الفرد الفاعل الرّسالي، وهذا لن تتأتى له الفاعلية إلا داخل أسرة سوية مبنية بأسس سليمة..
ومجتمعنا مجتمعٌ خيِّرٌ أصيل يحتاج فقط إلى لمسات حانية لتعيده إلى فاعليته بالتأهيل الأسري الذي هو من أسس صلاح الأسرة في ديننا، فقد أفرد القرآن سورا بأكملها في هذا المجال بوضع مناهج توعوية علاجية تنموية للفرد والأسرة.
فسورة النساء والطلاق والتحريم وغيرها كلها تحمل في طياتها معاني التأهيل الأسري؛ من حيث كونه طريقة للمّ شمل الأسرة بتطوير ذات الفرد من خلال تفعيل القيم الفردية والأسرية، كيف لا، والزواج في الإسلام هو سَكَن ولباس وميثاق غليظ والعلاقة بين أفراد الأسرة خاصة بين الزوجين مبنية على المودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف..
قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 128] وإن أدرنا حصر آيات التأهيل الأسري بين الصلح والإرشاد وحسن التواصل بين أفراد الأسرة تحتاج إلى بحث مستقل.
لذلك لدينا أسئلة عديدة نحاول الإجابة عليها من خلال هذه السطور الهدف الأساسي منها هو بيان أهمية الإرشاد الأسري وحاجة الأسرة والفرد إليه لتنمية الفرد وإعادة فاعلية الأسرة في المجتمع لأنها المحضن الأساسي لصناعة الأفراد تليها المدرسة..
فماهي أهمية الأسرة في حياة أعضائها؟وكيف يمكن إعادة تفعيل دور العائلة لتوجيه الأسرة؟وماهو التأهيل الأسري؟ وماهو دوره وماهي حاجتنا إليه؟وماهي آليات تطبيق الإرشاد الأسري وفق تعاليم ديننا؟
وما دام ديننا وضع الأسس والمناهج الفاعلة لتكوين الأسرة والعمل على تفعيل نظامها من خلال أفرادها وتواصلهم المبني على الرحمة والمودة والمعاشرة بالمعروف لِمَ نستورد أسس التأهيل الأسري المبني على نظريات التعلم والسلوك الغربية والتي قد تتنافى مع تعاليم ديننا؟
إذن؛ فالأسرة هي ذلك النظام الاجتماعي المتكامل الذي يمثل أهمية قصوى للفرد والمجتمع على حد سواء والفرد يجد حاجته وذاته داخلها عند وجود علاقة فاعلة وصحيحة بين باقي الأفراد باعتبار أن الأسرة كما سبقة ذكره هي المحضن الصحي الحقيقي لنمو الإنسان عاطفيا ونفسيا وعقليا…
وبما أن الأسرة هي نتاج علاقة للأنماط الثقافية والاجتماعية الموروثة من طرفي الزواج قد تحدث تصادمات في زمن غاب فيه حكماء الأسرة وانتقلت من النمط الممتد إلى النمط النووي وفقدت فعاليتها بالتربية بالقدوة باعتبارها نظام اجتماعي مبني على علاقات بين أفرادها تقوم على أساس من الحقوق والواجبات والتزامات عاطفية ومادية وأي خلل فيها وفي علاقات أفرادها يحتاج إلى علاج…
وحتى نتعرف عن التأهيل الأسري أو الإرشاد الأسري ودوره في علاج الاختلالات الأسرية بأنواعها والمهارات التي يزود بها أفراد الأسرة لأنهم يؤثِّرون ويتأثرون بالمعايير والقيم والعادات داخل المجتمع ويتشربون بالأفكار الوافدة التي لها الأثر الواضح في العلاقات الأسرية لابد أولا أن نتعرف على هذه الاختلالات التي قد تعصف بالأسرة على حين غفلة…
ماهي المشاكل الأسرية التي تحتاج إلى علاج والأسرة من بسببها إلى تأهيل؟
1/ تتعرض الأسرة لنوع من التنافر في علاقات أفرادها مع جمود في العواطف بسبب الكثير من المشاكل عندما يتعذر التواصل الفعال، ومن تلك الأسباب الاضطرابات السلوكية للأطفال فيعود ذلك سلبا على أفراد الأسرة خاصة الوالدين.
ذلك لأن هذه الفئة من الأطفال ليست لديهم القدرة على إقامة علاقات شخصية مع أقرانهم ومع أفراد الأسرة عموما ومع معلميهم حيث تصدر منهم سلوكات غير ناضجة مقارنة بأقرانهم، ومنهم مرضى التوحد والذين يعانون مشكلات نفسية في شخصياتهم بعدم الثقة في من يحيطون بهم والانسحابيين وممن يعانون القلق والخوف والانطواء والاحباطات، ويصنفهم أهل الاختصاص من الأطباء والنفسانيين إلى تصنيفات نفسية وأخرى تربوية ومهما كانت التصنيفات فإن وجود طفل مضطرب سلوكيا يؤثر سلبا على كل أفراد الأسرة مما يتطلب تدخل طرف ثالث قد يكون مرشدا أو محللا نفسيا أو مرافقا شخصيا حسب توصيف الحالة.
خاصة وأنَّ الأسرة فقدت فاعليتها في التعامل مع الأصحاء، فكيف مع من يعانون من اضطرابات كهذه؟! فدون تدخل خارجي سيعيش هؤلاء الألم مسببين مشاكل لا تحصى داخل البيت مع نقص الوعي وسوء التواصل داخل الأسرة قد يؤدي إلى الانفصال بين الوالدين، وقد ينسحب الأب وتتكبد الأم وحدها عناء الاهتمام بالمشكلة ونادرا ماتتصل الأسرة بالإخصائي النفسي. أما المرشد الأسري فهو مصطلح جديد لدينا لا نعرف أهميته ولا دوره بلإنه في أغلب الأحيان يلجأ الأهل إلى الرقية لاعتقادهم بأن أي اضطراب في السلوك هو إما مس أو عين، ويمكن أن تكون ردة فعلهم بالإهمال أو المواجهة العنيفة.
2/ تكوين أسرة هو أكبر مشروع يقدم عليه الأنسان يحتاج ذلك إلى وضع خطة مستقبلية كأي مشروع حياتي ولأن الأسرة تغيرت صفتها؛ بعد أن كان تفاعل الصغارمع الكبار وحكماء الأسرة واضحا والتربية بالقدوة هي الأساس، وأصبحت ذات طابع فرداني يعتمد كل شخص على نفسه؛ خاصة مع القلق الذي نعيشه بكثرة الالتزامات وأثر التقدم التكنولوجي والعلمي الذي تغيرت معه حياة الناس، وتباعدت العلاقات وانفرد الفرد عن الجماعة وطغت الأنانية. وهنا يحتاج صاحب هذا المشروع رجلا كان أو امرأة إلى إعداد وتأهيل لنجاح هذا المشروع المتمثل في تكوين أسرة ذات أسس سليمة من حيث حسن الاختيار وطرق تأسيس البيت وبناء علاقة سليمة مع الشريك.
3/ أكثر حالات الطلاق تكون في السَّنة الأولى منالزواج؛ وذلك بسبب نقص الخبرة أو سوء الاختيار، وبسبب غياب التوجيه وترشيد دور الاسرة في الالتزام بأساسيات الحياة للفرد بدءًا باستقبال المولود الجديد بالحمل والولادة والرضاعة والتنشئة السليمة للطفل، والتي كانت البنات تتلقاها عن الامهات والجدات أما الآن فالبنت لا تتهيأ لتكون أما وزوجة تدخل إلى عالم الزواج مع شريك لا يفقهان في هذه التجربة أبسط أبجدياتها وسرعان ماتدخل الأسرة في معترك الحياة دون سلاح..
4/ يضاف إليها الخيانة الزوجية، ومشاكل التعدد، وانسحاب الرجال من مسؤولياتهم، وعمل المرأة، وميزانية البيت، ومشاكل الفقر والتعليم والمراهقة، وتمركز النساء في الأسواق واستلام مهام القوامة من الأزواج، والإهمال والقسوة وغيرها. رغم أن الأسرة هي مخزن صناعة القيم، ولكن الكثير من المؤثرات تداخلت، ودخلت عالمها، فأحدثت الخلل، وطغت برودة الجليد على العلاقات بدل الدفء بسبب سوء التواصل، وعدم معرفة كل فرد للآخر وميوله ونمطه التمثيلي بين الحسي والبصري أو السمعي بل إن الفرد فينا لا يعرف حتى ذاته وميولها..
وإذا كانت هذه بعض النقاط التي حصرت أنواع الاختلالات التي تصيب الأسرة فماهو العلاج وما هو دور التأهيل الأسري الذي هو لب هذا العرض الذي بين أيدينا؟
إذن، ماهو تعريف التأهيل الأسري أو الإرشاد الأسري وماهو دور المرشد والمرافق في تأهيل الأسرة وإعادة تفعيل أفرادها كلٌّ حسب حاجته؟
الإرشاد الأسري هو مساعدة الأسرة على تخطي أزماتها بتشخيص المشكل، وتحديد أسبابه، ووضع خطة للعلاج وتطبيقها على أفراد الأسرة فرادى أو جماعة حسب الحالة والحاجة..
– فيعمل على ترشيد دور الأسرة بتفعيل الأفراد وإكسابهم مهارات التواصل الجيد فيما بينهم وتذليل العقبات بالتنازل والإيثار والتماس الأعذار.
– مساندة الضعيف في الأسرة ومساعدة ناقص النضج والمريض والمعاق والشيخ والمتقاعد وجعل هؤلاء يتجاوزون حالة الضعف أو الإهمال بتعليمهم مهارات عن طريق المرافق الشخصي أو الإرشاد؛ بدراسة الحالة والتعرف على نقاط القوة وتدعيمها والتخلص من نقاط الضعف والمشاعر السلبية المصاحبة لها وتقويم علاقاتهم الأسرية بتعليمهم مهارات التواصل الفعال.
– مساعدة الزوجين على إدراك أهمية الصلة الأسرية وتنظيم البيئة المسلمة المتوازنة لأعضائها؛ بتدعيم كل فرد وحثِّه على اكتشاف ذاته وترقيتها، وتعويدها على مهارات التعامل الايجابي فيما بينهم. وتقويم شؤونهم الأسرية بتقوية الوازع الديني؛ لأن اختلال العلاقة الزوجية كثيرا ما يؤدي إلى العنف والهجر وتناقص العلاقة الحميمية، والتي قد تتسبب في الطلاق العاطفي أو الخيانة وأحيانا الشذوذ وبرود العواطف داخل الأسرة وهذا يضفي بظلاله على نمو الأطفال سلبا من الناحية الجسمية والنفسية والاجتماعية.
ورفع المستوى القيمي لديهم خاصة وأن تلك الاختلالات الزوجية هي تلك الصراعات التي تنشأبين الزوجين ظاهرها يبدو أنها تحدث بسبب الضغوط الخارجية كالأهل والفقر وفي الحقيقة أنها تكون بسبب تباين طرق التفكير لديهما والمشاعر والتَّوجه القيمي لدى طرفي الزواج فيظهر الخلاف ويتحول إلى شقاق…
– “نحن الكبار نعتقد دائما أن الصغار سعداء”: كلمة يوجهها المرشد الأسري للأولياء ليبين أن الأطفال مثلنا تماما؛ يغضبون، ويؤثرون ويتأثرون، ويحلمون، ويضيقون ذرعا بنا. وآلية التأهيل هنا تكمن في مساعدة الأسرة على اتساق وتماسك علاقتها بالطفل؛ لأنها هي المؤثر رقم واحد في حياة الطفل، وبالتالي؛ فإن التوعية ضرورة لفهم خطورة الإهمال، أو إلحاق الأذى بالطفل بالعقاب العدواني العنيف، وكل الصور غير الصحية التي يجد لها المرشد وسائل ومهارات لتجعل من الطفل فردا نافعا بالعلاج السلوكي، أو إحالة الحالة إلى الطب النفسي أو العضوي أو علاج مع أفراد الأسرة وتمكينهم من التفاعل معه.
وإذا كان الإرشاد الأسري يعتمد في آلياته على نظريات التعلم الغربية فهل نأخذه كما هو أم نرفضه جملة وتفصيلا؟ أم نمسك العصا من الوسط ونأخذ من تطبيقاته وآلياته ما يتناسب مع عقيدتنا، ويلبي حاجتنا في عصر بدأت تتهاوى القيم من برجها العاجي لتسقط أسر بأكملها في وحل الانحرافات والشقاقات وعمَّت فوضى الأفكار والرؤى؟
ويعتمد التأهيل الأسري على نظريات حديثة في هذا المجال منها:
– نظرية النظم العامة General systemstheory؛ والتي تعتمد على فحص السياق الخاص بالفرد والأسرة من أجل فهم أحسن للمشكلة، والمبادرة بعلاجها من خلال متابعة طبيعة العلاقات بين أفراد الأسرة.
– ونظرية العلاج البنائي؛ التي تعتمد على تأهيل الأسرة بتفعيل دور أفرادها من خلال مساعدتهم لأن يروا أنفسهم مؤهلين من خلا تطوير بنيتهم المعرفية التي تقودهم إلى إيجاد حلول جديدة.
– ونظرية العلاج الأسري الاستراتيجيStrategicFamilyTherapyTheory؛والتي تركز على اضطراب وظائف العلاقات وأنماط الاتصالات بين أفراد الأسرة.
– ونظرية العلاج الأسري والزواجي المعرفي Cognitive Behavioral Marital and FamilyTherapy؛ والتي تعمل على تدريب الآباء في تخطي مشكلاتهم مع أطفالهم، أو العلاج الزواجي للأزواج الذين لديهم معاناة زواجية، ومعالجة التشوهات المعرفية التي يمارسها الأفراد، وتسبب لهم الألم والتدريب على مهارات حل المشكلات بتفكيك المشكل الكبير إلى عدة مشكلات متسلسلة تحل شيئا فشيئا..
– وهناك نظرية العلاج الخبراتي الأسري لفرجينا ساتيرExperientialFamilyTherapy؛ وهذه النظرية تعتمد على أن تقدير الذات هو العامل الأساسي الذي يتعلمه الفرد؛ من خلال الرسائل اللفظية وغير اللفظية في الأسرة، وأن طريقة التواصل داخل الأسرة تعكس كيف يشعرون حول أنفسهم، فاللوام غير المسترضي وفهم هذه الانماط التي وضعتها فارجينا ساتير يذلل الكثير من العقبات بتنمية طرق الاتصال الفعال داخل الاسرة.
ويعتمد البعض على بعض جوانب نظرية التحليل النفسي التي ترى أن سلوك الإنسان موجه وفق الخبرات السابقة بسبب عقد تشكلت أثناء فترة الطفولة، وأن هذه السلوكات هي نتيجة اندفاعات لا شعورية وبالتالي فإن عملية الإرشاد تعتمد على خبرات سابقة توضع للتحليل ثم نتوصل إلى نتيجة..
والغرض هنا ليس سرد مختلف النظريات الإرشادية من باب الحصر، بل لبيان أهميتها باعتبارها تؤهل المرشد الأسري عمليًا لممارسة التأهيل الأسري، وإكساب المسترشد فردا أو أسرة مهارات تعينه على تخطي مشاكله..
لذلك يمكن الاستئناس بتلك النظريات عمليا والاعتماد شرعا على الأسلوب العلاجي الذي أقرَّه الإسلام من خلال نصوص القرآن والسنة النبوية ذلك أن الزواج مبني على أسس سليمة يكفي أنه يوسم بالسكن واللباس والميثاق الغليظ… قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أن خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].
أولا حث الإسلام على الزواج، وجعله وسيلة وقائية حتى لايقع الإنسان في الانحرافات التي تقضي على إنسانيته وجعل من مقاصده حفظ النوع الإنساني، وعدم اختلاط الأنساب بل جعله عبادة يتقرب بها العبد من ربه.
وثانيا جعل للعلاقة الزوجية أركانتقوم عليها قبل الزواج، وحقوقا وواجبات بعده مبنية على المودة والرحمة وعلى المعاشرة بالمعروف. ووضح الإسلام علاقة الأبناء بالآباء، وجعلها من الطاعات، وحثَّ على برهم والإحسان إليهم قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أو كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَاني صَغِيرًا ﴾[الإسراء: الآيات 23-24].
بل وجعل الأبناء زينة الحياة الدنيا، وحث على العدل بينهم في المعاملة فقد قال الحبيب المصطفى:»اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم «.
فنظرة الإسلام للأسرة نظرة شاملة؛ تعتمد على المودة والرحمة والتكافل الأسري وصلة الرحم وجعل هذه الصور في التواصل الأسري من العبادات؛والإرشاد الأسري الإسلامي يعتمد على المنهج الوقائي،وتكوين الأسرة توضع له أسس وتربية الأولاد بأسس، والعلاقات مبنية على أسس، ووضع القرآن خطوات واضحة في علاج الشقاق بين الزوجين، وقبل العلاج وضع خطة ممنهجة وقائية تتمثل في حفظ الحقوق والواجبات..
ووضع خطة علاج الشقاق لكل طرف في حال نشوز الطرف الآخر، وأعطى لذوي الحكمة والعلم دورا فاعلا في حل النزاعات الزوجية بجعل حكما من أهل الزوج وحكما من أهل الزوجة. كما وضح الإسلام كل الحقوق للأفراد داخل الاسرة من حيث فروض الميراث والنفقة الرضاعة والحضانة..
وإضافة إلى كل ذلك اعتنى الإسلام بالتربية الروحية لكل فرد داخل الأسرة وأمر الازواج بالإشراف على ذلك داخل الأسرة يقول المولى عز وجل: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 134].
لذلك؛ فإن المزج بين ماتوصل إليه العلم الحديث من مهارات وطرق معصرنة للإرشاد الأسري وبين مبادئ وقيم الإسلام التي جعلها أساس قيام الأسرة وصلاح الفرد، سيكون حزام الأمان للأسرة من كل ما يمكنه أن يعصف بها أو يحد من أهميتها للفرد والمجتمع..
ولأن جمعية العلماء المسلمين تمثل نسيجا اجتماعيا متناسقا من خلال كل الفئات المنضوية تحت لوائها، يمكنها أن تجعل من مشروع التأهيل الأسري -الذي أصبح يمثل حاجة ملحة للمجتمع والاسرة والفرد على حد سواء- مشروعها الاصلاحي الذي تنطلق من خلاله الى متابعة عملية الإصلاح، التي هي من المبادئ التي أنشئت من أجلها.
إذ يمكن لمختلف شُعَب جمعية العلماء المسلمين أن تسهر على تكوين استشاريين أسريين بالتعاون مع مدربين متخصصن في مجال التنمية البشرية وعلم النفس وعلم الاجتماع والقانون والشريعة، مع فتح مكاتب للـتأهيل الأسري مهمتها تكمن فيما يلي:
تأهيل المقبلين على الزواج من النواحي الشرعية والنفسية والاجتماعية.
متابعة المتزوجين الجدد حتى سنة خامسة زواج.
استقبال الاستشارات الأسرية عن طريق المتخصصين الذين يتكونون تباعا في مختلف الشعب.
فك النزاعات الأسرية انطلاقا من المبدأ الإلهي ((والصلح خير)).
إجراء دورات توعوية لعلاج المشكلات الزواجية عموما، وتفعيل دور الاسرة وكل فرد فيها.
ليكون البلسم الشافي لما تعاني منه الأسرة من تمزق؛ فهي تئن بين براثن التخلف المعرفي والتربوي، وتتخبط بين تقاليد بالية، وأفكار وافدة تفرض عليها فرضا، بطريقة مباشرة بسن قوانين تسهم في شرذمة أفرادها، أو من خلال السم القاتل الذي يبثه الإعلام من مسلسلات تركية؛ جعلت المخنث بطلا والمرأة المنحرفة ضحية وموضة المسلسلات الهندية التي طرقت وثنيتها بيوتنا من أوسع الأبواب.
فنحن إذن، في أمس الحاجة الى مشروع متكامل للتأهيل الأسري لإعادة تفعيل دور الأسرة لإيجاد حلول لحالات الطلاق، والطلاق العاطفي، وتدهور المستوى التربوي والتعليمي لأبنائنا، وأرقام حالات العنوسة المرعبة،والاغتصاب، والشذوذ،وغيرها من المحن التي يمر بها مجتمعنا، وفي الموازاة خلق ظروف ملائمة لإعادة بناء الفرد الذي تنشده الأمة ويعتمد عليه الوطن.
والله من وراء القصد.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.