حصريا

أعمالٌ كظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ-د.مدحت عاشور محمد عبد الجواد

(( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَاأَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَاۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ )(40) ( النور )

عندما طلب مني المكرم الفاضل مسئول الربيئة / بلخير بن جدو أن أكون من بين كوكبة علماء أهل الربيئة الكرام ، رجعت إلى أعدادها السابقة وقرأت ما ورد بها من مقالات ، وصادف طلبه مني معاناة نفسية لما يحدث في العالم العربي من أحداث ، ولما صارت إليه سوريا ومصر وغيرها.

وكانت جل مطالعتي في تلك الفترة حول الاقتصاد العالمي والمقارنة بينه وبين الاقتصاد الإسلامي ، وكيفية النهوض بالمجتمع  وخلق فرص عمل تنهض بالأوطان ، لكن البحث طال وقادني إلى حقائق كنت أجهلها تمام الجهل فيما مضى ، بل وندمت على تقصيري ، وضياع كل هذا العمر دون معرفتها والأشد مرارة وأسى هي عدم قدرتي على كتابتها أو التصريح بها فليس كل ما يقرأ يقال أو يكتب ، ولعل هذا الصراع كان سببًا رئيسًا في تأخري ؛ لتلبية دعوة مسئول الربيئة ،

ثم أنني بعد أن هدأت ثورة نفسي ، استعنت بالله وكتبت هذا المقال، مبتغيًا به وجه الله .

حقائق ومفاهيم :

1 – كيف ينتصر إسلام بلا مسلمين مخلصين لإسلامهم ؟! وأعني ذلك المسلم الذي يُطبق كل عقائد دينه ومفاهيم الدين دون أن يتخلى عن فرض أو سنة ، فهو يهتم بالتفاصيل الأصغر حجمًا  بنفس قدر  عنايته بالأمور الأعظم قدرًا ، لا يَميز في تطبيقه بينهما  ، فهو يتمسك بالسنة كتمسكه بالفرض ؛ لأنه يعرف أن الإسلام منهج حياة .

2 – الإسلام كل متكامل : ولن يفلح قوم يقولون نأخذ هذا ، وندع هذا  ، أو نعمل بهذا ونترك هذا من كتاب الله أو السنة النبوية ، فمنهج الله كل متكامل .

لا نختلف بأن أبا بكر رضي الله عنه بل و جميع الصحابة قاتلوا مانعي الزكاة ، و هذا ثابت بأحاديث صحاح كما في حديث أبي هريرة قال : لما توفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال : رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله – عز وجل – ؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة  ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لقاتلتهم على منعه فقال عمر بن الخطاب : فوالله ما هو إلا أن رأيت الله – عز وجل – قد شرح صدر أبي بكر للقتال ، قال : فعرفت أنه الحق).

3 – لن يُمكن بمنهج الله إلا من طبقه حق التطبيق ، فإذا أراد أيًا من يريد أن يُمكن بغيره فله ذلك ولن يُمنع ، أما إذا جاء من يرغب أن يُمكن تحت شعار الله ورسوله ودينه فلن يُمكن إلا بتطبيق الدين بصدق وإخلاص دون رياء أو نفاق أو ممارة ، فكيف يدعي مدعٍ أنه يطبق شرع الله وهو يجيز في عقيدته ماحرمه الله ؟!

4 – من هذا المنطلق فلا شيء يسمى اقتصاد إسلامي ؛ لأنها حياة إسلامية متكاملة لا ينفصل قليلها عن كبيرها (( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖوَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) ((163) ( الأنعام )

5 – إذا كان الأمر كذلك فما الهدف من مقال كهذا ؟! وكي أجيب عن هذا التساؤل فإنني أؤمن بالتدرج والتطور وما لايُدرك كله لايُترك كله ، كما أن الأمر يحتاج لنشر الوعى وتثقيف الذات الإسلامية المعاصرة .

دعوني أتساءل : إذا تعطلت سيارتك بالطريق ، هل تقوم بإدخالها كلها للمصنع لإصلاحها أم أنك تبحث عن الجزء المعطل ومن ثم تبحث عن الشخص المناسب الذي يقوم بإصلاحه ؟

فإذا كانت الأمة حالها كما نعلم فمن أين نبدأ ؟ الأمر الطبيعي والمنطقي أن نهتم بالجزء أو الفرد ومن هنا نهتم بالجزء ؛ لينصلح أمر الكل ، وإذا ما أردنا بناء جيل متكامل نستطيع أن نصنفه بأنه جيل إسلامي فمن أين نبدأ ؟ هناك من يظن أننا نبدأ بالطفل ، وهذا أمر يحتاج منه إلى إعادة نظر ، لكن دعنا نتفق أولًا أننا في حاجة للننظر إلى الجزء ( الفرد ) ؛ لينصلح حال الكل ( الأمة ) .

وإذا نظرنا إلى الفرد في جميع مراحله العمرية فما هي وسائل إصلاحه ؟ ومن الذين يقومون بإصلاحه ؟

لعلك تتفق معي أننا نحتاج إلى تغيير المفاهيم والقناعات أي : الفكر ، فإذا رصدنا دعوت رسولنا – صلى الله عليه وسلم –  من بدايتها وجدنا أننا أمام فكر جاهلي استطاع الإسلام أن يغيره ويعيد تشكيله ؛ ليصبح الصحابة قادة العالم  ، لكن طبيعة الحياة اختلفت فمن أين يستمد الناس أفكارهم اليوم ؟ منافذ الإعلام وأبواق الفكر ومنافذ العقل باتت كلها بأيدي الاستعمار وأعوانه ؛ لذا فإن الحرب الأولى التي يجب أن يخوضها الإسلام هي الحرب ضد الإعلام وفساده ، وحقيقة الأمر أن هذا العملاق تضخم وحبلت أنثاه فأسفر حملها عن ديدان باتت تملأ الأرض فسادًا ، وهي لاتنفك تعود لأصلها الأم تستمد منها عفنها ؛ لتنشره في كل مكان فباتت تسد علينا منافذ الهواء حتى كدنا أن نختنق .

نحن هنا نتكلم عن توجهات إعلامية تتحكم فيها منظومات إقتصادية عالمية ، والتي بدورها تتفرع إلى مؤسسات إعلامية عربية تسير في ركابها ؛ بقصد أو دون وعي منها لخطورة دورهاوأثره على الفكر الإسلامي ، منظومة اقتصادية متكاملة تضرب بجذورها لأعماق أعماق أفكارنا ، إننا نتحدث عن منظومة حياة لايستطيع أبلغ البلغاء ، وأفصح العلماء – إلا من رحم ربي – أن ينفك منها .

عندما أفتش في ذاكرتي أنا وأبناء جيلي أجد أننا شُوِّهنا ؛ لنصبح ذلك المسخ الذي نحن عليه ، شكَّل ثقافتنا حفنة من الخونة لدينهم ، هؤلاء الذين أخرجوا أسوأ ما في قيمنا وتراثنا وباتت هي مناهج دراستنا ، وكُتب لأروع ما عندنا من قيم أن تصبح طى النسيان ، وأريد لنا أن نظن العودة لقيم الصحابة ضرب من خيال لزمن لن يتكرر ؛ لأنهم أرادوا لنا ذلك ، وقد تغذينا وكبرنا على هذا اللبن الفاسد ، فإذا ما نظرنا إلى مظاهر تسليتنا ومتعتنا أمام التلفاز أو المسارح أو دور السينما ، وجدنا غفنًا أشد يعصف بنا وريح صرصر عاتية تعصف برؤسنا تأخذنا إلى مجتمع لا يراعي للدين حرمة ، هكذا أرادوا لنا وهكذا تربينا وتكوَّن فكرنا ، و تشكلت شخصيتنا ، أرادواأن يجعلوا منا قطيعًا، وقد نجحوا لحد ما ، فضيعوا أجمل وأعظم سنيأعمارنا ، هكذا كنا وهكذا كُتب لنا أن نكون لم تخطه لنا يد الحياة ، بل خطته يد الخيانة للأمانة .

ولكن الحرب المستعرة لما تنتهي بعد فما زالت رحاها تدور وتدور ؛ لأن الأجيال التي رضعت الأنانية والخيانة لن تنجب إلا نباتات الخيانة ، وهل تنجب الأفاعي والحيات جنسًا من غير جنسها ؟!

 وإذا كان الأمر كذلك فهل نستسلم ؟

ولا أستهدف الإعلام وحده إنما هو حلقة من حلقات  ومنفذ من المنافذ  الجمة لفكر المسلم ،والمنافذ عديدة منها التعليم والإعلام ودور العبادة ، وكل منفذ يُقدِّم كلمة مسموعة أو مقروءة ، فهو إما أن يعمل على بناء شخصية إسلامية مخلصة لدينها ، أو يعمل على هدم الفكر الإسلامي ؛ ليخلق تلك الشخصية المجتمعية  الآنية .

من هنا كان الأمل معقودًا في إعلام من نوع آخر ( نوع إسلامي ) كالربيئة ؛ليوازي غيره فإن لم نستطع أن نمنع الفساد  فلا أقل من أن نسير معًا في مضمار موازٍ فإن استطعنا أن نسير في نفس المضمار ؛ لنزيح الخائنين لدينهم عن هذا المسار بأن يغيروا أنفسهم  فإن بضاعتهم لم يعد لها رواج وسلعتهم باتت كاسده ، فإنذلك أول خطوات النجاح .

ومن هنا أهل الربيئة أهل الفلاح ؛لأنهم ينافسون في نشر الوعى الديني ، ويتصدون لمن يحاولون أن يطمسوا نور الله ، ويتصدون لمن يفسدون على الناس دينهم ((يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)( التوبة )

وأدعو الله أن يكلل خطوات أهل الربيئة بالنجاح والتوفيق .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.