حصريا

وضع المرأة في الحضارات الإنسانية القديمة

0 35

وضع المرأة في الحضارات الإنسانية القديمة

 

خولة مرتضوي

باحثة في الدين المقارن والإعلام الجديد- قطر

Khawlamortazawi@gmail.com

 

إنَّ النظرة التهميشيَّة لدور المرأة في الحياة لم يكُن مُقتصِرًا على أُممٍ دون أُخرى، فالحضارات القديمة تميّزت بأنَّها حضاراتٌ ذُكروريَّةٌ بامتياز؛ يطغى عليها التمييز الجنسي، فالرجال هيمنوا على مختلف مظاهر الحياة، واستُعبدَت النساء ووضِعنَ في سجنٍ معنويٍّ كبير، قاسينَ منهُ ويلاتِ القهر والاستعباد والظُلم.

 

حيثُ نجد أنَّ المرأة في الحضارة اليونانية قد وُصِفَت بأنَّها شجرةٌ مسمومة يجب اتّقاء شرِها، كما كان يُنظرُ لها على أنَّها من سِقطِ المتاع، فأهلُ أثينا كانوا يعرضون نسائهُنَّ في الأسواق للبيع أو الأُجرة[1]، كما كان قُدماء اليونان يقدّمون بناتهم قُربانًا للآلهة ليمنع عنهم الشر ويرزقهم الخير[2]. وكان لفلاسفة اليونان آراءٌ متباينة الغرابة حول المرأة، حيث قال سُقراط: “إنَّ وجود المرأة هو أكبر منشأ ومصدر للأزمة والانهيار في العالم، وإنَّ المرأة تُشبه شجرة مسمومة ظاهرها جميل، ولكن عندما تأكل منها العصافير تموت حالًا”[3]، أما أرسطو فقد ذكر في كتابه (السياسة) أنَّ الطبيعة لم تهِب النساء أيَّ استعدادٍ عقليِ مناسب ولذلك يجب أن لا يتعدّى دورهُنّ في الحياة على الأمومة وشؤون تدبير المنزل[4].

أما المرأة في الحضارة الرومانية، فإنَّها كانت في منظورهم كائِنًا بلا روح، يجب تعذيبُها عن طريق جرِّها من قِبَل الخيول ورميِها في الزيتِ الحارّ[5]. كما إنَّ الرومان عقدوا مؤتمرًا كبيرًا دعَوا إليه أهل الحَل والعقد لديهم ليتباحثوا فيه شؤون المرأة وكانت نتيجة هذا المؤتمر أنَّهم قررا أنَّ المرأة كائنٌ لا نفسَ له، وهي رِجسٌ، يجب ألا تأكُل اللحم وألا تضحك ولا تتكلّم ولأجل ذلك تحديدًا وضعوا على فمها قُفلًا حديديًا يُسمونه (موزلير)، كما خرجوا من هذا المؤتمر بإجماعِ أنَّ المرأة ليس لها نصيبٌ من الحياة الآخروية وعليها أن تقضي عُمرها كله في خدمة الرجُل والعبادة كما أقروا أنّ الأنوثة سببٌ لعدم الأهليَّة تمامًا كالجنون وحداثة السِنّ.[6] كما لم يكُن من حَقِّ المرأة الرومانية أن تتملّك او تكتسِب مالًا نصيب خدمتها في المجتمع ولا يحِقُّ لها أن تتحصَل على نصيبٍ من مال زوجها بعد وفاته أو حتى نفقةَ منه عليها[7].

 

وبدورهِ، أعطى القانون الروماني الحَقَّ للأب بأن يبيع ابنته بثمنٍ يتراضى فيه مع الطرف الآخر أيًا كان هذا الطَرَف زوجًا أو شاريًا لعبدة أو خادمة، فتنتقل البنت من سُلطانٍ إلى سُلطانٍ آخر لَهُ ذات السيادة المطلقة في استخدامها وبيعها وحتى قتلها إن رغِب[8].

 

وكانت المرأة في الحضارة الفارسية تُعاني من اضطهادٍ كبير، فكانت المرأة عند الفُرس تحت سُلطة الأب والزوج ولهم مُطلق الحُريَّة في التصَرُّف معها كتصرفهم في مالهم ومتاعهم، فالرجُل في الحضارة الفارسية كانَ إذا غضَب يحِقُّ لهُ ان يقتُلها أو يسجنها للأبد في المنزل، وكان للرجُل كذلك القُدرة في بيعها وشرائها واستعبادها، كما كانَ يُمكنُهُ الزواج بمن يشاء وقتما يشاء دون ضوابطٍ أو تحديدٍ لعدد[9]. وكانت المرأة الفارسية تبتعِد عن المنزل عند حيضها أو نفاسِها، لتسكُن في خيمة صغيرة تُسمّى (داخمي) كي لا يُخالطها أحد، وكان من يُقدِّم لها الطعام والشراب يلُف أنفَهُ وأذُنَهُ ويداهُ بلفائف غليظة من القماش خوفًا من نجاستها[10]. كما أباحث الأنظمة والقوانين الفارسية الزواج بالمحرّمات من النَسَب، مثل: الأمهات، الجدات، البنات، الأخوات، والخالات، والعمات، وبنات الأخت، وبنات الأخ[11].

 

وقد عانت المرأة في المجتمعات الأوروبية الكثير كذلك، فقد كانت الزوجات تُباع في إنجلترا، وذلك في الفترة ما بين القرن الخامس والحادي عشر الميلادي، حتى أصدرت المحاكم الأوروبية قانونًا ينُص على أنَّ للزوج الحقّ في إعارة زوجته على زوجٍ آخر لمدّة زمنية محددة[12]. أما في عهد الملك هنري الثامن، ملك إنجلترا، فقد أصدرَ البرلمان قانونًا يحظُر المرأة من قراءة العهد الجديد، فأصبحت بذلك قراءة الأناجيل وكُتُب رُسُل المسيح مُحرَّمةً على المرأة في ذلك الزمن[13]. وكان القانون الإنجليزي الذي أقرّ عام 1850م ينُصُّ على أنَّ النساء لا يتمَ عدُّهُن من المواطنين، ولا يَحِقُّ لهُنَّ تملّك الأموال التي يكتسِبتها جرّاء خدمتهن في المجتمع، ولا يحقُّ لهُنَّ حتّى تملُّك ملابسهِنّ[14]. وشهد عام 1079م بيعًا للنساء في الأسواق بمبلغ شلنين وذلك بسبب أنَّ الكنيسة التي كانت تُنفِقُ على النساء ثقُلَت عليها معيشتها ومنعَت عنها النفقة، فاضطرّ الناس إلى بيعِ نسائهنَّ بثمنٍ بخس[15].

 

 

 

أما الفرنسيون، فقد عقدوا مؤتمرًا عام 586م؛ تناقشوا فيه حولَ ما إذا كانت المرأة إنسانًا أم غير إنسان؟، وانتهى المؤتمر بالخروج بنتيجة أنَّ المرأة إنسانٌ قد خُلِقَ لخدمة الرجُل فحسب[16]، فالفرنسيون أثبتوا إنسانيَّة المرأة التي كانوا يتشكَكُون فيها، وحتى بعد اعترافهم بإنسانِيتها تِلك؛ لم يُعطوها حقّها الكامل في الإنسانية، إنما جعلوها خادمة الرجل وتابعةً لهُ. وعندما اندلعت الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر وأعلنت نتائجها تحرير الإنسان من العبودية، لم تشمل هذه النتائج المرأة، فانحرمت من التصرُّف بأموالها وممتلكاتها بسبب عدم أهلّيتها لذلك دون رضا وليَ أمرها[17]، فالقانون المدني الفرنسي (قانون نابليون) ينُصُّ في مادته 217؛ على أنَّ المرأة المتزوجة لا يجوزُ لها أن تمنح او تنقل أو ترهن ما تملُك دون إشراك زوجها أو ولي أمرها في العقد وموافقته عليه موافقة خطيّة[18].

 

وكان تعليم المرأة في أمريكا؛ بمثابة سُبَّه تشمئِزُّ منها النساء قبل الرجال، وكانت الدكتورة اليزابيث بلا كويل وهي أول طبيبة في الغرب –تخرجَت من كلية جينيفا الأمريكية عام 1849م- تتعرَّضُ لمعاملة سيئة من قِبَل النساء المقيمات معها في السكَن حيث قاطعنها ولم يتكلمن معها[19]. وعندما قررت الحكومة الأمريكية إقامة معهدٍ لتعليم النساء الطب في مدينة فيلاديلفيا الأمريكية؛ قررت الجماعة الطبيَّة في المدينة مُصادرة كُل طبيب سيقبَلُ بالتدريس في المعهد ومصادرة كُل شخص سيقوم باستشارة أولئك الطبيبات مستقبلًا[20].

وفي الختاميُمكننا القول أنَّ المرأة لقيت عبر التاريخ وفي مختلف العصور والحضارات الإنسانيَّة؛ أنواعًا مختلفة من المعاملة التي غلَب عليها الاستغلال والتقليل من شأنها وسَلبِ حُقوقها، فقد اتّفقَت الحضارات القديمة، دون تنسيق، على تهميش المرأة؛ هذا المكوّن الأساسي في بناء وإعمار المجتمع الإنساني.

 

[1] زيدان عبدالباقي، المرأة بين الدين والمجتمع، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط2، 1981م، ص70.

[2]مبشر الطرازي الحسيني، المرأة وحقوقها في الإسلام، مكتبة حميدو، الإسكندرية، ط1، د.س، ص9.

[3] محمد أحمد السباعي، المرأة بين التبرج والتحجب، مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، د.ط، 1981م، ص50.

[4]علي عبدالواحد واقي، المساواة في الإسلام، دار المعارف المصرية، سلسلة اقرأ، القاهرة، ط2، 1965م، ص54.

[5] صلاح الدين العامري، “المرأة من منظور الأديان المقارنة”، مجلة أديان، مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، الدوحة، العدد 8، 2006م، ص43.

[6]مبشر الطرازي الحسيني، المرأة وحقوقها في الإسلام، مرجع سابق، ص10.

[7] محمد أحمد السباعي، المرأة بين الفقه والقانون، المكتب الإسلامي، بيروت، ط4، 2010م، ص15-16 (بتصرف).

[8]عبدالباسط محمد حسن، مكانة المرأة في التشريع الإسلامي، مركز دراسات المرأة والتنمية، الكتاب الأول، جامعة الأزهر، القاهرة، د.ط، 1979م، ص43.

[9] أحمد خيرت، مركز المرأة في الإسلام، دار المعارف، القاهرة، د.ط، 1975م، ص12.

[10]عبدالأمير منصور الجمري، المرأة في ظل الإسلام، مكتبة الهلال، بيروت، ط4، 1986م، ص43.

[11] سعيد الأفغاني، الإسلام والمرأة- نقلًا عن كتاب حقوق المرأة في الإسلام للمستشرق الروسي أحمد أجاييف، مطبعة الترقي، دمشق، د.ط، ص13.

[12] محمد رشيد رضا، نداء للجنس اللطيف: في حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام، مطبعة المنار، القاهرة، د.ط، 1997م، ص36.

[13] نور الدين عتر، ماذا عن المرأة؟، دار الفكر، دمشق، ط3، 1979م، ص19.

[14]عبدالأمير منصور الجمري، المرأة في ظل الإسلام، مرجع سابق، ص45.

[15] عباس محمود العقّاد، المرأة في القرآن، دار السلام، القاهرة، د.ط، 1973م، ص106.

[16] محمد حسين الطباطبائي، المراة في الإسلام، الدار الإسلامية، بيروت، د.ط، د.س، ص19.

[17] محمد أحمد السباعي، المرأة بين الفقه والقانون، مرجع سابق، ص21.

[18]علي عبدالواحد واقي، المساواة في الإسلام، مرجع اسبق، ص55.

[19] سلمى الحفار الكزبري، نساء متفوقات، دار العلِم للملايين، بيروت، د.ط، 1961م، ص233.

[20] عباس محمود العقّاد، المرأة في القرآن، مرجع سابق، ص108.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.