حصريا

المساواة بين الجنسين في الإسلام.. مداخل للترشيد والإفهام د. مونية الطراز/المغرب

0 57

المساواة بين الجنسين في الإسلام.. مداخل للترشيد والإفهام
د. مونية الطراز/المغرب
كثير من قضايا الناس المشكلة لا تستشكل في الغالب لغبش حقيقي في مسائلها، بقدر ما يدخلها الإشكال من باب الاستعجال في تقدير أغوارها، وعدم استبانة المسالك الصحيحة إلى تفاصيلها، وعلى رأس المداخل التي لا يُلتفت إليها في عموم القضايا التي تحتاج إلى النظر، المدخل المفهومي؛ باعتباره مفتاح البصائر في كل قضية معرفية جادة. والذي يبدو أن الوعي بمشكلة المفاهيم بدأ يصحو في ضمائر المهتمين بقضايا الإصلاح في العالم الإسلامي عموما، وهذا أول قطر الغيث إن شاء الله، بعد أن ضيعت الأمة خلال عقودها الماضية، فرصا عظيمة للتفكير الجاد والمستبصر بمشكلاتها المصيرية.
وقضايا المرأة واحدة من القضايا التي استنزفت جهود المخلِصين من أهل الغيرة على الدين، حيث كان يُنظر إليها من زاوية المحضن الأسري بما هو محضن هوية وأصالة، يجب صونه من جوارح الفكر ودَخَل الإيديولوجيات الوافدة، حيث انشغل الفكر بهذا الاقتناع، وكرس الجهود لصد كل الأطروحات القيمية الحديثة دون كلفة التقليب والنظر، ودون التزام واجب الإنصاف بدل المباهلة والإسفاف. والحقيقة أن هذا الفكر الوافد هو فكر إنساني تراكمي لم يكن آسنا كلُّه، على النحو الذي تم تصويره في حمأة الحذر والاحتراز؛ والكثير مما جاء به كان يدعو إلى التمحيص فعلا، ولكن التوجس المَرَضي لم يكن ليسعف في استجلاء الدقائق وتبين الحقائق، وهذا ما عايناه في أفكار من اشتغل بالموضوع تخصيصا أو تضمينا في قضايا القيم والعولمة، والإسلام والغرب، وغير ذلك من المواضيع التي كانت تؤتى عادة بدوافع الحماسة والغيرة، فتُقدم أنصاف الحقائق وتكرس السطحية والانطواء على الذات.
إن الأمة الإسلامية وبسبب التسرع والاندفاع في النظر إلى القضايا المستجدة، لم تتمكن من تمييز ما حقه الإبقاء في الأطروحات المختلفة وما حقه الإلقاء، مع العلم أن ميزان الإبقاء والإلقاء، منهج علمي إسلامي أصيل في تراثها، عرفته في أصول الفقه، وفي علم الحديث، وفي غيره من العلوم. واستعملته للنخل والتقويم، دون محاباة الأفكار ولا تحقيرها، مهما كانت مصادر الأفكار في المِلل والنِّحل والأديان؛ فمن خلال هذا المنهج أدمج المسلمون علم التصوف، وعلم الكلام، وغيره من العلوم والمناهج الوافدة، التي أصبحت فيما بعد من جملة العلوم الإسلامية التي نفاخر بها الأمم.
إن منهج التدقيق والتحقيق الذي أعملناه في الأفكار الوافدة خلال الأزمان السابقة، كان مطلبا غيبناه في نخل الفكر الحديث، وكان من الواجب استدعاؤه بغرض استثمار الزخم المعرفي الجديد، بل إن هذا المنهج لم يكن في العصر الحديث مطلبا لقياس قيمة الوافد وتفكيك أطروحاته فحسب، بل كان من المفترض أن يكون مقياسا لنخل ترسانة القيم الموروثة أيضا، بعد أن تبين أنها تحتمل الكثير من الدَّخَل الموروث، وتنقل الكثير من الأفكار التي لا تتأسس كلها على سماحة الدين وإن تلبَّست به.
1-المساواة في إطار الكونية.
هذا باختصار شديد بعض ما يعيق الانطلاق نحو تأسيس نظر جديد في قضايانا الشائكة، وعلى رأسها قضايا المرأة؛ وبالأخص موضوع المساواة، الذي كشف النقاشُ حوله مؤخرا عن عورات قصورنا المنهجي في الفكر والنظر، وكشف بُعدَنا عن إدراك اشتباكاته المعقدة بعلوم مختلفة، ومجالات متباينة يفترض فيها التكامل والتعاضد، على المستوى الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، والديني. ففي كل مجال من هذه المجالات والحقولِ، بؤرٌ ومتاهات تستدعي الإحاطةَ والحذر؛ وهذا ما لا يستشعره مع الأسف، أغلب من يتصدى لموضوع المساواة بين الجنسين مما يجعله مشرعا للقول بلا علم ولا بصيرة.
ولم يكن دافع انخراط المجتمع في نقاش ملتبس ودقيق في الحقيقة، إلا الرغبة الراسخة والجامحة في صون الدين والذود عن شريعته ضد التغريب والهيمنة، ولذلك حضرت العواطف في محل يقتضي التمعن والحكمة في النظر، مع العلم أن الدين نفسه، إنما يرتكز في بسط رؤيته وتصوراته على الحوار العلمي الذي يلفت الأنظار إلى الأغوار، ويجنح إلى المجادلة والمقارعة، وعدم الاعتراض على الأفكار والأعراف السائدة، ما دامت لا تتعارض مع كنه الشريعة ومقاصد التنزيل. فالشريعة جاءت لتحقيق مصالح الإنسان، وقد يتوهم الإنسان المصلحة في تقديرات خاطئة، ولذلك لَفتَتْ الشريعة مخاطبيها إلى التمحيص والنظر في الأطروحات المختلفة، على أساس القاعدة المنصفة التي يمثلها قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة، 111].
وقد يكون من المفيد الخوض في هذا الموضوع من باب التمحيص المتعقل لسبر إشكالاته الملتبسة، بعيدا عن التعصب والتخوين والارتجال، وهذا فعلا ما رجوناه من هذه الورقة التي وسمناها ب « المساواة بين الجنسين في الإسلام.. مداخل للترشيد والإفهام» وضمن هذا الإطار سنتحدث عن قضية المساواة، باعتبارها مبدأ كونيا وقيمة إنسانية كبرى تنظُم عددا من القيم الكونية؛ وهذا يقتضي أن كل حديث عن العدل أو المعروف، أو غيرهما من المفاهيم التي تلتبس بقضايا المرأة، لا بد أن يكون موصولا بقضية المساواة بطريقة آلية وعفوية. فما المقصود بعبارة الكونية؟
الكونية التي نقصدها هنا هي ذاك الفضاء البشري الجامع، والأفق الإنساني المشترك، الذي يستوعب البشر بخصوصيّاتهم المختلفة، وحين نتحدث عن القيم من حيث انتمائها الكوني، فإن ذلك يستبعد خلفية التقاطع بين الشرق والغرب، وثنائية الإسلام والإلحاد … إلخ، ويستحضر مقابل ذلك، المشتركات الإنسانية التي تتوافق عليها الأذواق والعقول، بغض النظر عن فروع التصورات التي قد تنحى بالقيم مناحي التعارض والاختلاف؛ فليس المقصود من التوافق إلغاء العقائد الراسخة، وقمع الطبائع المتجذرة في الأطراف المختلفة، وإنما المقصود محاولة البحث في تلك الطبائع المتأصلة أسباب التلاحم والانسجام، بما يفيد في لم الشمل الإنساني، في عالم طبعته الفوضى.
وقضية المساواة حين تطرح في هذا السياق، نفهم منها تلك القيمة الإنسانية التي يقبلها الذوق السليم، مقابل التمييز الذي تمجه النفوس بالبداهة، وهنا يجدر التنبيه إلى أن مشكلتنا تكمن في كوننا لا نقيم وزنا للدلالات الاصطلاحية؛ فالتمايز لا يعني التمييز، والتفاضل لا يعني التفضيل. فأما القول بأفضلية جنس على جنس فهو التمييز، وأما القول بتفاضلهما فهذا ما لا قِبل لأحد بإنكاره، وهو لا يخرم مبدأ المساواة بحال.
إن التفاضل بين الذكر والأنثى طبيعة كونية، من جنس الاختلاف الطبيعي الذي قدره الله تعالى في خلقه، حيث تختلف الأصناف ذات الطبيعة الواحدة في أشكالها وألوانها وخصائصها، دون أن تفقد الصفة التي توجب لها الانتماء إلى طبيعتها الأصلية. وعلى هذا الأساس يقع الاختلاف بين أنواع الشجر، كما يقع بين أنواع الحجر، ويقع أيضا بين البشر؛ ليس فقط بين الذكور والإناث، بل بين الذكور فيما بينهم، والإناث فيما بينهم، دون أن يكون ذلك داعيا لادعاء أفضلية بصير على أعمى، وأسود على أبيض، لأن ما زاد من شيء عند هذا، نقص عن غيره في ما عداه. هذا مع الإشارة إلى أن التفاضل بين الذكر والأنثى، قد يكون بالفطرة أو بالاكتساب، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء32]. وعليه، فإن التفاضل أمر فطري لا يعني أفضلية جنس على آخر، والمساواة أصل في عموم الخلق، وانطلاقا من هذا الأصل نقول بأن المساواة مطلبٌ كوني، ونتحدث عن جوهر المساواة، باعتبارها قيمة إنسانية لا يمكن أن يُنكرها في حق البشر إلا مكابر، ولا يمكن إقصاء النساء بذرائع فاسدة. ونقصد بجوهر المساواة، ذاك الأصل الفطري الذي لا تختلف حوله الطبائع، ولا نتحدث عن التحميلات الإيديولوجية، وكذا التوظيفات التي تُخرج هذه القيمة عن أصلها الذوقي وجوهرها الدلالي.
2- قضية المساواة في سياقها التاريخي.
مصطلح المساواة بهذا المعنى العام، هو الذي يمكن أن نُضمره في حديثنا عن منظومة القيم الكونية المشتركة، دون أن ننسى أن إثارته في العصر الحديث إنما كانت ثمرة تفكير فلسفي، ونضالات حقوقية أَخرجت إلى الوجود ترسانة حقوق الإنسان التي تضمنتها المواثيق الدولية؛ وهذه الترسانة تثير لدى العديدين حساسية تتعلق بالسياق الغربي الذي أنتجها ومنبتها الإيديولوجي الذي أينعت داخله، وغالبا ما يدفع إلى صدها هذا السياق الذي تشكلت فيه الأفكار بعيدا عن مقتضيات الدين، ويزيدها صدا محاولات تسويقها باعتبارها نموذجا وحيدا لا يسُوغ الاعتراض عليه.
والذي يحتاج إلى التنبيه هنا، بعيدا عن خلفيات التسويق الإيديولوجي، هو أن قيم حقوق الإنسان، وضمنها المساواة، لم تنبت في الفراغ، فجذورها تضرب في عمق الحضارات الأولى، والفلسفات القديمة، وفي الديانات السماوية بأسرها. مما يجعلها فعلا تراكميا، ليس من الإنصاف اختزاله في الملامح الفكرية والقانونية للطفرة الحقوقية خلال القرن السابع عشر، بلهَ أن تحصر في مواثيق القرن الثامن عشر وما بعده. وهناك ملحظ آخر من المفيد إيرادُه هنا، وهو أن القيم الإنسانية التي تجلت في هذه المواثيق لم تكن كلها معادية للدين أو تناقض قيمه بالضرورة، فوثيقة إعلان الاستقلال الأميركية مثلا، تؤكد على المصدر الإلهي للمساواة بين البشر ولحقوقهم، ومن هذا التأكيد نص في الوثيقة يقول: «نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية، وهي أن البشر خلقوا متساوين، وأن خالقهم حباهم بحقوق معينة لا يمكن نكرانها أو التصرف بها«.
ولا أجد من الحكمة أيضا الادعاء بأن الإسلام أسبق إلى ترسيخ الحقوق بشكل عام وضمنها حق المساواة، وكأنه المدد الوحيد للفكر الإنساني الحديث، ومع ذلك فمن الواضح أن الإسلام كان ملهما لهذه الحقوق، لأن قِيَمَه كانت طافحة بما يدعو إلى حفظ مصالح الإنسان، وقضية المساواة كانت من أهم مقاصده كما سنرى.

3- المساواة بين الجنسين في النص الديني.
إن كنا في حاجة إلى التذكير بهذا الغنى القيمي الذي نعلمه في الرسالة الخاتمة، فسنكون أكثر حاجةً إلى توجيه النظر إلى الفكر الإسلامي المعاصر أساسا، لنسائله عن أسباب التراجع الذي أصابه في هذا الباب. نقول هذا، لما نجده من اختلالات في التفكير على هذا المستوى، ولما نراه من تناقضات تكشف عن ارتباك الخطاب الديني، وعدم قدرته على حسم قضية المساواة بين الجنسين، حسمًا يدفع عن الشريعة تهمة التمييز التي ألصقها بها تأويل العادِين.
لقد تباين الخطاب الديني المعاصر في إقراره بمبدأ المساواة بين الجنسين حد التعارض الصَّارخ أحيانا، ويمكن أن نميّز بين فئات ثلاث على الأقل من المنتسبين إلى المرجعية الإسلامية، تذهب كل واحدة منها مذهبا خاصا في تقرير هذه المساواة أو نفيها.
الفئة الأولى: تضطر في كل مرة لتبرئة الإسلام من التخلف الحقوقي عموما، وخصوصا في مجال المساواة بين الجنسين، وتسعى في سبيل ذلك إلى البحث في ظنيات النصوص لعلها تكشف عن فهوم جديدة تتجاوز الأفكار النمطية، وتؤكد على أصل المساواة في الخلق وامتداداته في الأحكام ذات الصلة بالمرأة.
الفئة الثانية: تحاول الإبقاء على نفس التفاسير القديمة ومذاهبها مع تبرير المساواة فيها من باب تصور التكريم مقرونا بالطاعة والقوامة وغيرها، دون تحديد المقصود من هذه المفاهيم التي تتخللها الكثير من الالتباسات العميقة.
الفئة الثالثة: تلجأ إلى نفي هذه المساواة في حق النساء جملة، وتتذرع بذرائع نصية، تلوي أعناقها للبوح بما لا تقوله بالأصالة. ويهمنا هنا أن نشير إلى جوانب من أفكار هذه الفئة لننظر في ما نراه من مغالطات في أطروحاتها، بغية رفع الحجب عن بعض مستشكلات الموضوع.
4-المساواة ومشكلة التأويل.
من المغالطات التي يروجها الخطاب الديني لتبرير عدم المساواة بين الجنسين، قول بعضهم إن المساواة بينهما ادعاء لم تقل به الشريعة، وأن لفظ المساواة لم يذكر في القرآن الكريم إلا مقرونا بالنفي والإنكار، ومثاله قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ وقوله عز وجل: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ وغير هذه الآيات كثير. ويقولون أيضا، إنه بدل تأكيد المساواة لفظا في القرآن، وردت نصوص تميز الذكور على الإناث، والرجال على النساء، وهذا الأمر ذهبوا فيه مذاهب شتى، سنعرض لبعضها لاحقا.
والحقيقة أن الذي يباشر النص القرآني يعرف أنه لا يتحدث عن المساواة بين البشر باللفظ، ليس لأنها غير مقصودة أو غير مطلوبة، فهذا قول لا يعقل، ولكن لأنها أصل أصيل لا يحتاج إلى بيان، فهكذا لا يعرض القرآن لقضية المساواة من باب الحث على تحقيقها، وإنما يعمد إلى تصحيح التصرفات التي تخرم هذا المبدأ، ومن ذلك ما يتعلق بموضوع المساواة بين الجنسين، حيث يعمد القرآن الكريم إلى توجيه الأنظار إلى الاستثناءات التي وقع فيها التجاوز في حق النساء، كالتصرف في مهورهن، وإمساكهن رغم استحالة العشرة ظلما وعدوانا، وعضلهن؛ فضلا عن منعهن من الحياة، واعتبارهن متاعا يمكن توريثه…الخ، وهذه القضايا لا نذكرها هنا من قبيل المقدمات التي نوردها في العادة للقول بأن الإسلام كرم المرأة، فهذا القول ارتبط في الغالب بوصاية دائمة، نتصورها لرجل يرعى المرأة كأنها بغير إرادة، ولكن نورد هذه المعطيات، لنبني عليها أسسا جديدة في الفهم بعيدا عن الأفكار المرتبكة، والتي صارت من قبيل المسلمات في الموضوع.
خطاب الله تعالى يتوجه في عمومه إلى الإنسان ذكرا وأنثى، وعلى رأس صيَغِه العامة: أمثال قوله تعالى ﴿يا أيها الناس﴾و﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. وبصيغة العموم خاطب الناس جميعا بأصل التسوية في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً﴾[النساء:1]وعلى هذا الأساس من التسوية في الخطاب جاء التذكير في آية أخرى بأن البشر جميعا امتداد لهذا الأصل من جنسين اثنين، بلا أفضلية لجنس مخصوص، حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾[الحجرات:13]. ومن ثم تناسلت الآيات بالتوجيهات تخاطب المؤمنين بالأحكام بلا تمييز، إلا فيما يتصل بخصوصيات الاختلاف البيولوجي بين الجنسين، وهي اختلافات تنوع، لا تتحمل التنقيص في طرف من الأطراف، وحتى لو توهم بعضهم أن الخطاب القرآني قد يكون أهمل تعيين النساء بالوظائف الوجودية، فليس هذا التوهم إلا تهيؤ غير مقصود، وقد توهمته نساء في العهد النبوي، أتين النبي صلى الله عليه وسلم فقلن له مالنا لا نُذكر في القرآن كما يذكر الرجال، فنزل قول الله تعالى ينبه على أصل التسوية بكل تصريح، وذلك في قوله عز وجلّ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:35].
إن مسألة المساواة بين الجنسين في القرآن الكريم لا تحتاج إلى بيان، فهي من جهة يقررها مبدأ الخلق، ﴿من نفس واحدة﴾ وتكملها المساواة في الجزاء من جهة أخرى، فالذكر والأنثى مجزيان على قدر لا يحابي جنسا على جنس، وذلك على حسن العمل وعلى نقيضه خيرا وشرا كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]، مع أن العمل الصالح هنا لا يقتصر على العبادة بمفهومها القاصر ولا بوظيفة خاصة تعزل النساء في محيط ضيق، وإنما تتعلق بمطلق العمل بالصلاة والصيام والقيام والحج والزكاة، وبرعاية الأبناء والانتخاب والبيعة، وبالقضاء والحكم، فالرجل والمرأة متساويان في كل ذلك، إلا ما خصصته الشريعة بالقطع، وهما سواء في الولاية كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ﴾ [التوبة:71]. وهذه الآية ختمت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال الشيخ السعدي:  أي: قوي قاهر، ومع قوته فهو حكيم، يضع كل شيء موضعه اللائق به الذي يحمد على ما خلقه وأمر به».
فحالة السواء إذن، أصل قرآني يتعلق بالخَلق وبالوظيفة وحتى بالجزاء، وقد جاءت آيات كثيرة لتوجه الناس إلى ضرورة تصحيح ما عَرض لهم من فهوم ابتعدت عن هذا الأصل، وعلى هذا الأساس، وردت آيات كثيرة تشين بعض الأفعال الإقصائية المستحدثة، ترشيدا للأفهام واستنكارا للفِعال، كما في قوله تعالى:﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:8-9]وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ﴾ [النساء:19].
5- أفهام خاطئة كرست عدم المساواة.
إن مشكلة الخطاب الديني المعاصر أنه نقل فهوما سابقة في الزمن طبعت بظروف مخصوصة، فأثرت في واقع المرأة، وشوشت على وضعها الحقيقي الذي شدد عليه التنزيل، فبدل أن تستثمر النصوص الصريحة في المساواة بين الجنسين سعت بعض الأقوال إلى بحث أي مستند يمكن توظيفه لتكريس رفعة الرجال على النساء، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ من سورة آل عمران، وقوله جل وعلا: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ [النساء: 34]. فهذه الآيات وأمثالها ترد في خطابات العديد من المتقدمين والمتأخرين، وذلك في سياق الحديث عن التمييز المـُدعى، حيث توظف لترسيخ أفضلية الرجل على المرأة، دون أن تقوم على ذلك أدلة قاطعة، وحتى حين يضطر الخطاب المذكور لمجابهة القيم الكونية بمضمونها القيمي التحرري، يتم اللجوء إلى إلباس التمييز جبة التحرير؛ حتى إن بعضهم ادعى أن آية ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ تعكس حقيقة تحرير المرأة، لأنها تكون في كنف الرجل الذي يتميز عنها بالقوة الجسدية، وبعضهم جعل من هذه الآية قاعدة ومنهجا للتعامل مع قضايا المرأة. وربما ساهمت تعضية النص القرآني، الموسوم بالوحدة والتكامل، في تحريف الكثير من الآيات عن مقاصدها الحقيقية التي تؤطرها المقاصد العامة للشريعة وكلياتها، كما سنرى في هذه الورقة.
إن القرآن الكريم وحدة كاملة لا يجوز فيها الاجتزاء والتبعيض، فكل آية أو سورة فيه إلا وهي كاللبنة في البناء الواحد؛ تتعاضد لبناء المنظور القرآني للقضايا الإنسانية والكونية المختلفة. وكل فائدة تستخلص من الدرس القرآني هي بالفعل جزء من منظومة متسقة لا يجوز فيها التناقض ولا الاختلال، ولا يمكن النظر إلى الآيات ذات الصلة بقضايا المرأة إلا من هذه الزاوية، ومن حيث تحقق الانسجام مع القيم السامية للوحي.
إن الآيات التي يصح أن تكون نواظم للتصور الإسلامي في موضوعنا كثيرة، وهي تقر في الجوهر بمبدأ المساواة بين الجنسين كما سنرى، ولا يمكن بحال أن يُدرج ضمنها قوله تعالى: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ الذي ورد في سياق خاص، فهذه الآية تحمل إشارة إلى التمايز الطبيعي بين الجنسين، من حيث التكوين البيولوجي، وسياقُها يحكي قصة أم عمران التي كانت قد ندرت ما في بطنها محررا لخدمة المعبد، وكانت تنتظره ذكرا، فلما وضعت المولود أنثى، اعتذرت لربها عن النذر كما بيَّن ذلك القرآن الكريم في سورة آل عمران، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:36]. وكانت تقصد أن المولود لن يصلح للمهمة، كونه أنثى؛ لأن واقع المعابد آنذاك لم يكن يسمح بوجود المرأة فيها. وهذه الآية مع الأسف شكلت إطارا للكثير من الفقهاء والمفسرين للطعن في أهلية المرأة ولنعتها بالقصور، وكذا للقول بأفضلية الرجل عليها أفضلية مطلقة؛ وهذا نقوله ليس من باب بخس التراث حقَّه، ولكن لأجل الإشارة إلى ما يجب الانتباه إليه ونحن نعالج بعض القضايا التي نراها تحتاج إلى نقاش.
ومن الأقوال التي ترد بغرض تكريس التمييز ونفي المساواة، نقصان شهادة المرأة عن الرجل انطلاقا من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ﴾[البقرة:282] وهذه الآية لا تدل على ما يفيد التمييز من نواحي مختلفة، كونها تتعلق بالمجال المالي، وهذا المجال كان حكرا على الرجال قبل الإسلام، ولم يكن للنساء حضور على هذا المستوى ولا معرفة بالمجال إلا في القليل النادر، وأغلب النساء التاجرات كن يكلفن الرجال بالقيام على تجارتهن، وكان من الطبيعي أن تستبعد النساء عن الشهادة في هذا المجال الذي يحتاج للتدريب والتمرس والحساب والضبط، وهو أمر يستدرك بالمباشرة والمزاولة، كما أصبحنا نرى في هذه العصور، حيث تباشر النساء التسيير المالي والتدبير الاقتصادي على أعلى المستويات. وفي هذا الإطار نفهم كيف ورد الأمر باعتماد امرأتين في الشهادة في هذا الاختصاص دون غيره، حيث وردت آيات كثيرة تساوي بين المرأة والرجل في الشهادة، فكيف نجعل آية خاصة بسياق خاص، حاكمة على المجموع، وذريعة لادعاء أفضلية موهومة؟
وفي موضوع القوامة يُستند إلى قوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ لتبرير التمييز أيضا، مع العلم أن القوامة لا تعني السيادة والأفضلية والسمو، وإنما تتعلق بتدبير الاجتماع، حيث لا يمكن أن تستقيم الأسرة بلا رئيس، وهي تتعلق بالقدرة على الإنفاق، فإذا انتفت في الرجل صارت القوامة للمرأة، مما يعني عدم ارتباطها بالجنس، وإنما بالقدرة على التدبير وما يقتضيه من مقومات مالية بشكل خاص.
فهذه الآياتُ وغيرها كثير؛ تساق في الغالب لتبرير أفضلية الرجل على المرأة، وعليها تُركّب تفريعات كثيرة، تزيد في ترسيخ نظرة الدونية، وتُطلِق القول في النصوص بدون ضوابط ولا قرائن، خصوصا من بعض الدعاة الذين استباحوا النصوص واستسهلوا القول على الله، حتى قال أحدهم، إن المرأة ما خلقت إلا لإمتاع الرجل، باعتباره سيدها، وهذا القول معروف عند عدد من المفسرين والفقهاء الذين اعتبروا المرأة في حكم الأسير في بيت زوجها، ولكن هذا الداعية زاد باستنباط تبرير جديد، استقاه من قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَاسْتبَقا الباب وَقدَّتْ قميصه من دبرٍ، وألْفَيَا سيِّدها لَدى الباب﴾ [يوسف:25] وقال إن الرجل سيد المرأة بدليل هذه الآية، قال ذلك على خلاف ما يدل عليه لفظ السيد من زعامة وسيادة عامة أو على إطلاق مخصوص لم تعرفه العرب من قبل، ولم يقل أحد من المفسرين إن لفظ السيد هنا تعني الرفعة والسمو، وإنما قالوا تعني الزوجية فقط وقال ابن عاشور إن القرآن الكريم عبّر بهذا اللفظ الذي كان يطلق على الزوج عند الأقباط، ولم يكن مستعملا في عادة العرب.
بمثل هذه النصوص التي تستعمل دون اعتبار للقرائن اللغوية والسياقية، يتم شحن موضوع المساواة الطبيعية بين الجنسين بما لا يقره الوحي المنزل ومقاصده الرفيعة. ولذلك لا بد أن نؤكد أن الدوافع التي تجعلنا في حل من الأفكار الغريبة التي تدعوا إلى التفسخ والتهتك والفوضى وإلغاء كل الفوارق الطبيعية بين الجنسين، هي نفسها الدوافع التي تجعلنا في حل من الأفكار التي تستند إلى الخطاب الديني غير المؤسس، ففي كل الأحوال لا يؤتى النص الديني ارتجالا، وإنما يلزم من كل قول فيه ضوابط وآليات وقرائن، فإن فقدت في أي متن تفسيري أو أي خطاب يستند إلى الدين، حق التحرر منه، سواء ادعى التمسك بالدين وحفظ مذهب السلف، أو ادعى الحداثة وتحرير الخلف، فالعبرة تُلتمس في الأدلة وفي الحقائق، ولا يستعاض عن الحقائق بدعاوى الخلائق، فإن أردنا التأسيس لمنهج سليم في النظر إلى قضايا المرأة في النص القرآني أو السنة الشريفة لا بد أن ننظر إلى ما قيل فيها بما يناسب نسبية التأويل، وأن نعيد النظر في محصل الأفكار، انطلاقا من عنايتنا الجديدة بمقاصد الشريعة وكلياتها العامة.
6- المساواة والكليات العامة للشريعة.
تحدثنا عن القيم الكونية المشتركة، وقلنا بأنها تلك القيم التي تمثل للإنسانية أفقا مشتركا يحمل من الخصائص والصفات ما يمكن أن تَنظِم به كافّة البشر مع اختلاف وتنوّع خصوصيّاتهم التي تشكلت بفعل التمايز التاريخي والجغرافي والديني، وما إلى ذلك من العوامل المؤثرة؛ فكل الأمم تدرك الحَسَن وتميزه عن القبيح فطرة وجبلة، والأديان كلها ركزت على هذه القابلية الفطرية في تمييز الصلاح من الفساد، وعلى هذا الأساس تنزل الوحي بالرسالة الخاتمة. ويمكن القول إن الشريعة الإسلامية تركز على تقويم القيم لتناسب رفعة الإنسان، فهي توجه المخاطبين إلى ما تستحسنه العقول من القيم وما تَستَطيبُه الأذواق السليمة؛ وهذا الأمر، إن كان يدرك باستقراء نصوص الوحي والسنة الشريفة، فإن هناك قواعد كبرى، ومقاصد إجمالية، وكليات عامة، يتأسس عليها خطاب التنزيل، وهي قواعدُ تسعى إلى رفع مقام الإنسان، ذكرا وأنثى، من ذل القهر إلى أفق التحرير، ومن ضيق التمييز إلى سعة المساواة، ومن إجحاف الظلم إلى رحمة العدالة، ومن عار الاحتقار إلى رفعة التكريم، ومن الدناءة إلى المكارم، ومن الخبائث إلى الطيبات. وهذه القواعد العامة، أو المقاصد الإجمالية، أو الكليات، هي التي نسميها هنا القيم الكبرى في القرآن الكريم، فكل حكم من الأحكام في القرآن الكريم إلا ويتصل بأصل حاكم يضبطه ويوجّهه، ومن ذلك مبدأ المساواة، وعلى ذلك دلّت النصوص. وفي القرآن الكريم ما لا يكاد يحصر من الدلائل على انضباط الأحكام لقيم التشريع الكبرى كما نرى من خلال الأمثلة التالية.
أولا: تبرز قيمة العدل في القرآن الكريم باعتبارها قيمة كلية، نفهم ذلك من مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقوله عز وجل ﴿قل أمر ربي بالعدل﴾. وقوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ﴾[الحديد:25]. ويفهم من هذه الآيات أن كل ما يوصف بالعدل جاءت الشريعة من أجله، وكل ما ينعت بالظلم فهي ضده، ولذلك تختزن الآية في ثناياها وتفاصيلها الأمر بالعدل في الحكم والقضاء، وفي البيوع، والزواج والطلاق، وفي التربية والتعليم، وفي كل قضية أو أمر من أمور الناس. وما يقال عن العدل، يقال عن السلم، والإحسان، والحرية، والمساواة، والكرامة الإنسانية، وغيرها من القيم الموصوفة بالكلية والشمول. وإن كنا نتحدث عن القيم القرآنية باعتبارها منظومة تشتمل على أصول وفروع، فإن الأمر نفسه نجده في السنة النبوية التي تنقل لنا قيما كبرى في جوامع الكلم النبوي، ويمكن أن نستشف هذا الأمر في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» فكثير من الأخلاق والقيم التي تحث عليها السنة النبوية يمكن وصفها بالكلية، وهذا الحديث يشير إلى أن من المقاصد الكبرى للشريعة والبعثة النبوية ترسيخ القيم التي يشهد لها العقل السليم والذوق القويم بالاعتبار. والكثير من الكليات التي تطلبها الشريعة وتتوخى محاسنها يكشف عنها هذا الحديث، فكل ما يدخل في مكارم الأخلاق ومحامدها هو مقصود الشريعة في الإنسان، ولا يخرج عن مطلوبها جنس أو نوع. ولا يمكن أن تخرج المرأة عن سمو خطاب الوحي وخصائصه، سواء في القرآن أو في السنة، فإن كانت باعتبارها إنسانا معنية بقيمة الحرية أو بالعدالة الاجتماعية أو بالكرامة الإنسانية أو بالمساواة أو بغيرها من القيم الكلية، فليس من المعقول أن تحرم من هذه القيم في أحكام الفروع فتكون ناقصة الكرامة، ومقصية من المسئولية أو غير معنية بالأمانة أو العلم، وما إلى ذلك مما قصده الوحي في التشريع.
والمساواة كلية من الكليات العامة للشريعة، أسفر عنها الخطاب القرآني للإنسان، فترتبت عن ذلك تشريعات تؤكدها في فروعه، ومنها ما يتعلق بالمساواة بين الذكور والإناث، كالتسوية في العبادات والتسوية في الانتخاب والبيعة وفي الحقوق كحق الملكية والعمل، وفي الواجبات كالتصدق وغيره. والنصوص في هذا المجال لا تحصر، من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة:12]، هذا مع وجود اختصاصات محدودة لا علاقة لها بالتمييز، وإنما بالبنية والتكوين الفطري.
خاتمة:
إن المساواة بين الذكر والأنثى أصل لا يتوهم نقيضه في الأحكام، ولكن بعض الفروع الفقهية والتأويلات التفسيرية ابتعدت عن هذا الأصل من خلال كثير من الأقوال التي كدّرت حقيقة المساواة في زمن من أزمنة التراجع الحضاري، ثم جاءت فترة الاستعمار فصيغت تحت الضغط قوانين العائلة دون تمحيص للأحكام المذكورة، وهذا ما يحتاج إلى نظر جديد يضع الأحكام في نصابها، لتسترجع المرأة مكانتها السواء المنسجمة مع خطاب الوحي المنصف بعيدا عن ارتجالات الفكر الإنساني المعولم.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.