حصريا

الشباب وفقه التمكين

0 122

الشباب وفقه التمكين

أ . عتيقة نابتي

باسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين  والحمد لله رب العالمين رب السماوات والأرض وما بينهما الحمد لله الذي رفع شأن العلم المكين وجعله سبيلا للتمكين فأول من نزل من الكتاب المبين اقرأ وهي لفظة تقرأ يمينا ويسارا

اقرأ وارقى

والقراءة تمكين والتمكين هو موضوعنا في هذه الورقة سنخصصه للشباب فاخترنا لهى عنوانا وهو الشباب وفقه التميكن .

فما هو التمكين ؟ وهو مصطلح ازدهر تداوله وتناوله مع ظهور الحركة الاسلامية في محاولة لإعادة بناء صرح الحضارة الاسلامية التي ملأت الآفاق ، فتناوله البعض من حيث مصطلح متداول في القرآن من جانب التفسير الموضوعي وتناول البعض شروطه وأسبابه وأهدافه بل ومراحله وأنواعه فهناك تمكين سياسي واجتماعي وحضاري وغيرها من الاستعمالات وذلك حسب الغاية والهدف .

التمكين في اللغة هو جعل الشيء مستحكما قويا فهو تعبير عن القوة قال تعالى :﴿إنا مكنا له في الأرض[1]

والتمكن من الشيء نيله وهو القدرة والمنزلة ورفعة الشأن والمكانة قال تعالى : ﴿إنك اليوم مكين أمين [2]والتمكين إن كان معناه القوة أو القدرة أو المكانة فهي مزايا الشباب عامة قوة العقل او البدن أو الإرادة حتى إن تمكنت من هذا بقوة تجربة الكبار فالشباب هم وسيلة التمكين وهدفه لكن نحتاج إلى مشروع التمكين أو الشباب وفقه التمكين .

كثيرا ما كان الشباب المسلم وقودا وهي تسمية برمج عليها منذ أن بدأت تلك الحركات التي كانت تريد استرجاع مجد الأمة بشتى الطرق والوسائل سواء كانت الوسيلة اجتماعية وطريق الاصلاح أو سياسية وطريق المعارضة ولسبب ما تحول الوقود الى حطام في كثير من الأحيان فأصبح الشباب وقودا لقوارب الموت في البحار أو وقودا في ساحات الارهاب هذا البلاء الذي قصم ظهر الأمة وشوه صورة الاسلام أو وقودا للانحرافات الاجتماعية من بطالة وخدرات أو وقودا للإلحاد والانحراف العقدي ، في كل الحالات كان الشباب وقودا لطريق لم يختره ولمخططات هو مفعول به فيها  ولم يكن فاعلا ولا مخططا لاستراتيجياتها .

فللتمكين مقدمات صحيحة ونتائج فاعلة ، قال الله تعالى :﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَفَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[3]

هذه الآية الكريمة تلخص المقدمات والنتائج فالإيمان زائد العمل الصالح والعبادة تؤدي إلى الاستخلاف والتمكيين والأمن ، والتمكين وسيلة للإستخلاف  والأمن نتيجة للتمكين ، ولو أردنا الوصول الى نتيجة فاعلة فلا بد أن تكون المقدمة صحيحة فكيف ذلك ؟؟

المقدمة هي إيمان وعمل صالح وعبادة ، والإيمان تصديق وعمل والعمل فعل وفعالية ومنه يكون العمل الصالح ويكون بتفعيل أركان الإيمان كبذرة أساسية لتثمر التمكين مع العمل الصالح فتفعيل أركان الإيمان بجعل الله رقيبا والقرآن منهجا والنبي صلى الله عليه وسلم نموذجا وأسوة في تطبيق منهج القرآن الكريم كدستور للحياة فالقرآن ليس للقراءة فقط بل هو دستور على المستوى العام والخاص وهو سقاية للتمكين ولأن الغراس لابد له من رعاية تأتي محاسبة النفس قبل أن تحاسب من خلال التخطيط الشخصي الذي ينطلق وفق نية خاصة في بناء الفرد أليس الايمان بالملائكة يجعلك تضع نفسك في خانة المراجعة المستمرة ؟ اليس هذا من أسس التخطيط الشخصي؟ أليس عليك في كل مرحلة أو مشروع أو بناء أن تحاسب نفسك قبل أن تحاسب ؟ولن يكتمل إيمان المؤمن ويكون بذرة لغرس التمكين ما لم نفقه حقيقة المقادير من حيث كونها سنن كونية يجب أن نتعلمها ونستثمر فيها ونعلمها شبابنا على وجهها الصحيح ومن حيث كونها  من لها وجهة غيبية تحتاج منا التقبل وحسن الظن بالله فهو من خلق المقادير والأرزاق وفيها مانحن مسيرون بها وفيها ما نحن مخيرون فيها ، ذلك أن الأقدار كثيرا ما كانت سببا مباشرا في تحطيم النفوس والآمال والأحلام بسبب الفهم الخاطئ خاصة عند الشباب فكانوا وقودا لحملات الالحاد والتبشير ، إذ كيف يوازن شاب قليل الحيلة بين دين مكلف ويضع أمامه حاجز القدر عند السقطات يعلل له ذلك بأنه مكتوب وبين لادين ولا حساب ولا عقاب ، وبين من دين جعل المخلص بالنيابة ينوب عن أخطائنا وحده الوعي بقيمة التمكين وأسسه يجعلنا نخرج من هذا المأزق الفكري الذي تعرض له شبابنا ، ومن ثم يصبح الاستعداد للموت واليوم الآخر هو خطة عمل للإنجاز وليس للانتحار بالوسائل المتاحة منها الحرقة أو البطالة والمخدرات وغيرها أو الإلحاد والانحرافات الفكرية المتعدد فالعقل يحب منطقة الراحة .

فكيف نجعل هذا واقعا في حياتنا إذا ؟ فالايمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل ، والعمل هو العمل الصالح طبعا فلقد تكرر اقتران الإيمان بالعمل الصالح في القرآن الكريم مرات ومرات ، فالايمان لا يكون فاعلا إلا بتفعيله من خلال الجوارح ومن خلال حياتنا اليومية بالسعي إلى تحقيق العمل الصالح من هنا نبذر بذور التمكين ونفقه أساليبه ، ولأن الإنسان جسد وقلب وروح وعقل فمن هنا تكون قنوات التمكين أي التمكين للجسد والقلب والروح والعقل ، فالعمل الصالح يكون بهذه القنوات وفيها لأن الإنسان عامة هو وسيلة للتمكين وهو هدفه الأساس.

الاستثمار في المهن والهاويات والعلوم بشتى أنواعها الكونية والشرعية وتطهير القلوب وتفعيل مصفوفة القيم العامة والخاصة في الحياة اليومية وحمل القلوب والعقول على الوعي والاستفاقة من الغفلة والاعتناء بالجسد صحة وغذاء وراحة كلها موازين للعمل الصالح بمفهومه العام والخاص يبقى تفصيل ذلك على مستويات وضمن مشاريع مما يجعل الروح ترنو وترتقي إلى خالقها أطرف النهار وآناء الليل فتتحقق بذلك العبادة ، فالعمل الصالح لا ينفك عن الإيمان والعبادة وتلك هي أكمل صور التمكين ، فالعمل على الصحة الجسمية والفكرية والنفسية كلها مجالات للعمل الصالح وأسس للتمكين على الشباب أن يفقهها ، فتكون حياته عبارة عن عمل صالح مستمر هو من خطط له ووضع أهدافه فلا يكون ضمن خطط الآخرين وأهدافهم حينها لن يبدع ولن ينجز فالابداع والانجاز إيمان واعتقاد .

فقد يقول قائل بأن الغرب أبدع وعمل صالحا نقول نعم لكنه عمل بمقدمة مبتورة ونتيجة غير متكاملة فالإيمان عندهم هو إيمان بالذات فقط وقدراتها الخارقة بينما نؤمن بقدرات الذات بمعية خالقها حتى لا تحيد ، تحقق الاستخلاف وتحقق التمكين فهل تحقق الأمن إن السعي لخلق الحروب وافتراض العدو والتسلح لأجله سببه غياب الامان ثم إن رسالة المسلم ليست ذاتية بل إنسانية عالمية كونية أما الغرب فحقق ذاته ليمحق غيره وهنا الفرق في أن التمكين عند المسلم ذاتي ليحققه في واقع الناس من أجل الشهود الحضاري الذي هو الرسالة الأبدية التي من خلالها يحقق الخلافة والعبادة والتعمير .

فواقعنا إن رجعنا إلى الآية ودرسنا المقدمة هي استعمار بدل الاستخلاف وخوف بدل الأمن وضعف بدل التمكين ، فالخلل في المقدمة واضح إذا هل هو في مفهوم الايمان وتفعيله ؟ أو في مفهوم العمل الصالح الذي حصر جهد الشباب في العمل الخيري أو في مفهوم العبادة التي تقلصت وأصبحت لا تتعدى صلاة وقراءة قرآن وإطلاق لحية وتقصير لباس لدى البعض .

والحقيقة أن العمل الصالح والعبادة والإيمان هي كل لا ينفك عن بعضه البعض يحققه الانسان عبر دوائر الوعي انطلاقا من الذات إلى الأسرة وإلى الوطن والإنسانية جمعاء ، تفعيل للايمان بالعمل الصالح يتحقق التعبد من الذات إلى الأسرة إلى المجتمع والكون كله وفق خطط ذاتية استراتيجية استشرافية على بصيرة ، فالنية هي بداية الخطة وهي بذرة التمكين فمن هنا نبدأ .

بفقه الايمان وفعاليته وعلاقته بالمفهوم الفاعل الواسع للعمل الصالح وبهما يتحقق التعبد الذي يرتبط بالغاية من الوجود الانساني .

وحتى نكون عمليين أكثر فإن لدينا من المحاولات التي سعت إلى ترسيخ فكرة فقه التمكين الكثير ، يمكن أن تكون بداية استثمار في زرع الفكرة بوضع خطة عملية ، حيث جمعت بين الفكر الحضاري لمالك بن نبي والفكر الإصلاحي للشيخ عبد الحميد بن باديس والمشروع الفكري للشيخ محمد الغزالي والمشروع النهضوي للوعي السنني للدكتور الشيخ الطيب برغوث .

يمكن خلق مشروع أكاديمية فقه التمكين بتلاقح أفكار هؤلاء الاربعة التي تلتقي في نقاط عملية هامة تكون منها الانطلاقة نحو تفعيل فقه التمكين لدى الشباب ليدون وقودا فاعلا له ولباقي دوائر الوعي التي يجب أن يفعلها إن كان هو فعالا متمكنا لا وقودا محرقا لذاته ولغيره فكيف ذلك ؟

سنضع حوصلة لكل فكرة ونجمع بينها ، أولا مالد بن نبي يضع لنا عوامل النهوض الحضاري عامة وأن الحضارة إنجاز وليس تكديسا ، وهي فكرة وليست أشياء وأن الانسان هو جوهر الحضارة وهو الذي يصنع أفكارها، ومن التمكين صناعة الإنسان صانع الأفكار فمشكلة كل شعب هي مشكلة حضارية والانسان هو صانع الحضارة والحضارة فكرة .

وأما الشيخ عبد الحميد بن باديس فإن فكرة الاصلاح ركزت على تحويل الانسان المستلب حضاريا إلى إنسان فاعل ، من إنسان فاقد لهويته مشوها إلى إنسان يحمل هوية يدافع عنها بنفسه ويحافظ عليه بالوعي الفاعل فكانت مهمته صناعة الانسان وإصلاحه نفسا وروحا ومشروعه الاصلاحي لا يزال حاضرا لو فعل وانتقل نقلة تتماشى مع واقع الناس هذا فهو زرع فكرة وفعلها في حاضره ومنها نجحت فكرة الاصلاح حتى أنه كان يقول بسبب قلة كتاباته بأن انشغل في تأليف الرجال على تأليف الكتب .

وأما المشروع الفكري للشيخ محمد الغزالي فهو يقف على الأزمة الفكرية للعقل المسلم في نطاق المعرفة بوضع برنامج نهوض حضاري يتضمن تمحيص الأفكار الوافدة وتنقية الأفكار الراكدة مما علق بها من غثاثة وإعادة بعث الصحيح منها وبه يمكن إعادة بناء الشخصية المسلمة السليمة المتوازنة بالعودة إلى الفطرة ، فالمشكلة ليست مشكلة عقيدة بل هي مشكلة أفكار بالنظرة الصادقة لواقع الاسلام والتشوه الذي لحق به وفهم سليم للميادين التي انهزم فيها روحيا وحضاريا .

وهذه الأفكار الحضارية يستوعبها مشروع الشيخ الطيب برغوث الذي تضمنته سلسلة آفاق في الوعي السننيالتي تدور فكرتها ومشروعها الحضاري حول النهضة الحضارية بخصائص الشمولية والتوازن والتكامل وخاصية الاستمرار والتي لا تكون إلا ببناء الانسان الرسالي المتوازن الشخصية عقلا وجسدا وروحا وقلبا ،

فمن هنا يمكن أن نفقه بأن فقه التمكين ينطلق من فكرة قوية تنطلق في الآفاق لتحقيق الايمان والعمل الصالح والعبادة ، بشخصية متوازنة متصالحة مع الماضي تفقع واقعها وتتقبله وتستشرف لمستقبل واضح جلي الأهداف لها هويتها وانتماؤها وأثرها في واقع البشرية والسنن الكونية وتفعيلها ، وذلك الأثر ما هو إلا استخلاف وتمكين وأمن ، وأداة هذا المشروع هو الشباب لأن الفكرة لن تكون فاعلة إلا إن كانت قوية التأثير والقوة هي الشباب قلبا وروحا وجسدا وعقلا .

مشروع فقه التمكين هو فكرة يحملها شباب ويستثمرها شباب ، ولن تكون فاعلة إلا إن اعتقد فيها وفي قوتها ولن يكون هذا الاعتقاد إلا إن تكون عليها وفق مشروع حضاري واضح المعالم والآثار.

 

[1]الكهف 84

[2]يوسف 54

[3]سورة النور 55

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.