حصريا

الرد على السقاف في دعواه أن ترك الجهر بالبسملة خلافٌ سياسي

بسم الله الرحمن الرحيم

الرد على السقاف

في دعواه أن ترك الجهر بالبسملة خلافٌ سياسي

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.. وبعد:

فقد أوقفني بعض الفضلاء على مقال للشيخ حسن السقاف يدعي فيه أن ترك الجهر بالبسملة كان خلافا سياسيا بتعمد من معاوية رضي الله عنه، وتعلق بأشياء لدعم شبهته التي ظهر تـهافتها لكل عارف بالحديث والخلافيات، لكنها راجت على مقلديه ممن لا نظر لهم ولا دراية، فكاعوا له بالثناء بلا عقل ولا ورع ولا فهم، فطلب مني بعض أهل السنة كتابة ما به يندفع تشغيب السقاف لئلا يغتر به من لا يدري، فكتبت هذه العجالة بيانا للحق وإنصافا لطوائف الفقهاء.

وليعلم أن هذه المقالة ليس من أغراضها شرح المسألة ولا الكلام على دلائلها وعلل مروياتـها ومذاهب الناس فيها، فقد صنف فيها جماعة من الحفاظ بما لا مزيد عليه كالدارقطني والآجري وابن طاهر والخطيب وابن الجوزي وأبي يعلى وأبي شامة وغيرهم، والكلام فيها مبسوط جداً في مطولات الخلافيات وكتب تخريج الحديث وشروحه.

والذي نعتقده في المسألة استحباب الجهر والسر فيها وأن الأمر فيها واسع كما قال ابن أبي ليلى والحكم وإسحاق: (من شاء جهر ومن شاء ترك) لأن الأخبار صحت بالنوعين وطريق الجمع بينها أنه عليه الصلاة والسلام كان تارة يجهر بـها وتارة يسر كما قاله غير واحد من العلماء كابن القيم في (الهدي النبوي) وابن الوزير وابن الأمير الصنعاني والشوكاني وغيرهم وفعله الإمام أحمد، ويقويه أن التواتر قد ادُعي في أحاديث الجهر وعدمه سواء.

وقال السيد العلامة محمد بن إبراهيم ابن الوزير في (العواصم): (وقد نص الفقيه العلامة علي بن عبد الله–من علماء الزيدية- في تعليقه على الجوهرة، على ثبوت الجهر والمخافتة معاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ما لفظه: اعلم أن الإنصاف في هذه المسألة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر في البعض ويُخافت في البعض).

وإنما القصد بيان غلط السقاف في دعوى سياسية المسألة، وأن دعواه أن معاوية أحدث ترك الجهر بـها لا دليل عليه سوى عصبيته التي تدفعه إلى التورط في مثل هذه المغالطات والمجازفات.

فأول ذلك أن السقاف تناقض من أول حرف في مقالته هذه، فإنه عنون لها بقوله: (معاوية هو أول من ترك البسملة المأمور بـها في السنة النبوية) ثم ذهل لفرط عصبيته فاستدل لما زعم أن الأمويين ابتدعوا المخافتة بالبسملة بقول الحافظ:(وكان عمرو بن سعيد بن العاص أول من أسرَّ البسملة في الصلاة مخالفة لابن الزبير لأنه كان يجهر بـها، روى ذلك الشافعي وغيره بإسناد صحيح).!

وطالب القراء بالتأمل، مع أنه لا يتأمل ما في كلامه من التضاد القبيح والمناقضة لقول الحافظ، والحال أن أحداً لم يقل إن معاوية أول من أحدث المخافتة بالبسملة، ولم يذكر هذا من صنف في (الأوائل) كالعسكري وأبي عروبة الحراني وابن أبي عاصم وأبي بكر الجراعي والسيوطي، بل لا يقول هذا من يدري مبادئ علم الحديث، فإن الروايات في ترك الجهر بـها أشهر وأكثر من أن يدعى معها ابتداع معاوية وأوليته في إحداث الإسرار بالبسملة.

وقول الحافظ لا يناقض الروايات الصحيحة في المخافتة بالبسملة، لأنه صرح بأن عمرو بن سعيد الأشدق إنما أحدث ترك الجهر مخالفة منه لابن الزبير الذي كان يجهر، لا أنه أول من أحدثه مطلقا، لأن المخافتة مروية عن أكثر الصحابة منهم الخلفاء الأربعة كما حكاه الترمذي في (الجامع).

ولهذا قيد الحافظ كلامه بقوله: (مخالفة لابن الزبير) وهي جملة حالية تقتضي أنه أول من ألزم الناس بذلك بقصد إظهار خلاف ابن الزبير رضي الله عنه، وبتقدير صحة هذا فإن فيه بدعتين: إحداهما: إلزامه الناس بترك الجهر مع أنه جائز أو مستحب، والثاني: أنه إنما أحدث هذا الإلزام عصبية على خصم الأمويين وهو ابن الزبير رضي الله عنهما، فالبدعة والإحداث في إلزام الناس بترك الجهر مع كونه جائزاً، لا في مطلق ترك الجهر لأنه جائز أيضا، ثابت في أحاديث كثيرة قبل إحداث عمرو بن سعيد هذا.

وبه يظهر لك خطأ ثان وقع فيه السقاف لفرط عصبيته على معاوية، وهو قوله في عنوان مقالته: (معاوية هو أول من ترك البسملة المأمور بـها في السنة النبوية) فادعى أن الجهر بالبسملة مأمور به، فإن قصد بالأمر ما هو معروف في اصطلاح أهل الأصول أنه واجب، فهو تناقض قبيح مع ما قرره من مذهب الشافعي وما نقله عن النووي والسلف، فإنـهم لا يقولون بالوجوب بل الاستحباب كما هو معلوم.

وإن قصد مطلق الأمر فهو مهدر، لأن المخالف يدعي ذلك في أحاديثه وهي أكثر وأشهر من أحاديث الجهر، فظهر بيقين غلط السقاف في عنوان مقالته هذه التي تخبط في عنوانـها كما تخبط في مضمونـها وفحواها، فقاتل الله العصبية ما تصنع بصاحبها.!؟

وخطأ ثالث.. فإنه نسب معاوية إلى مطلق الترك للبسملة، والمحفوظ أنه إنما ترك الجهر بـها وإلا فكيف علم من أنكر عليه؟ ولعله يقول: إنما نسبت معاوية لمطلق ترك البسملة لأن عمرو بن سعيد أول من أحدث ترك الجهر، ومعاوية أول من أحدث الترك مطلقا، وهذا باطل بأن معاوية إنما ترك الجهر بـها ولهذا أنكروا عليه بتقدير صحة الخبر.

لا يقال إن ترك البسملة مطلقا يستلزم ترك الجهر بـها، لأنا نقول إن المخافتة بالبسملة تقتضي إسماع من يليه، وقد قال الإمام زيد بن علي عليه السلام: (ما خافت من أسمع أذنيه) حكاه السيد العلامة محمد بن إبراهيم ابن الوزير في (العواصم) وقال: (ومذهبُ الهادي عليه السلام أن أقل الجهر أنيُسمع الإنسان من بجنبه، وذلك أيضا أقل المخافتة، فمنفعله فقد أخذ بالإجماعمن أهل المذهب ومن يوافقهم على قولهم هذا، لأن القائل بأن السنة المخافتة يقول: هذه مخافتةٌ، والقائل بأن الجهرَ السنة، يقول: هذا جهر).

وهبك أن معاوية ترك البسملة فلا يتجه لك الإنكار عليه وعده من مثالب معاوية، لأن تارك الجهر بالبسملة ليس بعاص عند جماهير أهل البيت عليهم السلام، قال ابن الوزير في (العواصم): (فالخلاف لأهل البيت عليهم السلام في هذه المسألة يسيرٌجداً؛لأنه خلافٌلجماهيرهم في أمر غير واجب عندهم، وذلك لأن مذهب جماهير العِترة من المتقدمين والمتأخرين أن الجهر بالبسملة والفاتحة في الصلاة غير واجب، وقد ذكر ذلك الأمير الحسين في (الشفاء) فالـمُخافِتُ تاركٌ لسنة عند جماهير العِترة، ولا إثم عليه ولا حرج، ومن كانعند جماهيرهم غير عاصي، فالإنكارُ عليه عندهم من المعاصي).

وخطأ رابع في عنوان مقالة السقاف، وهو نسبة الأمر بالجهر بالبسملة للسنة مع مطلق ترك معاوية له، وظاهره أن ترك الجهر غير وارد في السنة وهو جهل فاضح بالسنن، فإن ادعى أنه يقصد عدم صحة أحاديث ترك الجهر عنده، فهو قبيح لا يليق بمن زعم أنه يشتغل بالحديث أكثر من ثلاثين سنة، للفرق بين مطلق الورود ومطلق الثبوت،ولأن جماعة من الحفاظ الكبار يصححونـها وترك مراعاة خلافهم جهل بالأصول.

فكان اللائق به أن يقول: (الثابت في السنة)لأنه لا يلزم منه أن ترك الجهر ليس بثابت أو ليس بوارد كما يوهمه ظاهر عبارته، فإن قوله: (المأمور به في السنة) يوهم أن خلافه وهو المخافتة بالبسملة، ليس بمأمور به أي: ليس بوارد وهو جهل كما مر، ولا يتجه له أن يقول إن إطلاق المأمور يفيد أن خلافه ليس بمأمور من جهة أنه لم يصح والأمر فرع الصحة، لأنه يلزمه القول بوجوب الجهر وهو خلاف ما قرره في مقالته، فإن التزمه ناقض أصله، وإن فسّر الأمر بالورود المطلق عن دلالة مسمى الأمر لزمه الجهل ضرورة ورود ترك الجهر في السنة، فلا مفر له من المناقضة.

فهذه أربعة أخطاء علمية وقعت له في نصف سطر، تدل على أن الرجل أجنبي عن صناعة العلم والتأليف فيه، فضلا عن قصوره في فن الحديث، حتى لقد ذكّرنا بما قاله الحافظ ابن حجر في عثمان ابن دحية السبتي الكلبي أخي الحافظ أبي الخطاب المعروف: (وقفتُ له على جزء في الجهر بالبسملة أنبأ فيه عن عدم معرفته بـهذا الفن).!

ثم استدل السقاف لدعواه التي ابتدعها أن معاوية أول من أحدث ترك الجهر بالبسملة، بما أخرجه الشافعي أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج قال أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أن أنس بن مالك قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة فقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) لأم القرآن ولم يقرأ بـها للسور التي بعدها حتى قضى تلك القراءة ولم يكبر حين يهوى حتى قضى تلك الصلاة فلما سلم ناداه من شهد من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) للتي بعد أم القرآن وكبر حين يهوى ساجداً) إلى آخر ما نقله عن النووي رحمه الله وخرّجه.

فيقال له: من عجب أنك ترمي مخالفك كما هو دأبك بعدم التفقه في المرويات ثم لا تتفقه أنت فيما تروي؟!فليس في هذا الخبر عند كل متفقه أن معاوية أول من أحدث ترك الجهر بالبسملة، ولا قاله أحد ممن خرّجه ورواه، كالشافعي والفسوي والبيهقي والحاكم وغيرهم، بل في الخبر بتقدير صحته أن معاوية كان يجهر بالبسملة، فإنه كان أميراً إذ ذاك بحيث لو فعل فعلا لطار فعله كل مطار، وانتشر في الآفاق والأقطار، وبعيد في العادة أن يصلي مستمراً على ترك الجهر بالشام ولا يبلغ فعلُه هذا من بالمدينة من الصحابة حتى يدعوا الإنكار عليه إلى أن يقدم المدينة.!

فهذا الخبر يدل على نقيض مطلوب السقاف، ولسنا نقول بدلالته هذه وإنما ذكرناها على سبيل الإلزام لتفقيه السقاف، فإن الخبر لا يصح له عندنا إسناد ولا متن، ولأن مذهب معاوية المحفوظ عنه ترك الجهر بالبسملة، وهو مذهب الشاميين الذي اتصل لإمام الشام وعالمها وفقيهها الأوزاعي فقال به رواية ودراية، وهو قول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وعنه وعن معاوية أخذه عامة أهل الشام غير مكحول فإنه كان يجهر بـها، فكُلِّم في ذلك فأبى إلا أن يجهر كما ذكره عنه أبو عمر في (الإنصاف) ومعاوية وعمر أخذاه عمن تقدم من الصحابة كالخلفاء وغيرهم.

وأيضا فلو كان الأمويون ومعاوية هم من أحدث ترك الجهر لأبطله عمر بن عبد العزيز فيما أبطل من بدع الأمويين وجورهم ومنكراتـهم كتأخير الصلاة وسب علي عليه السلام ونحو ذلك، وقد حكي عن سعيد بن عبد العزيز فقيه الشام أن ابن عامر مقرئأهل الشام ضرب عطية بن قيسعلى رفع يديه من الركوع والرفع منه، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فلم يأذن لابن عامر عندما استأذن عليه وحجبه عن مجلسه، وقال:(ضرب أخاه عطية أَنْ رفع يديه، إن كنا لنُؤدّب عليها بالمدينة) حكاه الذهبي، فكيف ومذهب عمر بن عبد العزيز ترك الجهر بالبسملة.؟

والذي أحدثه عمرو بن سعيد بتقدير صحته إنما هو إلزام الناس بترك الجهر مخالفة منهلابن الزبير كما قاله الحافظ، ولم ينقل هذا عن معاوية ولا قال أحد غير السقاف إن معاوية أحدثه.

وأيضا ففي هذا الخبر: (فلما فرغ ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية، نقصتَ الصلاة، أين بسمالله الرحمن الرحيم،وأين التكبير إذا خفضتَ ورفعتَ؟ فكان إذا صلّى بـهم بعد ذلك قرأ ببسم اللهالرحمن الرحيم وكبّر) وهذا يدل على فقه معاوية وإنصافه حيث رجع للجهر وقراءة البسملة، فعاد الخبر على نقيض هوى السقاف فإنه بمدح معاوية أشبه منه بذمه.!

وأيضا فظاهره أن معاوية استمر على الجهر وقراءة البسملة كما هو ظاهر قوله: (فكان إذا صلّى بـهم بعد ذلك قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم وكبّر) وهو مضاد لدعوى السقاف أن معاوية خالف السنة في الجهر، وغاية ما يفيده الخبر أنه نسي الجهر بـها فذكّره الناس فعاد وجهر وتمسك بالسنة، فأين بالله ما يفيد أنه أحدث ترك الجهر في الخبر فضلا عن أن يكون أول من أحدثه، والحديث صريح في أنه لزم الجهر بـها واستمر عليه.؟!

وأيضا ففي الحديث أنه إنما أنكر عليه أهل المدينة، وهو علة تقدح في متنه، لأنه لا يخلو أن يكون معاوية كان يسر بالبسملة ولا يكبر في الشام التي وليها من عهد عمر، أو أنه إنما أسر بـها بالمدينة، والأول باطل لأنه لو فعل ذلك لأنكر عليه الصحابة بالشام ولبلغ فله لأهل المدينة فأنكروه، وحيث لم ينقل ذلك دل على أنه لم يقع ذلك منه بالشام.

فلم يبق إلا الثاني أنه فعله بالمدينة، وهو لا يخلو من وجهين، أحدهما: أنه صنعه عمداً، فإنكار أهل المدينة عليه دليل على أن مذهب الصحابة بالشام المخافتة لا الجهر وإلا ما تعمده، وأيضا فليس لمعاوية مصلحة في مخالفة أهل المدينة حتى يتعمد السر بالبسملة ويخالف مذهبهم، بل مصلحته موافقتهم ليتألفهم على ولايته، وهذا يقدح في الخبر.

والثاني: أنه فعله ناسيا وهو ظاهر الخبر، لأن فيه أنـهم قالوا له: (أسرقت الصلاة أم نسيت) ويرجح أنه إنما ترك الجهر ناسيا، أنه عاد فصلى بـهم وجهر وكبر كما في الخبر، وقد أجمع العلماء على أن الناسي لا لوم عليه، فبطل تعلق السقاف على معاوية.

وأيضا ففي الخبر أنه ترك التكبير في الركوع والهوي، وهذا إن قصد به رفع اليدين فهو باطل لأنه لا يحفظ عن صحابي أنه ترك رفع اليدين كما قاله البخاري وغيره، بل حكى الأوزاعي إجماع علماء الشام والحجاز والبصرة عليه، وإن قصد به التلفظ بالتكبير كما هو ظاهره فهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والقاسم وسعيد بن جبير وسالم، وهو وإن كان مرجوحا إلا أن الصلاة لا تبطل به، ومذهب الزيدية وعامة الفقهاء أن التكبير مسنون.

قال في (التاج) من فروع الزيدية: (يُسن للإمامالجهر بتكبيرات الصلاة كلها وبقوله سمع الله لمن حمده ليعلمالمأمومون انتقاله، فإن كان ضعيف الصوت لـمرض وغيره، فالسنة أن يجهر المؤذن أو غيره منالمأمومين جهراً يُسمع الناس وهذا لا خلاف فيه) هذا كلامه، فلا لوم على معاوية، بل هو قد عمل بمذهب عالمين من فقهاء المدينة السبعة وهما القاسم وسالم، فكيف ينكر أهل المدينة عليه ما يفتي به بعض فقهائهم السبعة.!

وقد ذكر أبو عروبة والعسكري والسيوطي في (الأوائل) لهم، أن معاوية أول من نقص التكبير، فكان إذا قال: سمع الله لمن حمده، يهوي إلى السجود من غير أن يكبر، وعند أبي عروبة عن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه قال: سمعتُ أبا هريرة وهو يُحدِّث خلاد بن نافع عن صلاة رسول الله صلى اللهعليه وسلم، فوصفها له أنه يُكبِّر إذا سجد وإذا رفع رأسه كصلاة الهاشميين، قال له خلاد: فمن أول من ترك ذلك؟ قال: معاوية.

وهذا كخبر صلاته بالمدينة يحتمل أنه تركه ناسيا كما قال له الناس، ويحتمل أنه ذهل عنه فتركه، ويحتمل أنه لا يراه واجبا فترخص في تركه، ومع الاحتمال لا ينتهض ثلب معاوية بذلك لو تفرد به فكيف وقد وافقه طائفة من الفقهاء منهم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز واثنين من فقهاء المدينة.؟!

وأيضا ففي الخبر أن أهل المدينة أنكروا عليه ترك البسملة في السورة التي بعد الفاتحة، وهذا يدل على غلط الحديث فإن مذهب مالك والمدنيين قراءة البسملة في السورة التي بعد الفاتحة في رمضان، مع قولهم بتركها في أول الفاتحة، فكيف ينكرون عليه مذهبهم الذي توارثوه عن أشياخهم.؟!

وأيضا فمما يدل على وهن الخبر ونكارته أنه مع كونه قضية وقعت بمشهد الناس، لم ينقل فيه أن معاوية سجد للسهو، وهذا لا يخلو أن يكون السهو لترك الجهر والتكبير واجبا أو لا، الأول باطل بدليل أنه لم ينقل، والثاني يدل على أن الجهر مستحب، وترك المستحب لا إنكار فيه ولا لوم، وظاهر الخبر أنـهم شنعوا عليه لترك الجهر، فكيف يُشنع عليه كل هذا التشنيع ثم لا يؤمر بالسجود له أو إعادة الصلاة؟ وهذا ظاهر في أن هذا الخبر خطأ.

ولهذا كان مما يعل به متن هذا الخبر أنه مخالف للأصول، لأن الجهر مسألة خلافية وقد تقرر في الأصول أن لا إنكار في مسائل الخلاف، فإن قال السقاف: عندي أنـها ليست خلافية لأن ترك الجهر محدث لا يصح، أمكن لمخالفه أن يقول: وعندنا أن الجهر محدث ولا يصح، وفي السنن وحسّنه الترمذي عن عبد الله بن مغفل أنه نص على أنه محدث وأنكره على ولده، ودعوى جهالة ابن مغفل قد انتدب ردها الحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي فيما تعقب به كتاب الخطيب في الجهر، فاستوت الدعويين.

وأيضا فإسناد هذا الخبر مضطرب على نكارة متنه، فإن مداره على عبد الله بن عثمان بن خثيم، وقد اضطرب فيه، فتارة يرويه عن أبي بكر بن حفص عن أنس، وتارة عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه، وتارة يرويه عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده، قال الشافعي رحمه الله: (وأحسبُ هذا الإسناد أحفظمن الإسناد الأول) ورجح البيهقي رواية ابن جريج، وقال:(ويُحتمل أن يكونابن خُثَيم سمعه منهما).

وهذا فيه نظر لأن من شرط سلامة الحديث من الاضطراب أن يترجح بعض وجوهه على بعض، وهذا غير ممكن في هذا الخبر فإن وجوهه متساوية، بدليل أن الاضطراب وقع لابن خثيم في متنه أيضا، فرواه بلفظ: (فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأُمّ القرآن، ولم يقرأ بـها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة) ورواه في لفظ: (فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأُمِّ القرآن، ولم يقرأ بـها للسورة التي بعدها) وهذا اختلاف في متنه يُعل الخبر به، ولهذا قال ابن تيمية إنه غير محفوظ، وضعفه العيني وغير واحد من الحفاظ، وأعله الحافظ العلامة السيد مرتضى الزبيدي في جزء (الرد على من أبى الحق وادعى أن الجهر بالبسملة من سنة سيد الخلق).

وأيضا فمما يدل على أن هذا الخبر معلول أنه لم يرو إلا من طريق الآحاد على اضطرابه، مع كونه وقع بالمدينة من أمير بمحضر الخاص والعام، وهذا سبيله أن ينقل متواتراً، فنقل مثل هذه القضية نقلا فرداً مع توافر الهمم والدواعي على نقلها نقلا متواتراً مستفيضا، لأنـها في مسألة تعم بـها البلوى، يدل على وهاء الخبر وضعفه.

وأيضا فنفس تفرد ابن خثيم به يدل على نكارته لأنه على ثقته قد قال فيه ابن المديني: (منكر الحديث) أي: حيث تفرد، وهذا الحديث من أفراده، ولم يتابع عليه، وقد ضعفه ابن تيمية وابن رجب والزيلعيوالعيني في (شرح السنن) بتفرده واضطرابه فيه سنداً ومتنا، ومخالفته للمحفوظ عن أنس من ترك الجهر.

وأعلوه في متنه أيضا تبعا لابن تيمية بأنه خلاف المحفوظ من مذهب أهل المدينة، فقال العيني في (شرح السنن): (مذهب أهل المدينة قديما وحديثا ترك الجهر بـها، ومنهم من لا يرى قراءتـها أصلاً، قال عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة: أدركت الأئمة، وما يستفتحون القراءة إلا بالحمد لله رب العالمين، وقال عبد الرحمن بن القاسم: ما سمعت القاسم يقرأ بـها، وقالعبد الرحمن الأعرج:أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بالحمد لله رب العالمين، ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنه كان يجهر بـها، إلا شيء يسير وله محمل، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم؟ هذا باطل).

وهو يقصد الفقهاء بالمدينة، وأما القراء بـها فمذهبهم الجهر، قال ابن الجزري: (قد صح نصا أن إسحاق بن محمد المسيبي أوثق أصحاب نافع وأجلهم قال: سألت نافعا عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، فأمرني بـها، وقال: (أشهد أنـها آية من السبع المثاني وأن الله أنزلها) روى ذلك الحافظ أبو عمرو الداني بإسناد صحيح، وكذلك رواه أبو بكر بن مجاهد عن شيخه موسى بن إسحاق القاضي عن محمد بن إسحاق المسيبي عن أبيه.

وروينا أيضا عن ابن المسيبي قال: كنا نقرأ بسم الله الرحمن الرحيم أول فاتحة الكتاب وفي أول سورة البقرة وبين السورتين في العرض والصلاة، هكذا كان مذهب القراء بالمدينة، قال: وفقهاء المدينة لا يفعلون ذلك، قال ابن الجزري: وحكى أبو القاسم الهذلي عن مالك أنه سأل نافعا عن البسملة، فقال: (السنة الجهر بـها، فسلم إليه، وقال: كل علم يسأل عنه أهله.

وذكر العلم السخاوي في (جمال القراء) وقال محمد بن إسحاق أخبرني أبي أنه لـما صلى بالناس بالمدينةجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) قال: فأتاني الأعشى أبو بكر ابن أختمالك بن أنس رحمه الله، فقال: إن أبا عبد الله يقرأ عليك السلامورحمة الله، ويقول لك: من خفته على خلاف أهل المدينة فإنكممن لم أخف، وقد كان منك شيء، قلت: ما هو؟قال: الجهر بــ(بسم الله الرحمن الرحيم)قلت: فأبلغه عني السلام كما أبلغتني، وقلله: إني كثيراً ما سمعتك تقول: لا تأخذوا عن أهل العراق، فإني لمأدرك أحداً من أصحابنا يأخذ عنهم، وإنما جئتَ في تركها عن حُميدالطويل، فإن أحببت أخذنا عن أهل العراق، أخذنا هذا وغيره منقولهم، وإلا تركنا حُميداً مع غيره، فلم يكن عليَّ به حجة، وقدسمعتك كثيراً ما تقول: خذوا كل علم من أهله، وعلم القرآن بالمدينة عن نافع.

فهذا يبين أن مالكا ترك مذهب قراء المدينة لما توارثه من عمل الفقهاء بالمدينة على ترك البسملة في الصلاة، لأن المسألة بالفقه أشبه منها بالقراءات، فلهذا يقرأ القارئ عنده خارج الصلاة بالبسملة ويجهر، لأن القراءة خارج الصلاة أشبه بعلم القراءات منه بالفقه والأحكام، وهذا نظر ثاقب منه، فإن الأحاديث في الباب متعارضة في الجهر وتركه، فصار نظر مالك إلى الترجيح بعمل فقهاء المدينة المتوارث النقلي وهو حجة ومرجح عند المحققين.

وقد ألمع إلى هذا الحافظ أبو عمرو الداني في (الـمُنبِّهة) فقال:

والفصل بالتسمية المختارُ …….. إذ كثرت في ذلك الأخبارُ

أُرِيدَ في الأداء أو في العَرْضِ …… ولا أُرِيدَ في صلاة الفَرْضِ

والكلُّ من أيمة البلدانِ ………….. بسمل في فاتحة القرآنِ

أي بسمل خارج الصلاة، ويدلك على هذا الفرق جريان عمل الناس به من غير نكير من الفقهاء والقراء، فهذا المغرب مالكيا وقراؤه يقرأون لنافع، وهم لا يبسملون في الصلاة ولا ينكره قراؤهم ولا فقهاؤهم، وهكذا من لا يجهر بالبسملة كالحنفية والحنابلة الذين يقرأون لحفص وهو يجهر، فلا ينكر القراء والفقهاء فيهم ترك الجهر داخل الصلاة، مع قولهم بلزوم القراءة على طريق واحد ومنع الخلط بين القراءات.

وهذا إنما هو لأجل ما ذكرناه من الفرق، لأن في البسملة من النصوص والآثار ما يقتضيه، ونظيره الخلاف في إكفار تارك الصلاة مطلقا دون غيرها من الأركان، لأن في الصلاة من الآثار ما يقتضيه، وبما ذكرناه يبطل تعلق الحافظ أبي شامة المقدسي وتبعه النووي، لترجيح الجهر بما ذكراه أن القراء السبعة يجهرون، وبالله التوفيق.

ونقح القاضي عياضوابن تيمية في (المسألة المالكية) أن عمل المدينة الذي يجري مجرى النقل، حجة باتفاق المسلمين، وعملهم القديم قبل مقتل عثمان حجة عند المحققين ومنهم الشافعي وأحمد، وإذا تعارض دليلان أو قياسان وأحدهما يرجح بعمل المدينة، كان الدليل الذي معه العمل المدني أرجح، عند مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، ومسألة الجهر من هذا الباب، فمن هنا صار مالك لقول الفقهاء بترك الجهر بالبسملة، وترك مذهب القراء.

وذكر ابن تيمية لهذا الخبر علة أخرى في متنه أن في بعض طرقه كما مر أن أنسا حدّث به، وإنما كان أنس بالبصرة ولم ينقل أنه قدم المدينة مع معاوية، وأيضا فمن نكارة هذا الخبر أنه لم يروه أصحاب أنس المعروفون بالرواية عنه كحميد وثابت ونظرائهما من الحفاظ الملازمين لأنس، فكيف خفي عليهم هذا الحديث عن أنس مع كونه في مسألة مشهورة تعم بـها البلوى، ومع أن أحاديث أنس في مسألة الجهر بالبسملة وترك الجهر بـها مشهورة معلومة عنه، وقد رواها عنه كبار أصحابه، ولا سيما مع ورود الأمرين عنه فيها الجهر وتركه، فكيف لم يرو واحد منهم هذا الخبر عن أنس وهذا مع أن أكثر أصحاب أنس على ترك الجهر كثابت وحميد والحسن وابن سيرين وقتادة وغيرهم.؟!

وقد صحح الحفاظ حديث أنس عند مسلم وهو صريح في ترك الجهر، وأجابوا عن كل ما أورده عليه بعض حفاظ الشافعية من العلل بما يظهر معه للمنصف أنـها علل صناعية غير قادحة في أصل الخبر، وقد انتدب الحافظ ابن حجر للجواب عما علله به الحافظ العراقي وغيره، فيما نكّت به على كتاب ابن الصلاح وفي شرح الصحيح، بما يقطع معه ضعف التعليل بـها، فإن لم يطلع السقاف على بحثه فيه فهي مصيبة، وإن اطلع فكتمه فهي عصبية وأحلاهما مر، ومن جاء عنه من الحفاظ المتقدمين كأحمد وغيره إعلال حديث أنس هذا، فلم يقصدوا به تعليل أصله، وإنما أعلوا بعض طرقه، ولا يلزم منه الطعن في أصل الحديث كما هو معلوم.

وبقيت على الحافظ علة واحدة لم يذكر الجواب عنها، وهي جهالة كاتب قتادة، لأن فيه أن الأوزاعي كتب إلى قتادة فكتب إليه قتادة به، وقتادة أكمه لا يكتب، وهذه علة لا تقدح فيه، لأن الأوزاعي رواه عن إسحاق بن عبد الله عن أنس، أخرجه مسلم.

وأيضا فالكتابة حجة عند طائفة من العلماء من الشافعية وغيرهم وهي عند السمعاني أرفع من الإجازة ونص ابن الصلاح على أنه الصحيح المشهور عند أهل الحديث، ويكفي فيها ثقة المملي بكاتبه ولا تشترط معرفة الكاتب، بل يكفي أنه غير معروف بالتدليس والكذب والبدعة بحيث يؤمن معه أن لا يغير أو يبدل، فكيف وقد صححه مسلم وغيره.!

وقد انتدب غير واحد من الحفاظ لرد ما عُلّل به هذا الحديث ونقضه، منهم الحافظ ابن رجب في (شرح البخاري) والحافظ ابن عبد الهاديوالحافظ الزيلعي والحافظ العيني وغيرهم.

وبكل حال فما أورده السقاف على أحاديث المخافتة بالبسملة من العلل يرد مثله وأشد على أحاديث الجهر، وما حكاه أن كثيراً من الحفاظ صححوا أحاديث الجهر، مقابل بأن أكثر الحفاظ على تصحيح أحاديث ترك الجهر، ويزاد عليه أنه لم يُرو في السنن شيء من أحاديث الجهر، وفيها أحاديث ترك الجهر، حتى قال الزيلعي: (يكفينا في تضعيف أحاديث الجهر بالبسملة إعراض أصحاب الجوامع الصحيحة والسنن المعروفة والمسانيد المشهورة المعتمد عليها في حجج العلم ومسائل الدين عنه).

ونقل الحافظ ابن عبد الهادي عن ابن تيمية في (القاعدة الزرعية) قال:(لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجهر بالبسملة، وليس في الصحاح ولا في السنن حديثٌ صحيحٌ صريحٌ بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلها ضعيفة بل موضوعةٌ) وأقره.

وأيضا فإن طائفة من الحفاظ الكبار المتقدمين أطلقوا أنه لا يصح في الجهر بالبسملة حديث كما قاله أبو جعفر العقيلي وأبو الفضل بن طاهروغيرهما من الحفاظ، وحكى ابن سيد الناسوالزيلعي والحافظ في (الدراية) عن الدارقطني مثله،وقال الحازمي: (أحاديث الجهر وإن كانت مأثورة عن نفر من الصحابة غير أن أكثرها لم يسلم من شوائب).

بل قد حكي عن الحافظ أبي الحسن الدارقطني أنه دخل مصر فسأله بعض المالكية بـها أن يجمع أحاديث الجهر بـها فجمعها، فقيل له: هل فيها شيء صحيح؟ فقال: أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف.

ولم نجد من الحفاظ الكبار والمتأخرين من أطلق في أحاديث المخافتة بأنه لا يصح منها شيء كما قاله من تقدم منهم في أحاديث الجهر، ولهذا اشتغلوا بتأويلها أو الجمع بينها وبين أحاديث المخافتة أو الترجيح لعلمهم بأنـها من أصح ما يروى في الباب.

وإن كنا نحن لا نقر هذا الإطلاق في أحاديث الجهر، ونرى أن في أخبار الجهر وتركه ما هو صحيح وما هو ضعيف، ومجموعها ينتهض لإثبات المطلوب، وقد جازف ابن تيمية فأطلق اتفاق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر حديث صحيح، ولهذا صنف جماعة من المتأخرين في تثبيت أحاديث الجهر كالعلامة السيد ابن عبد الرسول البرزنجي والحافظ الغماري في (الكسملة) وغيرهما ممن يطول المقام ببسط ذكرهم.

وقال الحافظ مغلطاي: ولـما خرّج ابن خزيمة حديث سعيد بن أبي هلال في الجهر بالبسملة في كتاب البسملة، قال: (هذا إسناد ثابت لا ارتياب في صحته)وقال الخطيب في (نـهج الصواب) تأليفه: (هذا إسناد ثابت صحيح لا يتوجه عليه تعليل لاتصال إسناده وثقة رجاله).

وما موه به السقاف أن حديث أنس مما ذكره المحدثون مثالا للحديث المعلل، مهدر لأن موضوع كتب الاصطلاح التمثيل لتقريب الفن مجرداً عن صواب ما مثّلوا به أو لا، فكم من حديث قد أوردوه مثالا لنوع من أنواع الاصطلاح وهو عند النقاد على ضد ما قالوه، كما مثّلوا للتفرد والإدراج بحديث زكاة الفطر وأن مالكا تفرد بزيادة (من المسلمين) وتعقب النقاد دعوى التفرد، فذكروا من تابع مالكا فيها من الحفاظ كإسماعيل بن جعفر والضحاك بن عثمان وغيرهما، كما ذكر ذلك الحافظ وابن المواق فيما علّقه على كتاب ابن القطان، وغيرهما.

ثم قال السقاف: (وأزيدكم فائدة: بأن حكام بني أمية تركوها أيضاً نكاية ببعض مخالفيهم، فترك الجهر بالبسملة بدعة مذمومة أحدثها الأمويون، وممن أحدثها أيضاً عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي الناصبي الذي كان يلقب بلطيم الشيطان، قاله الحافظ ابن حجر في ترجمته في تـهذيب التهذيبفتأملوا).

وهذا فيه إيهام ومناقضة من السقاف، وبيانه أنه نسب إلى عامة الأمويين تعمد ترك الجهر مع استدلاله بحديث ابن خثيم الذي فيه أن معاوية -وهو سيد بني أمية في وقته- عاد فجهر بالبسملة، فإن كان جهر بـها لزم أن يتابعه الأمويون في الجهر بـها، ولزم أن يتمذهب به أهل الشام وإلا لزم بطلان هذا الخبر، فكيف ومذهب الأوزاعي الذي هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة وأبي حنيفة لأهل العراق والليث لأهل مصر، هو ترك الجهر بالبسملة، بل يروى عنه فيها كمذهب مالك تركها سراً وجهراً، ولم يقل أحد من العلماء إن الأمويين تركوا الجهر بـهذا الإطلاق الذي أخرجه السقاف من كيسه وأوهم من يتابعه ممن لا دراية له أن الخلاف سياسي.

وظاهر سياقه يوهم أن عمرو بن سعيد تعمد ترك الجهر عصبية لأهل البيت عليهم السلام، وهذا باطل فإنه إنما ترك الجهر مخالفة لابن الزبير كما وقع في كلام الحافظ، وليس هو في الخبر الذي أخرجه البيهقي عن الزهري أنه قال: (أول من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم سراً بالمدينة عمرو بن سعيد بنالعاص وكان رجلا حَيِيّا) وليس في الخبر أنه تركه عصبية، لا لأهل البيت ولا لابن الزبير، بل ظاهره أنه تركها حياء إن صح التعليل بقوله (وكان رجلا حييا).

وعمرو بن سعيد هذا من الرواة عن علي عليه السلام، ولم يرو عنه الزهري ولا يُعرف أنه سمع منه، فحكاية الزهري هذه فيها نظر، كقوله في الخبر: من السنة أن يقرأ البسملة، ولهذا أعله ابن رجب في (شرح البخاري) بقوله: (خرجه البيهقي، ومراسيل الزهري من أردأ المراسيل،وإنما عنى أول من أسر بـها ممن أدركه، فقد ثبت عن أبي بكر وعمر وعثمان الإسرار بـها).

وأيضا فقد نقل ابن القطان عن الشافعي في الجديد أن قول التابعي من السنة لا حجة فيه، ونقل البيهقي في (المعرفة) عن الشافعي أنه كان يذهب في القديم من قوله إلى أن قول ابن المسيب ونحوه من أهل المدينة (من السنة) له حكم الرفع، ثم توقف في الجديد عن الاحتجاج به،وقال: (لأنا قد نجد منهم من يقول بالسنة، ثم لا نجد لقوله السنة نفاذاً بأنـها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والقياس أولى بنا) وهذا في ابن المسيب فكيف بالزهري؟ والشافعي يقول في مراسيله إنـها قبيحة.؟!

ويقوي هذا أن من صنف في الأوائل لم يذكروا أن عمرو بن سعيد الأشدق أول من ترك الجهر بالبسملة، لأنـهم يعلمون أن أحاديث ترك الجهر ثابتة قوية يقطع معها امتناع دعوى الأولية واستحالتها، اللهم إلا كما مر توجيهه أن ما روي فيه محمول على أنه ألزم الناس بترك الجهر مخالفة لابن الزبير، وهذا أيضا لم نجد من ذكره في الأوائل.

وقد تقرر في الأصول أن قول التابعي من السنة حجة إذا لم يخالف، فكيف وفي الباب في الإسرار بالبسملة أحاديث ثابتة مرفوعة، مع وجود من خالف الزهري في دعواه فأطلق أن الجهر بـها محدث، وأن السنة المخافتة، أم كيف وقد روي عن الزهري نفسه أنه أسر بـها، بل ثبت في مصنف ابن أبي شيبة وأوسط ابن المنذر بسند صحيح أن ابن الزبير كان لا يجهر بالبسملة.!؟

وقد حكى عنه أبو بكر بن المنذر في (الأوسط) أنه كان يجهر ويقول: ما يمنعهم منها إلا الكبر، يريد: الاستكبار من موافقته للعداوة بينه وبين الأمويين، كما خالفوه في بناء الكعبة استكباراً حتى نقضوا بنائه لها وأعادوه على ما كان قبل تجديد ابن الزبير، وهو يقوي تعليل الحافظ، لكن ليس فيه أن الخلاف في الجهر سياسي كما جازف السقاف بإطلاقه، بل فيه أن السنة الجهر والمخافتة، فاختار عمرو بن سعيد الأشدق المخافتة مخالفة لابن الزبير واستكباراً عن موافقته وأنفة، فلهذا كان ابن الزبير يرغمه بفعل الأمرين الجهر والإخفاء، لبيان السنة كما هو سبيل أهل العلم.

ومن الإيـهام في كلام السقاف ذكره وصف (لطيم الشيطان) في غضون كلامه، وهذا شغب ظاهر ليوهم بشاعة الإسرار بالبسملة في نفوس من لا يدري من أتباعه، وقد ذكر ابن شاكر الكتبي في (الوفيات) أنه إنما لقب بلطيم الشيطان لأنه كان أفقم مائلاً إلى الذقن، وهو الذي صححه أبو هلال العسكري في (الأوائل) ولأجله قيل له الأشدق.

وأما ما حكاه الحافظ مغلطاي في (الإكمال) أنه سمي به لأنه شتم عليا عليه السلام فأصابته لقوة، فلا يصح لأنه من رواية المدائني، والمعروف أن ابن الزبير هو من لقبه بذلك، وحكى أبو معشر قال: لما بلغ عبد الله بن الزبير قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد، قام خطيبا فقال: (إن أبا ذبّان قتل لطيم الشيطان،وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون).

وقال عبيد الله بن زياد لعمرو بن سعيد حين أهوى بسيفه ليطعن في خاصرة عبد الله بن معاوية، وكان مستضعفا، فلمّا أهوى له السيف وقد استردفه عبيد الله، واستغاث بعبيد الله، قال عبيد الله لعمرو: يدك يا لطيم الشيطان، وقال الشاعر فيه:

وعمرو لطيم الجن وابن محمد … بأسوأ هذا الأمر يلتبسانِ

ومنه قول الوزير الكاتب ابن عبدون في مرثيته المشهورة لدولة بني الأفطس بالأندلس:

ولم تدع لأبي الذبّان قاضية … ليس اللطيمُ لها عمرو بمنتصرِ

وفي (الحيوان) للجاحظ أنه لقب من تصيبه لقوة أو شتر، فليس تلقيبه بـهذا بذي طائل في مسألة الجهر أو ترك الجهر بالبسملة، ولا يغني في دعوى السقاف أن ترك الجهر بـها أمر سياسي.

وقد ذكر الزمخشري في (ربيع الأبرار) أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز قال في يزيد بن المهلب: أيُّ عربي هو لولا عذرة في رأسه؟فبلغ ذلك يزيد فقال: من يعذرني من لطيم الشيطان!؟ لقبه به لأنه كان أشج، فقد وصف به عمر بن عبد العزيز أفكان عيبا فيه يرد به قوله وهو الراشد المهدي.؟!

ومن الناس من يقول إنه إنما سمي بلطيم الشيطان لفصاحته وتشدقه في الكلام، وفيه نظر، فإنه لأجل ذلك سمي بالأشدق، والله أعلم.

ثم ذكر السقاف كلاما استكثر به على من لا علم له ولا اطلاع، فسرد من النووي والخطيب والبيهقي من قال بالجهر من الفقهاء من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار، ويكفي في انتقاض هذا وفساده، حكاية الترمذي أن ترك الجهر مذهب أكثر الصحابة، ورواية ترك الجهر في المصنفات المسندة وكتب الخلافيات عن الخلفاء الخمسة الراشدين، بما لا يتخالج معه عند كل منصف فساد دعوى السقاف أن ترك الجهر مسألة سياسية، بل قائل هذا ينادي على نفسه بفرط الجهالة بتاريخ الفقه والمذاهب وطرق تأصيلها ومآخذ أئمتها في النظر والأثر وعلل أحكامها.

فإن مذهب مالك خلاصة ما انتهى إليه من علم الصحابة بالمدينة، وكان بـها الجهر مذهبا للقراء، وترك البسملة مذهبا للفقهاء، لأنـهم حفظوا الأمرين عن الخلفاء والصحابة بالمدينة، فاختار مالك الترك على أصله في الترجيح بالعمل المتوارث، ومذهب أبي حنيفة الإخفاء لأنه مذهب لمن كان بالكوفة من السلف كعلي وعمار وابن مسعود وغيرهم، مع كونه محفوظا عن الخلفاء، وأصول مذهبه راجعة إلى اختيار عمر وعلي وابن مسعود، وقد اتصل له ذلك من إبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود وحماد، وأما فقهاء العترة فآثروا اختيار الجهر لأنه الذي اتصل لهم عن علي عليه السلام، وهذه المذاهب أصول مذاهب الفقهاء من أهل الحديث والرأي، ومن جهل تاريخ المذاهب وطرق أحكامها وعللها ومآخذها في النظر والأثر، فلا عجب أن يدعي أن الخلاف سياسي ولا سيما إذا صادف هوى عنده.

وإنما صار الشافعي والعترة للجهر لأن من أصلهم أن البسملة من الفاتحة، وصار مالك لترك البسملة لأنـها عنده ليست بقرآن للاختلاف فيها والقران ليس ينبغي أن يجيء فيه خلاف، ومأخذ أبي حنيفة وأحمد في قراءتـها سرّاً، كذا هو مدرك ومن قال بالمناوبة بين الجهر والمخافتة، أنـها عندهم قرآن ليس من الفاتحة.

هذا عدا اختلافهم في طرق الأخذ بالآثار المتقابلة في المسألة والنظر في ترجيح بعضها على بعض، كترجيح مالك بالعمل المدني، وترجيح العترة بما اتصل لهم من النقل المتوارث عن أهل البيت، وترجيح من أسرها بأنه الأكثر من عمل السلف، ونحو ذلك من عللهم ومآخذهم في الأحكام، ولهذا قال القاضي أبو الوليد بن رشد في (البداية): (وسببُ الخلاف في هذا آيلٌ إلى شيئين: أحدهما: اختلاف الآثار في هذا الباب، والثاني: اختلافهم هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب أم لا).؟

وهكذا نزاع الصحابة في الجهر بالبسملة أو تركه أو ترك قراءتـها، فإنـهم إنما اختلفوا في ذلك لـمآخذ وقواعد راجعة إلى ما مر، وليس فيهم من يتعمد مخالفة السنة عناداً أو عصبية، وليس في الأئمة من فقهاء الصحابة والتابعين والأمصار المتبوعين من يختار في المسائل على وفق نزاع سياسي، فإنـهم أعلم بالله وأتقى له من ذلك، وإنما يقول هذا من لا يدري أصول مدارك مذاهبهم ومآخذهم في النظر وقواعدهم في الاحتجاج بالأثر.

وما أجدر السقاف في مقالته هذه بقول الشافعي رضي الله عنه: (وقد تكلم في العلم بعض من سكت عن الكلام فيه لكان السكوت أولى به) وقال ابن القيم: (ما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة) وقال بعض العلماء:

أخا العلم لا تعجلْ بعيبِ مُصنِّف ….. ولم تتيقنْ زلةً منه تُعرَفُ

فكم أفسد الراويْ كلاما بعقلهِ…وكم حرَّف الأقوالَ قومٌ وصحَّفوا

وكم ناسخٍ أضحى لـمعنى مُغَيِّراً … وجاء بشيءٍ لم يُردْهُ الـمُصَنِّفُ

وقد رمى ابن حزم الأئمة بتعمد ترك السنن ومعارضتها بإدعاء الإجماع عناداً، فتعقبه ابن تيمية في (نقد إجماعاته) بقوله: (أهل العلم والدين لا يعاندون، ولكن قد يعتقد أحدهم إجماعا ما ليس بإجماع لكون الخلاف لم يبلغه، وقد يكون هناك إجماع لم يعلمه، فهم في الاستدلال بذلك كما هم في الاستدلال بالنصوص، تارة يكون هناك نص لم يبلغ أحدهم، وتارة يعتقد أحدهم وجود نص ويكون ضعيفا أو منسوخا).

وقد حكى السقاف أن الجهر مذهب العترة الطاهرة، فيقال: وقد حكى علماء العترة من الزيدية أن ترك الجهر إحدى الروايتين عن سيد العترة وهو علي عليه السلام، حكاه الإمام يحيى بن حمزة في (الانتصار) والمهدي في (البحر) وذكر ابن المطهر الحلي من الإمامية في (التذكرة) أن الجمهور نقلوه عنه، وبه يُرد قول الإمام يحيى بن الحسين في (الأحكام) ومن تبعه من الزيدية كالمؤيد بالله في (شرح التجريد) وقاله الإمام الهادي في (المنتخب) أن الصلاة تبطل بترك الجهر، وأي بطلان مع قول سيد العترة بترك الجهر.؟!

ويأتي تصحيح النقل عن علي عليه السلام في ترك الجهر، وما ذكره المؤيد بالله وغيره من الآثار في البطلان لا ينتهض الاستدلال بـها سنداً، وبتقدير صحتها فلا تفيده متنا، لأن فيها أن ترك البسملة اختلاس الشيطان وفي رواية خداج، وهذا لا يفيد غير النقصان الذي لا يقتضي البطلان، إذ النقصان يجامع الصحة والإجزاء.

وأيضا فهي واردة في ترك قراءة البسملة لا في ترك الجهر بـها، فبطل التعلق بـها، وتوجيه المؤيد بالله بأن الجهر واجب كوجوب القراءة، فكما أن من ترك القراءة تبطل صلاته، فكذلك من ترك الجهر عنده، ضعيف في النظر لأن الجهر هيئة زائدة على ماهية القراءة فتركه لا يقتضي تركها كما هو ظاهر، وقد حكى العلامة ابن الوزير في (العواصم) عن الناصر والمؤيد بالله أن الجهر والمخافتة هيئة لا تُفسد الصلاة، وقال زيد بن علي وأبو عبد الله الداعي: إن الجهر سنة يوجب تركه سجود السهو، وبه قال المنصور بالله.

على أن مذهبهم تقييد البطلان بترك الجهر بالركعة الأولى، كما قال المؤيد بالله: (والذي يقتضيهمذهبه-أي مذهب يحيى- أن من جهر في ركعة ولم يجهر في أخرى، تجزيه صلاته؛ لأن القراءة عنده على ما بيناه تجزي في ركعة واحدة، فكذلك يجب أن يكون الجهر؛ لأن وجوبه تابع لوجوب القراءة) وبقلب الدليل وكسر الفرق يقال: لا فرق بين أول ركعة وما بعدها، فإذا لم تبطل الصلاة بالجهر في الركعة الثانية وما بعدها، لم تبطل بالجهر في الأولى قياسا على ما بعدها بجامع أن البسملة من الفاتحة كما عللوا به.

وفي طوائف الشيعة من الزيدية، البترية: وهمأصحاب كثير النوا الملقب بالأبتر، وقد سموا بذلك لتركهم الجهر بالبسملة بين السورتين.!

والرواية عن علي عليه السلام جاءت من طريق أبي سعد البقال وهو صدوق ضعيف، لكن له شاهد عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طريق ثوير عن أبيه أن عليا كان لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وثوير ضعيف، فالحديث حسن بمجموع طريقيه.

وله شاهد قوي عند ابن أبي شيبة وابن المنذر في (الأوسط) من طريق شريك عن أبي إسحاق عن أبي وائل أن عليا وعمار كانا لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم، فالحديث عن علي لا يستريب حديثي في أنه صحيح ثابت بمجموع هذه الطرق، وهو يبطل دعوى السقاف أن ترك الجهر أمر سياسي.!

ولهذا قال ابن المنذر في (الأوسط): (وممن رُويّنا عنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وابن الزبير) ومما ينتقض به دعوى بعض الزيدية بالبطلان ودعوى السقاف السياسية، أن ترك الجهر جاء عن أبي جعفر الباقر كما يأتي.

وقد حكى أبو إسحاق الثعلبي عن المهدي العباسي أنه كان يجهر بالبسملة، فلو كانت المسألة سياسية لأسر بـها عداوة منه لأهل البيت عليهم السلام، ولكنه إنما جهر لأن المشهور عن جده ابن عباس هو الجهر.

ثم قال السقاف: (وفي كتاب الخلافيات للبيهقي عن جعفر بن محمد قال: اجتمع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ونقل الخطيب عن عكرمة أنه كان لا يصلي خلف من كان لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام: لا ينبغي الصلاة خلف من لا يجهر).

فيقال له: هذا إنما ذكره البيهقي والنووي وغيرهما على سبيل المبالغة، وإلا فهم لا يقولون بمقتضى ظاهره، لأن الجهر عندهم مستحب لا واجب، ولأنا نعلم بالضرورة من إجماعهم صحة صلاة من يجهر خلف من لا يجهر، والوجه في قول الباقر عليه السلام أنه قاله تفقّها وأراد به ترك الصلاة خلف النواصب لأن تعمد ترك الجهر من شعارهم عصبية للعترة، فأفتى بترك الصلاة خلفهم وعبر عنه بشعار من شعائرهم الظاهرة التي غلبت عليهم وهو تعمد ترك الجهر بالبسملة عناداً لأهل البيت النبوي.

ونظيره ما ذهب إليه أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي من ترك الجهر بالبسملة لأنه صار شعار الروافض، مع أن مذهبه الجهر بـها، ومثله ما حكاه ابن تيمية في (الفتاوى المصرية) عن سفيان الثوري أن من السنة ترك الجهر بالبسملة والمسح على الخفين،فحكى عنه شعيب بن حرب في وصيته له أنه قال: (لا تنتفع بما كتبتَ حتى يكون إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاةأفضل عندك من الجهر) أي: تخالف شعار أهل البدعة.

ونظيره أيضا ما حكاه أبو سعيد الأشج عن وكيع الحافظ وحكاه مغيرة عن إبراهيم النخعي أن الجهر بالبسملة بدعة، يقصدون بذلك إظهار مخالفة الروافض،ومثل ما ذكره ابن الأثير أن الشافعية ببغداد تركوا الجهر بالبسملة لإظهار مخالفة العبيديين الروافض بمصر.

وهذا يدخل في باب هجر المبتدع، وهو خلاف الأصل، وإلا فلا يظن بالإمام الباقر عليه السلام ترك الصلاة خلف من صح عنه ترك الجهر بالبسملة من الصحابة والأئمة.

وقال أبو العباس بن تيمية في (الرد على ابن المطهر): (كذلك الجهر بالبسملة هو مذهب الرافضة، وبعض الناس تكلم في الشافعي بسببها وبسبب القنوت ونسبه إلى قول الرافضة والقدرية، لأن المعروف في العراق أن الجهر كان من شعار الرافضة وأن القنوت في الفجر كان من شعار القدرية الرافضة، حتى أن سفيان الثوري وغيره من الأئمة يذكرون في عقائدهم ترك الجهر بالبسملة لأنه كان عندهم من شعار الرافضة كما يذكرون المسح على الخفين لأن تركه كان من شعار الرافضة، ومع هذا فالشافعي لما رأى أن هذا هو السنة كان ذلك مذهبه وإن وافق قول الرافضة).

وقال في جواب من سأل عن ترك الجهر بالبسملة لأنه صار شعار أهل البدع: (إن الذي عليه أئمة الإسلام أن ما كان مشروعاً لم يُترك لمجرد فعل أهل البدع، لا الرافضة ولا غيرهم وأصول الأئمة كلهم توافق هذا).

وهذا في السنن التي لا يكون فيها الفعل والترك مأثوراً ثابتا بحيث يستوي الأمران كمسألة الجهر وتسنيم القبور والقنوت، فلا يعارض ما تقدم من ترك الأئمة بعض السنن حيث صارت شعاراً لأهل البدع، وعن أبي حامد الغزاليأنه فصّل بين السنن المستقلة وبينالهيئات التابعة.

ويدل على ما تقدم تأويله من كلام الباقر عليه السلام، ما قاله العلامة ابن الوزير في (العواصم) أن (أحاديث الإخفات بالبسملة قد رواها أهل العدل والتوحيد من أهل البيت وغيرهم، كالأمير الحسين والقاضي زيد، ولم يطعنوا فيها وإنما تعرّضوا للجواب عنها بالترجيح والتأويل، وقد ذكر روايتها المنصور بالله عليه السلام، ولهذا تعرّض لتأويلها، ولو لم تكن ثابتة عنده لم يتأولها).

وقد مر كلامه في أن مذهب جماهير العترة من المتقدمين والمتأخرين أن الجهر ليس بواجب، كما نقله الأمير الحسين في (الشفاء) وهو مقتضى ظواهر أحاديث الجهر فليس فيها ما يقتضي الوجوب، وغايته إفادة المشروعية على جهة الاستحباب، كما عنون القاضي إسماعيل الصعدي الزيدي كتابه (السموط الـمكللة بأحاديث شرعية الجهر بالبسملة).

وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: (لا يُجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) وهذا الإسناد ضعيف عندنا مع احتمال ثبوته، لكنه صحيح على أصول الشيعة فهو لازم لهم، فأي خلاف سياسي هذا الذي ادعاه السقاف وترك الجهر ثابت عن علي والباقر، فكيف وهو ثابت عن الخلفاء وطوائف من الصحابة قبل معاوية وقبل الأمويين وقبل لطيم الشيطان.؟!

وبما تقدم توقن تـهافت قول السقاف: (وبه يتبين الأثر السياسي الأموي في ترك الجهر بالبسملة في الصلاة، ويتبين التدخل السياسي الأموي في مسائل الفقه فضلاً عن العقائد وعلم الحديث وغير ذلك).!

وما من فرق بين دعواه هذه ودعوى ناصبي زعم أن القول بوجوب الجهر بالبسملة وبطلان الصلاة بتركه أمر سياسي اخترعه الشيعة عصبية منهم على الأمويين،وكلاهما لا أصل له، ولا مناص من تأويل قول الباقر عليه السلام بما ذكرناه، وإلا تذرع النواصب للطعن في مذهب أهل البيت بقولهم إن مذهب الباقر عليه السلام القائل بالبطلان أشد عصبية من مذهب لطيم الشيطان الذي لم يقل بذلك.!

وبمثل هذه العصبية استطالت الحنابلة على الشافعية في أيام ابن يونس، فكانوا يستطيلون بالبغي على أصحاب الشافعي في الفروع حتى ما يمكنوهم من الجهر بالبسملة والقنوت، فلما جاءت أيام النظام ومات ابن يونس وزالت شوكة الحنابلة، استطال عليهم أصحاب الشافعي استطالة السلاطين الظلمة، فاستعدوا بالسجن وآذوا العوام بالسعايات والفقهاء بالنبذ بالتجسيم، قاله ابن عقيل كما في (شرح الإقناع) للبهوتي.

ولأجل هذا كان بعض حكماء العلماء يختار ضد مذهبه لبيان سعة الأمر في المسألة، وأنه مما لا ينبغي فيها الإنكار على المخالف، كما كان أبو القاسم بن مندة وهو حنبلي، يختار الجهر بالبسملة ويفتي به لما رأى من عصبية بعض الحنابلة فيه.

ونظيره في الإنصاف العلامة أبو الحسن وحشي بن عبد الغالب السعدي المالكي، وقد حكى الحافظ أبو طاهر السلفي في (معجمه) أنه قال: ذكر القاضي إسماعيل بن إسحاق في (كتاب المبسوط) عن مالكالجهر بالبسملة في الفرائض، قال: وأما النوافل فلا خلاف فيها بين أصحابه، قال وحشي:(وأنا لا أتركها في صلاتي أبداً).

وهذه فائدة عزيزة أن مالكا يروي عنه العراقيون الجهر بالبسملة، فالظاهر أنه أخذه قديما عن نافع لأنه قرأ عليه، ثم تركهواستمر على عدم قراءة البسملة لأجل عمل الفقهاء المتقدمين بالمدينة كما مر تحقيقه، وقد تقدم وحشياً إلى هذا حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر فجمع في المسألة كتابا حافلا اختار فيه الجهر وانتصر له وخالف مشهور مذهب مالك فيه.

وقد ذكر ابن الأثير في (تاريخه) في سنة (447) ما وقع من الفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداد، ومُقدّم الحنابلة أبو يعلى بن الفرّاء وابنالتميمي، وتبعهم من العامة الجمُّ الغفير، وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان والقنوت في الفجر، ووصلوا إلى ديوان الخليفة، ولم ينفصل الحال، وأتى الحنابلة إلى مسجد بباب الشعير، فنهوا إمامَهُ عن الجهر بالبسملة، فأخرج مُصحفا وقال: أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها.!

وكما منع الأمير مزاحم بن خاقان الأئمة بمصر من الجهر بالبسملة في الجوامع، سنة (253)قال أبو عمرو الكندي في كتاب (أمراء مصر): ولم يزل أهل مصر على الجهر بالبسملة في الجامع العتيق إلى سنة ثلاث وخمسين ومائتين،قال: ومنع أرجون صاحب شرطة مزاحم بن خاقان أمير مصر من الجهر بالبسملة في الصلوات بالمسجد الجامع، وأمر الحسين بن الربيع إمام المسجد الجامع بتركها، وذلك في رجب سنة ثلاث وستين ومائتين، ولم يزل أهل مصر على الجهر بـها في المسجد الجامع منذ الإسلام إلى أن منع منها أرجون.

وبضده صنع الأمير أبو يوسف يعقوب بن يوسف بالأندلس وكان ظاهريا يعادي أصحاب مالك، فألزم الناس بالجهر بالبسملة.!

ثم كان العبيديون الروافض بمصر يكرهون الفقهاء على الجهر بالبسملة، فمن ذلك أن ابن حنيفة المالكي وهو الفقية محمد بن حسن، اضطر للجهر بالبسملة على كره منه حين أمَّ بجامع مصر، كما حكاه المقريزي.

وقد ذكر أبو العباس بن تيمية أن من السلف من كان يجهر بالبسملة ليعلم الناسَ السنة، قال: كما جهر من جهر منهم بالاستعاذةوالاستفتاح وكما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، ولهذا كان الصواب هو المنصوص عن أحمد أنه يستحب الجهر أحيانابذلك فيستحب الجهر بالبسملة أحيانا، ونص قوم على أنه كان يجهربـها إذا صلى بالمدينة، فظن القاضي -أبو يعلى- أن ذلك لأن أهل المدينة شيعة يجهرونبـها وينكرون على من لم يجهر بـها، لأن القاضي لما حج كان قد ظهربـها التشيع واستولى عليها وعلى أهل مكة العبيديون المصريون وقطعواالحج من العراق مدة، وإنما حج القاضي من الشام، والصواب أن أحمدلم يأمر بالجهر لذلك بل لأن أهل المدينة على عهده كانوا لا يقرأون سراً ولا جهراً كما هو مذهب مالك، فأراد أن يجهر بـها كما جهر بـها من جهرمن الصحابة تعليما للسنة، وأنه يستحب قراءتـها في الجملة.. فيستحب الجهر بـها إذا كان المأمومونيختارون الجهر لتأليفهم، ويستحب أيضا إذا كان فيه إظهار السنةوهم يتعلمون السنة منه ولا ينكرونه عليه، وهذا كله يرجع إلى أصلجامع وهو أن المفضول قد يصير فاضلاً لمصلحة راجحة).

فتبين بما قررناه أن مسألة الجهر بالبسملة وعدمه أو ترك قراءتـها أصلا أو الجهر تارة والمخافتة تارة، من مسائل الاجتهادالمحضة التيترجع إلى اختيار الأئمة واجتهادهم بحسب ما يقوى في نفوسهم من الدلائل والمآخذ، وليس لها أي سبب سياسي كما زعم السقاف، وما وقع من التعصب فيها من الطرفين فهو شيء نادر لا حكم له، ثم هو حادث بعد النصوص واختيارات العلماء فيها لما صح بيقين أن الجهر وتركه كان قبل بني أمية، أيام الخلفاء الراشدين.

بل قد روي في مراسيل أبي داود عن سعيد بن جبير قال:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمنالرحيم بمكة، قال: وكان أهل مكة يدعون مُسَيلِمة الرحمن، فقالوا: إن محمداً يدعو إلى إله اليمامة؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخفاها فما جهر بـها حتى مات) ووصله الطبراني عن ابن عباس وفيه: (أمر رسولالله صلى الله عليه وسلم أن لا يُجهر بـها) قال الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن سالم الأفطس إلا شريك، تفرد به عباد بن العوام).

لا يقال إن العلة زالت فوجب زوال الحكم الذي نيطت به، لأن هذا حيث لا يوجد نص بخلافه، فكيف والحديث معل بالتفرد والإرسال، ومخالفة النصوص الثابتة في ترك الجهر، ثم ظاهر الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله استمر على الإسرار بالبسملةوأقره وأمر به وإن زالت علته.

وقد مر معنا أن طوائف من العلماء خالفوا مذاهبهم فيها فاختاروا ضد ما عليه أهل المذهب لأن نظرهم واجتهادهم أداهم إليه، وقد ذكر العلامة طاشكبري زاده في (تاريخه) أن الشيخ ابن الوفاء كان يجهر بالبسملة وكان حنفي المذهب، فجمع المولى الكورانيُّ علماءَ قسطنطينية في الجامع وهو مفتٍ بـها ليحضروا الشيخَ ابنَ الوفاء ويمنعوه عن العمل بخلاف المذهب.

فاجتمعوا وكانوا ينتظرون المولى سنان باشا، فلما حضر قال: ما الداعي إلى هذا الاجتماع؟ فبيّن المولى الكوراني سببه، فقال: إذا حضر الرجل وقال إني اجتهدت في هذه المسألة فأدى اجتهادي إلى الجهر بالبسملة، أحضروا له الجواب،فقال له المولى الكوراني:أمجتهد هو؟ قال: نعم،إنه يعلم التفسير بالبطون السبعة، ويحفظ من السنة الصحاح الستة وهو عارف بشرائط الاجتهاد والقواعد الأصولية، قال المولى الكوراني:أنت تشهد بـهذا؟ قال: نعم،فقال للحاضرين: قوموا فمن كان له مثل هذا الشاهد لا ينبغي أن يُعارض، فتفرّقوا عن المجلس.

فائدة: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الزرعيات) أن ما اختلف فيه العلماء وأراد الإنسان أن يحتاط فيه، فهو نوعان: أحدهما: ما اتفقوا فيه على جواز الأمرين ولكنتنازعوا أيهما أفضل، والثاني: ما تنازعوا فيه في جواز أحدهما وكثير مما تنازعوا فيه قد جاءتالسنة فيه بالأمرين.

ومحصل بحثه أن الخلاف سائغ في النوعين وأن الأمر فيه واسع، فأما من لزم مذهبه في مثل هذا فله ذلك لكن لا يسوغ له إلزام الناس به بغير مصلحة معتبرة، فإن التزامه من الاحتياط والورع وهو باب ضيق لا يلزم الناس به دون مصلحة عامة محققة أو قطع مفسدة عامة كالاختلاف والتنازع، وقد قال بعض فضلاء الشناقطة:

وإن تُرد أعلى مقامات الكمالْ…في الاتباع فاقْفُ أضيقَ المقالْ

في حقِّ نفسك فقط لا غيرها…..إذ لستَ آمناً إذن من شرّها

وخلِّ كلَّ من سواك يتّبعْ………….مشروعَهُ ضيّقَهُ والـمُتَّسِعْ

لقولهمْ ولم يجُزْ للورعِ…………..أن يحمل الناسَ على التورُّعِ

وما أجود ما ختم العلامة الشوكاني فتياه في الجهر بالبسملة، بعد أن بين جواز الأمرين وصحح أحاديث الجهر، ورد على من أنكر على من جهر بالبسملة، واختار أنه يجهر تارة ويسر تارة عملا بكافة الآثار الواردة في المسألة، فقال كلاما يتوجه للسقاف ونظرائه ممن لا أصل لهم في الترجيح إلا العصبية والتشويش والشغب على الناس في مسائل يسوغ فيها الخلاف ويتسع، وفي وقت أحوج ما تكون فيه الأمة إلى الائتلاف، قال الشوكاني: (وأما مثل هذه المسألة فليس الإنكار فيها إلا من باب إنكار المعروف، وتفريق كلمة عباد الله بغير حجة نيرة، ولا برهان واضح).

والله أعلم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما

كتبه

أبو جعفر بلال فيصل البحر

11/ رمضان المبارك/1440هـــ

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.