حصريا

الإمام العز بن عبد السلام نموذجا للعلماء الربانيين – د.يحيى محمد الخلايلة

الإمام العز بن عبد السلام نموذجا للعلماء الربانيين

إعداد الدكتور: يحيى محمد الخلايلة[1]

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه إلى يوم الدين، وبعد:

لقد كان للإمام الجليل العز بن عبد السلام مواقف عظيمة، كتبها العلماء الذين عاصروه وعاشوا معه، لعل أبرزها سعة علمه وفقهه، وشجاعته وجرأته التي كان يتميز بها في قول كلمة الحق، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، ونصحه للحاكم لأنه يرى في صلاحه صلاحاً للإسلام والمسلمين، فوضع نظريات وقواعد عالج فيها كثيرا من مسائل الواقع السياسي في عصره،وبين لنا معالم نظام للحكم، وضحفيها منالقواعدوالشروط والضوابط، ما نحتاج إليه لتنظم حياةالناس بأفضل الطرق، اعتماداً على الشريعة الإسلامية التي تحكم الناس وتنظم حياتهم، فساهم بشكل واضح في ضبط سير الحياة السياسية ، وترك لنا ثروة قيمة، ومنهجاً علمياً واضحاً في السياسة الشرعية، صدع فيه بالحق دون الخوف من جور الحكام وظلم السلاطين،مما يستحق الدراسة والعناية والاهتمام،ويجدر بالباحثين دراسته والوقوف عنده.

أولا: اسمه ونسبه، وطلبه العلم.

هوأبومحمدعبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء: فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد. ولد ونشأ في دمشق سنة سبع أو سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، أصله مغربي.

وهو شيخ الإسلام وأحد الأئمة الأعلام إمام عصره بلا مدافعة، القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه، المطلع على حقائق الشريعة وغوامضها العارف بمقاصدها، لم ير مثله علما وورعا وقياما في الحق وشجاعة وقوة جنان ،آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، تولى الخطابة والتدريس بزاوية الغزالي، ثم الخطابة بالجامع الأموي.

درس الفقه على الشيخ فخر الدين بن عساكر والقاضي جمال الدين الحرستاني، وقرأ الأصول على الآمدي، وبرع في المذهب وفاق فيه الأقران والأضراب، وجمع بين فنون العلم منالتفسير والحديث والفقه والأصول والعربية، رحل إليه الطلبة من سائر البلاد وصنف التصانيف المفيدة، وقال الشيخ جمال الدين ابن الحاجب: أن ابن عبد السلام أفقه من الغزالي،وكان مهيباً وقوراً، مع حسن محاضرة وبشاشة، لا يهتم بمظهر ولا ملبس، فقد كان يلبس قبع لباد، ويحضر فيه المواكب السلطانية، وأحياناً يلبس العمامة دون تكلف أو تصنع

قال عنه ابن كثير: “انتهت إليه رئاسة المذهب، وقصد بالفتوى، سائر الآفاق، ثم كان في آخر عمره لا يتعبد بالمذهب، بل اتسع نطاقه وأفتى بما أدى إليه اجتهاده”.

ترك العز الكتب القيمة، والمصنفات النافعة، والرسائل المفيدة، والفتاوى السديدة، والمناظرات العميقة، والدراسات الدقيقة، وجاءت مصنفاته في غاية الكمال والنفع.

ونلاحظ مما سبق الجهد العظيم الذي بذله الإمام العز في طلب العلم وخدمته، فاستحق بذلك شرف الانتساب له، والإمامة فيه، فكان إماماً في العلم، وإماماً في العمل.

ثانيا: محاربته للبدع والمنكرات والتعصب المذهبي.

كان العز معروفاً بمحاربته للبدع والمنكرات، فأزال كثيراً مما كان يراه بدعاً يرتكبها عوام المسلمين، ولما ولي الخطابة بدمشق،أزال كثيرا من بدع الخطباء ولم يلبس سوادا ولا سجع خطبته بل كان يقولها مسترسلا، وقد تميز الإمام العز بأنه الفقيه الذي يأسره الدليل فلا يحيد عنه مالم يجد عنه مصرفا من دليل أقوى… ولهذا كان حربا على ظاهرة التعصب المذهبي المقيت، وقد نعى عليهم الحالة التي وصلوا إليها. فقال: ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا، ومع هذا يقلده فيه، ويترك من الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه جمودا على تقليد إمامه.

وحكاياته في قيامه على الظلمة وردعهم، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر كثيرة، حتى أنه في يوم العيد نادى السلطان بأعلى صوته والعساكر واقفون يا أيوب ما حجتك عند الله إذا قال لك ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور، فقال السلطان: هل جرى هذا؟ فقال نعم الحانة الفلانية يباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، فقال السلطان: يا سيدي هذا أنا ما عملته هذا من زمان أبي، فقال أنت من الذين يقولون:إِنَّاوَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ ([2]) فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة.

وبلغه أن بعض الأمراء بنى مكانًا للطبلخ انه على سطح مسجد، فأنكر ذلك الإمام عز الدين، وذهب بنفسه فهدمه، وعلم أن هذا يشق على الوزير، فحكم بفسق الوزير، وعزل نفسه عن القضاء، فلما بلغ ذلك حاشية الملك شق عليهم، وأشاروا على الملك أن يعزله عن الخطابة لئلا يتعرض لسب الملك على المنبر، فعزله ولزم بيته يشغل الناس بالعلم، وأخذ في التفسير في دروسه.

واجتنب الثناء على الملوك، ولكنه كان يدعو لهم، ولما سلم الصالح إسماعيل قلعة الشقيف وصفد للفرنج نال منه الشيخ على المنبر ولم يدع له، فغضب الملك من ذلك وعزله وسجنه ثم أطلقه، فتوجه إلى مصر فتلقاه صاحب مصر الصالح أيوب وأكرمه وفوض إليه القضاء مع الخطابة، ومكنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والملاحظ تميز الإمام العز بمحاربته للبدع والمنكرات، وخاصة ما يتعلق منها بالأمراء والحكام، وكان لايجرؤ على ذلك من العلماء إلا من حباه الله بإيمان وقوة وشجاعة استمدها من الله وباع فيها نفسه لله، صغرت الدنيا في عينه، فكبر في أعين الناس، وهابه الحكام والأمراء والسلاطين، ولهذا استحق لقب سلطان العلماء بجدارة.

ثالثا: جرأته وقوته في الحق، ومواقفه مع الحاكم.

كان رحمه الله يتكلم بالحق ويصدع به ولا تأخذه في الله لومة لائم، وينادي سلاطين مصر بأسمائهم في مجالسهم العظام، في الوقت الذي كان بعض العلماء يقبل أيديهم، بل الأرض بين أيديهم.

وكان العز جريئاً في قول الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، ممتثلا قول الله تعالى:وَلِلَّهِ الْعِزَّةُوَلِرَسُولِه ِوَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَايَعْلَمُونَ ([3])

وكان يستمد عزته من عزة الإسلام، وعزة المؤمنين والأتقياء والعلماء.

ولما تولى العز منصب قاضي القضاة، اكتشف الخلل في الإدارة والسلطة، وأن القادة الأمراء لا يزالون في حكم الرق لبيت مال المسلمين، ولم يثبت عند الشيخ أنهم أحرار، وبالتالي فإن الحكم الشرعي عدم صحة ولايتهم من جهة، وعدم نفوذ تصرفاتهم الخاصة والعامة من جهة أخرى. ولم يصحح لهم بيعاً ولا شراءً ولا نكاحاً، وتعطلت مصالحهم بذلك، وكان من جملتهم نائب السلطان، وقال لهم بكل وضوح وصراحة: نعقد لكم مجلساً، وينادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي، فرفضوا واستكبروا، ورفعوا الأمر إلى السلطان أيوب، فبعث إليه وراجعه، فلم يرجع، وحاول نائب السلطنة التدخل بالملاطفة، ثم بالتهديد والوعيد، ثم بمحاولة التخلص من الشيخ وقتله، فلما فشلت محاولاته، أذعن الأمراء للأمر، واستسلموا لحكم الشرع، وأعلن المزاد العام، ووقف العز ينادي على أمراء الدولة واحداً واحداً.

ولما عزم الأميرقطز([4])على فرض الضرائب على الشعب دون الأمراء وبيت السلطان لمواجهة التتار،أفتى العز بكل جرأة وصراحة بعدم جواز ذلك ،فقال: “إذاطرق العدو بلاد الإسلام وجب على العالم قتالهم،وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم،بشرط أن لا يبقى فيبيت الم الشيء من السلاح والسروج الذهبية والفضية وأسقاط السيوف والفضة وغير ذلك، وأن تبيعوا مالكم من الخواص الذهبية والآلات النفيسة،ويقتصر كل الجند على سلاحه ومركوبه،ويتساووا هم والعامة،وأما أخذ الأموال من العامة مع بقاء الأموال والآلات الفاخرة في أيدي الجند،فلا.”

ونلاحظ أن جرأة الإمام العز كانت في مواطنها المطلوبة، وحتى مع السلطان مهما كان قويا أو مهيبا، أو بطاشا، وكان يستمد هذه الجرأة من ثقته بالله، وإعلائه لشرعه،ووقوفه عند حدوده.

أما صلابته في الدين وشدته فيه فحدث عنها ولا حرج، فما لانت له قناة وهو يقارع السلاطين والمبتدعة …فهو الشديد في مواطن الشدة، الرحيم في مواطن الرحمة، اللين حيث لا ينفع إلا اللين، وكان يرى اللين مع الحكام الظالمين استسلام وجبن، والشدة مع الضعفاء ظلم وغطرسة، والمؤمن الحق أبعد ما يكون عن الجبن والظلم.

لقد كان العز لا يبغي إلا رضى الله تعالى، ولا يخاف إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه، فكان الله معه، وكان الله له حافظا ومعينا، وكان الله عنه مدافعا من أذى المعتدين، وتسلط الظالمين، وسطوة الحكام والأمراءإِنَّاللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَايُحِبّ ُكُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ([5]).

ومما يدل على منزلته الرفيعة أن الملك الظاهر بيبرس لم يبايع الخليفة المستنصر إلا بعد أن تقدمه الشيخ الإمام عز الدين للمبايعة ثم بعده السلطان الظاهر ثم القضاة، ولما مرت جنازة الشيخ عز الدين تحت القلعة وشاهد الملك الظاهر كثرة الخلق الذين معها قال لبعض خواصه اليوم استقر أمري في الملك لأن هذا الشيخ لو كان يقول للناس اخرجوا عليه لانتزع الملك مني.

قال ابن كثير: توفي في العاشر من جمادى الأولى وقد نيف على 80سنة ودفن بسفح المقطم.

وأخلص مما سبق أن هذه السيرة العطرة للعالم العامل الإمام العز بن عبد السلام تستحق الدراسة والعناية والاهتمام، وذلك لما تميز به من تمثيل مبادئ الإسلام ونظرياته، تمثيلاً عملياً، فأحدث تغيرات عظيمة على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري، وترك علماً يجدر بالباحثين دراسته والوقوف عنده، فوضع قواعد البحث المعتمدة على الدليل،وتجلت فيه عبقريته، فترك لنا ثروة قيمة، ومنهجاً علمياً واضحاً في السياسة الشرعية، صدع فيه بالحق دون خوف من جور الحكام وظلم السلاطين.

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين

  1. أستاذ مساعد في كلية الشريعةوأصول الدين – جامعة الملك خالد – السعودية.
  2. ) سورة الزخرف الآية 23
  3. ) سورةالمنافقون: الآية 8
  4. ) السلطَان الملك المظفر سيف الدينقطز بن عبد الله المُعِزي.كَان أَنبل مماليك المُعز، ثم صار نائب السلطنة لولده المنصور. وكَان فَارساً شُجاعاً، سائساً، ديناً، مُحبباً إِلى الرعية. هزم التتار، وطهر الشام منهم يوم عين جالوت. انظر : سير أعلام النبلاء 16/394
  5. ) سورة الحج الآية 38

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.