حصريا

إنسانية الحوار وحوار الإنسانية . د.سامي إبراهيم محمود الجبوري -العراق-

0 79

إن الحوار يعد اليوم الوسيلة الأساسية وأحد الأدوات الحضارية للمجتمعات المعاصرة, إذ توسعت أساليب الحصول على المعلومات واتسع أفق المعرفة واختلفت القيم والاتجاهات الثقافية والفكرية ، وترتب على هذا التحول المعرفي ، والثقافة تطوير أساليب الحوار وآلياته ، حيث يساعد الحوار على تقريب المسافات ويؤدي إلى انتشار مفاهيم التطور المعرفي والتبادل الثقافي ، إن العالم الذي نعيشه اليوم يتطلب منا الحوار مع أنفسنا أولاً ، والحوار مع الآخرين ثانياً ، لكي نصل إلى رؤية إنسانية مشتركة قادرة على نقل سماحة ديننا ، وإيصال عظمة حضارتنا التي تأسست على مبادئ الحق والعدل والمساواة.

– المقصود بالحوار:
الحوار هو المجاوبة والمجادلة والمراجعة وهو نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة فلا يستأثر به أحدهما دون الآخر ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة التعصب, وقد يطلق على الحوار أيضا المناظرة, وهي المحاورة بين فريقين حول موضوع لكل منهما وجهة نظر فيه تخالف وجهة نظر الفريق الآخر.
فهو يحاول إثبات وجهة نظره وإبطال وجهة نظر خصمه مع رغبته الصادقة بظهور الحق والاعتراف به لدى ظهوره( )، وللحوار أهمية كبيرة والهدف منه إقامة الحجة ودفع الشبهة والفساد من القول والرأي, فهو تعاون بين المتحاورين على معرفة الحقيقة والتواصل إليها، ليكتشف كل طرف ما خفي على صاحبه منها والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق, والحوار حاجة إنسانية تتمثل أهميته باستخدام أساليب الحوار البناء لإشباع حاجة الإنسان للاندماج في جماعة التواصل مع الآخرين, فالحوار يحقق التوازن بين حاجة الإنسان للاستقلالية وحاجته للمشاركة والتفاعل مع الآخرين.
ومن جهة أخرى تزداد أهمية الحوار في ظل متغيرات العالم العلمية والمعرفية الذي أوجد فجوة دائمة ومستمرة بين ما يمتلكه الفرد من معلومات ومعارف وبين أخر ما توصل إليه العلماء في هذا المجال, وتعد الندوات واللقاءات والمؤتمرات إحدى وسائل ممارسة الحوار الفعال الذي يعالج القضايا والمشكلات التي تواجه الإنسان المعاصر والتي تعمل كوسيلة أيضاً لفهم الآخرين والتواصل معهم, هذا ويعمل الحوار على تحقيق الأهداف التالية:
1_ إيجاد حل وسط يرضي جميع الأطراف.
2_ التعرف على وجهات نظر الطرف أو الأطراف الأخرى وهو هدف تمهيدي هام.
3_ البحث والتنقيب من أجل الاستقصاء والاستقراء في تنويع الرؤى والتصورات المتاحة للوصول إلى نتائج أفضل وأمكن ولو في حوارات تالية.
4_ تقريب وجهات النظر بين المتحاورين.
5_ الخروج بتوصيات مفيدة ترضي جميع المشاركين في الحوار بمختلف أطيافهم.
6_ الاستماع لوجهات النظر المختلفة.
7_ القضاء على الخلافات المذهبية في المجتمع عن طريق الحوار بين كافة الأطراف.
ولكي يأتي الحوار الأهداف المناطة منه فإنه ينبغي على المتحاورين أثناء جلوسهم على طاولة الحوار أن يدركوا أن هناك صفات إذا اتبعها كل واحد منهم فإنه يكون محاورا متمكناً وناجحاً, ويستطيع أن يحقق فهم الطرف الأخر ، ومن هذه الصفات ما يلي:
1_ الأمانة والصدق فيجب أن يتصف المتحاورين بالأمانة والصدق في جميع أحوالهم وخاصة أثناء مشاركتهم في الحوار أي كان الموضوع الذي يتم طرحه.
2_ تقديم التحايا بين المتحاورين وإجراء الحوار في جو ودي مرح يتعرف فيه كل طرف على الطرف الآخر.
3_ عدم رفع الصوت أثناء الحوار أكثر مما يحتاج أطراف الحوار.
4_ عدم ترك المحاور يتحدث وإجراء حوارات جانبية مع الزملاء أو أي أشخاص آخرين, فهذا الأمر يقلل من قيمة المتحاور معهم ويسبب لهم الحرج.
5_ الاتفاق على أصل يتم الرجوع إليه في حالة الاختلاف على مسألة مددت في الحوار تكون الفيصل الذي يستند إليه المتحاورون.
6_ التزام رباطة الجأش وهدوء البال عند النقاش وتبادل الآراء أثناء الحوار.
7_ حضور البديهية وقوة الذاكرة بين المتحاورين.

– حوار الأديان والحضارات لفهم الآخر:
في الساحة الإسلامية أول دعوات الحوار, الحوار مع الأديان الأخرى والتعارف عليها, فقال تعالى  يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ( ).
فالتعاون الذي تدعو الآية الكريمة ليس نابعا من اعتراف الإسلام بالمشركين والكافرين, وحين يقول بعض الدعاة أن الإسلام يدعو إلى التضامن مع الآخرين لدرء المفاسد وجلب المصالح والمنافع للناس كرفع الظلم ورعاية حقوق الإنسان وتعزيز الحرية والعدالة وسائر المبادئ الإنسانية, ولكن من هو الآخر الذي نريد أن نتضامن معه لأجل ذلك, هل هو الذي أجرى دماء المسلمين في البلاد العربية وسائر بلاد العالم الإسلامي أم هو القوة المسيطرة التي تحكم في الأرض بموازينها.
الحقيقة أن التضامن الذي نسعى إليه من خلال الحوار مع الآخرين هو ذلك الذي نملك نحن المسلمين قبوله أو رفضه والذي لا يفرض علينا بالقوة.
فالواقع والتاريخ يؤكد أن أوروبا تخاف الإسلام وتخاف من الإسلام ليس ذلك على مستوى الأفراد والجماعات ، وحرب الأقليات في الغرب مستمرة اليوم ومن قبل وستستمر من بعد أيضا ولقد وقفت الإمبراطورية الرومانية في وجه الإسلام منذ معركة اليرموك وما حديث الحروب الصليبية بسر وكانت بيزنطة إحدى القوى المحركة للأحداث في غزو التتار للعالم الإسلامي وفي تدميرهم لبغداد وقضائهم على الخلافة العباسية, ومذابح الصرب في الهرسك وفي كوسوفا أثر لهذا الشعور العربي المستحكم بالعداء للإسلام وللمسلمين, على أن في الغرب منصفين يدعون ولا يزالون يدعون إلى الحوار بين الشرق والغرب والحوار بين الحضارات.
إن البحث في فلسفة حوار الحضارات هو لتكوين المنظور الكلي والتعرف على ما هي الحضارات والرؤية الكونية للوجود الإنساني وعن مستقبلنا المشترك في هذا العالم, وتركز فلسفة حوار الحضارات في البحث عن المشتركات العامة والجوهرية بين الحضارات في المجالات والحقول المختلفة والمتعددة, والمشتركات في مجال الثقافة والفلسفة والقانون والفنون والآداب وفي السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية, وهكذا في مجال القيم والمبادئ كالعدالة والحرية والمساواة والحقوق إلى قضايا البيئة والسكان والصحة وغيرها( )
ولا ينبغي أو يفترض أن يفهم من قضية حوار الحضارات على أنها حوار بين الإسلام والغرب أو تتحدد في هذا النظام ولا أن تتأطر في حضارات المتوسط بين ضغينة الجنوبية والشمالية, وهي إشكالية تم الوقوع فيها, حيث تفتقد لرؤية الحضارات الأخرى الصينية والهندية من موضوع حوار الحضارات على وجه التحديد, وينقصنا في العالم العربي والإسلامي تكوين المعرفة بتلك الأفكار والمفاهيم والنظريات ، وهو ما يعني أننا لا نمتلك معرفة بالحضارات الحية أو التي بإمكانها التجدد والنهوض ونفتقد إلى من يقدم لنا معرفة جديدة وحيوية بالحضارات أو من ينهض بالبحث في هذه الحضارات.
ومن هنا يمكن القول أن حوار الحضارات والأديان لا ينبغي أن يتوقف على حوار العرب والمسلمين مع الغرب فقط ولكن لابد أن يمتد إلى ميادين شتى ومجالات متنوعة, حتى في المجتمع العربي الإسلامي نفسه فهو مدعو هو الآخر إلى الحوار مع بعضه البعض, ومن أبرز الدعوات إلى الحوار, هو الحوار بين القومية العربية والإسلام ، وطرحت آراء كثيرة مختلفة في هذا الصدد ، بعض هذه الآراء كان يرى أنه لا فرق بين القومية العربية والإسلام وربما ذهب البعض إلى أنه لا فرق بين القومية العامة والإسلام ومرد ذلك إلى أن العرب هم أول من حمل رسالة الإسلام وأنهم سيظلون مسئولين عن حمل هذه الرسالة ومحاسبين عليها في الدنيا والآخرة.
وانطلقت هذه الدعوة ملغيه أمر الدين, داعية إلى التجمع على أساس لا ديني, ووضعت السنون وظهرت ردود الأفعال على صورة الدعوة إلى قوميات أخرى في العالم الإسلامي وهو ما أدى إلى تمزق العالم الإسلامي إلى قوميات وأقطار وأقاليم وخرجت بعض الأقطار من الإسلام خروجا واضحا وصريحا وأعلنت الحرب عليه.
والقومية بجميع أنواعها لا تمثل نظاما كاملا للحياة ولكن الإسلام دين الله نظام كامل متكامل للحياة يصوغ الروابط كلها صياغة إيمانية تجمع الناس على الحق, وفي واقعنا اليوم توالت الدعوات إلى التقارب بين القومية والإسلام ولكن ومن صفحات الدعوة إلى الوحدة العربية وكثرة المنادين بها على أسس غير دينية لم تقم هذه الوحدة وإنما تفتت الشعوب إلى أقطار ونظم.
وحوار آخر يجب أن يلتفت إليه اليوم وهو حوار المسلم مع المسلم, فقد أصبح من الظواهر المألوفة في كثير من مواقع المسلمين أن يتآلف المسلم مع غير المسلم ويهجر المسلم أو يعاديه, إن الفرقة بين المسلمين أصبحت واسعة وممتدة, تحمل معها أحيانا ألوانا مختلفة من الصراع فقد تحولت من خلاف في الرأي إلى صراع خفي أو علني, لقد كثرت بين المسلمين الشعارات وطويت معان كثيرة واضطربت الموازين والمواقف ودلف الاعتداء من خلال ذلك إلى صفوف المسلمين يزيدونها فرقة واختلافا وصراعا, ثم يجنون هم ثمار هذا الصراع لصالحهم وتزداد أوضاع المسلمين ضعفا ووهنا ومهانة وانحداراَ.
والمسلمين اليوم في داخل البلد الواحد أو على مستوى البلدان الإسلامية مدعوون إلى الحوار فالحوار هو الوسيلة الفعالة التي يمكن من خلالها القضاء على هذه الفرقة وفهم كل منهما الآخر وتقريب وجهات النظر والالتقاء والتوافق , ومما يثير العجب أن لدى المسلمين من عوامل اللقاء والتآخي ما ليس لدى غيرهم, لقد من الله على المسلمين بنعم لا تكاد تحصى لتجعل منهم أكبر قوة في الأرض وأعز أمة, لقد من الله عليهم بالعدد الوفير الكبير ومن عليهم بالموقع الوسط والامتداد في الأرض ومن عليهم بأغنى الثروات الظاهرة والباطنة ومن عليهم بالنعمة العظمى, بالدين الحق بالقرآن المعجزة الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هذه العوامل العظيمة لا تملك أمة من غير المسلمين مثلها أو مثل بعضها ومع ذلك كله ما زالت الغفوة ممتدة والفرقة واسعة والصراع ملتهبا يفرح به أعداء الله ويغذونه ويحزن له المؤمن الصادق( ).
وخلاصة لما سبق يمكن القول أن الحوار هو الوسيلة المهمة والأساسية والفعالة لفهم الآخرين والتعامل معهم لهذا فإن الحوار مطلوب وبشكل دائم سواء بين المسلمين والغرب وسواء بين المسلمين وغير المسلمين سواء بين المسلمين والمسلمين فالحوار وسيلة لفهم الآخرين, فالحوار مطلوب وضروري لمن كان له قضية يريد أن يدافع عنها ويدعو الناس إليها فالحوار أول طريق الدعوة وشق السبيل إلى الهدف المحدد الثابت على صراط مستقيم.

– حرية الرأي كوسيلة لفهم الآخرين والتعايش معهم:
إبداء الرأي بحرية متناهية, قد يكون وسيلة لفهم الآخرين فإن الحجر على الآراء وإظهار العقول لما يدور بداخلها من أفكار وأراء قد يقود إلى كوارث ونكبات خاصة إذا كان هذا الرأي وهذه الأفكار مليئة بالمذاهب الفكرية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية لهذا فإن فتح الباب أمام حرية الرأي هو بمثابة الالتزام بتعاليم الإسلام فحرية الرأي جزء من الحرية العامة التي بينها الإسلام للمسلم وبين ضوابطها وحدودها حتى لا تنفلت الحرية إلى فاحشة وفتنة وجرائم.
والحرية حق ومواقف ومسئولية مثلها مثل أي حق وموقف لا يمكن مزاولته في حالة من الفراغ أو الفوضى والاستهتار بل هي أحرى من غيرها بالضبط والتنظيم لما لها من الأثر الخطير على حياة الإنسان ومعنى وجوده, ولذلك لابد أن نعي شروط التأهيل لمزاولة الحرية بصفة عامة وحرية الرأي بصفة خاصة, فهي حق للفرد المتمتع بقدرات الإدراك والنضج الإنساني الذي يمكنه من فهم معنى الحرية وآثارها وحمل مسئولية مزاولتها في حياته ووجوده في حياة المجتمع ووجود من حوله ولذلك فهي حق للبالغ العاقل( ).
ولكي يكون هناك حرية للرأي فلا بد من الالتزام بعدد من القواعد التي بدونها تصبح قضية الرأي فوضى, وهذه القواعد هي:
1_ الكلمة النصيحة, فالكلمة المؤمنة والرأي المؤمن نصيحة وصدقة وعبادة وهي مساهمة في البحث عن الحق أو ما هو أقرب إلى الحق.
2_ رد الرأي والأمر إلى منهج الله, فلا يعطى رأي إلا وفقا لمنهاج الله, ليكون منهاج الله هو الحكم في صلاح الرأي أو فساده, في صوابه أو خطئه, في فائدته أو ضرره, ولا يستطيع المسلم أن يلتزم بهذه الفائدة إلا إذا كان له علم بمنهاج الله حتى يستطيع رد الأمور إليه, وإذا توافر له التدريب والنشأة وأعطيت له فرص الخبرة والمران ومارس الأمر ممارسة علمية.
3_ إبداء الرأي عن بينه وفهم للموضوع والقضية, فعلى المؤمن أن يتحدث عما يعلم وأن يدرس القضية التي يعرضها أو يعرض رأيه فيها, ويدرسها قدر جهده واستطاعته, ومعرفة الموضوع وفهمه قبل التحدث فيه أو إعطاء الرأي فهذا أمر يحتاج إلى جهد وإلى سعي.
4_ البيان والوضوح, فإذا تحدث المسلم وأدلى برأيه يجب أن يكون كلامه واضح بين, لأن كثيرا ما يقوم بين الناس جدل نتيجة لعدم فهم أو سماع الرأي بوضوح, وللبيان والوضوح آداب في الإسلام منها عدم التقصير في الكلام والتشدق والتكلف والمبالغة والبعد عن الفحش والبذاءة.
5_ الصمت والإنصات, فمن القواعد المحددة لحرية الرأي هي الإنصات للطرف الآخر حين يتكلم حتى يتم الاستفسار وبيان غرضه وعدم مقاطعته حتى لا يتداخل الكلام مع بعضه البعض فيفسد الرأي وتضطرب الفكرة وتسوء المجالس.
6_ الخصائص الخلقية, وهو أن يخلو إبداء الرأي من النميمة والغيبة والافتراء وإفشاء السر والظلم وسوء الظن بغير حجة شرعية وأن يلتزم المسلم بسائر القواعد الخلقية في حديثه.
7_ الأمن والطمأنينة, فالإسلام يوفر للمسلم جو الطمأنينة والأمن حتى يعطي رأيه غير مقيد بالإرهاب والخوف والقلق والاضطراب, وأساس هذا الأمن والطمأنينة هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى ومراقبته وصدق النية إليه والإخلاص له وهذه القاعدة لا غنى عنها في أي أمر في الإسلام ولا غناء عنها في أجواء الشورى والتسامح وحرية الرأي.
8_ المسئولية, فحرية الرأي ليست كلمات يلقيها أي إنسان ثم يتفلت من تبعات كلماته ونتائجها ولكنها حرية للرأي تصاحبها مسئولية ومحاسبة عن الكلمة والرأي والجهد, وهذه المسئولية هامة, وخطيرة, إنها مسئولية ممتدة في حياة الإنسان في الدنيا وتمضي كذلك في الآخرة إنها مسئولية عظيمة لا يستطيع أن يقدرها حق قدرها إلا المؤمن الذي يخشى الله ويخاف عذابه( )فإذا توفر للرأي هذه القواعد فإن تطبيق حرية الرأي عندها يصبح أمرا مفروغاً منه, لأن كل مبدي للرأي سيراعي هذه القواعد عندها سيصبح إبداء الرأي يحقق فائدة للمجتمع ككل.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.