حصريا

إشكالات التعريف الاصطلاحي – أ.أبو مالك العوضي

[cl-popup title=”ترجمة الكاتب” btn_label=”ترجمة الكاتب” align=”center” size=”s” paddings=”” animation=”fadeIn”]وائل سميح العوضي[/cl-popup]

من الأمور الأكاديمية المعروفة في بحوث الماجستير والدكتوراة أن الباحث لا بد أن يعرِّف مفردات البحث قبل أن يخوض في تفاصيله، فمثلا لو كان بحثه بعنوان (الإمامة بين المتكلمين والفقهاء)، فلا بد أولا من تعريف المقصود بـ(الإمامة)،
والمقصود بـ(المتكلمين) والمقصود بـ(الفقهاء).
وقد جرت العادة في مثل هذه البحوث بأن يقسم التعريف إلى: (تعريف لغوي)، و(تعريف اصطلاحي).
وصار هذا أمرا معتادا في مثل هذه البحوث، حتى أصبح لازما أو كاللازم لزوما بحكم العادة، فلا يقبل من الباحث بحثه إلا إذا ذكر التعريف اللغوي والاصطلاحي.
والتعريف اللغوي عادة أمره أسهل؛ لأن المرجع فيه إلى المعجمات وكتب اللغة التي لم تترك شاردة ولا واردة في الغالب إلا أشارت إليها.
لكن الإشكال كثيرا ما يظهر في التعريف الاصطلاحي؛ لأن المرجع فيه غالبا يكون إلى الكتب المصنفة في الاصطلاحات، وهي أولا: قليلة نسبيا، وثانيا: لم تستوف كل الاصطلاحات التي توجد متناثرة في الكتب الأخرى بحسب فنونها، وثالثا: ربما لا يكون لهذا المصطلح ذكر فيها أصلا، وهذا يرجع إلى أسباب؛ منها: أن يكون هذا المصطلح معاصرا أو قريبا من المعاصرة، ومن ثم لم يعرِّفوه؛ لأنه لم يظهر في عصورهم أصلا، ومنها: أن يكون المصطلح موافقا في معناه للمعنى اللغوي، فلم يجدوا حاجة إلى تعريفه اكتفاء بما ذكر في كتب اللغة من معنى اللفظ.
وفي مثل هذه الأحوال يتحير الباحث ولا يدري كيف يفعل؛ لأنه قد تعوَّد كغيره من الباحثين أنه لا بد أن يجد في المراجع كلاما يتعلق بما يبحث عنه، فإن لم يجد شيئا لم يعرف ما يقول!
وهذه إشكالية أخرى تتعلق بالضعف التأصيلي لدى الباحثين، لا نريد أن نتعرض له الآن.
وإنما سوف نركز الكلام هنا عن (الآليات والخطوات التي ينبغي اتباعها في مثل هذه الحالة التي لا يجد فيها الباحث التعريف الاصطلاحي منصوصا عند العلماء).

الخطوة الأولى:
وهي خطوة تمهيدية؛ تعتمد على جمع عدد مناسب من النصوص التي استعمل فيها العلماء هذا المصطلح؛ وذلك حتى يتصور الباحث تصورا أوليا معنى هذا المصطلح واستعمالاته وتصرف العلماء في هذه الاستعمالات، وكلما كان هذا العدد أكبر كان أفضل، ولا سيما إن كان في سياقات متباينة، وكتب مختلفة، وفنون متعددة، وعصور متنوعة.

الخطوة الثانية:
التحقق من أن هذا المصطلح ليس لغويا محضا، بمعنى أن معناه ليس مطابقا للمعنى اللغوي؛ لأنه إن كان الأمر فيه كذلك أمكن الاكتفاء به، ومثل هذا تجده كثيرا في الموسوعة الفقهية الكويتية؛ إذ ينصون في كثير من المصطلحات أن معناها الاصطلاحي هو نفسه المعنى اللغوي، أو قريب جدا منه.

الخطوة الثالثة:
إذا تحققنا أن المصطلح المطلوب تعريفه ليس لغويا محضا، فهذا معناه أن استعماله ليس عاما في جميع التخصصات؛ لأنه لو كان عاما في جميع التخصصات لكان موافقا للمعنى اللغوي ولا بد.
فينبغي حينئذ أن يتأمل الباحث ويحدد الجماعة أو الطائفة التي تختص بهذا الاصطلاح، إذ قد يكون الاصطلاح خاصا بالأصوليين فقط مثلا، أو بالنحويين، أو بالفقهاء، أو بالمتكلمين، وقد يكون المصطلح مشتركا بين طائفتين أو أكثر، لكن المهم أنه لا يمكن أن يكون عاما بين جميع الطوائف؛ لأن الناطقين بهذه اللغة طائفة من هذه الطوائف على الأقل، فلو كان اللفظ مستعملا عندهم لكان مستعملا بمعناه اللغوي.
فحينئذ على الباحث أن يتأمل المواضع التي ورد فيها هذا المصطلح، وينظر إلى تخصصات العلماء الذين استعملوه، وسياقات الكلام التي ورد فيها المصطلح، وبذلك يستطيع أن يعرف الطائفة التي تختص بهذا الاصطلاح، وكل هذا كما لا يخفى مبني على الظن الراجح؛ إذ لا يمكن القطع في هذا الباب إلا بالاستقراء التام أو شبهه.

الخطوة الرابعة:
تحديد النطاق الزمني الذي استعمل فيه هذا المصطلح؛ لأن بعض المصطلحات قديم وبعضها حديث، كما أن بعضها قد يستمر استعماله عند العلماء، وبعضها قد يزول بظهور مصطلح آخر يطغى عليه، فلا بد أن يحدِّد الباحث -بقدر الإمكان- متى ظهر هذا المصطلح، ومتى انتهى استعماله؛ إن فرض أنه قد انتهى.

الخطوة الخامسة:
عرفنا مما سبق أن المصطلح المطلوب تعريفه لا يوافق المعنى اللغوي من كل وجه، فيجب حينئذ أن نتلمس الفروق بينهما، وقد عرفنا وجهين من أوجه الفرق سابقا؛ الأول: أن هذا المصطلح له نطاق زمني ظهر فيه واستعمل، والثاني: أن هذا المصطلح يتعلق بطائفة معينة من العلماء.
وفي هذه الخطوة نحتاج إلى تأمل الفروق الأخرى الممكنة، وذلك بتأمل السياقات التي ورد فيها هذا المصطلح في كلام العلماء؛ والانتباه للأحكام المذكورة فيها؛ لأنهم كثيرا ما يشيرون إلى أجزاء من التعريف من غير قصد؛ كما لو قال أحدهم مثلا (وهو يشمل كذا وكذا) أو (لا يدخل فيه كذا وكذا) أو (يذكرونه في باب كذا لاختصاصه به) أو نحو هذه العبارات التي تفيد الباحث وتعينه على صياغة التعريف الاصطلاحي.

الخطوة السادسة:
بعد الخطوات السابقة صار تصور الباحث للمصطلح واضحا أو كافيا، ويمكنه أن يبين معناه ولو بعبارات مبهمة أو مطولة، لكن الإشكال والخلل قد يدخل في التعريفات والاصطلاحات إذا لم يراعِ الباحث المصطلحات الأخرى المشابهة والمقاربة لهذا المصطلح الذي يدرسه، فينبغي للباحث في هذه الخطوة أن ينظر في المصطلحات التي قد تتداخل مع هذا المصطلح إما من حيث اللفظ وإما من حيث المعنى، وذلك حتى يتحرز منها عند التعريف؛ فمثلا قد يشتبه على بعض الناس (الإبراء) بـ(الاستبراء) أو (التحريم) بـ(التحرُّم) أو نحو ذلك من الاصطلاحات المتشابهة لفظا، وقد يكون التداخل والاشتباه بين الاصطلاحات من جهة المعنى فلا بد أن يراعي الباحث بيان الفروق بينها إن وجد؛ كما لو كان مثلا يتكلم عن تعريف (الناقض) و(المفسد) و(المبطل) ونحو ذلك.
وأهم من كل ذلك أن اللفظ نفسه قد يكون له عدة معانٍ بحسب السياق المستعمل فيه، فلا بد أن يراعي الباحث ذلك، وذلك بفرز المواطن التي استعمل فيها هذا المصطلح وفصل مواضع كل معنى منها على حدة، وهذا يتبين بأمور كثيرة ليس هذا موضع بسطها؛ منها مراعاة الفن، ومنها مراعاة النقيض، إلخ؛ فمثلا مصطلح (القضاء) قد يستعمل مع مصطلح (الأداء) فيكون له معنى معين، وقد يستعمل في المحاكم ونحوها فيكون له معنى آخر يتعلق بالقاضي، وقد يستعمل مع مصطلح (القدر) فيكون له معنى ثالث، وهكذا.

الخطوة السابعة:
يستطيع الباحث بعد إنهاء الخطوات السابقة أن يضع عدة محاولات لألفاظ التعريف مع محاولة اتباع منهج العلماء السابقين في وضع التعريفات، ولا سيما العلماء الذين عرفوا بالتدقيق في التعريفات؛ كابن عرفة في مختصره، ومع اعتماد القواعد المعروفة في هذا الفن؛ مثل (التعريف بالجنس والفصل) وهو ما يسمى بالحد أو (التعريف بالجنس والخاصة) وهو ما يسمى بالرسم؛ كما قال في السلم المنورق:
فالحد بالجنس وفصل وقعا … والرسم بالجنس وخاصة معا
وعند وضع كل محاولة لا بد من اختبارها، وذلك بالنظر في الاطراد والانعكاس؛ إذ لا بد في التعريف أن يكون جامعا لكل ما يدخل فيه، وأن يكون مانعا لكل ما لا يدخل فيه، وإلا لم يصلح أن يكون تعريفا، كما قال في السلم:
وشرط كل أن يرى مطردا …. منعكسا وظاهرا لا أبعدا
ولا مساويا ولا تجوزا … بلا قرينة بها تحرزا
فيتدبر الباحث ألفاظ كل تعريف ويتأمل بعض أفراده؛ فإن وجدها تدخل في التعريف فبها ونعمت، وإن وجد بعضها لا يدخل في التعريف أعاد المحاولة، وكذلك يختبر التعريف بإيراد أفراد لا تدخل فيه، فإن وجد التعريف يشملها أعاد المحاولة، وهكذا حتى يصل إلى صيغة مناسبة.
وكل هذا يفيد الظن الراجح فقط كما لا يخفى، ولذلك اشتهر عند العلماء قديما وحديثا تعقب بعضهم بعضا في ألفاظ التعريفات وما فيها من التدقيقات والاحترازات.

ومن المهم أن نعرف أن كثيرا من الباحثين يجتهد في مثل هذه الأحوال ويحاول أن يعرِّف المصطلح تعريفا من عنده اجتهادا منه، بل بعضهم يفعل أحيانا ذلك حتى في المصطلحات المعرَّفة من قبل؛ إذا كان هو لا يرتضي هذه التعريفات، ولا يرى أن أحدها يصفو من كدر، فيرى أن الصواب هو أمر مركب منها وربما من غيرها أيضا.
لكن الإشكال أن هؤلاء الباحثين لا يسيرون في هذه التعريفات الاجتهادية على المنهج المتبع عند العلماء في التعريف، ولذلك ترى تعريفاتهم غالبا طويلة وغير محررة اللفظ.
هذا فضلا عن أنهم يفعلون ذلك بمجرد التذوق، ولا يسيرون على منهج واضح ومحدد المعالم؛ مثل هذا المنهج المقترح.

وبعض العلماء المتأخرين المحققين تجدهم في مثل هذه المضايق المتعلقة بالمصطلحات يذكرون التعريف المرتضى عندهم حتى وإن لم يكن مأخوذا من كلام أحد العلماء، ويبينون المقصود بكل كلمة من التعريف، وسبب الاحتراز ومتعلقه، فينبغي للباحث أن يستفيد من هذه الجهود، لكن الإشكال أنها متناثرة هنا وهناك، فيصعب جمعها لتشعب تخصصاتها وتباعد أماكنها، فبعضها تجده في المجلات القديمة، وبعضه في غير مظنته ضمن كتاب متخصص أو بحث مطول، فينبغي للباحثين أن يتعاونوا في مثل هذه الأمور ويساعد بعضهم بعضا في ضم النظير إلى نظائره.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.