حصريا

إدارة مؤسسات الوقف الجزائرية بتطبيق تكنولوجيا البلوكتشين

0 279

إدارة مؤسسات الوقف الجزائرية بتطبيق تنكولوجيا البلوكتشين

د. محمد غزال، د عبد القادر لعلام/ الجزائر

 

المقدمة:

منذ فجر الإسلام الأول، حظي الوقف بمكانة خاصة في المجتمعات الإسلامية لدوره الهام في تنمية البلدان والأمصار. فبمرور الوقت ونتيجةً لعوامل عدة، أشكل على العديد من البلدان المسلمة، الإدارةُ الكُفؤة للأملاك الوقفية، فمع كثرتها واتساع رقعتها إلا أن العديد منها غير مقيد لدى الهيئات والمؤسسات الوقفية، وهي تعد بملايير الدولارات، كما أن العديد منها معطل لأسباب مختلفة ممَا يحدُ من انتاجيتها ومردودها، الأمر الذي جعل من قطاع الوقف أحد أهم القطاعات الخيرية خمولاً، وهذا ما انعكس سلباً على الجانب الإجتماعي والاقتصادي للمسلمين عامة وللفقراء منهم خاصة. فالإدارة الحسنة للمؤسسات الوقفية تتطلب جهداً ودراية، فضلاً عن السيولة اللازمة حتى يتسنى التسيير الكُفء للأصول الوقفية. فمؤسسات الأوقاف كغيرها من المؤسسات المالية الاسلامية المجتمعية تواجه جُملة من الصعوبات والتحديات التي تحولُ دون أداء العمل المنوط بها، فضلاً عن عرقلة تطوير أصولها. ومن أمثلة ذلك الإشراف المباشر للدولة على إدارة الأوقاف، قلة السيولة و شح التمويل، انعدام الشفافية ومتابعة الحسابات.

ومن أهم العناصر التي تشرف على إدارة الأوقاف الناظر أو المتولي أو القيّم وقد يقوم الواقف بإدارة الوقف بنفسه خلال فترة حياته نظراً لانعدام الثقة في تسيير الجهات الوصية، فعنصر الثقة يبقى من الاشكالات الكبرى في قطاع الوقف، علاوة على قلة المستثمرين المحتملين في مشاريع الوقف. وهذا ما يؤثر على الاستغلال الأمثل للأصول الوقفية وتنميتها لضمان استمراريتها ونمو عوائدها وشمول نفعها للمستحقين. و من هنا يتجلى دور التكنولوجيا الحديثة التي ظهرت مع  الثورة الصناعية الرابعة، وخاصة تقنية البلوكتشين (Blockchain) التي يمكن أن تفيد الوقف بشكل كبير، وذلك بتوفير حلول تقنية سهلة وآمنة لإدارة الوقف باستخدام واجهة إدارية تستعمل التكنولوجيا الحديثة المدعمة بتطبيقات ولوغاريتمات وعقود ذكية(Smart contracts)  تستعمل خصيصا من قبل أصحاب منصات التمويل الجماعي(Crowdfunding) . وهذا يؤدي إلى إضفاء مستوى معين من الشفافية والمسؤولية والثقة بين الأفراد والمؤسسات وتوفير الحماية اللازمة للمستثمرين المعنيين عن طريق السماح لهم وجميع أصحاب المصلحة بالولوج إلى منصات الوقف تشين (Waqfchain) قصد الاطلاع على جميع مراحل إدارة أصول الوقف.

ولعل من أهم المنصات الحديثة التي أطلقت لتوظيف التكنولوجيا الحديثة في ميدان الوقف هي شركة فانتايرا  (Finterra) والتي تم الإعلان عنها في مارس 2018 في منتدى كوالالمبور العالمي للوقف والبلوكتشين، بالإضافة إلى تدشين منصة وقف تشين  كأول مبادرة لدمج وتوأمة البلوكتشين مع التمويل الإسلامي، حيث عقدت هذه المنصة مجموعة من الاتفاقيات لتنمية الأصول الوقفية في كل من الهند وبعض البلدان المسلمة الأخرى باستعمال آلية التمويل الجماعي(Crowdfunding) ،وكسائر البلدان المسلمة، تعاني الجزائر هي الأخرى من نقص كبير في إدارة أصول الوقف رغم وجود كم هائل من الأراضي الوقفية، والتي مازالت تحت طائلة النسيان وعدم الاستغلال الحسن لها. ومن خلال ماسبق، يمكن تصور التساؤل التالي لهذا البحث، ما الذي يمكن فعله لتطوير آليات إدارة المؤسسات الوقفية تزامنا مع ظهور تكنولوجيا البلوكتشين الحديثة؟

وبناءً عليه، يمكن بلورة الأسئلة الفرعية لهذا البحث على النحو الآتي:

  • ماهو دور مؤسسات الوقف في تنمية الأصول الوقفية؟
  • ماهو مفهوم وآلية عمل تقنية البلوكتشين؟ وهل يوجد تطبيق عملي لاستخدامها وتطبيقها في ميدان الوقف؟
  • هل بإمكان مؤسسات الوقف الجزائرية تخطي العقبات والتحديات التي تواجهها باستخدام تقنية البلوكتشين؟

هدف البحث: يهدف هذا البحث لدراسة جدوى إدارة مؤسسات الوقف الجزائرية باستخدام تقنية البلوكتشين.

منهجية البحث:

تبنى هذا البحث المنهجية النوعية للاستقصاء في الإجابة عن أسئلة وأهداف الدراسة، فضلاً عن استخدام الدراسات السابقة في تحليل واقع وآفاق المؤسسة الوقفية. أجرى الباحثون مقابلات مفتوحة مع خمسة خبراء حول الأوقاف والبلوكشين من مؤسسة فيانتارا و مدراء الأوقاف في الجزائر، بالإضافة إلى إشراك بعض الأساتذة المتخصصين في مجال الوقف. حيثُ تم اختيار هؤلاء الأفراد بناءً على خبرتهم ومشاركتهم في مختلف مجالات تسيير وإدرة الأوقاف. يميل الباحثون إلى دمج وجهات نظرهم في تحليل واقع الأوقاف في الجزائر قصد طرح آفاق تطويرية لهذا القطاع الحساس مستقبلا. تم إجراء المقابلات باللغتين الإنجليزية والعربية وتراوحت مدتها من 15 إلى 25 دقيقة، كما تم إبلاغ المشاركين أن المقابلات ستحضى بسرية تامة وسيتم تسجيلها للسماح بنسخها في وقت لاحق.

وللوصول الى الهدف المنشود أعلاه، تم تقسيم هذا البحث للمحاور المبينة أدناه:

أولا: إدارة مؤسسات الوقف؛

ثانيا: تكنولوجيا البلوكتشين والإدارة الفعالة لأصول الوقف؛

ثالثا: المؤسسات الوقفية في الجزائر واستخدام تكنولوجيا البلوكتشين؛

الخاتمة والتوصيات.

أولا: إدارة مؤسسات الوقف

1.     تعريف الوقف:

إن الوقف في اللغة هو الحبس عن التصرف، وفي الاصطلاح الشرعي هو تحبيس الأصول والأموال وتسبيل منافعها على الجهات الموقوف عليها، أما في المفهوم الاقتصادي فقد عرفه الدكتور منذر قحف بقوله: بأنه تحويل للأموال عن الاستهلاك واستثمارها في أصول رأسمالية إنتاجية  تنتج المنافع والإيرادات التي تستهلك جماعيا أو فرديا[1].

2.     مكانة الوقف في المجتمع: اقتصاديا واجتماعيا

يؤدي الوقف دورا مهما إذا استعمل واستغل بالوجه المطلوب في المجالين الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء.

2-1          دور الوقف في التنمية الاقتصادية:

يساهم الوقف في التخفيف من النفقات التي تثقل كاهل الدولة، فضلاً عن التكفل بالعديد من المشاريع التنموية في المناطق النائية والتي تتطلب وقتاً طويلاً حتى يتسنى للدولة القيام بها. يُسهم الوقف في العملية الانتاجية وفي تمويل التنمية وتوفير فرص العمل والتخفيف من عجز الموازنة وتنشيط التجارة الداخلية والاقتصادية والبنية التحتية في الكثير من المناطق، كما يعمل الوقف على إيجاد مصادر دخل للفقراء والمساكين والعاجزين عن العمل والأرامل والأيتام وغيرهم من المحتاجين، مما يحسن مستوى المعيشة الاقتصادية للأفراد. يعتبر الوقفُ فرصةً مثلى لتنمية الرأس المال البشري الذي يشكل الطاقات العاملة المتخصصة في المستقبل على غرار وقف الجامعات مما ينعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية ومثاله جامعة هارفارد[2].

2-2          دور الوقف في التنمية المجتمعية:

يعمل الوقف على المساهمة في تقليل الفروقات المجتمعية بين أفراد المجتمع الواحد عن طريق استغلال عوائد أصول الأملاك الوقفية أو استعمالها، الأمر الذي يُسهم في تحقيق الاستقرار والأمن المجتمعي للأفراد؛ للوقف ميزة تنموية فريدة تخوله أن يكون عنصراً فعالاً في تمويل مختلف القطاعات الضرورية لحياة الأفراد كالمدارس والسكنات ودور الحضانة والمستشفيات ودور كفالة اليتامى والفقراء[3].

3.     إدارة المؤسسات الوقفية

يعدُ العمل المؤسسي شرطاً رئيساً لنجاح أي كيان أو منظمة، كما أنَ العمل الجماعي يعتبر ميزة الُمجتمعات المتقدمة ولا يستطيع الأفراد أن يعملوا منفصلين عن بعضهم البعض، فالإدارة هى عملية تحقيق الأهداف التنظيمية بكفاءة وفاعلية من خلال أربعة عناصر أساسية تتمثل في التخطيط والتنظيم والقيادة ورقابة الموارد التنظيمية. وعليه فإنه من الضروري عند تأسيس المؤسسات الوقفية الاهتمام بشكل كامل بهذه العناصر الأربعة وبنائها بالشكل اللائق والمناسب حتى تتمكن المؤسسات الوقفية على الاستمرار في أداء واجباتها على الوجه الذي يرضي ويحقق طموح الواقفين .

للمؤسسات الوقفية بيئة تحيط بها كغيرها من المؤسسات العاملة في مختلف القطاعات. فبالاضافة إلى البيئة الخارجية والتي تشمل عادةً المنافسين والعملاء والمستفيدين وغيرهم، تتكون البيئة الداخلية للمؤسسة الوقفية عادةً من؛ المدخلات والمخرجات والعمليات الداخلية، فضلاً عن التغذية الراجعة. ويوضح النموذج أدناه بيئة عمل المؤسسات الوقفية:

 

شكل رقم 1: النموذج العام للمؤسسات الوقفية[4]

 

ويتكون هذا النموذج من العناصر الآتية[5] :

  • البيئة الخارجية : وهي عبارة عن الفرص والتهديدات المحيطة بأعمال المؤسسة الوقفية، حيث يلزم المؤسسين لأي مؤسسة وقفية دراسة وتحليل الفرص المتاحة والتي تخدم أنشطة وأعمال المؤسسة، وكذلك دراسة وتحليل التهديدات التي قد تعترضها أو تؤثر سلبا على أعمالها وأنشطتها، ثم تحديد أهداف المؤسسة الوقفية التي تتماشى مع تحليل البيئة الخارجية .
  • المخرجات : ويقصد بها الأهداف التنظيمية للمؤسسة الوقفية سواء كانت أهدافاً استراتيجيةً بعيدة المدى أو أهدافاً تشغيليةً واجبة التحقق خلال سنة مالية واحدة، وأول ما يشترط على القائمين على المؤسسة الوقفية القيام به، التحديد الدقيق لهذه المخرجات بحيثتبقى الأهداف المتوقعة قابلةَ التحقيق لاعتبارات كثيرة منها قدرة المؤسسة على توفير المدخلات وضمان استمرارية طريقة العمل والتشغيل في المؤسسة، فضلاً عن قدرة النظام العام على إنجاز هذه الأهداف .
  • المدخلات : والمقصود منها الأدوات والإمكانيات التشغيلية سواءً كانت مادية أو مالية أو بشرية أو غيرها؛ مما يساعد القائمين على المؤسسة في تحقيق أهدافها العامة، وجدير بالذكر أنه عندما لا تتوفر المواد والإمكانيات اللازمة فإنه يلزم إدارة المؤسسة إعادةُ النظرفي المخرجات وإعادة صياغتها وفق الإمكانيات المتاحة.
  • العمليات الداخلية : وتشمل طريقة التشغيل للمؤسسي من خلال الإدارات واللجان المعتمدة في الهيكل التنظيمي، وعلى مجالس النظارة مراقبة العمل وفق النظام والأدلة الإجرائية واللوائح النظامية، ودراسة الإنحرافات المالية والإدارية وعلاجها في الوقت المناسب.
  • التغذية الراجعة : وتكون عادةبعد نهاية السنة المالية، حيث يجتمع مجلس النظارة للنظر في الميزانية العمومية للمؤسسة والتقرير التشغيلي الختامي الذي تعده الإدارة التنفيذية، فضلاً عن تحديد نقاط القوة والضعف في أداء المؤسسة ثم اتخاذ القرارات التصحيحية التي تدعم طريقة العمل الكُفأة للمؤسسة الوقفية.

4.     تحديات إدارة المؤسسات الوقفية

مع نهاية القرن الماضي وما شهده من ظهور وانتشار التمويل الإسلامي وحلوله في كثير من البلدان كوسيلة بديلة للمعاملات الربوية التي تقدمها المؤسسات المالية التقليدية، كان الوقف ومازال يكافح من أجل استعادة مجده الضائع ودوره في الحد من الفقر وتوزيع الثروة بين أفراد المجتمع، فضلاً عن المساهمة في الحياة الاقتصادية في كثير من المجتمعات. يعتبر الوقف في وقتنا الراهن معطلاً وخاملاً مقارنة على ما كان عليه آنفاً لأسباب عديدة. فأكثر المؤسسات الوقفية الحالية المنتشرة في العديد من البلدان العربية والاسلامية تقبع تحت الوصاية المباشرة للدولة والمتمثلة في وزارة الأوقاف، مما يقوّض من استقلالية قراراتها و أداء الدور المنوط بها على الوجه الأمثل. فعلى سبيل المثال، تعاني أكثر مؤسسات الوقف الخاضعة للتسيير المباشر من قبل وزارة الأوقاف من نقص في البيانات وأنظمة المحاسبة الشاملة والسجلات التاريخية لأصول الوقف، بالإضافة إلى قدم أنظمة التوثيق والتسجيل.

كما أن إدارة الأوقاف في الكثير من الأمصار تعتبر في غاية المركزية مع عدم قدرة القوى العاملة في المؤسسات الوقفية على تسيير الممتلكات الوقفية لتنوعها واختلافها، فضلاً عن نقص الكفاءة التنظيمية والإدارية لدى المؤسسات الوقفية لأداء مهامها على أحسن وجه. ومما يزيد الأمر تعقيداً، قلة الوعي المجتمعي فيما يخص الوقف وأهميته في دعم التنمية الإجتماعية و الاقتصادية، أضف إلى ذلك، الاستغلال غير القانوني سواء من المؤسسات أو الأشخاص لأصول الوقف، وسهولة الاعتداء على ممتلكات الوقف لعدم وجود آلية تتبع فاعلة لأصوله في العديد من الأمصار، كما أن العديد من المؤسسات الوقفية تعاني من عدم الكفاءة التشغيلية للأصول الوقفية لعدة أسباب منها؛ ضعف إدارة الوقف في التوجيه الأمثل في استغلال أو استثمار هذه الأصول و قلة السيولة والتمويل، بالإضافة إلى ضعف تأهيل ناظري الوقف و نقص الرقابة الشرعية التي تتبع  عمليات استغلال واستثمار الأصول الوقفية[6].

ثانيا: تكنولوجيا البلوكتشين والإدارة الفعالة لأصول الوقف

قبل الحديث عن امكانية تطبيق البلوكتشين في مجال الوقف، وجب ابتداءً التعرف عن ماهية هذه التكنولوجيا وفوائد عملها وفهم سُبل تشغيلها. يتطرق هذا المحور لمفهوم البلوكتشين وماذا يمكن أن يضيفه لمجال تسيير المؤسسات الوقفية إستنادًا لتجربة مؤسسة فانتايرا(Finterra)في إدارة الأوقاف.

1.     ماهية البلوكتشين (Blockchain)

ابتداءًا، تعتبر تقنية الـبلوكتشين القاعدة الأساسية التي أسهمت في ظهور عملة البيتكوين[7] المشفرة، إحدى أشهر العملات المساعدة أو الافتراضية (Cryptocurrency)على الإطلاق، ولم تكن هذه التقنية متطورة بالقدر المعروف حالياً لدرجة أن الكثيرين لا يفرقون بين استخدام الـبلوكتشين الذي يتجاوز العملات الافتراضية وبين هذه الأخيرة. وجاء في المقال الأول الذي نشره ساتوشي ناكاموتو -Satoshi Nakamoto- في أكتوبر 2008، والذي طرح مفهومًا جديدًا يعتمد على ربط الأصول الرقمية خاصة النقود الرقمية المشفرة بنظام الدفع بين الأقران في ورقته البحثية الشهيرة “Bitcoin: A Peer to Peer Electronic Cash System[8]“.

البلوكتشين أو ما يعرف بتقنية السجلات الموزعة Distributed LedgerTechnology”(DLT)”، عبارة عن قاعدة بيانات افتراضية تحافظ على دفتر يشبه دفتر الأستاذ )في علم المحاسبة(، موزع على جميع من يستعمل هذه القاعدة. حيثُ يقوم هذا الأخير بتخزين ومراقبة جميع تواريخ المعاملات التي تتم بين المستخدمين أو الأقران(Peer to Peer)الذين يتصلون بالشبكة. وكتعريف تقني، يعتبر الـبلوكتشين نظام توزيع عن طريق دفاتر الأستاذ بين نظير لآخر باستخدام برنامج حاسوبي[9]. ويُعرف أيضاً على أنه “قاعدة بيانات تتكون من حزم أو مجموعة من المعاملات مرتبة ترتيبًا زمنيًا تعرف باسم الكتل”، والتي يمكن من خلالها اختبار صحة أية معاملة مقترحة مع ضمان سلامتها. وتتميز كل معاملة يتم إدخالها في قاعدة البيانات الـبلوكتشين، بأنها غير قابلة للتغيير أو حتى محوها. تحتوي تقنية البلوكتشين على خاصيتين مميزتين؛ الأولى كونها عبارة عن شبكة موزعة في جميع أنحاء العالم، أما الثانية فهي تتميز بأنها قاعدة بيانات مشفرة. من الناحية النظرية، فإن تقنية البلوكتشين لديها القدرة على استبدال المعاملات المبنية على الثقة يبن الأطراف بتلك التي تستند إلى قواعد محددة رياضيا وفق هندسة البرمجيات والحوسبة التوزيعية وعلم التشفير وتطبيقها عمليا بدون وساطة من جهة معينة[10].

2.     ماهية العقود الذكية (Smart contracts)

ظهرت العقود الذكية كطريقة مبتكرة وجديدة في إبرام العقود لكي تكون بديلا عن العقود القديمة التي تتطلب وجود العديد من الأطراف والقوانين بين المتعاقدين. هناك العديد من التعاريف للعقود الذكية حسب نوعية العقود واستخدامات التكنولوجيا و البلوكتشين[11]. ووفقًا لما قاله Nick Szabo في مقالته “العقود الذكية” التي نشرت سنة 1994، حيث قدم تعريفًا بسيطًا مفاده أن العقد الذكي هو عبارة عن مجموعة من الوعود، المحددة في شكل رقمي، بما في ذلك البروتوكولات التي تؤديها الأطراف بموجب تلك الوعود[12]. وتميز هذا التعريف بأنه غير واضح فيما يتعلق بالعقود الذكية وكيفية أدائها الآلي[13]. أما في الوقت الحالي فقد قدم ButerinVitalik معنى حديثًا للعقود الذكية باعتبارها صناديق “تشفير” تحتوي على قيم، وتفتح فقط في حالة استيفاء شروط معينة.

عملياً، يعتبر العقد الذكي مجرد برنامج حاسوبي يتحكم في شروط وأحكام المعاملة، وينفذها حال حصول أحداث محددة مسبقًا عندما يتم ترميز العقد الذكي وإدخاله في البلوكتشين، بحيث يعتبر هذا العقد غير قابل للتغيير ويعمل وفقًا لتعليماته المبرمجة مسبقاً[14].

3.     فوائد تقنية البلوكتشين

من أهم مزايا وفوائد تقنية البلوكتشين:

  • معدلات انجاز العمليات في الثانية كبير، مما يسمح بسرعة بناء الكتل والإعتراف بها من قبل الحواسب الأخرى المشتركة في نفس قاعدة البيانات[15] ؛
  • التسجيل الآني للعمليات والكتل، حيث أن جميع الدفاتر الموزعة على الحواسيب يتم تحديثها تلقائيا وقت قبول الكتلة الجديدة في الـبلوكتشين بشكل آلي[16]؛
  • خاصية الأمان في شبكة البلوكتشين، حيث أن أحد نقاط قوة البلوكتشين وجود السجلات أو الدفاتر موزعة على مجموعة كبيرة من الحواسيب مما يجعل عملية القرصنة الالكترونية على الشبكة عملياً شبه مستحيل[17]؛
  • السرية و عدم كشف هوية المستخدمين، حيث توفر تقنية البلوكتشين السرية في اتمام المعاملات وعدم معرفة محتوى المعاملات من قبل الأطراف الأخرى في الشبكة وحتى هوية المتعاملين يمكن أن تبقى مجهولة[18]؛
  • تقنية البلوكتشين هي عبارة عن برامج حاسوبية تسمح للأطراف بتتبع الأوامر بحسب القواعد الشرطية، مثاله: إذا كان كذا، فافعل كذا أو العكس[19]؛
  • عدم قابلية بيانات سلسلة الكتل للتغيير، حيث تعتبر الكتلة المضافة إلى هذه السلسة ثابتة ولا يمكن في أي حال من الأحوال تغييرها أو الرجوع اليها في وقت لاحق وتغييرها.

4.     كيفية عمل البلوكتشين

تم ابتكار تقنية البلوكتشين قصد إجراء المعاملات المالية بشكل مجاني وسلس بين الأطراف المشتركة في قاعدة البيانات الافتراضية في جو من الأمان والثقة. وليتم تشغيل هذه التقنية يجب توفر مجموعة من الحواسيب، وجود سجل على الشبكة موزع بين جميع الأطراف لإحتواء جميع العمليات، واستحداث عمولة محفزة لبناء سلسلة الكتل بالإضافة الى عنصر الأمان والثقة. وتتم هذه العمليات كما يلي:

  • عمر يريد أن يرسل نقود الى زيد؛
  • تظهر المعاملة على شبكة البلوكتشين في شكل كتلة؛
  • الكتلة الجديدة تنشر على جميع الأطراف المشتركة في الشبكة؛
  • تقوم الحواسيب الأخرى على الشبكة بعمل تحفيزي من أجل إضافة هذه الكتلة الجديدة الى سلسلة الكتل؛
  • بعدها يتم اضافة الكتلة الى سلسلة الكتل وتصبح كتلة شرعية لا يمكن تغيير البيانات التي تحتويها ويتم الموافقة على صحة هذه العملية من قبل باقي الأطراف؛
  • في الأخير تتجسد المعاملة وتنتقل النقود من عمر الى زيد.

5.     إدارة الوقف عن طريق تكنولوجيا البلوكتشين

مع التطورات المستمرة في الهيكلة المالية والتكنولوجية التي يشهدها قطاع التمويل الإسلامي والإجتماعي في الآونة الأخيرة، يشهد بدوره قطاع الأوقاف كذلك محاولات جادة للنهوض بهذا القطاع الحساس في دول عدة، والذي يشهد خمولا ونقصا فادحا في آلية تسيير أصوله وكيفية استثمارها بما يحقق الشفافية لجميع الأطراف. فمع ظهور تقنية البلوكتشين أمكن بعض الجهات تطبيقها واستثمارها في مجال إدارة أصول الوقف، كمنصة فانتايرا(Finterra).

4-1          نشأة منصة فانتايرا Finterra)) لإدارة الوقف

تعتبر فانتايرا (Finterra) مؤسسةً رائدةً في مجال التكنولوجيا المالية، حيث تتخذ من دولة سنغافورة كمقر لها. تأسست مؤسسة فانتايرا سنة 2017، كما أن لها مكاتب في دول عدة كماليزيا وهونغ كونغ والإمارات العربية المتحدة، وهي في طور التوسع لتشمل المزيد من الدول في أفريقيا والشرق الأوسط. حيث تعمل هذه المؤسسة على تبني تقنية البلوكتشين كحل لتعقيدات القطاع المالي. كما تتمثل رؤية  فانتايرا (Finterra) في أن تصبح مؤسسةً رائداةً عالمياً في مجال الخدمات الحديثة للتكنولوجيا المالية من خلال توفير حلولٍ اجتماعية تستند أساساً على تقنية البلوكتشين. وتلتزم مؤسسة فانتايرا Finterra)) بمهمة الترويج للتمويل الإجتماعي الاسلامي من خلال الوساطة المجتمعية باستخدام التكنولوجيا، وهذا بتوفير رؤوس الأموال لإستثمارها في قطاع الأوقاف، فضلاً عن إدارة أصول الأوقاف وتطويرها[20].

وتم الإعلان الرسمي عن عمل المنصة خلال المؤتمر الدولي حول تكنولوجيا البلوكتشين والوقف الذي انعقد في كوالا لمبور مارس 2018. حيث اُعتبرت منصة (Finterra Waqf-chain)أولَ منصة مختصة في استخدام تقنية البلوكتشين في تنمية أصول الوقف.

4-2          فوائد استخدام البلوكتشين في الوقف

يمتلك العالم الإسلامي إمكانات هائلة وفرصاً استثماريةً كبيرةً في مجال الوقف قابلة للتطوير. فبغض النظر عن التحديات والمعوقات القانونية والمالية التي عانى منها هذا القطاع لعشرات السنين، مما نجم عنه تعطيلَ أعدادٍ هائلةٍ من أصول الوقف في كافة أنحاء العالم الإسلامي، والتي كان بإمكانها الحد من مستويات الفقر لو اُستعملت وسُيريت التيسير الأمثل. وفي الوقت الراهن، وتزامناً مع ظهور تقنية البلوكتشين التي جلبت حلولاً مثلى يمكن توظيفها في إدارة الوقف، حريٌ بالدول الإستفادة من هذه التقنية والتي يمكن إيجاز فوائدها في النقاط الآتية[21]:

  • التسيير الفعّال لأصول المؤسسة الوقفية في جو منالشفافية والثقة، يسمح لجميع أصحاب مصلحة الوقف كالناظر، والواقف والمستثمر في ميدان الأوقاف وغيرهم، بتتبُع جميع العمليات من خلال تقنية البلوكتشين.
  • إمكانية تطوير واستحداث طرق تسيير مثلى تتماشى مع طرق الابداع التكنولوجية المختلفة في استثمار الأموال بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، مما يترتب عليه عوائد اقتصادية و اجتماعية تُسهم في تنمية الأوقاف.
  • إمكانية توفير السيولة والتمويل اللازم للمشاريع الوقفية وصيانتها من خلال تجميع الأموال بتقنية البلوكتشين[22].
  • تسهيل عمليات تسييرالحسابات والتبرعات والتسجيل وتوثيق الأراضي الوقفية، فضلاً عن الإسهام في تقليل مشكل المنازعات حول الأملاك الوقفية من خلال خاصية ضمان عدم تغيير المعلومات المسجلة على شبكة البلوكتشين[23].

4-3          مزايا انشاء منصة وقف شين (FinterraWaqf-chain)

من أهم المزايا التي تقدمها هذه المنصة للمستثمرين مايلي[24]:

  • تخزين وثائق كل مشروع وقفي حقيقي بشكل دقيق وعلني لجميع أصحاب المصلحة من أجل الاطلاع والمراجعة؛
  • تحتوي على واجهة بسيطة لتقديم مقترحات المشاريع وإدارتها والمساهمة فيها أيضا؛
  • المساهمة في المشاريع وتنظيم عملية تصويت أصحاب المصلحة، حيث أن الشروط الخاصة بهم لايمكن تغييرها ولا تعديلها كونها مبنية على العقود الذكية، ولا يتم ذلك إلا بإتفاق جميع الأطراف؛
  • تضمن هذه المنصة الشفافية في تسيير المشاريع من خلال امكانية تحميل الوثائق الحيوية وتخزينها علنا، وبطريقة موزعة على جميع الأطراف وغير قابلة للتغيير على نظام IPFS.
  • تعمل هذه المنصة وفق عقود ذكية تسمح بتوزيع الرموز، (Tokens) وايرادات المشروع، والتعامل مع أي طارئ بشكل تلقائي مع الأطراف المتدخلة.

4-4          آلية عمل (FinterraWaqf-chain)

تتميز منصة Finterra Waqf-chainبخاصية تجميع الأموال من المستثمرين وتوجيهها إلى المشاريع الوقفية، حيث يوضح الشكل أدناه هذه الآلية:

شكل رقم 2: آلية عمل منصة Finterra Waqf-chain[25]

وتتم هذه العملية وفق الخطوات التالية[26]:

  • تحدد مؤسسة الأوقاف أو الوزارة المكلفة بتسيير الأوقاف، الأصل الوقفي أو الأرض الوقفية المخصصة لإنشاء المشروع الاستثماري؛
  • تقوم المؤسسة الوقفية أو من ينوب عنها بإعداد المخطط التنموي الخاص بالمشروع المراد إنجازه شرط احتوائه جميع التفاصيل؛ كدراسة جدوى المشروع، مدى صلاحية الأصل الوقفي للاستثمار، تصميم البناء، تكلفة المشروع، مدى تحقق الربح من الخسارة، الالتزامبطريقة التمويل الموافقة لأحكام الشريعة، والمناسبة لخصائص الأصل الوقفي، وغيرها.
  • الاستعانة بمدقق مالي مستقل قصد مراجعة صحة البيانات المقدمة في دراسة جدوى المشروع والمصادقة عليها.
  • إخطارإدارة الصندوق المالي قصد الشروع في الإصدار الأولي للعملة المشفرة[27] (Initial Coin Offer)، من أجل الشروع في عمليةتجميع الأموال اللازمة للمشروع الوقفي عن طريق بيع الرموز المشفرة CryptoToken)) إلى المستثمرين المعنيين عالميا.
  • تقوم شركة فانتايرا ((Finterraعن طريق منصة وقف تشين بإصدار الرموز المشفرة للمستثمرين المعنيين مقابل جمع الأموال اللازمة، والتي توضع في حساب مضمون، على أن تعطى للمستثمرين المعنيين حرية اختيار الأدوات المالية الاسلامية الاستثمارية كالوقفالنقدي، وقرض الإسلامي، والمضاربة، والصكوك وغيرها.
  • حال اكتمال جمع المال المطلوب، تتفق إدارة الصندوق مع شركة تعمير لتقوم مقامها في بناء وتطوير المشروع الوقفي.
  • حال اكتمال المشروع، تعيّنُ إدارة الصندوق، إدارةً خاصة بتسييرالمشاريع وصيانة أصولها.
  • تعمل إدارة الصندوق على جمع المداخيل والأرباح المحققة من الأصول الوقفية.
  • توزع إدارة الصندوق الإيرادات المجمعة على المستثمرين وفق أداة الاستثمار المستعملة والمطابقة للأحكام الشرعية والشروط الأساسية.
  • يتم سحب الرموز (Tokens)منالمستثمرين وإرجاعها إلى جهة الإصدار والتي تكون عادة إدارة الصندوق.

ثالثا: المؤسسات الوقفية في الجزائر

1.     نبذة تاريخية عن الوقف في الجزائر

يمكن دراسة تاريخ الأوقاف في الجزائر استناداً لثلاثة مراحل تاريخية:

1.1 الحكم العثماني:

والذي تميز بإزدهار الوقف وتنوعه وانتشاره ليشمل جميع مجالات الحياة المهمة سواءً الإقتصادية أو الإجتماعية وحتى العسكرية.كما تجدرا لإشارة إلى أهمية التعايش الطائفي بين المذهب الحنفي والمالكي إبان الحكم العثماني في تطور الأوقاف نظراً للمرونة التي يتميز بها المذهب الحنفي في بعض الجوانب، حيثُ تبنت هذا الأخير السلطة المركزية التي تولت مسؤولية القضايا السياسة المتعلقة بالحكم والعقيدة، أما المذهب المالكي فقد كان مطبقاً للفصل في الشؤون المحلية لسكان الجزائر، حيثُ نتج عن هذا التعايش تطور وإزدهار الأوقاف لدرجة ظهور كيانات ومنظمات وقفية ذات طابع ديني، وشخصية قانونية إعتبارية، وإدارة مستقلة، كمؤسسة أوقاف الحرمين الشريفين، ومؤسسة سبل الخيرات الحنفية، ومؤسسة أوقاف الأندلسيين، أوقاف بيت المال، ومؤسسة أوقاف المسجد الأعظم إلخ[28].

2.1   الإستدمار الفرنسي:

تميزت مرحلة الإستدمار الفرنسي لأرض الجزائر بتدمير ممنهج لنظام الوقف بطرق شتى كالمصادرة وسن القوانين التي تقيد وتعيق عمل الأوقاف. حيثُ اعتبرت سلطة الإستدمار الفرنسي الأوقاف مصدر خطر يهدد سياساتها الإستعمارية والإستغلالية لمقدرات الشعوب، نظراً لما يمنحه هذا القطاع الحساس من استقلالية للأفراد في إدارة شؤونهم الخاصة وتنمية المجتمعات[29].

3.1  بعد الإستقلال:

لم يحضى قطاع الأوقاف بالأولوية والإهتمام اللازمين بعد إستقلال الجزائر، نظراً لتخبط البلاد في أزمات عديدة نتيجة سياسات المستدمر الفرنسي في شتى المجالات والميادين والتي صعَبت على أصحاب القرار مهمة تنظيم شؤون البيت الداخلي. وما زاد الطين بلة، مواصلة اعتماد القوانين الفرنسية في تسيير شؤون البلاد نتيجة الفراغ السياسي والإداري أنذاك [30]. بعدها توالت الحقب على الجزائر والتي تميزت هي الأخرى بتهميش هذا القطاع الحساس، كالقانون الزراعي، وتأميم الأراضي، ثم فترة العنف السياسي. عرفت مرحلة التسعينات بداية الإهتمام الفعلي بقطاع الأوقاف بعد صدور دستور 1989 والذي شكلَ بداية لحماية الأوقاف قانونياً، ومن تم شهدت المنظومة القانونية للأوقاف إصدار وسن مجموعة من القوانين الهادفهة لتفعيل وتنظيم واستثمار الأوقاف كقانون 90/10 و 07/01[31]. تجدر الإشارة إلى أن الجهود المبذولة من الدولة الجزائرية كانت منصبة على حصر وإستعادة الممتلكات الوقفية التي اندثرت وضاعت إبان فترة الإستدمر الفرنسي، حيثُ عُقدت آنذاك عدة مبادرات دولية داعمة لهذا التوجه، كمبادرة البنك التنمية الإسلامي بجدة وغيرها. حالياً، تعتبر الدولة الجزائرية الجهة الوصية على تسيير قطاع الوقف من خلال وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والمديريات الموجودة في مختلف ولايات الوطن.

3.     معيقات استغلال الوقف في الجزائر

استناداً للمقابلات التي أجريت مع العديد من خبراء الأوقاف، بالإضافة إلى مراجعة وتقصي أهم ما كتب حول الأوقاف في مختلف البلاد الإسلامية، يمكن تلخيص أهم معيقات استغلال الأوقاف في الجزائر وكذا باقي الدول الإسلامية في العناصر التالية:

  • قدم وضعف وعدم مرونة المنظومة القانونية للأوقاف، ممَا نتج عنه مشاكل أخرى كتطبيق أساليب استثمارية وتمويلية قديمة، واستحالة إعتماد التقنيات الحديثة كتكنولوجيا البلوكشين، و تفاقم مشاكل الحصر وتوثيق الأملاك الوقفية، فضلاً عن مشاكل المنازعات حول الأملاك الوقفية.
  • معضلة مركزية القرار في المؤسسة الوقفية، والتي تعتبر نتيجة عدم إستقلالية القطاع الوقفي أو المؤسسة الوقفية عن باقي قطاعات الشؤون الدينية. حيثُ تقيَدُ مركزية القرار السلطات والمهام داخل المؤسسات، فضلاً عن محاربة الإبتكار والتطوير[32].
  • قلة الإعتماد على التكنولوجيا، حيثُ تتميز جل المؤسسات الوقفية في العالم الإسلامي على الإدارة التقليدية.[33]
  • إنعدام روح وثقافة المنظمة أو المؤسسة، نتيجة مركزية القرار وتقييد السلطات وتشابك المهام نتيجة التبعية المباشرة لقطاعات الشؤون الدينية المختلفة.
  • نقص المعلومات وسوء نظم الاتصالات والتوثيق[34].

4.     حلول مقترحة لتفعيل ادارة المؤسسات الوقفية باستخدام البلوكتشين.

تتمثلُ ميزات تطبيق تقنية البلوكشين ومنصات التمويل الجماعية في ميدان الوقف إستناداً لرأي الخبراء، في تسهيل وضبط عملية توثيق الأوقاف والمساعدة في حل المنازعات، فضلاً عن ضمان الشفافية في صرف وتحصيل الموارد المالية. كما تشكل سبيلاً فعالاً مُحتملاً لحل مشاكل السيولة التي يعاني منها قطاع الأوقاف. ولتفعيل تقنية البلوكشين يتوجب القيام بما يلي:

  • تحديث المنظومة القانونية وما يتماشى مع استثمارات الأوقاف بالطرق الحديثة واستخدام البنى التحتية التكنولوجية.
  • استحداث وزارة الأوقاف، والتي تعنى بشؤون الوقف فقط وتندرج تحتها المؤسسات الوقفية، قصد تركيز المهام وتنظيمها بما يخدم مصالح الوقف المباشرة، والتي من شأنها تقليل التكاليف التشغيلية وترشيد الموارد الوقفية[35]. خير مثال يستشهدُ به في هاته الحالة طريقة عمل الأمانة العامة لأوقاف الكويت و المجلس الديني الإسلامي لدولة سنغافورة[36].
  • استحداث وزارة الأوقاف، سيفتح الباب أمام اعتماد كيانات ومؤسسات وقفية مختلفة تنشط في قطاعات مختلفة، مما سينتج عنه إستعادة الوقف لروح المنظمة أو المؤسسة والتي غيبت عنه بفعل عوامل متعددة كإشراف الدولة المباشر على هذا القطاع المرن والحساس، والذي يجب أن يكون في صورة مرافقة وإستشراف.
  • تفعيل دور الرأس المال العلاقاتي في مؤسسات الوقف الجزائرية، والذي من شأنه فتح باب العلاقات والتعاون مع الأطراف والمؤسسات الفاعلة في المحيط الخارجي للمؤسسة، والقضاء على عزلتها، سواء داخل أو خارج الوطن. وهذا لا يكون إلا بإستقلالية المؤسسات، واكتسابها لثقافتها التنظيمية الخاصة بها، فضلا عن البنية التحتية التشغيلية[37]. هذا من شأنه جلب القدرات والخبرات الناجحة لمؤسسات الوقف مما يسهم في إستعادة دورها الريادي في تنمية المجتمعات[38].
  • التواصل مع المؤسسات المختصة بالبلوكشين والتمويل الجماعي كفيانتارا من أجل تنصيب ووضع أسس عمل تقنية البلوكشين. تجدر الإشارة إلى أن تنصيب هاته التقنية يتطلب عدداً من العاملين لا يتعدون الخمسة أفراد، والذين بدورهم سيقومون بتدريب العمال على استخدام هاته التقنية مستقبلاً.

خاتمة:

كان الهدف من هذا البحث المعنون بـإدارة المؤسسات الوقفية في الجزائر بتطبيق تنكولوجيا البلوكتشين، دراسةُ ملاءمة استخدام هذه التقنية المبتكرة في الإدارة الفعّالة لمؤسسات الوقف، حيث تم التطرق من خلاله لمحاور عدة تدور أغلبها حول المؤسسات الوقفية ودورها في تنمية أصول الوقف، وأهم العوائق التي تحد من السير الحسن لهذه المؤسسات، فضلاً عن إيراد أهم فوائد استخدام تكنولوجيا البلوكتشين في إدارة اأصول الوقف بعد التطرق لمفهوم هذه التقنية، أخذاً بالاعتبار مؤسسة فانتايرا(Finterra) أنموذجاً، كأول منصةٍ تتبنى استثمارات الوقف من خلال أداة سلسلة الوقف (Waqf-chain) وآلية عملها. ختاماً، تم التطرق لمؤسسات الوقف في الجزائر، فضلاً عن إيجاز أهم المعيقات التي تواجهه عملها، ودراسة جدوى الاستفادة من تقنية البلوكتشين في حل مشاكلها. ويمكن إيجاز أهم نتائج هذه الدراسة في النقاط التالية.

1.     نتائج الدراسة:

  • يمكن للوقف أن يلعب دوراً فاعلاً في تنميةالقطاعين الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء إذا ما تم استغلاله على النحو المطلوب، مما قد يُسهم في التقليل من نسبة الفقر وسد حاجيات المواطنين في المجتمعات المسلمة وغيرها.
  • يمكن للوقف أن يلعب دوراً فاعلاً في التقليل من الفروقات الاجتماعية والاقتصادية بين أفراد المجتمع الواحد من خلال عوائد أصولهواستعمالها في الأوجه المخصصة لها.
  • تنشط المؤسسة الوقفية في بيئة محيطة كغيرها من المؤسسات الأخرى، حيث نجد بيئة خارجية، المخرجات، المدخلات، العمليات الداخلية، بالإضافة إلى التغذية الراجعة، حيث تُعتبر دراسة هذه المتغيرات والتحكم بها على الوجه الأمثل، معياراً لنجاح وفعالية واستمرارية مؤسسة الوقف أياً كان  طبيعة نشاطها.
  • تواجه المؤسسات الوقفية جملةً منالتحديات التي تحد من عملها وتعرقل استغلالها الأمثل لأصول الوقف؛ منها مركزية الإدارة ، نقصالبيانات والسجلاتالتاريخية للوقف، عدم القدرة على التسيير الأمثل للمتلكات الوقفية، ضعف التوجيه الأمثل لإستغلال أو استثمار الأصول الوقفية وضعف السيولة والتمويل، فضلاً عن ضعفتأهيل ناظري الوقف و نقص الرقابة الشرعية.
  • البلوكتشين عبارة عن قاعدة بيانات افتراضية تحافظ على دفتر يشبه دفتر الأستاذ موزع على جميع من يستعمل هذه القاعدة، إذ يخزن ويراقب جميع تواريخ المعاملات التي تتم بين المستخدمين أو الأقران(Peerto Peer) ، الذين يتصلون بالشبكة التي تستخدم برنامجًا حاسوبيا.
  • يمكن للمؤسسات الوقفية أن تستفيد من التطورات والابتكارات الحديثة في مجال التكنولوجيا وذلك باستعمال تقنية البلوكتشين والعقود الذكية. فالوقف والبلوكتشين يمكن مزجهما معا خاصة وأن هذه الأخيرة يمكن أن توفر حلولاً عمليةً فعّالة للعديد من المعيقات والصعوبات التي تعترض عمل المؤسسات الوقفية في عصرنا الحديث.
  • تعاني المؤسسات الوقفية في الجزائر هي الأخرى من منظومة قانونية غير مرنة، ومشاكل توثيق وإثبات الأملاك الوقفية القديمة، وأساليب استثمارية وتمويلية قديمة لا تتماشى مع متطلبات العصر، والمركزية في اتخاذ القرارات مما يحد من السلطات والمهام الموكلة لمؤسسات الوقف، وغياب شبه كلي لتقنيات التكنولوجية الحديثة في إدارة هذه المؤسسات، مما نتج عنه غياب الشفافية المطلوبة بين كافة أصحاب المصلحة، فضلاً عن نقص المعلومات وسوء نظم الاتصالات والتوثيق.

2.     التوصيات:

من خلال ما تم تقديمه في المحاور الثلاثة من هذا البحث، يمكن ايجاز بعض التوصيات فيما يلي:

  • يتوجب على مؤسسات الوقف في الجزائر الانفتاح بنسبة أكبرعلى التكنولوجياالحديثة ومسايرة التطورات الحاصلة في إدارة المؤسسات المالية الاسلامية، كما ينبغي على صناع القرار في الجزائر تبنيمخرجات الثورة الصناعية الرابعة لكي يتسنى لها الاستفادة من مزايا التكنولوجيا.
  • تطوير المؤسسات الوقفية في الجزائر قصد التخلي عن منهجية الإدارة التقليدية لقطاع الأوقاف وتحديثه لتبني الحلول التكنولوجية.
  • تحديث المنظومة القانونية للوقف في الجزائروما يتماشى مع التطور الحاصل في مجال التكنولوجيا الحديثة.
  • يحتاج قطاع تكنولوجيا البلوكتشين إلى مزيد أبحاث ودراسات جامعية وميدانية قصد الاستغلال الأمثل لهذه التكنولوجيا في مجال الوقف، من أجل تحسين إدارة المؤسسات الوقفية وتطوير آلية عملها حتى تصل إلى تحقيق الهدف المنشود من الوقف.
  • ضرورة نشر الوعي بين أوساط المطورين للبرامج الحاسوبية والخبراء من مدراء المؤسسات الوقفية والباحثين الجامعيين وغيرهم، على أهمية تقنية البلوكتشين حتى يتم تطوير حلول وأطر عمل تساعد على النهوظ بقطاع الوقف.

[1]  صالح صالحي، الـدور الاقتـصادي والاجتـماعي للقـطاع الوقـفي، مجلة العلوم الانسانية، جامعة محمد خيضر ، بسكرة ، فيفري 2005، ص 160.

[2]صالح صالحي و نوال بن عمارة، الحوكمة ودورها في تفعيل مؤسسات الأوقاف الجزائرية لتحقيق التنمية المستدامة، الحوكمة ودورها في تفعيل مؤسسات الأوقاف الجزائرية لتحقيق التنمية المستدامة، متوفرة على الرابط https://dspace.univ-ouargla.dz/jspui/bitstream/123456789/7622/1/saleh_salhi.pdf

[3]نفس المرجع السابق.

[4]أديب بن محمد المحيذيف، الإحترافية في إدارة المؤسسات الوقفية ، أكاديمية الوقف، ب ت، كتاب الكتروني متوفر من خلال الرابط التالي: https://d1.islamhouse.com/data/ar/ih_books/single8/ar_idart_AlWqf.pdf تاريخ التصفح 19/01/2020

[5]نفس المرجع السابق.

[6]Habib, Farrukh, and Abu Umar Faruq Ahmad. “Using Blockchain and Smart Contracts for Waqf Institutions.” Financial Technology and Disruptive Innovation in ASEAN. IGI Global, 2020, p 236.

[7]هي عملة رقمية مشفرة يتم تداولها في عالم الفضاء الافتراضي، وأول من تكلم عنها يعرف باسمساتوشي ناكاموتو.

[8]Giancaspro, Mark. “Is a ‘Smart Contract’ Really a Smart Idea? Insights from a Legal Perspective.” Computer Law & Security Review 33, No. 6, 2017, p 4; Nakamoto, Satoshi. “Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System. », 2008, p 2.

[9]Utamchandani Tulsidas, Tanash. “Smart Contracts from a Legal Perspective.” Alicante University, 2018, p 2.

[10]Kakavand, Hossein, Nicolette Kost De Sevres, and Bart Chilton, The Blockchain Revolution: An Analysis of Regulation and Technology Related to Distributed Ledger Technologies, 2017, p 3.

[11] Savelyev, Alexander. “Contract Law 2.0: ‘Smart’ Contracts as the Beginning of the End of Classic Contract Law.” Information & Communications Technology Law 26, no. 2, 2017, p 34.

[12] Szabo, Nick. “Smart Contracts: Building Blocks for Digital Markets.” EXTROPY: The Journal of Transhumanist Thought, (16), 1996, p 2.

[13] Savelyev, Alexander, Op-Cit, p 35.

[14]Giancaspro Mark, Op-Cit, p 4

[15]Kakavand et al., Op-Cit, p 6

[16] MICHAEL, JW, ALAN COHN, and JARED R BUTCHER. “Blockchain Technology.” The Journal, 2018, p. 5.

[17] Idem.

[18]Kakavand et al., Op-Cit, p 8.

[19]Utamchandani Tulsidas, Tanash, Op-Cit, p 6

[20]FinterraWebsit, Retrieved from https://finterra.org/about-2/

[21]Finterra, Finterra white paper, 2018, p 19.

[22]مقابلة شخصية مع باحث مساعد بشركة Finterra.

[23]نفس المرجع السابق.

[24]Ibid, p 21.

[25]Finterra, White paper, p21

[26]أنظر: مقابلة شخصية مع باحث مساعد بشركة Finterra؛ حازم فضل الله ساسي، استخدام تطبيقات البلوكتشين لتطوير الأصول الوقفية: منصة شركة فينترا نموذجا، Journal of Islam in Asia، حجم 16، عدد 3، ديسمبر 2019، ص 154؛ وأنظر أيضاً إلى

Rashid, Syed Khalid. “Potential of Waqf in Contemporary World.” Journal of King Abdulaziz University: Islamic Economics 31, no. 2, 2018, pp 57-58.

[27]وهي عملات رقمية مشفرة من أهمها “البيتكوين” يتم اصدارها وتداولها عن طريق شبكة الانترنات ولديها سعر صرف مع أهم العملات الورقية كالدولار واليورو.

[28]ناصر الدين سعيدوني، دراسات في الملكية العقارية، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر، 1986، ص 84.

[29]ناصر الدين سعيدوني، ” تاريخ الوقف ودوره الاجتماعي والاقتصادي”، الجزائر: دورة إدارة الأوقاف الاسلامية بالجزائر، 1999، ص 9.

[30]مديرية الأوقاف، ” الأملاك الوقفية في الجزائر”، نواكشط: ندوة تطوير الأوقاف الإسلامية وتنميتها، منشورات البنك الإسلامي للتنمية بالتعاون مع الأمانة العامة للأوقاف، 2000، ص34، 35 (بتصرف).

[31]فارس مسدور، ” الأوقاف الجزائرية بين الإندثار والإستثمار”، مجلة أوقاف، 2008، ص ص: 9-10.

[32]Laallam, A., Kassim, S., Adawiah, E. R., &Saiti, B. (2020). Towards knowledge-based waqf organizations. In Challenges and Impacts of Religious Endowments on Global Economics and Finance (pp. 111-112). IGI Global.

[33]نفس المرجع السابق.

[34]كمال منصوري، “الإصلاح الإداري لمؤسسات قطاع الأوقاف: دراسة حالة الجزائر”، مذكرة تخرج لنيل درجة الدكتوراه، 2013، ص 120.

[35]Laallam, A (2020), “An Investigation of Knowledge Management and Intellectual Capital Components on OrganizationalPerformancein Non-Profit Organizations: The Context of Algerian Waqf Institutions”, PhD thesis, International Islamic University Malaysia, p. 240.

[36]Laallam et al. (2020). Towards knowledge-based waqf organizations. In Challenges and Impacts of Religious Endowments on Global Economics and Finance (p.115). IGI Global.

[37]Ibid, p. 116.

[38]Laallam, A (2020), “An Investigation of Knowledge Management and Intellectual Capital Components on Organizational Performance in Non-Profit Organizations: The Context of Algerian Waqf Institutions”, PhD thesis, International Islamic University Malaysia, p. 255.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.