حصريا

إدارة مؤسسات الوقف الجزائرية بتطبيق تكنولوجيا البلوكتشين

0 51

عبدالقادر لعلام إدارة مؤسسات الوقف الجزائرية بتطبيق تكنولوجيا البلوكتشين

The application of Blockchain Technology in the Algerian Waqf Institutions

محمد غزال طالب دكتوراه معهد المالية والبنوك الإسلامية الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا

ghezalm19@gmail.com

عبدالقادر لعلام دكتور معهد المالية والبنوك الإسلامية الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا

Kader0991@gmail.com

 

الملخص:

يهدف هذا البحث لدراسة إمكانية وجدوى إدارة مؤسسات الوقف الجزائرية باستخدام تقنية البلوكتشين. تُعرف تقنية البلوكشين على أنها عبارة عن قاعدة بيانات افتراضية تحافظ على دفتر يشبه دفتر الأستاذ موزع على جميع من يستعمل هذه القاعدة. لهذه التقنية مزايا عديدة كسهولة وتنظيم البيانات وحفظها، الأمان والشفافية، السرية والفعالية. تبنى هذا البحث المنهجية النوعية المعتمدة على المقابلات في الإجابة عن أسئلة وأهداف الدراسة، فضلاً عن استخدام الدراسات السابقة في تحليل واقع وآفاق المؤسسة الوقفية. خلصت نتائج هاته الدراسة إلى العديد من المزايا والفوائد التي يمكن لقطاع الوقف في الجزائر الإستفادة منها  في حال تطبيق تقنية البلوكشين كسبيل لتنظيم إدارة الأوقاف، كما أشارت الدراسة للخطوات اللازمة إعتمادها قصد تطبيق هاته التقنية. ختاماً تم طرح مجموعة من التوصيات لأصحاب القرار والأطراف الفاعلة في تسيير الأوقاف قصد تفعيل الوقف وإستعادة دوره البنَاء في تنمية المجتمعات تماشيا مع التطور التكنولوجي المعاصر.

الكلمات المفتاحية: تقنية البلوكشين، وقف تشين، فاىتايرا، المؤسسات الوقفية، الجزائر.

Abstract:

This research aims to study the feasibility of using Blockchain technology in the management of waqf institutions in Algeria. Blockchain technology is known as a virtual database that maintains a ledger-like notebook distributed to all who use this base. This technology has many advantages, such as ease and organization of data and its preservation, safety and transparency, confidentiality and effectiveness. This research adopted the qualitative methodology based on interviews in answering the questions and objectives of the study, in addition to using previous studies to analyze the reality and prospects of the endowment institution. The results of this study addressed a number of benefits which the waqf sector in Algeria can capitalize from the application of the Blockchain technology. Moreover, this study proposed the necessary steps of implementing this technology within the Algerian waqf sector. Finally, a set of recommendations was proposed to decision makers and waqf manager in order to reactivate this sector and restore its constructive role in the development of societiesin line with contemporary technological advance.

Key words: Blockchain, Waqfchain, Finterra, Waqf Institutions, Algeria.

 

مقدمة:

للوقف مكانة خاصة في المجتمعات الاسلامية لما له من دور في تخفيف معانات الطبقات الهشة والمعوزة  والفقراء من المسلمين. وللوقف أصول متناثرة هنا وهناك مقيدة وغير مقيدة لدى الهيئات والمؤسسات الوقفية وهي تعد بملايير الدولارات كثير منها معطل لسبب أو لآخر يحد من انتاجيتها ومردودها مما جعله من أهم القطاعات الخيرية خمولا وهذا ماينعكس بالسلب على الجانب الإجتماعي والاقتصادي للمسلمين عامة وللفقراء منهم خاصة. فالإدارة الحسنة  للمؤسسات الوقفية تتطلب جهد ومعرفة وأموال حتى يتسنى التسيير الكفء للأصول الوقفية. ومؤسسات ادارة الاوقاف كغيرها من المؤسسات المالية الاسلامية المجتمعية الأخرى تواجه لعديد الصعوبات والتحديات تثبط عملها وتعرقل تطويرها للأصول الوقفية. ومن أمثلتها الإشراف المباشر للدولة في إدارة الأوقاف، قلة السيولة والتمويل، قلة الشفافية ومتابعة الحسابات.

ومن بين أهم العناصر التي تشرف على الأوقاف  إدارة المؤسسة الوقفية ممثلة في الناظر أو المتولي أو القيّم  وقد يقوم المؤسس للوقف بنفسه بإدارة الوقف خلال فترة حياته لعدم اطمئنانه للآخرين في تسيير الوقف. فعنصر الثقة يبقى ضعيف بين الأطراف المتدخلة علاوة على قلة المستثمرين المحتملين في نشاطات الوقف. وهذا مايِؤثر على الاستغلال الأمثل لأصول الوقفية وتنميتها حتى تبقى تدر للدخل الذي أراد الواقف منحه للمستفدين.  وهنا ومن خلال التكنولوجيات الحديثة  التي ظهرت مع  الثورة الصناعية الرابعة خاصة تقنية  البلوكتشين يمكن أن تفيد الوقف بشكل كبير، وذلك بتوفير لحلول تقنية  سهلة وآمنة بإدارة الوقف من قبل واجهة ادارية تستعمل التكنولوجيات الحديثة المدعمة بتطبيقات ولوغاريتمات وعقود ذكية تستعمل خصيصا من قبل أصحاب المنصات التمويل الجماعي. وهذا يؤدي الى إضفاء مستوى معين من الشفافية والمسؤولية والثقة بين الأفراد والمؤسسات وتوفير لحماية آمنة للمستثمرين المعنيين في ادارة أصول الوقف عند السماح بالولوج الى منصات الوقف تشين لجميع  أصحاب المصلحة من الواقف والمستفيد منه والصانع ومدير مؤسسات الوقفية والدولة وغيرهم بالاطلاع ومعرفة جميع مراحل سير إحياء أصول الوقف.

ولعل من أهم المنصات الحديثة التي أطلقت لتوظيف التكنولوجيات الحديثة في ميدان الوقف  هي شركة Finterra   والتي أعلنت في مارس 2018 في كوالا لمبور في منتدى العالمي للوقف والبلوكتشين عن تدشين لمنصة وقف تشين  كأول مبادرة لمزج البلوكتشين والتمويل الاسلامي. وكانت هذه المنصة عقدت اتفاقيات لتنمية أصول وقفية في كل من الهند وبعض البلدان الاسلامية الأخرى باستعمال آلية التمويل الجماعي.

وكسائر البلدان الاسلامية، تعاني الجزائر هي الأخرى من نقص كبير في ادارة أصول الوقف رغم وجود كم هائل من الأراضي الوقفية مازالت تحت طائلة النسيان وعدم الاستغلال الحسن لها. ومن خلال ماسبق، يمكن تصور التساؤل التالي لهذا البحث، ما الذي يمكن فعله لتطوير آليات إدارة المؤسسات الوقفية تزامنا مع ظهور تكنولوجيا البلوكتشين الحديثة؟

وبُناءاً عليه، يمكن بلورة الأسئلة الفرعية لهذا البحث على النحو الآتي:

  • ماهو دور مؤسسات الوقف في إدارة و تنمية أصول الوقف؟
  • ماهو مفهوم وآلية عمل تقنية البلوكتشين؟ وهل يوجد تطبيق عملي لاستخدامها وتطبيقها في ميدان الوقف؟
  • هل بإمكان مؤسسات الوقف الجزائرية تخطي العقبات والتحديات التي تواجهها باستخدام تقنية البلوكتشين؟

هدف البحث: يهدف هذا البحث لدراسة إمكانية وجدوى إدارة مؤسسات الوقف الجزائرية باستخدام تقنية البلوكتشين.

منهجية البحث:

تبنى هذا البحث المنهجية النوعية للاستقصاء في الإجابة عن أسئلة وأهداف الدراسة، فضلاً عن استخدام الدراسات السابقة في تحليل واقع وآفاق المؤسسة الوقفية. أجرى الباحثان مقابلات مفتوحة مع خمسة خبراء حول الأوقاف والبلوكشين من مؤسسة فيانتارا و مدراء الأوقاف في الجزائر، بالإضافة إلى اشراك بعض الأساتذة المتخصصين في مجال الوقف. حيثُ تم اختيار هؤلاء الأفراد بناءً على خبرتهم ومشاركتهم في مختلف مجالات تسيير وإدرة الأوقاف. يميل الباحثان إلى دمج وجهات نظرهم في تحليل واقع الأوقاف في الجزائر قصد طرح آفاق تطويرية لهذا القطاع الحساس مستقبلا. وأجريت المقابلات باللغتين الإنجليزية والعربية وتراوحت بين حوالي 15 إلى 25 دقيقة.

وللوصول الى الهدف المنشود أعلاه، ارتأينا تقسيم هذا البحث للمحاور المبينة أدناه:

أولا: إدارة مؤسسات الوقف

ثانيا: تكنولوجيا البلوكتشين وإدارة الفعالة لأصول الوقف ؛

ثالثا: المؤسسات الوقفية في الجزائر  واستخدام لتكنولوجيا البلوكتشين؛

الخاتمة والتوصيات.

أولا: إدارة مؤسسات الوقف

1.     تعريف الوقف:

إن الوقف في اللغة هو الحبس عن التصرف، وفي الاصطلاح الشرعي هو تحبيس الأصول والأموال وتسبيل منافعها على الجهات الموقوف عليها على اختلاف بين الفقهاء في مال الملك بعد تحبيسه أما في المفهوم الاقتصادي فقد عرفه الدكتور منذر قحف بقوله: بأنه تحويل للأموال عن الاستهلاك واستثمارها في أصول رأسمالية إنتاجية تنتج المنافع والإيرادات التي تستهلك جماعيا أو فرديا[1].

2.     مكانة الوقف في المجتمع: اقتصاديا واجتماعيا

يؤدي الوقف دورا مهما إذا استعمل واستغل بالوجه المطلوب في المجالين الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء.

3.     دور الوقف في التنمية الاقتصادية:

يساهم الوقف على تخفيف من النفقات التي تثقل كاهل الدولة، بالتكفل بكثير من المشاريع التنموية في المناطق النائية والتي تتطلب  وقت طويل حتى يتسنى للدولة القيام بها؛

يسهم الوقف في العملية الانتاجية وفي تمويل التنمية وتوفير فرص العمل والتخفيف من عجز الموازنة وتنشيط التجارة الداخلية والاقتصادية والبنية التحتية في الكثير من المناطق،

يعمل الوقف على إيجاد مصادر دخل للفقراء والمساكين والعاجزين عن العمل والأرامل والأيتام وغيرهم من المحتاجين، مما يحسن مستوى المعيشة الاقتصادية لهؤلاء الأفراد؛

يوفر الوقف لفرصة مثلى لتنمية الرأس المال البشري الذي يشكل الطاقات العاملة المتخصصة في المستقبل على غرار وقف الجامعات وما يعكس على التنمية الاقتصادية ومثالها جامعة هارفارد[2].

4.     دور الوقف اجتماعيا:

يعمل الوقف على المساهمة في تقليل الفروقات الجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد من خلال عوائد أصول الوقف أو استعمالها؛

كما يساعد الوقف في تحقيق الاستقرار الجتماعي لأفراده؛

يحقق الوقف لمستوى تنموي اجتماعي جد مقبول بتوفير المدارس ودور الحضانة والمستشفيات والدور كفالة اليتامى والفقراء[3].

5.     ادارة المؤسسات الوقفية

يعد العمل المؤسسي شرط رئيسي لنجاح أي منظمة أو مؤسسة ، والعمل الجماعي غريزة في المجتمعات المتقدمة ولا يستطيع الأفراد أن يعملوا منفصلين عن بعضهم البعض . فالإدارة هى عملية تحقيق الأهداف التنظيمية بكفاءة وفاعلية من خلال أربعة عناصر تعتبر أساسية تتمثل في تخطيط وتنظيم وقيادة ورقابة الموارد التنظيمية . فلذا من الضروري عند تأسيس المؤسسات الوقفية الاهتمام بشكل كامل بهذه العناصر الأربعة وبنائها بالشكل اللائق والمناسب حتى تتمكن المؤسسات الوقفية على الاستمرار في أداء واجباتها على الوجه الذي يرضي ويحقق طموح الواقفين .

للمؤسسات الوقفية بيئة  محيطة بها كغيرها من المؤسسات الخيرية الاسلامية الأخرى. حيث نجد بيئة خارجية، مخرجات، المدخلات، العمليات الداخلية،  التغذية الراجعة. ويمكن توضيح لنموذج عمل المؤسسات الوقفية من خلال الشكل الموالي:

 

شكل رقم 1: النموذج العام لمؤسسات الوقفية[4]

 

ويتكون هذا النموذج من العناصر الآتية[5] :

  • البيئة الخارجية : وهي عبارة عن الفرص والتهديدات المحيطة بأعمال المؤسسة الوقفية ، حيث يلزم المؤسسين لأي مؤسسة وقفية دراسة وتحليل الفرص المتاحة والتي تخدم ً نشاط وأعمال المؤسسة وكذلك دراسة وتحليل التهديدات التي قد تعترضها أو تؤثر سلبا على أعمالها وأنشطتها، ثم تحديد أهداف المؤسسة الوقفية التي تتماشى مع تحليل البيئة الخارجية .
  • المخرجات : ويقصد بها الأهداف التنظيمية للمؤسسة الوقفية سواء كانت أهداف استراتيجية تتحقق بعد 3 – 5 سنوات أو أهداف تشغيلية تتحقق خلال سنة مالية واحدة،وأول ما يعمله القائمون على المؤسسة الوقفية تحديد وبكل دقة هذه المخرجات بعد دراسة تبقى هذه الأهداف متوقعة لاعتبارات كثيرة منها قدرة المؤسسة على توفير المدخالات التي تحققها وطريقة العمل والتشغيل في المؤسسة وقدرة النظام العام على إنجاز هذه الأهداف .
  • المدخلات : والمقصود منها الأدوات والإمكانيات والمواد سواء كانت مادية أو مالية أو بشرية أو غير ذلك مما يساعد القائمين على المؤسسة في تحقيق أهدافها العامة , وجدير بالذكر أنه عندما لا تتوفر المواد والإمكانيات اللازمة فإن على إدارة المؤسسة النظر من جديد في المخرجات وإعادة صياغتها وفق الإمكانيات المتاحة لهم
  • العمليات الداخلية : وهي طريقة التشغيل للمؤسسة من خلال الإدارات واللجان المعتمدة في الهيكل التنظيمي , وعلى مجالس النظارة مراقبة العمل وفق النظام والأدلة الإجرائية واللوائح النظامية، ودراسة الإنحرافات المالية والإدارية وعلاجها في الوقت المناسب
  • التغذية الراجعة : وهذه عادة تكون بعد نهاية السنة المالية , حيث يجتمع مجلس النظارة للنظر في الميزانية العمومية للمؤسسة والتقرير التشغيلي الختامي الذي تعده الإدارة التنفيذية، وتحديد نقاط القوة والضعف في أداء المؤسسة ثم اتخاذ قرارات تصحيحية تدعم به مسيرة العمل في المؤسسة الوقفية .

غير أنه للسير الحسن لكذا نموذج لمؤسسات الوقف يتطلب تظافر لجهود عدت أطراف من داخل المؤسسة أو خارجها وهذا ما يؤدي لظهور لبعض التحديات والصعوبات تتعدى إطار عمل هذه المؤسسات الوقفية. وهذا ماسنتطرق اليه في النقطة التالية.

6.     تحديات ادارة المؤسسات الوقفية

مع نهاية القرن الماضي وما شهده من ظهور وانتشار  التمويل الإسلامي وحلوله في كثير من البلدان كوسيلة بديلة للمعاملات الربوية في المؤسسات المالية التقليدية ، كان الوقف ومازال يكافح من أجل تجديد مجده الماضي في الحد  من الفقر والتوزيع الثروة بين أفراد المجتمع والمساهمة في الحياة الاقتصادية لكثير من المجتمعات. فالوقف الآن معطل وخامل لعديد من الأسباب مسؤولة جماعيا عن هذه المعضلة. فالمؤسسات الوقفية الحالية المنتشرة في كثير من البلدان العرببية والاسلامية إما تابعة مباشرة الى وزارة الأوقاف أو في قلة قليلة من البلدان منفصلة وذات كيان مستقل، لها مهامها وأهدافها. ومن هنا ومن خلال هذه الوضعية للمؤسسات الوقفية تظهر عديد الاختلالات، فعلى سبيل المثال ، هناك نقص في توافر البيانات الشاملة والسجلات التاريخية لأصول الوقف.  كما تشمل القضايا والتحديات الرئيسية التي تواجه الوقف حاليا في بعض المناطق والبلدان جملة من الأمور ، من أهمها مايلي :إدارة الأوقاف تعتبر في غاية المركزية ، عدم مقدرة  القوى العاملة في المؤسسات الوقفية على تسيير الممتلكات الوقفية لتنوعها واختلافها ، نقص الكفاءة التنظيمية والإدارية لدى المؤسسات الوقفية لأداء مهامها على أحسن وجه، عدم تسجيل الممتلكات الوقفية كأصول وقفية تابعة للمؤسسات الوقف  ، عدم وجود أحكام في القوانين واللوائح ذات الصلة بالوقف ، قلة الوعي الاجتماعي الخاص بأهمية الوقف في دعم التنمية الإجتماعية الاقتصادية  ، الاستغلال غير القانوني سواء من المؤسسات أو الأشخاص لأصول الوقف ، اختلاس ممتلكات الوقف لعدم وجود تتبع لأصول الوقف، عدم الكفاءة التشغيلية لكثير من الأصول الوقفية لعدة أسباب منها ضعف مؤسسة ادارة الوقف في التوجيه الأمثل لإستغلال أو استثمار هذه الأصول وعدم قدرة خاصة مؤسسات ادارة الوقف في توفير الأموال اللازمة، بالإضافة الى نزاهة وتأهيل ناظري الوقف و نقص الرقابة الشرعية التي تتبع  عمليات الاستغلال واستثمار الأصول الوقفية[6].

بالاضافة الى وجود للإشراف المباشر للدولة في إدارة الأوقاف، قلة السيولة والتمويل، قلة الشفافية ومتابعة الحسابات

ثانيا: تكنولوجيا البلوكتشين والإدارة الفعالة لأصول الوقف

للتحدث عن امكانية تطبيق البلوكتشين في المالية الاسلامية وجب أولا فهم هذه التكنولوجيا وفاوائدها وحدودها. ويقدم هذا المحور من خلال النقاط التالية لمفهوم البلوكتشين وماذا يمكن أن تقدمه قبل التطرق الى استعمالها في مجال تسيير مؤسسات الوقفية والنموذج المقترح من Finterra لإدارة الوقف.

1           ماهية البلوكتشين

في البداية، كانت تقنية الـ Blockchain  تمثل القاعدة الأساسية في ظهور عملة البيتكوين[7] المشفرة ولكن لم تكن متطورة بالقدر المعروفة عليه الآن. حيث كان الكثيرون لا يفرقون بين استخدام الـ Blockchain الذي يتجاوز العملات الافتراضية وبين هذه الأخيرة. وجاء في المقال الأول الذي نشره ساتوشي ناكاموتو -Satoshi Nakamoto- في أكتوبر 2008 مفهومًا جديدًا يعتمد على ربط الأصول الرقمية خاصة النقود تالرقمية المشفرة ونظام الدفع بين الأقران في ورقته البحثية الشهيرة Bitcoin: A Peer to Peer Electronic Cash System[8]

البلوكتشين أو ما يعرف بتقنية السجلات الموزعة Distributed Ledger Technology (“DLT”) ، عبارة عن قاعدة بيانات افتراضية تحافظ على دفتر يشبه دفتر الأستاذ موزع على جميع من يستعمل هذه القاعدة. إنه يخزن ويراقب جميع تواريخ المعاملات التي تتم بين المستخدمين أو الأقران Peer to Peer ، الذين يتصلون بالشبكة. وكتعريف تقني تعتبر الـبلوكتشين “نظام توزيع من دفاتر الأستاذ بين نظير إلى نظير التي تستخدم برنامجًا حاسوبيا”[9].كما أنها “قاعدة بيانات تتكون من حزم أو مجموعة من  المعاملات مرتبة ترتيبًا زمنيًا تعرف باسم الكتل” ، التي يمكن اختبار  صحة أي معاملة مقترحة مع ضمان سلامة أي كتلة معينة. وتتميز كل معاملة يتم إدخالها في قاعدة البيانات الـبلوكتشين، بأنها غير قابلة للتغيير  أو حتى محوها. وتحتوي البلوكتشين على خاصيتين قويتين. الأولى هي عبارة عن شبكة موزعة في جميع أنحاء العالم والثانية قاعدة بيانات مشفرة. من الناحية النظرية ، فإن تقنية البلوكتشين لديها القدرة على استبدال المعاملات المبنية على الثقة يبن الاطراف بتلك التي تستند إلى قواعد محددة رياضيا وفق هندسة البرمجيات والحوسبة التوزيهية وعلم التشفير وتطبيقها عمليا بدون وساطة من جهة معينة[10].

2. ماهية العقود الذكية

يحتاج العقد التقليدي إلى وجود العديد من الأطراف والقوانين بين المتعاقدين. الى جانب ذلك ،ظهرت العقود الذكية كطريقة جديدة في إبرام العقود  التي أثيرت مؤخرا قد تكون بديلا عن العقود القديمة.

ظهرت العديد من التعاريف للعقود الذكية بسبب نوعية العقود الجديدة واستخدام للشبكات التكنولوجية من أنترنيت وبلوكتشين[11]. ووفقًا لما قاله Nick Szabo في مقالته “العقود الذكية” التي ظهرت في عام 1994 حيث تقدم تعريفًا بسيطًا وهو أن “العقد الذكي هو مجموعة من الوعود ، المحددة في شكل رقمي ، بما في ذلك البروتوكولات التي تؤديها الأطراف بموجب هذه الوعود.”[12] وتميز هذا التعريف بأنه غير واضح فيما يتعلق بالعقود الذكية وكيفية أدائها الآلي[13]. أما في الوقت الحالي يعطي Buterin Vitalik معنى حديثًا للعقود الذكية باعتبارها صناديق “تشفير” تحتوي على قيمة وتفتح فقط في حالة استيفاء شروط معينة.

في الأساس، يعتبر العقد الذكي مجرد برنامج حاسوبي يتحكم في شروط وأحكام المعاملة وينفذها عند حدوث أحداث محددة مسبقًا عندما يتم ترميز العقد الذكي وإدخاله في البلوكتشين. حيث يعتبر هذا العقد غير قابل للتغيير ويعمل وفقًا لتعليماته المبرمجة عليه[14].

3. فوائد تقنية البلوكتشين

من أهم مزايا وفوائد تقنية البلوكتشين:

  • معدلات خروج العمليات في الثانية كبير مما يسمح بسرعة بناء الكتل والإعتراف بها من قبل الحواسب الأخرى المشتركة في نفس قاعدة البيانات[15]؛

تسجيل آني للعمليات والكتل حيث جميع الدفاتر الموزعة على الحواسيب يتم تحديثها تلقائيا وقت قبول الكتلة الجديدة في الـبلوكتشين بشكل آلي[16] .

  • الأمان في شبكة البلوكتشين يستوجب وجوب نموذج يمكن من الحد ومواجهة الهجمات الالكترونية على النظام. وأحد نقاط قوة البلوكتشين وجود السجلات أو الدفاتر موزعة على مجموعة كبيرة من الحواسيب مما يجعل عملية القرصنة الالكترونية على الشبكة عمليا شبه مستحيل[17] .
  • السرية و عدم كشف هوية المستخدمين حيث توفر تقنية البلوكتشين السرية في اتمام المعاملات وعدم معرفة لمحتوى المعاملات من قبل الأطراف الأخرى في الشبكة وحتى هوية المتعاملين يمكن أن تبقى مجهولة[18].
  • تقنية البلوكتشين هي عبارة عن برامج حاسوبية تسمح للأطراف بتتبع أوامر منطقية بحسب القواعد الشرطية ” إذا كان كذا، فافعل كذا” أو “العكس”[19].
  • عدم قابلية تغيير بيانات سلسلة الكتل حيث تعتبر الكتلة المضافة الى هذه السلسة باتة ولا يمكن في أي حال من الأحوال تغييرها أو الرجوع اليها في وقت لاحق وتغيير ها.

4. كيفية عمل البلوكتشين

تم اجاد لتقنية البلوكتشين لإجراء المعاملات بشكل مجاني بين الأطراف وذلك في وجود للثقة في قاعدة البيانات الافتراضية. وليتم تشغيل هذه التقنية يجب توفر  لمجموعة من الحواسيب، وجود سجل على الشبكة موزع بين جميع الأطراف لإحتواء جميع العمليات و عمولة محفزة لبناء سلسلة الكتل بالإضافة الى عنصر الأمان.

وتتم هذه العمليات كما يلي:

  • عمر يريد أن يرسل نقود الى زيد؛
  • تظهر المعاملة على شبكة البلوكتشين في شكل كتلة؛
  • الكتلة الجديدة تنشر على جميع الأطراف المشتركة في الشبكة؛
  • تقوم الحواسيب الأخرى على الشبكة بعمل تحفيزي من أجل إضافة هذه الكتلة الجديدة الى سلسلة الكتل؛
  • بعدها يتم اضافة الكتلة الى سلسلة الكتل وتصبح كتلة شرعية لا يمكن تغيير البيانات التي تحتويها ويتم الموافقة بصحة هذه العملية من قبل باقي الأطراف؛
  • في الأخير تتجسد المعاملة وتنتقل النقود من عمر الى زيد.

5. إدارة الوقف عن طريق تكنولوجيا البلوكتشين

مع بروز ابتكارات وتطورات مستمرة في الهيكلية المالية والتكنولوجية في الآونة الأخيرة ، تشهد ساحة التمويل الإسلامي ، بما في ذلك الوقف ، على  محاولات جادة للنهوظ بهذا القطاع الذي يشهد خمولا في آلية تسيير أصوله وكيفية استثمارها بما يحقق الشفافية للأطراف ذات علاقة بالوقف. فبوجود لتقنية البلوكتشين مكن بعض الجهات على استثمارها في مجال تسيير أصول الوقف وتجسد ذلك من خلال منصة Finterra لإدارة الوقف.

1.5 نشأة منصة Finterra  لإدارة الوقف

Finterra هي مؤسسة رائدة في فضاء التكنولوجيا المالية  تأسست في عام 2017. تتخذ من سنغفورة كمقر لها. كما أن لها مكاتب في ماليزيا وهونغ كونغ والإمارات العربية المتحدة ، وهي في طريقها لمزيد من التوسع في أفريقيا والشرق الأوسط. حيث تعمل هذه الشركة على تبني تقنية البلوكتشين كحل لتعقيدات القطاع المالي. كما تتمثل رؤية  Finterra في أن تصبح رائدا وموثوق عالميًا في تزويد بالخدمات الحديثة للتكنولوجيا المالية من خلال توفير  لحلول اجتماعية مبنية بالأساس على تقنية البلوكتشين. وتلتزم شركة Finterra بمهمة الترويج للتمويل الإجتماعي الاسلامي من خلال الوساطة المجتمعية التكنولوجية وهذا بتوفير الرؤوس الاموال لإستثمارها في الأوقاف وإدارة أصول الأوقاف وتطويرها[20]، من خلال أن نصبح مزود خدمة موثوق عالميًا.

وكان الانطلاق الرسمي للمنصة من خلال انعقاد المؤتمر الدولي حول تكنولوجيا البلوكتشين والوقف الذي انعقد في كوالا لمبور مارس 2018. حيث مثلت منصة Finterra Waqfchain أول منصة مختصة في استخدام تقنية البلوكتشين في تنمية أصول الوقف.

2.5 فوائد استخدام البلوكتشين في الوقف

يملك العالم الاسلامي لامكانيات وفرص كبيرة في مجال الوقف قابلة للتطوير. في حين عرفت ادارة أصول الوقف لعشرات السنين لعدة تحديات ومعوقات شرعية ومالية. مما حتم لتعطيل لمئات الملايير من الدولارات من أصول الوقف في كافت أنحاء العالم كانت ستحد من الفقر طبعا إذا استعملت وسيرت بشكل فعال. وفي الوقت الحالي مع ظهور لتقنية الببلوكتشين جلبة لحلول مثلى يمكن توظيفها في ادارة الوقف. ومن أهم فوائد البلوكتشين في المجال الوقفي نجد[21]:

  • تسيير فعال لأصول المؤسسة الوقفية في وجود لشفافية تسمح لجميع الأطراف من الوقف والناظر والمستثمر في الأوقاف أن يتتبعوا جميع العمليات من خلال تقنية البلوكتشين.
  • تطوير لطرق تسيير تتماشى مع طرق الابداع التكنولوجية المختلفة في استثمار  الأموال بما يتوافق مع الشريعة مما ينتج لعوائد اقتصادية و اجتماعية تساهم في تنمية الأوقاف.
  • توفير للتمويل اللازم من خلال توفير السيولة لإنشاء المشاريع الوقفية وصيانتها من خلال جمع الأموال بتقنية البلوكتشين[22].
  • تسهيل عمليات التسيير والحسابات والتبرعات وتسجيل وتوثيق الأراضي الوقفية وتقليل النزاعات حول الأملاك الوقفية حيث تضمن عدم تغيير للمعلومات المسجلة على شبكة البلوكتشين[23].

3.5 مزايا انشاء منصة Finterra Waqfchain

أهم المزايا التي تقدمها هذه المنصة للراغبين في الاستثمار مايلي[24]:

  • تخزن وثائق كل مشروع وقفي حقيقي بشكل منضبط وعلني لجميع ذوي المصلحة من أجل الاطلاع والمراجعة؛
  • لها واجهة بسيطة لتقديم مقترحات المشاريع وإدارتها والمساهمة فيها أيضا؛
  • المساهمة في المشاريع وتصويت أصحاب المصلحة والشروط الخاصة بهم لايمكن تغييرها ولا تعديلها كونها مبنية على العقود الذكية ولا يتم ذلك إلا بإتفاق جميع الأطراف؛
  • تضمن هذه المنصة شفافية في تسيير المشروع من خلال امكانية تحميل الوثائق الحيوية وتخزينها علنا بطريقة موزعة على جميع الأطراف وغير قابلة للتغيير على نظام IPFS.
  • المنصة تعمل وفق عقود ذكية تسمح بتوزيع الرموز Tokens وايرادات المشروع والتعامل مع أي طارئ بشكل أوتوماتيكي مع الاطراف المتدخلة.

4.5 آلية عمل Finterra Waqfchain

وتتصف آلية عمل منصة Finterra Waqfchain من خلال جمع الأموال من المستثمرين وتوجيهها الى المشاريع الوقفية. والشكل الموالي يوضح لهذه الآلية:

شكل رقم 2: يوضح آلية عمل منصة Finterra Waqfchain[25]

وتتم هذه العملية  كما يلي[26]:

  • تحدد مؤسسة الأوقاف أو الوزارة المكلفة بتسيير الاوقاف الأصل الوقفي أو الأرض الوقفية المراد إنشاء مشروع استثماري عليها؛
  • تحضر المؤسسة الوقفية أو من ينوب عنها المخطط التنموي الخاص بالمشروع المراد إنجازه على أن يحتوي على جميع التفاصيل من دراسة جدوى المشروع، مدى صلاحية الأصل الوقفي للاستثمار عليه، تصميم البناء، تكلفة المشروع، مدى تحقق الربح من الخسارة، التوصية باستعمال الأداة المالية الشرعية المناسبة لكذا نوع من الأصول وبيانات أخرى.
  • يتم الاستعانة بمدقق مالي مستقل يراجع مدى صحة البيانات المقدمة في دراسة جدوى المشروع ويصادق عليها.
  • تتم مخاطبة ادارة الصندوق المالي للقيام بعملية اصدار الطرح الأولي للعملة المشفرة[27] Initial Coin Offer من أجل جمع الأموال اللازمة لتنمية مشروع الوقفي عن طريق بيع الرموز المشفرة ِCrypto Tokens الى المستثمرين المعنيين عالميا.
  • تقوم شركة Finterra عن طريق منصة وقف تشين باصدار الرموز المشفرة من المستثمرين المعنيين مقابل جمع الأموال  اللازمة.

يشري المستثمرين المعنيين لهذه الرموز مقابل الأموال التي تجمع من طرف الصندوق أو ( المصرف) وتوضع في حساب مضمون. على أن تعطى حرية الاختيار للمستثمرين المعنيين حرية الاختيار في الاستثمار في الأدوات المالية الاسلامية من الوقف النقدي ، قرض الاسلامي، المضاربة، الصكوك.

  • عند اكتمال جمع المال المطلوب، تتفق ادارة الصندوق مع شركة إنشاءات لتقوم مقامها في بناءوتطوير المشروع الوقفي.
  • عند اكتمال إنجاز المشروع، تعين ادارة الصندوق لإدارة خاصة بتسيير المشاريع بتشغيل وصيانة أصول المشروع.
  • تعمل ادارة الصندوق على جمع أي مداخيل أو أرباح محققة من الأصول الوقفية.
  • توزع ادارة الصندوق للايرادات المجمعة على المستثمرين وفق الأداة المالية الاسلامية المستعملة وفق الأحكام والشروط الأساسية.
  • يتم ارجاع الرموز Tokens من طرف المستثمرين الى الجهة المصدرة عادة ادارة الصندوق.

ثالثا: المؤسسات الوقفية في الجزائر

1           نبذة تاريخية عن الوقف في الجزائر

يمكن دراسة تاريخ الأوقاف في الجزائر استناداً لثلاثة مراحل تاريخية:

3.1            الحكم العثماني:

والذي تميز بإزدهار الوقف وتنوعه وانتشاره ليشمل جميع مجالات الحياة المهمة سواءً الإقتصادية أو الإجتماعية وحتى العسكرية.كما تجدرالإشارة إلى أهمية التعايش الطائفي بين المذهب الحنفي والمالكي إبان الحكم العثماني في تطور الأوقاف نظراً للمرونة التي يتميز بها المذهب الحنفي في بعض الجوانب، حيثُ تبنت هذا الأخير السلطة المركزية التي تولت مسؤولية القضايا السياسة المتعلقة بالحكم والعقيدة، أما المذهب المالكي فقد كان مطبقاً للفصل في الشؤون المحلية لسكان الجزائر، حيثُ نتج عن هذا التعايش تطور وإزدهار الأوقاف لدرجة ظهور كيانات ومنظمات وقفية ذات طابع ديني، وشخصية قانونية إعتبارية، وإدارة مستقلة، كمؤسسة أوقاف الحرمين الشريفين، ومؤسسة سبل الخيرات الحنفية، ومؤسسة أوقاف الأندلسيين، أوقاف بيت المال، ومؤسسة أوقاف المسجد الأعظم[28].

2.1  الإستدمار الفرنسي:

تميزت مرحلة الإستدمار الفرنسي لأرض الجزائر بتدمير ممنهج لنظام الوقف بطرق شتى كالمصادرة وسن القوانين التي تقيد وتعيق عمل الأوقاف. حيثُ اعتبرت سلطة الإستدمار الفرنسي الأوقاف مصدر خطر يهدد سياساتها الإستعمارية والإستغلالية لمقدرات الشعوب، نظراً لما يمنحه هذا القطاع الحساس من استقلالية للأفراد في إدارة شؤونهم الخاصة وتنمية المجتمعات[29].

3.1  بعد الإستقلال:

لم يحضى قطاع الأوقاف بالأولوية والإهتمام اللازمين بعد إستقلال الجزائر، نظراً لتخبط البلاد في أزمات عديدة نتيجة سياسات المستدمر الفرنسي في شتى المجالات والميادين والتي صعَبت على أصحاب القرار مهمة تنظيم شؤون البيت الداخلي. وما زاد الطين بلة، مواصلة اعتماد القوانين الفرنسية في تسيير شؤون البلاد نتيجة الفراغ السياسي والإداري أنذاك [30]. بعدها توالت الحقب على الجزائر والتي تميزت هي الأخرى بتهميش هذا القطاع الحساس، كالقانون الزراعي، وتأميم الأراضي، ثم فترة العنف السياسي. عرفت مرحلة التسعينات بداية الإهتمام الفعلي بقطاع الأوقاف بعد صدور دستور 1989 والذي شكلَ بداية لحماية الأوقاف قانونياً، ومن تم شهدت المنظومة القانونية للأوقاف إصدار وسن مجموعة من القوانين الهادفهة لتفعيل وتنظيم واستثمار الأوقاف كقانون 90/10 و 07/01[31]. تجدر الإشارة إلى أن الجهود المبذولة من الدولة الجزائرية كانت منصبة على حصر وإستعادة الممتلكات الوقفية التي اندثرت وضاعت إبان فترة الإستدمر الفرنسي، حيثُ كانت مبادرات دولية داعمة لهذا التوجه، كمبادرة البنك التنمية الإسلامي بجدة وغيرها. حالياً، تعتبر الدولة الجزائرية الجهة الوصية على تسيير قطاع الوقف من خلال وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والمديريات الموجودة في مختلف ولايات الوطن.

4.1 معيقات استغلال الوقف في الجزائر

استناداً للمقابلات التي أجريت مع العديد من خبراء الأوقاف، بالإضافة إلى مراجعة وقصي أهم ما كتب حول الأوقاف في مختلف البلاد الإسلامية، يمكن تلخيص أهم معيقات استغلال الأوقاف في الجزائر وكذا باقي الدول الإسلامية في العناصر التالية:

  • قدم وضعف وعدم مرونة المنظومة القانونية للأوقاف، ممَا نتج عنه مشاكل أخرى كتطبيق أساليب استثمارية وتمويلية قديمة، واستحالة إعتماد التقنيات الحديثة كتكنولوجيا البلوكشين، و تفاقم مشاكل الحصر وتوثيق الأملاك الوقفية، فضلاً عن مشاكل المنازعات حول الأملاك الوقفية.
  • معضلة مركزية القرار في المؤسسة الوقفية، والتي تعتبر نتيجة عدم إستقلالية القطاع الوقفي أو المؤسسة الوقفية عن باقي قطاعات الشؤون الدينية. حيثُ تقيَدُ مركزية القرار السلطات والمهام داخل المؤسسات، فضلاً عن محاربة الإبتكار والتطوير[32].
  • قلة الإعتماد على التكنولوجيا، حيثُ تتميز جل المؤسسات الوقفية في العالم الإسلامي على الإدارة التقليدية.[33]
  • إنعدام روح وثقافة المنظمة أو المؤسسة، نتيجة مركزية القرار وتقييد السلطات وتشابك المهام نتيجة التبعية المباشرة لقطاعات الشؤون الدينية المختلفة.
  • نقص المعلومات وسوء نظم الاتصالات والتوثيق[34].

5.1 حلول مقترحة لتفعيل ادارة المؤسسات الوقفية باستخدام البلوكتشين.

تتمثلُ ميزات تطبيق تقنية البلوكشين ومنصاتالتمويل الجماعية في ميدان الوقف إستناداً لرأي الخبراء، في تسهيل وضبط عملية توثيق الأوقاف والمساعدة في حل المنازعات، فضلاً عن ضمان الشفافية في صرف وتحصيل الموارد المالية. كما تشكل سبيلاً فعالاً مُحتملاً لحل مشاكل السيولة التي يعاني منها قطاع الأوقاف. ولتفعيل تقنية البلوكشين يتوجب القيام بما يلي:

  • تحديث المنظومة القانونية وما يتماشى مع استثمارات الأوقاف بالطرق الحديثة واستخدام البنى التحتية التكنولوجية.
  • استحداث وزارة الأوقاف، والتي تعنى بشؤون الوقف فقط وتندرج تحتها المؤسسات الوقفية، قصد تركيز المهام وتنظيمها وما يخدم مصالح الوقف المباشرة، والتي من شأنها تقليل التكاليف التشغيلية وترشيد الموارد الوقفية[35]. خير مثال يستشهدُ به في هاته الحالة طريقة عمل الأمانة العامة لأوقاف الكويت و المجلس الديني الإسلامي لدولة سنغافورة[36].
  • استحداث وزارة الأوقاف، سيفتح الباب أمام اعتماد كيانات ومؤسسات وقفية مختلفة تنشط في قطاعات مختلفة، مما سينتج عنه إستعادة الوقف لروح المنظمة أو المؤسسة والتي غيبت عنه بفعل عوامل متعددة كإشراف الدولة المباشر على هذا القطاع والذي يجب أن يكن في صورة مرافقة وإستشراف.
  • تفعيل دور الرأس المال العلاقاتي في مؤسسات الوقف الجزائرية، والذي من شأنه فتح باب العلاقات والتعاون مع الأطراف والمؤسسات الفاعلة في المحيط الخارجي للمؤسسة، والقضاء على عزلتها، سواء داخل أو خارج الوطن. وهذا لا يكن إلا بإستقلالية المؤسسات، واكتسابها لثقافتها التنظيمية الخاصة فضلا عن البنية التحتية التشغيلية[37]. هذا من شأنه جلب القدرات والخبرات الناجحة لمؤسسات الوقف مما يسهم في إستعادة دورها الريادي في تنمية المجتمعات[38].
  • التواصل مع المؤسسات المختصة بالبلوكشين والتمويل الجماعي كفيانتارا من أجل تنصيب ووضع أسس عمل تقنية البلوكشين. تجدر الإشارة إلى أن تنصيب هاته التقنية يتطلب عدداً من العاملين لا يتعدون الخمسة أفراد، والذين بدورهم سيقومون بتدريب العمال على استخدام هاته التقنية مستقبلاً.

خاتمة:

في بحثنا هذا المعنون بـ”إدارة مؤسسات الوقفية في الجزائر بتطبيق تنكولوجيا البلوكتشين”كان الهدف منه دراسة ملاءمة استخدام تقنية البلوكتشين في الإدارة الفعالة لمؤسسات الوقف، ومن خلال تطرقنا لمحاور المؤسسات الوقفية ودورها في تنمية أصول الوقف وأهم العوائق التي تحد من العمل الحسن لهذه المؤسسات، واستخدام تكنولوجيا البلوكتشين وإدارة الفعالة لأصول الوقف والتطرق لمفهوم تقنية البلوكتشين وأخذ نموذج شركة Finterra كأول منصة تطلق Waqfchain وآلية عملها، وفي الأخير المؤسسات الوقفية في الجزائر ومعرفة أهم معيقات التي تواجهها ومدى امكانية الاستفادة من تقنية البلوكتشين في ادارة المؤسسات الوقفية . وحمل هذا البحث لمجموعة من النتائج جد مهمة باعتبارها دراسة ميدانية.

1           نتائج الدراسة:

  • يؤدي الوقف دورا مهما إذا استعمل واستغل بالوجه المطلوب في المجالين الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء، مما يساهم في تقليل نسبة الفقراء وسد حوائج المحتاجين في المجتمعات الاسلامية.
  • يساهم الوقف في تقليل الفروقات الجتماعية والاقتصادية بين أفراد المجتمع الواحد من خلال عوائد أصول الوقف أو استعمالها من خلال القنوات الشرعية؛
  • للمؤسسات الوقفية بيئة محيطة بها كغيرها من المؤسسات الخيرية الاسلامية الأخرى، حيث نجد بيئة خارجية، مخرجات، المدخلات، العمليات الداخلية، التغذية الراجعة تعمل في اطارها.
  • تواجه المؤسسات الوقفية لجملة من القضايا والتحديات التي تحد من عملها وتعرقل استغلالها الأمثل للوقف منها مركزية الادارة ، غياب للبيانات والسجلات التاريخية عن الوقف، عدم القدرة على التسيير الأمثل للمتلكات الوقفية، ضعف في التوجيه الأمثل لإستغلال أو استثمار الأصول الوقفية وعدم القدرة في توفير الأموال اللازمة، بالإضافة الى نزاهة وتأهيل ناظري الوقف و نقص الرقابة الشرعية.
  • البلوكتشين عبارة عن قاعدة بيانات افتراضية تحافظ على دفتر يشبه دفتر الأستاذ موزع على جميع من يستعمل هذه القاعدة، إذ يخزن ويراقب جميع تواريخ المعاملات التي تتم بين المستخدمين أو الأقران Peer to Peer ، الذين يتصلون بالشبكة التي تستخدم برنامجًا حاسوبيا.
  • يمكن للمؤسسات الوقفية أن تتفاعل بالإيجاب مع التطورات والابتكارات الحديثة في مجال التكنولوجيا وذلك باستعمال لتقنية البلوكتشين والعقود الذكية. فالوقف والبلوكتشين يمكن مزجهما معا خاصة وأن هذه الأخيرة توفر لحلول عملية وبكفاءة عالية لعديد المعوقات والصعوبات من جمع الاموال وإدارة ونقل ملكية الوقف التي تعترض المؤسسات الوقفية في عصرنا الحديث.
  • يمكن النهوظ بقطاع الوقف واستفادة لمجموعة كبيرة من الأصول الوقفية من خلال منصات التمويل الجماعي التي تعتمد على تقنية البلوكتشين ومثالها منصة Finterra Waqfchain.
  • المؤسسات الوقفية الجزائرية تتميز بمنظومة قانونية غير مرنة، ومشاكل توثيق الأملاك الوقفية، وأساليب استثمارية وتمويلية قديمة، ومركزية في اتخاذ القرارات مما يحد من السلطات والمهام الموكلة لمؤسسات الوقف، وغياب شبه كلي لتقنيات التكنولوجية الحديثة في ادارة هذه المؤسسات مما نتج منه نقص المعلومات وسوء نظم الاتصالات والتوثيق.

التوصيات:

من خلال ما تم تقديمه في المحاور الثلاثة من هذا البحث، يمكن ايجاز بعض التوصيات فيما يلي:

  • انفتاح أكبر للمؤسسات الوقف على التكنولوجيات الحديثة ومسايرة التطورات الحاصلة في إدارة المؤسسات المالية الاسلامية وتبني لصناع القرار في الجزائر لمخرجات الثورة الصناعية الرابعة حتى لا تبقى في معزل وتفت عليها الفرصة الاستفادة من الوفرات التي توفرها هذه التكنولوجيا.
  • حث المؤسسات الوقفية في الجزائر على الانتقال من منهجية الادارة التقليدية لقطاع الأوقاف وتحديثه بتبني للحلول التكنولوجية
  • اعادة صياغة القوانين المتعلقة بالوقف والأصول والأملاك الوقفية من أجل تسهيل تطبيق تقنيات التكنولوجية الحديثة على شاكلة البلوكتشين وجمع الأموال اللازمة للأوقاف عن طريق منصات التمويل الجماعي.
  • تحتاج تكنولوجيا البلوكتشين الى المزيد من تركيز الدراسات والبحوث الجامعية والميدانية من أجل تحسين إدارة مؤسسات الوقفية وتطوير آلية عملها حتى تصل الى تحقيق هدف الواقف من وصول ثمرة الوقف الى المستفدين.
  • نشر الوعي بين أوساط المطورين للبرامج الحاسوبية والميدانيين من مدراء المؤسسات الوقفية والباحثين الجامعيين على أهمية تقنية البلوكتشين حتى يتم وضع لأطر وحلول تساعد على النهوظ بقطاع الوقف.

قائمة الهوامش والمراجع:

[1]صالح صالحي، الـدور الاقتـصادي والاجتـماعي للقـطاع الوقـفي، مجلة العلوم الانسانية، جامعة محمد خيضر ، بسكرة ، فيفري 2005، ص 160.

[2] صالح صالحي و نوال بن عمارة،الحوكمة ودورها في تفعيل مؤسسات الأوقاف الجزائرية لتحقيق التنمية المستدامة، الحوكمة ودورها في تفعيل مؤسسات األوقاف الجزائرية لتحقيق التنمية المستدامة، متوفرة على الرابطhttps://dspace.univ-ouargla.dz/jspui/bitstream/123456789/7622/1/saleh_salhi.pdf

[3]نفس المرجع السابق.

[4] أديب بن محمد المحيذيف، الإحترافية في إدارة المؤسسات الوقفية ، أكاديمية الوقف، ب ت، كتاب الكتروني متوفر من خلال الرابط التالي: https://d1.islamhouse.com/data/ar/ih_books/single8/ar_idart_AlWqf.pdf تاريخ التصفح 19/01/2020

[5]نفس المرجع السابق.

[6]Habib, Farrukh, and Abu Umar Faruq Ahmad. “Using Blockchain and Smart Contracts for Waqf Institutions.” Financial Technology and Disruptive Innovation in ASEAN. IGI Global, 2020, p 236.

[7]هي عملة رقمية مشفرة يتم تداولها في عالم الفضاء الافتراضي، وأول من تكلم عنها يعرف باسم ساتوشي ناكاموتو.

[8]Giancaspro, Mark. “Is a ‘Smart Contract’ Really a Smart Idea? Insights from a Legal Perspective.” Computer Law & Security Review 33, no. 6 , 2017, p 4; Nakamoto, Satoshi. “Bitcoin: A Peer-to-Peer Electronic Cash System. », 2008, p 2.

[9]Utamchandani Tulsidas, Tanash. “Smart Contracts from a Legal Perspective.” AlicanteUniversity, 2018, p 2.

[10]Kakavand, Hossein, Nicolette Kost De Sevres, and Bart Chilton, The Blockchain Revolution: An Analysis of Regulation and Technology Related to Distributed Ledger Technologies, 2017, p 3.

[11]Savelyev, Alexander. “Contract Law 2.0: ‘Smart’ Contracts as the Beginning of the End of Classic Contract Law.” Information & Communications Technology Law 26, no. 2, 2017, p 34.

[12]Szabo, Nick. “Smart Contracts: Building Blocks for Digital Markets.” EXTROPY: The Journal of Transhumanist Thought, (16), 1996, p 2.

[13] Savelyev, Alexander, Op-Cit, p 35.

[14]Giancaspro Mark, Op-Cit, p 4

[15] Kakavand et al., Op-Cit, p 6

[16]MICHAEL, JW, ALAN COHN, and JARED R BUTCHER. “Blockchain Technology.” The Journal, 2018, p 5.

[17] Idem.

[18] Kakavand et al., Op-Cit, p 8.

[19]Utamchandani Tulsidas, Tanash, Op-Cit, p 6

[20]Finterra Websit, Retrieved from https://finterra.org/about-2/

[21]Finterra, Finterra white paper, 2018, p 19.

[22]مقابلة شخصية مع باحث مساعد بشركةFinterra.

[23] نفس المرجع السابق.

[24]Ibid, p 21.

[25] Finterra, White paper, p21

[26]أنظر: مقابلة شخصية مع باحث مساعد بشركة Finterra؛حازم فضل الله ساسي، استخدام تطبيقات البلوكتشين لتطوير الأصول الوقفية: منصة شركة فينترا نموذجا، Journal of Islam in Asia، حجم 16، عدد 3، ديسمبر 2019، ص 154؛ وRashid, Syed Khalid. “Potential of Waqf in Contemporary World.” Journal of King Abdulaziz University: Islamic Economics 31, no. 2 , 2018, pp 57-58.

[27]وهي عملات رقمية مشفرة من أهمها “البيتكوين” يتم اصدارها وتداولها عن طريق شبكة الانترنات ولديها سعر صرف مع أهم العملات الورقية كالدولار واليورو.

[28]ناصر الدين سعيدوني، دراسات في الملكية العقارية، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر، 1986، ص 84.

[29]ناصر الدين سعيدوني، ” تاريخ الوقف ودوره الاجتماعي والاقتصادي”، الجزائر: دورة إدارة الأوقاف الاسلامية بالجزائر، 1999، ص 9.

[30]مديرية الأوقاف، ” الأملاك الوقفية في الجزائر”، نواكشط: ندوة تطوير الأوقاف الإسلامية وتنميتها، منشورات البنك الإسلامي للتنمية بالتعاون مع الأمانة العامة للأوقاف، 2000، ص34، 35 (بتصرف).

[31]فارس مسدور، ” الأوقاف الجزائرية بين الإندثار والإستثمار”، مجلة أوقاف، 2008، ص ص: 9-10.

[32]Laallam, A., Kassim, S., Adawiah, E. R., & Saiti, B. Towards Knowledge-Based Waqf Organizations. In Challenges and Impacts of Religious Endowments on Global Economics and Finance, IGI Global, 2020, pp:111-112.

[33]نفس المرجع السابق.

[34]كمال منصوري، “الإصلاح الإداري لمؤسسات قطاع الأوقاف: دراسة حالة الجزائر”، مذكرة تخرج لنيل درجة الدكتوراه، 2013، ص 120.

[35]Laallam abdelkader, An investigation of Knowledge Management and intellectual capital on organizational performance in non-profit organizations: the context of Algerian waqf institutions, Institute of International Islamic Finance and Banking, IIUM, unpublished thesis, 2020, p.240

[36]Laallam, A.et al., p.115

[37] Ibid, p.116

[38]Laallam Abdelkader, Op Cit, p. 255

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.