حصريا

نشُّ الذباب الذي أثاره عداب على حمى الأصحاب.  أبو جعفر بلال فيصل البحر

الحمد لله وصلاته وسلامه على رسوله وآله وصحبه.. وبعد:

فقد رأيت للدكتور عداب الحمش كلاما فجا أثاره على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم الذين عدّلهم الله بنفسه، وزكّاهم رسوله كما قال الله: (ويزكيهم) واتفق أهل السنة على عدالتهم كما حكاه الحافظ في (الإصابة) حتى قال ابن حزم رحمه الله: (الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً، قال الله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى﴾ وقال تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾.

فتأمل كيف وعدهم جميعهم بالجنة من أسلم قبل الفتح أو بعده من غير مثنوية، فلذا يقول العلماء إن سيئات الصحابة لا تقع إلا مغفورةً لوعد الله والله لا يخلف الميعاد، فمما أثاره عداب عن الصحابة الكرام:

الأول: ساق عداب من الصحيح حديث: (إنـهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى) ثم قال: (أليس هؤلاء هم الصحابة، أو بعض الصحابة، فما داموا ممن يردون النار وما دام الرسول قال: لا ينجو منهم إلا القليل، فكيف تريدوننا أن نحبهم ونقدّمهم على حبيب الله ورسوله).!

فيقال له: هذا الخبر عند أهل العلم هو في أهل الردة أو في جفاة الأعراب أو في أمة الدعوة أو في أهل البدع أو في المنافقين أو في أهل الكبائر، على خلاف بين شراح الصحيح، وهم أزيد من ثلاثمائة نفس ليس فيهم من قال ما ادعاه عداب إنه في الصحابة فضلا عن أكثرهم كما زعم عداب، فمن العاقل الذي يدع قولهم، ويركن لتخاليط عداب.؟!

وقد قال الفربري: ذُكر عن أبي عبد الله البخاري عن قبيصة قال: (هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر يعني حتى قُتلوا وماتوا على الكفر) وهذا تفسير راويه وقد تقرر في الأصول أنه أعلم بمعناه وأدرى به، ولهذا قدمه الحافظ ورجحه القاضي عياض والباجي وغيرهما.

قال الحافظ: وقد وصله الإسماعيلي من وجه آخر عن قبيصة، وقال الخطابي: (لم يرتد من الصحابة أحد وإنما ارتد قوم من جُفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين وذلك لا يُوجب قدحا في الصحابة المشهورين).

وأيضا فإن الصحبة في اللغة تطلق على من اجتمع معك لـماما في أمر اشتركتما فيه كغزو ونحوه، ولو لمدة يسيرة، كقول أبي فراس:

وقال أُصيحابي الفرار أو الردى … فقلتُ هما أمران أحلاهما مُرُّ

والصحبة في الأصل المرافقة للمؤانسة في سفر ونحوه، طالت كقوله تعالى: (يا صاحبي السجن) أو قصرت ولو ساعة، كما قال امرؤ القيس:

وقوفا بـها صحبي عليّ مطيهم…يقولون لا تـهلك أسى وتجمّلِ

وقد تكون أدنى من ذلك للحظة أو أطول من ذلك، وتكون للملازمة كما جمعهما الفرزدق في قوله:

وأطلسَ عسّالٍ وما كان صاحباً …… دعوتُ لنار مَوْهِناً فأتاني

فلما دنا قلتُ ادنُ دونك إنني …….. وإياك في زادي لمشتركانِ

فقلتُ له لـمّا تكشّر ضاحكا ….. وقائم سيفي من يدي بمكانِ

تعَشَّ فإن عاهدتني لا تخونُني…نكُنْ مثل من يا ذيبُ يصطحباني

فأول البيت في صحبة السفر، وآخره في صحبة الملازمة، وتطلق على طول العشرة كالزوجة ومنه قوله تعالى: (وصاحبته وبنيه) وقوله (ولم تكن له صاحبة) وتطلق على الملازمة للشيخ والأخذ عنه كما يقول أهل الحديث: أصحاب الزهري وأصحاب الأعمش ونحوه.

وتطلق الصحبة على من تمذهب بمذهبك وإن لم يلقك أو يدركك كقول الفقهاء أصحابنا وقولهم أصحاب أبي حنيفة وأصحاب مالك ونحو ذلك وهم أتباع مذاهبهم ممن أدركهم فمن بعدهم، كما تطلق على من عاصرك وإن لم تجتمع به ومنه تسمية العلماء لمعاصريهم من أهل العلم بــ(صاحبنا).

وتطلق على من اشترك معك في عمل، وتطلق على من اشتغل في أمرك وخاض فيه وإن لم تتفقا في مذهب أو دين كقوله تعالى: (وما صاحبكم بمجنون) وتطلق فيمن صحبك في شر كقول الحجاج: (ألستم أصحابي بالأهواز حين رُمتم الغدر).

وإذا تبين هذا عُلم أن إدخال الصحابة في معنى الحديث في الجملة من الجهل باللغة، وأن المقصود بالحديث الأعراب من أمته ممن لم يلقه كما في رواية: (فأقول أمتي أمتي) وفيهم من لم يصحبه إلا لماما وهم الأقل لأنه قال في الحديث: (رآني) وهذا مع نص العلماء أنه لم يكن فيمن ارتد صحابي، دليل على أنه لا يعد في الصحابة من هو مجهول العين والحال ممن لم يصحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحبة الاصطلاحية، وإنما رآه في موقف أو سمع كلامه في خطبة ونحو ذلك من النادر، فهذا يدخل في مسمى الصحبة لغة لا اصطلاحا، لأن النادر لا حكم له كما تقرر.

وعليه تحمل رواية: (أصحابي) وهو بمفهومه يدل على أن رؤيته عليه الصلاة والسلام وصحبته تمنع من أن يذاد عن حوضه إلى النار، لكن لأنـهم ارتكبوا أعظم منها وهو الردة استوجبوا ذلك، ففيه تنبيه على شرف الصحبة وعظيم فضلها.

وقد نقل العلامة السفاريني عن ابن الجوزي أنه قسم الصحابة إلى ثلاثة أقسام:

الأولى: من كثرت مخالطته ومعاشرته للنبي صلى الله عليه وسلم بحيث لا يُعرف صاحبها إلا بـها، فيقال هذا صاحب فلان وخادم فلان لمن تكررت خدمته لا لمن خدمه مرة أو ساعة أو يوما.

الثانية: من اجتمع به صلى اللهُ عليه وسلم مؤمنا ولو مرة واحدة، لأنه يصدق عليه أنه صحبه ولكنه لم ينته إلى الاشتهار به حتى يصير يُعرف.

الثالثة: من رآه صلى الله عليه وسلم رؤية ولم يُجالسه ولم يُـماشه، فهذا ألحقوه بالصحبة إلحاقا وإن كانت حقيقة الصحبة لم توجد في حقه، ولكن صحبة إلحاقية حُكمية لشرف قدر النبي صلى الله عليه وسلم لاستواء الكل في انطباع طلعة المصطفى صلى الله عليه وسلم فيهم برؤيته إياهم أو رؤيتهم إياه مؤمنين بما جاء به، وإن تفاوتت رُتبهم.

ولهذا ذكروا في الحد الإدراك دون الرؤية لأنه أخص، لأن قصدهم إدخال جميع من تشرف برؤيته أو لحظه بعينه الشريفة حال كونه يعقل، في مفهوم الصحبة، فهؤلاء جميعهم يندرجون في الصحابة، فلا يستوون من حيث الفضل وشرف الصحبة والانتفاع بملازمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلامه وسمته وهديه ورؤيته، وبه يعلم أن إطلاق القول بشمولهم في حديث: (ليذادن أقوام عن حوضي) من أعظم الظلم والجهل، ومن هنا خصه أهل العلم بالنوع الثالث على تقسيم ابن الجوزي.

وأيضا فقد يقال ليس كل من رآه رؤية عارضة يستقيم عده في الصحابة، ولهذا يطلق بعض العلماء كأبي عمر بن عبد البر وغيره في بعضهم أن له إدراكا ولا صحبة له، فهو صاحب لغة لا اصطلاحا.

وذلك مثل كثير من هؤلاء الأعراب الذين ارتدوا فورد فيهم هذا الخبر، ألا ترى أن اصطلاح الصحبة يصدق في جنس من الناس رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعدهم العلماء في الصحابة، كالأنبياء الذين رأوه في ليلة الإسراء، فهؤلاء لا يدخلون في حد الصحبة وإن صدق عليهم.

وعليه فللصحبة مفهوم وماصدق، فمفهومها يشمل كل من رآه عليه الصلاة والسلام وأدركه، وماصدقها لا يشمل إلا من لازمه وانتفع به فلا يدخل فيه هؤلاء الأعراب الذين ارتدوا وإن رأوه أو أدركوه.

ويقويه أن في رواية للخبر: (أُصيحابي) بالتصغير، وهو يدل على قلة عددهم من جهة كما قاله الحافظ، فيبطل ما زعمه عداب أن المراد به أكثر الصحابة، ويدل أيضا على قصر صحبتهم وندرتـها كمن رآه في موقف حال خطبة ممن لا يُعرف من الأعراب وهو معنى الحديث كما مر.

على أنه جاء في رواية صحيحة أنه علل ذلك بأنـهم: (أحدثوا وبدلوا وغيروا) وما الذي بدله خيار الصحابة وغيروه وأحدثوه من الشرع وهم حفاظه وأمناؤه ونقلته والله يقول فيهم: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا).!؟

وذكر الحافظ أن عند الطبراني بسند حسن من حديث أبي الدرداء: فقلتُ يا رسول الله، ادعُ الله أن لا يجعلني منهم، قال: (لستَ منهم) فإذا كان أبو الدرداء ليس منهم فأولى من هو أفضل منه من الصحابة، من أهل بدر لحديث حاطب: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فلا تقع سيئاتـهم إلا مغفورة.

ومن أهل بيعة الرضوان لحديث مسلم: (لا يلج النار أحد ممن بايع تحت الشجرة) وغيرهم من الصحابة لقوله تعالى (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) ثم قال: (وكلا وعد الله الحسنى) فتأمل كيف وعد الله كل الصحابة بالجنة، من كان منهم قبل الفتح أو بعده، ووعد المجاهدين منهم والقاعدين بالجنة فقال: (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى) وعداب يعدهم النار.

والعجب من قول عداب: (فكيف تريدوننا أن نحبهم ونقدّمهم على حبيب الله ورسوله) ومن طلب منه ذلك، نحن نطالبك بسلوك سبيل أهل البيت الذين تزعم مودتـهم وموالاتـهم ثم تخالف سنتهم في الصحابة، فهل قال هذا الذي تتقوله على الصحابة علي أو الحسنان أو السجاد أو الباقر أو الصادق وغيرهم سلام الله عليهم؟ وهل فهموا ما فهمت من هذا الحديث.؟

فلا لآل البيت انتصرت ولا بـهديهم اقتديت ولا للصحابة كسرت، ولن تضر إلا نفسك، والرجل لا ميزان له في قبول الأخبار وردها إلا الهوى، فيرد خبراً متفقاً عليه إذا خالف هواه، ويقبل خبراً من (الأغاني) إذا صادف غرضه، ولهذا لا تقرعه الأخبار الصحيحة في النهي عن سب الأصحاب.!

وبما أنه متمجهد وحده فلا يلقي بالاً لكلام الفقهاء أن سب الصحابي حرام وهو من أكبر الفواحش، قال الطيبي: ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزّر، وقال بعض المالكية. يُقتل، وقال القاضي عياض: سب أحدهم من الكبائر، وهذا في السب فكيف بالحكم عليهم بالنار.؟

ويقال لعداب: خبرنا عن مقالتك هذه في الصديق والفاروق وعثمان وغيرهم من خيار الصحابة، هل تقدمك إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو علي أو الحسنان أو السجاد أو الباقر أو الصادق أو زيد أم لا.؟

فإن قال: نعم، طولب بتصحيح النقل عنهم ودونه خرط القتاد، وإن قال: لا، فيقال له: فلا وسع الله على من لم يسعه السكوت عما سكت عليه النبي وآله عليهم الصلاة والسلام، والله بالمرصاد.

والعجب أن الغلاة مثله يبدأ الواحد منهم بسب الصحابة ثم يتوب في آخر عمره إذا كان ممن أراد الله له الخير، كما حكى أبو القاسم بن بَرهان قال: دخلتُ على الشريف المرتضى في مرضه وقد حوّل وجهه إلى الحائط وهو يقول: أبو بكر وعمر وليا فعدلا، واستُرحما فرحما، أفأنا أقول: ارتدا بعد أن أسلما.؟

قال: فقمنا وخرجتُ، فما بلغت عتبة الباب حتى سمعتُ الزعقة عليه.!

وأما عداب فإنه بدأ سلفيا ثم ها هو في أعقاب عمره يثلب السلف الأول ويقع فيهم، ونحن نسأل الله أن يلهمه التوبة بالحديث الذي يتعاطاه، فقد قيل للإمام أحمد: يا أبا عبد الله: رجال من أهل الحديث لا يُرى أثره عليهم؟ فقال: يرجعون بالحديث إلى الخير.

وقد سمعت لعداب هذا كلمة في برامج الحملة الإيمانية الشاملة زمان حكم صدام، عن حديث (خير القرون قرني) فجعل يذكر أنه دليل على عدالة الصحابة وفضلهم وفضل القرون الثلاثة، واندفع ينكر على ابن تيمية محاولته إدخال القرن الرابع فيهم لأنه كما زعم يريد به أن يشمل الإمام أحمد، فسبحان مصرف القلوب ومقلب الأبصار.!

الثاني: ومن عجب طعن عداب في أمير المؤمنين عمر بأنه لأنه لم يبارز أو يقتل مشركاً، وهو من الذباب الذي أثاره.!

ومع أن عمر رضوان الله عليه قد قتل العاص بن هشام بن المغيرة، ففي كلامه من الطعن في الجناب النبوي ما هو ظاهر من طريق الملازمة، لأن مقتضاه أن من لم يبارز أو يقتل مشركا في غزو فهو جبان، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتل في وقعة غير أُبيّ بن خلف، فيلزمه ما لا طاقة لنا بالبوح به، حاشاه بأبي هو وأمي ونفسي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي كان يحتمي به الصحابة إذا حمي الوطيس كما قال عليٌّ عليه السلام.

ثالثا: ثم غمز عداب الحمش في فعل أمير المؤمنين عمر رضوان الله عليه في فتوحاته بقتال فارس والروم.!

فيقال لعداب: هل يرضى الله بفعل عمر في الفتوحات.؟

فإن قال: نعم، بطل كلامه بالكلية.

وإن قال: لا يرضى، قيل له: يلزم منه أنه لم يرضَ عن عمر، واللازم باطل بالنص والإجماع فالملزوم مثله، لأن الله قال: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وقال: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم) وعمر من أهل الشجرة والسابقين بيقين، فسقط تمويه عداب.

وإن قال: لا تلازم بين الرضى عن الشخص والرضى بفعله، قيل له: هذا في الأفعال الحقيرة، فأما في عظائم الأمور كالدماء فلا.

ويقال لعداب: خبرنا عن فعل عمر في قتال من سمينا، هل هو فسق أولا؟ فإن قال: لا، بطل كلامه بالكلية.

وإن قال: هو فسق، فهو فاسد بأنه قد رضي عنه بالنص والإجماع، والله يقول: (إن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) وإذا انتفى عنه اسم الفسق لزمه وأفعاله وأعماله في خلافته ضد الفسق وهو الرضى، لأن المحل القابل للصفة لا يخلو منها أو من ضدها، فسقط تشغيب عداب، واستبان أنه لا يساوي مَتْك ذباب.!

وفي (الصحيح) عن ابن عباس قال: وُضِعَ عمر على سريره فتَكنّفه الناس يدعون ويُصلُّون قبل أن يُرفع وأنا فيهم، فلم يَرُعني إلا رجل آخِذٌ منكبي، فإذا علي بن أبي طالب فترحّم على عمر، وقال: ما خلّفتَ أحداً أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايْمُ الله إن كنتُ لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبتُ إني كنتُ كثيراً أسمعُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ذهبتُ أنا وأبو بكر وعمر، ودخلتُ أنا وأبو بكر وعمر، وخرجتُ أنا وأبو بكر وعمر) فهذه شهادة أمير المؤمنين علي عليه السلام في أفعال عمر وخلافته وسيرته، قابلها بشهادة عداب وتعجب.!

الرابع: ثم زعم عداب أن الحسين عليه السلام كان: (يرى ولاية معاوية فتنة كبرى ويرى جهاده واجبا شرعيا).

وعمدته ما وقع عند ابن سعد وغيره، أن الحسين عليه السلام قال لمعاوية في كتاب كتبه إليه: (أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جدير والحسنات لا يهدي لها إلا الله وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافا وما أظن لي عند الله عذرا في ترك جهادك ولا أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة).

فتأمل كيف تعلق عداب بآخر قول الحسين وترك أوله وهو: (وما أردتُ لك محاربة ولا عليك خلافا) وفي نفس الخبر أن الحسين كان قد بايع معاوية لأن معاوية كتب له: (إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء وقد أنبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق وأهل العراق من قد جربت قد أفسدوا على أبيك وأخيك فاتق الله واذكر الميثاق فإنك متى تكدني أكدك).

وهذا ظاهر في أن الحسين عليه السلام لم ينزع بيعة معاوية رضي الله عنه، لأن هذا الخلاف كان في آخر عهد معاوية حيث عهد إلى يزيد الطاغية فثار الحسين عليه السلام وخالفه لأجل ذلك، لا لأن ولايته كانت كما يرى عداب بكاسد رأيه (فتنة كبرى).!

كيف وهو قد بايعه واستمر على طاعته في ولايته حتى وقع من معاوية العهدُ ليزيد، فوصفه لولايته بالفتنة لأنه ختمها بالعهد ليزيد الطاغية وإلا فكيف تكون فتنة وهو قد بايعه وأطاعه وسلّم له، فقول عداب هذا يلزم منه أن الحسين رضي بالفتنة، واللازم باطل فالملزوم مثله.

بدليل أن الحسين قبل جوائز معاوية وكيف يقبلها وهو لا يراه إماما، كما رواه الآجري من طريق يحيى بن حسان قال حدثنا سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كانا يقبلان جوائز معاوية رحمه الله، وهذا إسناد من طريق العترة الطاهرة كما ترى.

ومن طريق محمد بن الفضل السدوسي عارم قال: حدثني مهدي بن ميمون عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب قال: كان معاوية رحمه الله إذا لقي الحسين بن علي رضي الله عنهما قال: مرحبا بابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهلا، ويأمر له بثلاثمائة ألف.

ومن طريق إسرائيل عن ثُوير عن أبيه قال: انطلقتُ مع الحسن والحسين رضي الله عنهما وافدين إلى معاوية رحمه الله فأجازهما فقبلا.

ولو لم يكن الحسين عليه السلام يرى معاوية إماما لما قبل جوائزه، لا يقال إنـهما قد قاتلاه؟ لأن قتالهما إياه كان قبل بيعته وتسليم الأمر له، كما أن خلاف الحسين لمعاوية كان بعد العهد ليزيد وكان قبل ذلك مبايعا لمعاوية، فتنبه ولا تغتر بترهات بسابس عداب الذي يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض على ما تتجارى به الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه.

وهب يا دكتور عداب أنه كما تقول فكان ماذا إذا كان هذا رأي الحسين وخالفه أخوه الحسن فبايع معاوية، وكلاهما مجتهد ولا يكون قول مجتهد حجة على آخر إلا بدليل، فكيف والدليل مع الحسن بإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على فعله.؟!

وقد علل النبي صلوات الله عليه وآله وصفه للحسن بالسيادة ببيعة معاوية التي وقع بـها الصلح بين المسلمين وسكنت الفتنة، وهو يوجب صواب رأيه ورجاحته على رأي الحسين، لما تقرر في الأصول أن تعقيب الحكم بوصف مشعر بعِلِّيَّـته، فيكون بيعته لمعاوية ونزوله له عن الخلافة الذي هو سبب الصلح بين الطائفتين علة استحقاق الحسن السيادة، وهو يقتضي صحة بيعة معاوية وإلا لم يكن لوصفه بالسيادة معنى.

وأيضا فالحسن ذو ولاية، والحسين لا ولاية له إذ ذاك، وقد تقرر في الأصول أن اجتهاد من له الولاية مقدم على اجتهاد من لا ولاية له، فسقط تشغيب عداب، وبطل قوله

وما أجود ما كتب السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير للإمام المهدي يقول له:

لئن كنتَ مقتدياً بالحسين … فلي قدوةٌ بأخيه الحسَنْ

فقد حمِدَ المصطفى فعلَهُ …….. لإطفائه لنيار الفتَـنْ

ولو كان في فعله مخطئاً … لما كان للمدح معنىً حسَنْ

وفي (الاحتجاج) للطبرسي: قال الحسن عليه السلام: (أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء يزعمون أنـهم لي شيعة، ابتغوا قتلي وأخذوا مالي، والله لأن آخذ من معاوية ما أحقن به من دمي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا بي إليه سلماً، ووالله لأن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير) وبالله التوفيق.

الخامس: وقد تعلق بعض أتباع عداب تقليداً لشقشقاته في الطعن على الصحابة والمحاماة عن عداب بكلام تلقفوه منه، ومنه أن البخاري ذكر هند بن أبي هالة في (الضعفاء).!

فيقال له ولهم: البخاري لم يجزم بضعفه، وإنما أورده فيه وقال: (هند بن أبي هالة: وكان وصافا للنبي صلى الله عليه وسلم، روى عنه الحسن بن علي، ويتكلمون في إسناد حديثه) ومراده يتكلمون في الأسانيد إليه هل تصح أم لا، وليس مراده أنـهم يتكلمون فيه.

ولهذا قال ابن أبي حاتم: (روى عنه قوم مجهولون فما ذنب هند بن أبي هالة أدخله البخاري في كتاب الضعفاء فسمعت أبي يقول يحول من هناك).

ولم يرد البخاري أنه ضعيف بل أراد ما تقدم، بدليل أن العقيلي ساق حديثه في وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعله بيزيد بن عمر التميمي وأنه لا يتابع على إسناده، فهذا مراد البخاري، لأن يزيد التميمي رواه عن أبيه عن الحسن بن علي قال: سألتُ خالي هند بن أبي هالة، وخالفه أبو غسان فرواه عن أبي جميع قال: سألت هند بن أبي هالة، ورجح العقيلي هذا الوجه في إسناده وهو معلول كما قال البخاري.

ويقويه أن المعلمي نقل من نسخة في (الضعفاء) للبخاري أنه قال: (لم يصح حديثه) فبطل كلام العدابيين، وقد قال المعلمي: (هذا اصطلاح البخاري يذكر في الضعفاء من ليس له إلا حديث واحد لا يصح، على معنى أن الرواية عنه ضعيفة، ولا مشاحة في الاصطلاح).

وعلى التنزل أن البخاري ضعفه فأين التضعيف لأنه لم يضبط الحديث ويحفظه ممن يطعن في عدالة الصحابة ويقطع بأن أكثرهم في النار، فهذا من تمويه أصحاب عداب ومحاولتهم البائسة في الاعتذار عنه.

وقد خفي مسلك البخاري هذا في (ضعفائه) على الشيخ المحدث طارق عوض الله، فذكر في درس (ألفية السيوطي) أن كتاب (الضعفاء) المطبوع للبخاري غلط، وإنما هو كتاب (تاريخه الصغير) واحتج بأن البخاري ذكر فيه بعض الصحابة، وهل يضعّف البخاريُّ الصحابة بالجهالة؟! وكلامه غلط ظاهر لما مر تحقيقه في اصطلاح الجهالة عند البخاري، ولقول أبي حاتم وولده الذي مر ذكره.

وها هنا أصل عند العلماء وهو أن الصحابة لا يسوغ الكلام فيهم إلا بقدر ما يتعلق بالرواية وصيانة الحديث من الغلط، لأن الله عدلهم بنفسه وزكاهم رسوله فلا قول لأحد، وقد قال الله: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).

السادس: ثم تعلق العدابيون بأن البخاري ضعف أبا الطفيل، وهو كذب ظاهر فإن أبا الطفيل إنما تكلم البخاري في الرواية عنه كما تقدم في هند بن أبي هالة، وذكره ابن عدي في (كتابه) فقال: وقال ابن المديني: وقيل لجرير بن عبد الحميد: كان مغيرة يُنكر الرواية عن أبي الطفيل؟ قال: نعم.!

قال ابن عدي: ولو ذكرت لأبي الطفيل ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لطال، وأبو الطفيل أشهر من ذلك، وكانت الخوارج يذمونه باتصاله بعلي وقوله بفضله وفضل أهله، وليس برواياته بأس، فتبين أن الكلام إنما هو في رواياته لا في عدالته.

السابع: زعم بعض العدابيين حين أعيتهم الحيلة أن الصحابي مدلاج بن عمرو السلمي وهو من أهل بدر، قد وصفه أهل السنة بالأعرابية والجهالة والنفاق.!

فأما النفاق فهو كذب منهم لم يصفه بذلك أحد، وأما الجهالة فهو تدليس قبيح منهم عصبية لعداب، فإن الذي وصفه بالجهالة إنما هو الذهبي تبعا لابن الجوزي، وقد تعقبهما العلماء في ذلك كابن حجر وغيره.

وهما في ذلك تابعان لأبي حاتم الذي لم يرد الجهالة المعروفة، بل هذا اصطلاح خاص به يطلق الجهالة على من لم يشتهر ولم يرو عنه الحديث، مثل مدلاج فإنه من الأعراب الذين لا عناية لهم بالرواية، وليس في وصفه بالأعرابية نبز كما يلمع إليه هذا العدابي، فهو عندهم عدل ولا تضره جهالة من جهله ولا كونه من أعراب الصحابة لأنه بدري، والنبي صلوات الله عليه وآله هو من قال: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).

ولهذا لم يطعن فيه أحد لأن أهل بدر لا تقع سيئآتـهم إلا مغفورة بالنص، ولا تضره جهالة من جهله، وأين جهالة الصحابي الراجعة إلى عدم معرفته من طعن عداب في كبار الصحابة المعروفين من السابقين الأولين المرضي عنهم، فالعجب من هذا المتعصب لعداب كيف غبي وتعامى عن وقيعة عداب في الصحابة من أهل بدر وغيرهم، كما قال القائل:

وإني أرى في عينك الجذع معرضا…وتعجب إن أبصرتَ في عيني القذى

الثامن: وتعلق العدابي بما زعم أن أهل السنة يطعنون في عبد الرحمن بن عديس البلوي، وهو من كذبه فمن الذي طعن فيه، ومن ترجم له من المصنفين في الصحابة يذكرونه بلا طعن لأنه لا رواية له فلا حاجة بـهم إلى تعديله أو تجريحه.

ولهذا يذكرون مناقبه وأنه شهد بيعة الرضوان وفتح مصر، ويذكرون من زلاته أنه كان أمير الجيش الذي جاء من مصر لحصار أمير المؤمنين عثمان وقتله، ثم يسوقون له حديثا واحداً قال ابن الربيع: (لا أعلم له غيره).

والحديث حجة عليه -على ضعفه- لأن فيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج ناس يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقتلون بجبل لبنان والخليل).

فلما كانت الفتنة كان ابن عديس ممن أخّره معاوية في الرهن، فسجنه بفلسطين، فهربوا من السجن، فأدرك فارسٌ ابنَ عديس فأراد قتله، فقال له ابن عديس: ويحك! اتق الله في دمي، فإني من أصحاب الشجرة، قال: الشجر بالجبل كثير، فقتله.!

فالرجل له هذه الزلة التي يغفرها الله له بسابقته وجهاده وبيعته تحت الشجرة، فلذا سكت العلماء عنه لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة) ولو قدر أن بعض أهل السنة تكلم فيه فإن العلماء يردون كلامه ويحامون عن حمى الصحابة.

فلم يتكلم فيه ولا في غيره من الصحابة أحد من العلماء بسوء، كما يتكلم عدابك في السابقين الأولين ممن زكاهم الله ورسوله، والعجب من جرأة هذا العدابي وكذبه على كتاب الله فإنه قال بعد سرد هذه الشبه الخاوية وزعمه أنـها حقائق: (فهل يكون قائل الحقيقة منتقصا للصحابة، إذا كان الأمر كذلك فالقران الكريم هو أول من انتقص الصحابة) وهذا كلام من ليس له ستر ولا عقل، وحكايته تغني عن تكلف التعليق عليه، لكن قابله بما قاله الحافظ ابن حجر في (مقدمة كتاب الصحابة):

وقد كان تعظيم الصحابة ولو كان اجتماعهم به صلى الله عليه وسلم قليلاً مقرراً عند الخلفاء الراشدين وغيرهم، فمن ذلك ما قرأت في كتاب (أخبار الخوارج) تأليف محمد بن قدامة المروزي .. عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا عنده وهو متّكئ، فذكرنا علياً ومعاوية، فتناول رجل معاوية، فاستوى أبو سعيد الخدري جالساً، ثم قال: كنا ننزل رفاقاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنا في رفقة فيها أبو بكر، فنزلنا على أهل أبيات وفيهم امرأة حبلى، ومعنا رجل من أهل البادية، فقال للمرأة الحامل: أيسرّك أن تلدي غلاما.؟ قالت: نعم.

قال: إن أعطيتني شاة ولدت غلاماً، فأعطته فسجع لها أسجاعاً، ثم عمد إلى الشاة فذبحها وطبخها، وجلسنا نأكل منها ومعنا أبو بكر، فلما علم بالقصة قام فتقيّأ كل شيء أكل.!

قال: ثم رأيتُ ذلك البدويَّ أُتِيَ به عمرَ بن الخطاب وقد هجا الأنصار، فقال لهم عمر: لولا أن له صحبةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري ما نال فيها لكفيتكموه، ولكن له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.!

قال الحافظ: هذا لفظ عليّ بن الجعد ورجال هذا الحديث ثقات، وقد توقف عمر رضي الله عنه عن معاتبته فضلا عن معاقبته، لكونه علم أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك أبين شاهد على أنـهم كانوا يعتقدون أنّ شأن الصحبة لا يعدله شيء.!

فتأمل كلام العلماء وصنيعهم من السلف والخلف في الصحابة وفضلهم ومنزلتهم، وقابله بتهريج عداب وأتباعه الذين نبتوا في ذيل الزمان فضاقت مذاهبهم عن كل خير ينفعون به الأمة، فنبغوا في ثلب خيار الأمة والطعن على نقلة الدين الذين اختارهم الله واصطفاهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، حتى قال سفيان الثوري في قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) قال: هم أصحاب محمد.

وبما تقدم توقن أن كلام عداب وأتباعه متهافت ساقط وهو أهون من ونيم ذباب على قول الفرزدق:

لقد وَنَـم الذبابُ عليه حتى … كأن وَنِيمَهُ نقطُ الـمِدادِ

والحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وآله وأصحابه وسلم تسليما

كتبه

أبو جعفر بلال فيصل البحر

القاهرة/1440 ربيع الأنوار

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.