حصريا

متى ننتصر للمرأة المسلمة رشيدة قادري

كثيرا ما كنت أقف ولا زلت معجبة مشدوهة لعلاقة الحبيب المصطفى ــ صلى الله عليه وسلم ـــ بزوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهم، وبناته، رضوان الله عليهن، وخاصة “عائشة” بنت الصديق رضي الله عنهما، و”فاطمة” بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قرأت منذ صغري عن منافسته لعائشة في السباق وكيف غلبته ثم غلبها، وكيف كان يحملها على كتفيه الشريفتين لتتمتع بلعب الحبشة، وكيف كانت تسأل عن حبه لها، فيجيب أنه” كالعقدة بالحبل” وتسأل مرة أخرى لتطمئن فتقول “كيف حال العقدة يا رسول الله ” فيجيب بأبي هو وأمي عليه أزكى الصلاة والتسليم “كما هي”. وكيف سئل في المسجد وهو عامر: من أحب الناس إليك يا رسول الله؟ فيجيب” عائشة” فيقولون : ما قصدنا أحدا من نسائك، إنما من الرجال، فيقول: أبوها، أيُّ إكرام هذا لعائشة وهو ينطق باسمها ويجاهر بحبها أمام الملأ، ويزيدها إكراما حين يجعل لها نصيبا من أبيها بإضافة الضمير والإحالة عليها، فالسامع يفهم أن عائشة وكل من يحيط بها ومن كان سببا في وجودها قد شغف بهم الحبيب حبا، ولذلك تجاوز عن غيرتها التي كثيرا ما كانت تضحكه وتشعره بالسعادة فيلتمس لها الأعذار أمام الناس ويقول “أمكم غارت” ويتفقد موضع فمها من القدح ويشرب،… أما حبه لفاطمة، فقد أعطى فيه أروع الصور في مجتمع كان قريبَ عهد بدفن البنات وهن أحياء خشية العار أو الفقر، فقد كان يهش لقدومها ويقف أمام القوم ويرسم على جبينها قبلة الحب والود والدفء تغنيها عن كل القبلات.

إنه “محمد” – صلى الله عليه وسلم- الرحمة المهداة، جاء ورفع من قيمة المرأة؛ ابنةً، وزوجةً، وأماً، وعضوا مُهِمّا في جسم المجتمع وقبل ذلك كله إنساناً، وهبه الله حق الحياة فلا يحق لبشر مثله أن يسلبها إياه، ووهبه العقل ليهتدي به الى سواء السبيل، فلا حق لمن تساوى معه في البشرية أن يسلط عليه الجهل، وخلقه حرا من أي عبودية غير عبودية الله فلا يساغ استعباده جسديا أو فكريا أو روحيا من طرف إنسان مثله.

لقد جاء الإسلام وبدأ يلعب دوره في تخليص البشرية من الوهم والخرافة التي ورثتها جيلا عبر جيل، ومن العبودية والرق، ومن الفساد والتعفن، ومن القذارة والانحلال، ويخلص المجتمع الإنساني من الظلم والطغيان، ومن التفكك والانهيار، ومن فوارق الطبقات واستبداد الحكام واستذلال الكهان، ودوره في بناء العالم على أسس من العفة والنظافة الإيجابية، والحرية والتجدد، ومن المعرفة واليقين، والثقة والإيمان، والعدالة والكرامة، ومن العمل الدائب لتنمية الحياة وترقيتها، وإعطاء كل ذي حق حقه في الحياة.

إن إحقاق الحق في موضوع المرأة مثل إحقاق الحق في أي جانب من جوانب الشريعة، هو انتصار لشرع الله، على أن لموضوع المرأة أهمية خاصة لعدة اعتبارات أهمها:

 ــــ محورية المرأة في حياة الرجل، أبا وأخا وزوجا، فإذا جمعت المرأة كل هؤلاء فمن يكون أعز منها؟

      إن المرأة المسلمة أكثر تعرضا لافتراس جاهليتين: جاهلية القرن الرابع عشر الهجري (الغلو والتشدد والتقليد الأعمى لما وجد عليه الآباء) وجاهلية القرن العشرين الميلادي (العري والاباحية والتقليد الأعمى للغرب)، وكلتا الجاهليتين خروج وتمرد على شرع الله.

  إن الانتصار للمرأة المسلمة هو انتصار للإنسان المسلم بشقيه، للمظلوم بإنصافه، وللظالم برده عن الظلم، تنفيذا للأمر النبوي” انصر أخاك ظالما أو مظلوما”، وإن كان الحيف واقع على المرأة منذ القدم ومستمر، فإنه في زمننا هذا حيف واقع على الرجل، فلا غرو من أن نحق الحق ونضع القاطرة على سكتها ليسهل السير على الطريق ويكون الوصول آمنا للكل.

     يقول الدكتور ابراهيم الديب في كتابه (القيم التأسيسية ــ البناء الرباني المعاصر): “لقد اقتضت سنة الله في خلقه أن يختلف الرجل عن المرأة، ليتقاسما أدوار بناء الأسرة والمجتمع، فالمرأة بطبيعتها خلقت بتكوين فطري خاص يميزها عن الرجل تتوافر فيه مكونات الأنوثة، كما يميز الرجل عن المرأة وجود عناصر ومقومات الرجولة. فالأنوثة تعتبر منبعا فطريا للحب والحنان غير المشروط لدى المرأة عليه يعيش الطفل والابن من أمه، والرجل من زوجته، وبه يستقيم أمر الحياة. والأنوثة هي أداة فعل لدى المرأة كالقوة في الرجولة، وهي شعار وعنوان ومصدر اعتزاز المرأة بذاتها وخصوصيتها… ومن ثم فإن الدعوة إلى تحرير المرأة ومساواتها بالرجل في كل النواحي اعتداء على أنوثة المرأة وذكورة الرجل معا، لذلك وجب رعاية الفوارق بين الجنسين في الوظائف والنشاطات والنواحي السيكولوجية والبيولوجية.

   غير أن المرأة المسلمة تعرضت لأكبر عملية متاجرة وابتزاز في التاريخ، سواء من جانب أباطرة فقه التشدد والتطرف، أو من جانب أصحاب شعارات الحرية والمساواة ودكاكين حقوق النساء، أو من جانب المستشرقين الذين يحاولون الطعن في الإسلام من خلال التشكيك في موقفه اتجاه المرأة ، فالفريق الأول فسر الآيات القرآنية لصالح منهجه المتشدد، واستخدم أحاديث ضعيفة ليحط من شأن المرأة ويحولها إلى سلعة لا تصلح إلا للفراش مع التأويلات الفقهية المتشددة والتي كانت ترتبط بظروف ومعطيات عصرها الاجتماعية والاقتصادية، والفريق الثاني امتطى صهوة النصوص ليتاجر بشعارات المرأة المضطهدة والمقهورة، أما المستشرقون فدللوا بتلك النصوص على أن الإسلام دين لا يصلح للعصر ولا يتماشى مع الحضارة والعلم الحديث، يقول “روبير دوتراز” : “الإسلام اليوم نبع جف ماؤه ، فماذا باستطاعة المسلمين أن يلقنونا؟ إذا كنا مرضى فهم في حالة النزع! إنهم أصحاب حضارة ساقطة وديانتهم ولغتهم عقيمتان، الأمثولة الوحيدة التي نأخذها من المسلمين هو أن انحطاطهم يجب أن يعلمنا كيف نتجنب الوصول إلى هذا الدرك!! ذاك رأيهم فينا وعملهم معنا، فماذا نقول وكيف نرد؟ و كيف نحمي أنفسنا ونحمي العالم من هذا الطغيان؟[ محمد الغزالي، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة].

  إن الجاهلية ليست فترة من الزمن محدودة ، ولكنها طابع روحي وعقلي معين ، طابع يبرز بمجرد أن تسقط القيم الأساسية للحياة البشرية، كما أرادها الله، ويحل محلها قيم مصطنعة تستند إلى الشهوات الطارئة، وهذا ما تعانيه البشرية اليوم في حالة الارتقاء الأولى، كما كانت تعانيه من قبل في أيام البربرية الأولى.

إن من أعظم ما تخدم به هذه الأمة وتؤمن من المهازل والمآسي التي لا تكاد تنتهي هو إيجاد الوعي في طبقاتها ودهمائها وتربية الجماهير التربية العقلية والمدنية والسياسية، ولا يخفى أن الوعي غير فشو التعليم وزوال الأمية، وإن كانت هذه الأخيرة من أنجح وسائلها( بتخليص العقل من الخرافات الموروثة والتفكير السطحي) وليعرف الزعماء السياسيون والقادة أن الأمة التي يعوزها الوعي غير جديرة بالثقة ولا تبعث حالتها على الارتياح وإن أطرت الزعامة والزعماء وقدستهم، فإنها ــ مادامت ضعيفة الوعيــ عرضة لكل دعاية وتهريج وسخرية كريشة في فلاة تلعب بها الرياح لا تستقر في مكان.[ الندوي أبو الحسن، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، مكتبة الإيمان،القاهرة،ص252].

     إن كتب التراث أزمت العقل المسلم وجعلته ينظر بعين الموتى إلى واقع حي، وسمحت لفيروسات هدامة تتغلغل بداخله فراح يؤول النص الشرعي بما يلائم هواه ومصالحه فينتقي من الأحكام ما يروق له، هل الغرب لا يزال غارقا بكتب التراث التي حبست عقولهم عن التجديد؟ لا، إن لهم كتب استشراف وانطلاق سمحت للمرأة بتبوؤ مكانة تصلح لقيادة العالم، بينما المرأة المسلمة زادوها غبنا على غبن، حين وضعوا أمامها كل المطبات وحجبوا عنها الرؤية إلا ما يريدونه هم أن تراه، لقد آن الأوان أن نهتم بالغابة بدل التركيز على الشجرة، هذه الغابة جزء منها هو الحريات الفردية والجماعية وهي ــ مثل الهواء ـــ صالحة وضرورية بنفس الإلحاح للإناث والذكور، ومن ثم فتعهدها وحمايتها وتطويرها جزء لا يتجزأ من تحسين ظروف العيش المشترك للرجال والنساء، ويبقى أهم جزء من الغابة ألا وهو الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

إن كثيرا من الدراسات التي قامت بها الجامعات والمنظمات الدولية، تظهر أن المرأة هي أول ضحايا الفقر، وأن مستوى الصحة ـــ خاصة نسبة وفيات الأطفال ـــ مرتبط أوثق الارتباط بتعليمها؛ والأهم من هذا كله أن أنجح برامج التنمية هي التي ترتكز عليها، لأنها أقدر من الرجل على استغلال القروض الميسرة، وخلق فرص الشغل في المؤسسات الاقتصادية الصغرى. إن التنمية النسائية هي المدخل الأساس للتنمية الإنسانية الشاملة، وذلك بغض النظر عن الضرورة الأخلاقية والقانونية لتمتع النساء بحقهن في الرفاه والصحة والعمل والتعليم، ولتحقيق ذلك كله نحتاج إلى الخطوات التالية التي توصلنا إليها من خلال بحثنا:

ــــ ضرورة الرجوع إلى للأصول من كتاب وسنة لتقويم المفاهيم والتصورات الموروثة والتي عفا عنها الزمن سواء في مجال المرأة او غيرها من المجالات الضرورية لحياة المسلم.

ـــ ضرورة اصطحاب الفتوى بالدليل من الكتاب والسنة بمصادرها الموثوقة  ليعرف الناس أحكام دينهم.

ـــ ضرورة الدعوة إلى مشروعية مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية والتنموية بحضور الرجل مع رعاية الضوابط الشرعية.

ــ إعادة البحث في السياق التاريخي والسياسي للأحكام والفتاوى المجانبة لروح الشرع والمرتبطة بالأسرة وبمحورها المرأة، لأجل العثور على الحلقة الخفية التي تفسر لنا سر تحول الأحكام الخاصة بالأسرة وبالمرأة بوجه خاص من التحرير والتنوير والمشاركة الفعالة في زمن الرسالة، إلى الحبس في البيوت وحصر دورها في الاستمتاع بهاو الإنْجَابِ منها.

ــ دراسة أطر التفكير الذكورية التي  تظهر في مقولات المفسرين والفلاسفة

 ـــ ضرورة تحديد وتحرير مفهوم القوامة من فقه البادية والتقاليد البالية بما يتيح للمرأة من العيش في سلام مع محيطها والتركيز على تطوير ذاتها للنهوض بالمهام المنيطة بها والمعطلة لحد الساعة.

ـــ تفعيل الدور التربوي المؤسسي الكبير للمرأة من خلال مراكز لتربية وتأهيل النساء وبخاصة الفتاة، منها مراكز التدريب الإعلامي والتفكير الاستراتيجي.

ــــ إن المبالغة في سد الذرائع كالمبالغة في فتحها، فالاعتدال مطلوب خاصة فيما يتعلق بسد ذريعة فتنة المرأة.

ـــ وجوب الوصول إلى فهم المقاصد العامة لآي القرآن الكريم وبناء سياقات كلية (استراتيجية) لا جزئية في تفسير القرآن الكريم ولا نكتفي بأسباب النزول والبيئة التي نزلت فيها الآيات، لأن القرآن جاء ليخاطب العقل الإنساني  منذ نزوله على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ــ ضرورة تطوير تناولنا لقضايا المرأة من حيث الشكل والمضمون، وبالتالي نحن بحاجة لفقه جديد خاص بالمرأة وطريقة تفكير جديدة تتماشى والقرن الواحد والعشرون.

ــ لقد عاشت المرأة المسلمة تأخذ فقهها وفتاويها من الرجال، فمتى ستقتحم هذا المجال الذي لا يتقنه سواها وإنما أرت عنه قصدا وعن السياسة منذ العهد الأموي وخاصة العباسي الذي قيد فيه الحكام الحرية السياسية وأطلقوا كل الحريات بما فيها حرية المعتقد، وحرية الجسد للمرأة، فغرقت وأغرقت.

ـــ الغرب تقدم علينا بسنوات ضوئية في مجالات المرأة وكل ما يخصها من قريب أو من بعيد، وقدموا أطروحات سياسية وتربوية واجتماعية وفكرية وجمالية ،نحن في أمس الحاجة لأن نعيد قراءتها وفهمها ومن ثم تنقيحها حسب قيمنا وأحكام شريعتنا السمحة ،وإعادة تسويقها بروح إسلامية مشعة تلقي بدفئها على المرأة والعالم .

ـــ ضرورة تطوير خطابنا عن المرأة والتوقف عن الحديث عنها بأنها مستضعفة وأنه يحاك لها وأنها سلعة تستخدم لأغراض خبيثة…،إن مثل هذا الخطاب يؤخر المرأة سنوات ويجعلها حبيسة بيتها بعيدة عن كل حراك يمدها ويمد أجيالا بأكسير الحياة الأبدي.

ـــ وجوب تكاثف الجهود النسائية في العالم الإسلامي لرفع الغبن عن المرأة وولوج عالم التأصيل المقاصدي والتجديد الفقهي في كل ما يهم المرأة والأسرة.

ـــ المشاركة المكثفة للمرأة في النشاط الاجتماعي والسياسي والمهني والرفع من منسوب الوعي لديها .

ـــــ صناعة رموز نسائية قيادية على مستوى العالم العربي والإسلامي من خلال التشبيك بين المنظمات النسائية المتواجدة في الأقطار وتقديم الدعم اللازم وإقامة دراسات وبحوث خاصة

ــ إنشاء موسوعة مشتركة من المهتمين بقضايا المرأة تضم كل أسماء النساء المبدعات واللاتي وقفن في وجه الصعاب لإثبات وجودهن وقدرتهن على الفعل الحضاري المشترك مع الرجل عبر أزمنة التاريخ، وخاصة في زمن الحضارة الإسلامية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.