حصريا

مالك بن نبي.. الظاهرة -أ.ملزي نعيمة

[cl-popup title=”ترجمة الكاتبة” btn_label=”ترجمة الكاتبة” align=”center”]

خريجة معهد علوم الاعلام والاتصال ببن عكنون .الجزائر [/cl-popup]

مالك بن نبي.. الظاهرة

إن الحديث عن مفكر و فيلسوف من طينة مالك بن نبي يُوشك أن يُؤدي إلى الوقوع في فخ التقديس و التأليه فيحدث بما يوحي انه -استبدال خفي بين الفكرة و الشخص- فتتراجع في غمرة ذلك قوة الفكرة بوصفها كائنا معنويا موضوعيا، و يبزغ الوثن بشكل ذاتي مجرد ،و هي واحدة من ضمن العلل التي كان مالك قد ركز عليها منبها إلى خطورة التلبس بها نظرا لتبعاتها المفلسة من الناحية الإجرائية و المنهجية على حد سواء، ومن هذا المنطلق سنحاول و نحن في ضيافة رجل المنهج و مؤلف ” الظاهرة القرآنية ” أن نتحرى الموضوعية في حدود الممكن متتبعين جُحر الفكرة من زاوية نظر صاحبها بنية إحياء الوصفات التي حررّها طبيب الحضارة بدقة متناهية بحكم تخصصه العلمي في الهندسة الكهربائية. و بمعرض الحديث عن دقته العلمية يُذكر أن المفكر مالك بن نبي أثناء رحلة غوصه في أعماق مشكلات الحضارة و قضايا العالم الإسلامي كان قد استوحى الخطوط العريضة لدراسته من خلفيته الدراسية الخاضعة لأسس التحليل العلمي و اسقط الأسلوب ذاته على مجمل الظواهر الاجتماعية و الإنسانية التي تتميز بالتعدد و الدينامكية ،و هي النقطة التي يجد بعض النقاد أنها قاب قوسين أو ادنى من الزلل المنهجي ذلك أن الخصوصيات الثابتة للظواهر الطبيعية التي تخضع للحتمية السببية ليست نفسها تلك التي تميز الظواهر الاجتماعية بمختلف تفاصيلها الزئبقية المتحركة… و كان الدكتور/ عبد العزيز الخالدي قد أشار في مقدمته لكتاب شروط النهضة أن مالك بن نبي” لم يكن رجل عقل مغرم بالتجريد ” بقدر ما كان ملاحظا مفكرا دارسا لواقعه و مختلف سياقات أحداثه بقراءة جديدة خاضعة لمنطق التحليل و التدليل..،و المطالع لفكر مالك بن نبي يكون قد لاحظ ولاشك منهجيته التحليلية العميقة الدلالة في تشخيص العلة و المعلول انطلاقا من الكليات الشاملة لتتفرع في شكل تفاصيل قائمة بحد ذاتها تؤلف في مجموعها أساس الظاهرة أو المشكلة المدروسة، تاركا للقارئ واسع المجال لتمحيص ذلك البون الدقيق بين الأصل و الفرع،و منه تجاوز تلك الصعوبة الشكلية التي كثيرا ما تظهر في علاقة المفاهيم      و المصطلحات ببعضها إلى حد يعجز فيه المرء عن إدراك المحراث من الثور..هكذا جاءت سلسلة مؤلفات مالك بن بني في رصده للمشكلات الحضارية و المعوقات الفردية و الاجتماعية التي حالت دون عمليه الإقلاع الحضاري الذي تتوق إليه الأمة الإسلامية، و سنحاول في هذا المقام الوقوف عند بعض المفاهيم التي نحتها مفكرنا في شكل علل جاءت بصفة متواترة أثناء عملية التشخيص التي باشرها : * داء القابلية للاستعمار: يأتي هذا الداء في مقدمة الأمراض التي عصفت بجسد الأمة الإسلامية من حيث كونه يقتات من نفسية المسلمين أنفسهم و من استعدادهم الضمني لخدمة الاستعمار و الانصياع العبثي لتوجيهاته الخفية، و هو الأمر الذي يُفسر هذا التيه و الإحساس بعقدة النقص و الدونية تجاه الأخر” الغربي” الذي مازال يلبس خوذة الجندي المستعمر حتى و هو خارج ديارنا، مازال على سالف عهده يمتلك زمام أمورنا و يقف على ناصية أفكارنا و ها هو يصرف إلينا بقايا منجزاته الحضارية تحت مباركة جندنا ليؤدي الأمر إلى ما وصفه بن نبي بالتكديس او ما يسمى (بالحضارة الشيئية). * التكديس: يرى مالك بن نبي بأن بناء حضارة لا يتم عن طريق “تكديس منتجات حضارة أخرى” و إنما “الحضارة هي التي تلد منتجاتها”، فالتكديس إذن.. ليس هو ذاته البناء، فالأول غير متناسق تنعدم فيه معايير الأصالة و جذور الفكرة و الهوية، فيما يتسم البناء بالتخطيط النظري و النموذج العملي المنتظم الذي يشتمل على التوازن المتكامل بين عناصر الحضارة التي حصرها مالك في الإنسان،التراب والوقت مع عدم إغفال عنصر الفكرة الدينية كمركب و محرك أساسي لهذه العناصر الثلاثة.. و لكن هذه الفكرة الدينية يصفها بن نبي بالثروة الخالدة التي لا يدري المسلم من أمر استخدامها شيئا و عليه فمن الضروري أن تسترد هذه الفكرة قوتها وتأثيرها الاجتماعي حتى يكتمل مفعولها، بمعنى أن ما ينقصها هو الفاعلية أي أن تتحول من مجرد فكرة ( عبادات و فرائض روتينية جوفاء ) إلى واقع عملي يتسم بالحركية و الإيجابية . * اللافاعلية و يقصد بها العجز عن تفعيل الأفكار النظرية و تحويلها إلى واقع ملموس عكس الفرد الغربي الذي لا يتوانى عن تطبيق كل أفكاره حتى لوثبت بطلانها من الناحية النظرية و المنطقية، و الواقع أن فاعلية الفرد حسب بن نبي ترتبط أساسا بشبكة الصلات الاجتماعية التي تنشأ بواسطة الطابع الثقافي الذي يختلف حسب هوية كل المجتمع،وعليه فشروط الفعالية تُكون في الوقت ذاته مفهوم الثقافة الذي يرتكز ضمنيا على أربعة مبادئ يأتي في مقدمتها المبدأ الأخلاقي(الدوافع و الغايات) ثم الذوق الجمالي (الصورة الشكلية و الواقعية للمنتج أو الفكرة) أضف إليها المبدأ العملي (الإنتاجي)و أخيرا العلم كعنصر مركب (وسائل و نظريات)، و فضلا عن هذه الشروط يؤكد مالك بن نبي أن فاعلية الفرد تتحدد أيضا تبعا لنوعية الضمانات التي يقدمها المجتمع للفرد، و هنا يكمن السر في مدى فاعلية الفرد الغربي الذي تُوجه مجمل طاقاته الفردية للتحقيق المصلحة العامة فيما يتكفل المجتمع بضمان بقية حاجاته، بينما تتسم الطاقات الفردية للفرد المسلم بالعشوائية و السلبية نظرا لافتقادها للضمانات الحقيقية والتوجيهات الإيجابية المنتظمة..ومن هنا يركن هذا الأخير (المسلم) فقط للمطالبة بالحقوق بعيدا عن تحقيق الواجبات تحت تخدير ذهان السهولة تارة و ذهان الاستحالة تارة أخرى. * ذهان السهولة و ذهان الاستحالة: يجد مالك بن نبي أن الفرد المسلم متذبذب بين مرضي السهولة و الاستحالة بمعنى أن المسلم يميل إما لتسهيل الأمور وتقزيمها بشكل يؤثر على قيمتها و مضمونها الحقيقي فيسعى بذلك فقط للأمور السهلة كالمطالبة بالحق مثلا بدل القيام بالواجب ،و إما إلى تضخيمها بشكل يدخل في خانة التعجيز و المستحيل و يقول بهذا الإطار ” أن خرافة ذهان (الاستحالة) تختفي تماما متى قمنا بأقل الجهود تواضعا،..و متى تجمعت ثمراته بصورة إيجابية و جدنا أن أداء الواجب أعظم من المطالبة بالحق” . * العقيدة الوثنية التي تقدس الأشخاص على حساب الفكرة الأصيلة و هو الداء الذي كثيرا ما ارتكز عليه المستعمر لتشويه الأفكار الطيبة و اختصارها في أشخاص و زعماء لا زاد لهم و لا قدوة، و منه تضليل الوجهة الصحيحة للجزائريين و تعليق قلوبهم بالدراويش و الزوايا على حساب الدين و النهوض الحضاري…و أخيرا و ليس آخرا كان ابن نبي قد شخص مرضا آخر و هو التعالم أو الحرفية في التفسير حيث يقول “فالجاهل هنا لا يُقوم الأشياء بمعانيها،و لا يفهم الكلمات بمراميها،و إنما بحسب حروفها،و كلمة (لا) تساوي عنده (نعم) لو احتمل أن حروف الكلمتين متساوية”..على هذه الوتيرة جاءت سلسلة مالك بن نبي في شكل عملية غربلة عميقة لمشكلة الثقافة و الأفكار في العالم الإسلامي قصد التغيير و تجهيز الأرضية الملائمة لميلاد مجتمع وفق شروط النهضة التي تُضيء وجهة العالم الإسلامي في مسار منهجي و متناسق لترشيد دور المسلم و رسالته بعيدا عن التيه و مجاري العفن.

من مؤلفات مالك بن نبي : كتاب تأملات ،وجهة العالم الإسلامي ج 1 ،شروط النهضة، مشكلة الأفكار

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.