حصريا

التسعير كأداة لإعادة التوازن للسوق في الاقتصاد الإسلامي-د.ياسر درباله

[cl-popup title=”ترجمة الكاتب” btn_label=”ترجمة الكاتب” align=”center”]

الدكتور :ياسر محمد درباله .محامٍ، وباحث في العلوم الشرعية ،والعلوم القانونية والاقتصادية. القاهرة- مصر

[/cl-popup]

التسعير كأداة لإعادة التوازن للسوق في الاقتصاد الإسلامي

أقام الإسلام العلاقات بين أفراده في المجتمع المسلم على أساس الإخوة، قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }([1]) ،وعن عبدِ اللهِ بن عمرَ رضيَ اللهُ عنهما أنَّ رسولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – قالَ:”المسلم أخو المسلمِ؛ لا يَظْلِمُهُ، ولا يُسْلِمُهُ ، ومَن كانَ في حاجَةِ أخيهِ؛ كان الله في حاجَتِه، ومَن فَرَّج عن مسلمٍ كُربةً؛ فرَّج الله عنهُ كُرْبةً مِن كرباتِ يومِ القيامَةِ، ومَن سَتَرَ مسلماً؛ ستره الله يومَ القيامَةِ”([2])

فالإنسان بطبعه كائن اجتماعي لا يقوى على الحياة بمفرده، بل هو في حاجة دائمة إلى أخيه الإنسان؛ فأقر لذلك الإسلام مبدأ التكافل المعيشي، وهذا المبدأ لن يجد دعامة يقوم عليها أفضل من الإخوة، فتلك الدعامة تجعل من التكافل والتعاون الإسلامي عميق الجذور، ونقي الأغراض، وسامي الأهداف؛ لأن القصد منه أولا وأخيرا طاعة الله سبحانه وابتغاء مرضاته،وليس مقابل الحصول على ثمن اقتصادي فقط ، أو جزاء مادي فقط  قال ـ تعالى ـ{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا }([3])([4])والإسلام حينما أقام العلاقة بين المسلمين بعضهم بعضًا على أسس الأخوة والتعاون والانسجام لم ينكر النوازع الفردية لحب لتملك وحب المال وتحقيق الربح،بل أكد عليها وحث على طلب الرزق والسعي لتحقيق الربح والكسب المادي والاستغلال الأمثل للموارد وتحقيق أعلى ربح بأقل تكلفة ،فلا مانع من بناء النظام الاقتصادي على أسس مادية متينة،ولكن بشرط أن يكون هذا البناء المادي  مقرونًا بأسس روحية عميقة ممتدة متشعبه ضاربة بجذورها في جميع أركان هذا البناء المادي لتجعله بناءً صالحا لحلا جميع مشكلات البشر.

فالإسلام لم يحرم الإنسان من الدنيا وكل ما تميل إليه نفسه فيها؛ بل اعترف بها وأكد على السبل المشروعة لتحصيلها،ولكنه مع هذا الاعتراف لم يترك هذه النوازع والرغبات البشرية  طليقة من كل قيد سائبة من كل قيمة كما تتصور الأنظمة الاقتصادية الوضعية التي تجعل الربح غايته العليا وتجعل من الغايات تبرر الوسائل أيا كانت وتجعل القيمة العليا للنجاح الاقتصادي متمثلة في قدر الربح المادي الذي يجنيه الأفراد ،كلما زاد الربح كان ذلك فقط هو عنوان النجاح.

ولذلك أقام الإسلام العلاقة بين المسلمين في النظام الاقتصادي الإسلامي على التعاون الذي هو أظهر دليل وأكمل ترجمة لمعاني الأخوة الحقة في الإسلام، قال تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}([5]) فالأخوة في الإسلام ليست مجرد كلمة تلكوها الألسنة وتستعرض مثلها في المجالس للتغني بها والتندر في المجالس ،إنما مظهرها الجلي يكون أكثر ما يكون شاخصا في الأسواق حيث تبادل الأموال والمنافع ،ذلك المكان الذي تتنازع فيه البائع والمشترى شهوات النفس وقيم الأمانة والبذل  والعطاء التي حث عليها الإسلام.

وفي ظل مجتمع كهذا، أخذت فيه أسس الأخوة والأمانة كرسيها المشهود؛ لتكون رقيبا على مسرح الأسواق تقيم انحرافه وتضبط اعوجاجه وتغلف فيه كل سلوكيات الفاعلين والمتفاعلين وينتفى في وجودها خبث الغش والتدليس والاحتكار والتضليل؛ليترك لقوى العرض والطلب والإرادة الحرة تحديد الثمن العادل الذي يجب أن يقتضيه البائع والمشترى مقابل تبادل السلع والمنافع.

في ظل هذا المجتمع الإسلامي المنضبط يحرم التعدي على حرية الإرادة والرضا لمرتادي السوق عن طريق  التدخل في السوق بالتعديل أو المنع أو وضع العقبات لإجبار المتعاقدين في السوق على إقامة علاقة عقديه بوصف معين أو فسخها ؛لأن ذلك إن حدث فهو يهدم جوهر الصحة الذي تقوم عليه العقود وهو الرضا ،فالبائع يعرض سلعته أو خدمته بكل رضاه والمشترى إن رضي بثمنها أقدم على إقامة العقد، وإن لم يرضَ فلا مجبر له ،فالرضا الخالي من الغش والتدليس والاستغلال والتضليل في إقامة العلاقات العقدية في الأسواق كفيل وحده بتحقيق التوازن في السوق الإسلامي وهو ما يعبر عنه بقوى العرض والطلب .

هذا هو الأصل في علاقات الناس في معاملاتهم لتبادل الأموال والمنافع في الأسواق في أنها تقوم على الرضا الصحيح بلا جبر للبائع ولا للمشترى، بل يترك التفاعل بين قوى السوق لتحديد الثمن المناسب للسلعة؛ إلا إن النفس السوية لا تسكن دوما صدور كل البشر، وقد يكون المال حقا مطغيا؛فيلجأ بعض التجار أو الرأسمالين ـ وهم عادة حفنة قليلة في المجتمع المسلم ـ إلى وسائل غير مشروعة لتحقيق مصالحهم الخاصة غير المشروعة عادة على حساب مصلحة المجتمع المسلم ككل في أن يشبع حاجاته بلا عنت ولا إرهاق عن طريق الحصول عليها بثمن عادل.

ويلجأ التجار في سبيل تحقيق مصالحهم الضيقة الممزوجة بالأنانية والجشع إلى الاحتكار تربصا بالأسواق حتى ترتفع أثمان السلع عن مثيلاتها في الأسواق؛ ليحققوا ربحا فاحشًا على حساب جموع المستهلكين.

وهم في سبيلهم لذلك لا يتورعون عن الاستحواذ على موارد المجتمع كله  بالغش والتدليس والفساد ؛ليحققوا منها الربح الخاص لهم والمنفعة المقتصرة عليهم بدون تحمل أي تكلفة اجتماعية تذكر لاستغلال هذه الموارد والاستحواذ عليها وفي مقابل أن المجتمع في الجهة المقابلة هو المتحمل للتكلفة الاجتماعية بكاملها ولا يحصل منفعة تذكر من تلك الموارد، فيصبح التجار ويمسون محققين أعلى الأرباح ،ويصبح المجتمع ويمسى محققا أعلى الخسائر؛ نظرا لتحمله القسط الأكبر من التكلفة الاجتماعية المترتبة على استنزاف هذه الموارد والتحكم فيها ومنع انسيابها وتدفقها في الأسواق بطريقة طبيعية.

من هنا كان على النظام الإسلامي إيجاد الوسائل المناسبة لاحتواء هذا الوباء الفتاك المسمى الاحتكار ومحاولة استئصال شره ،ويمكننا تتبع طرق العلاج لعملي لهذا الوباء طبقا للعرض الآتي:

أ ـ تعريف الاحتكار:

ولقد عرف الفقهاء الاحتكار بأنه اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء([6])

وذهب معظم الفقهاء ([7]) على أن الاحتكار إذا توافرت شروطه فهو محرم؛ لتوارد الأدلة النقلية والعقلية على تحريمه ومن هذه الأدلة قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  ” لا يَحْتكِرُ إلاخَاطِىءٌ”([8])، وقوله صلى الله عليه وسلم  : مَنْ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أَنْ يُغْلِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فهُوَ خَاطِئٌ “([9])،وأيضا ما ينطق به العقل من تحريم الاستغلال والغش والخداع وتغليب المصالح الفردية غير المشروعة على مصالح المجموع المشروعة.

ب ـ فيما يقع فيه الاحتكار:

فذهب أبو حنيفة ومحمد وعليه الفتوى عندهم والشافعية والحنابلة([10]) أنه لا احتكار إلا في القوت خاصة  ؛ ذلك أن الضرر الأعم الأغلب إنما يلحق العامة بحبس القوت .

وذهب المالكية وأبو يوسف من الحنفية([11])أن الاحتكار يجري في كل ما يحتاجه الناس ، ويتضررون من حبسه ، من قوت وإدام ولباس وغير ذلك ؛لأن حظر الاحتكار إنما هو لما يسببه من أضرار بالعامة ،والواقع أن الضرر ينتج في حالة احتكار الأقوات وغيرها.

والحق أن القول بما انتهى إليه الجمهور من أن الاحتكار موضوعه الأقوات خاصة لا يستساغ إذا علمنا أن الجمهور لا يعترضون على أن الغاية من حظر الاحتكار هي رفع الضرر عن الناس، فكيف يقولون إذا تحقق الضرر من احتكار غيرهما يصبح الناس في حاجة إليه ؟! وماذا يجدي الطعام والشراب نفعا إذا تسبب احتكارالمحتكرين لغيرها من السلع من إلهاب ظهور العرايا من المستضعفين بسبب احتكار بعض التجار والمنتجين لما يسترون به عوراتهم وأجسادهم النحيلة؟! أم كيف يكون الواقع إذا احتكر بعض الجشعين  حتى ما يعد أحيانا من كماليات الحياة إذا استفحل الشعور عند من فقد هذه الكماليات بأنه لم يتحصل عليها ليس لأنه لا يملك قيمتها ولكن ما فقدها إلا بسبب جشع البع واستغلالهم ؟! أنه حتما سَيوَلد الإحساس الدائم لمحتاج السلعة المحتكرة بأنه قيد خطة محبكة لابتزازه وانتهازه مما يكون نواة لانفجار محقق لقيم وعلاقات المجتمع المسلم ([12]).

ج ـ  التسعير كوسيلة عملية لضبط الأسواق وإعادة التوازن إليها بعد الإخلال الذي أحدثه الاحتكار  :

في تلك المرحة  الحرجة التي ينتج عنها الاضطراب في الأسواق بسبب الاحتكار بما  يهدد حياة المستهلكين وينذر بخراب الأسواق، بل قد يؤدي هذا الاضطراب الذي ولد من رحم الاحتكار إلى تحويل السوق إلى بؤرة فساد وانحلال وانتشار كل قيم الغش والخداع والكذب والتضليل  والتحايل من المستهلكين بغرض الحصول  على حاجاتهم الضرورية حتى يضحى الأمر شرًا مستطيرا لا يمكن توقع مداه،في تلك المرحلة الحرجة يجب على الدولة المسلمة ومؤسساتها أن تتدخل لإيجاد حل سريع لضبط الأسواق وإعادة التوازن إليها عن طريق إذابة العقبات التي منعت انسياب السلع والخدمات من يد التجار والمنتجين إلى الأسواق بطبيعتها ؛ فتضطر الدولة المسلمة إلى تسعير بعض السلع والخدمات لإعادة الأمور إلى نصابها مبتغية بذلك ضبط السوق وإعادة توازنه ؛ذلك : أن المحتكر حينما يعلم أن سلعته ستباع بثمن مثلها في الأسواق ومهما امتد به الزمن في احتكارها؛ فإنه  سيفضل بيعها في آوانها بهامش الربح المعقول في الأسواق وجلب غيرها لتحقيق أقصى ربح من تكرار عملية البيع والشراء بدلا من الاحتفاظ بقدر واحد من السلعة لن يحقق له إلا قدرا من الربح مرة واحدة إضافة إلى  تحمله مخاطر فساد السلع وتلفها دون توقع مزيد من الربح مقابل تلك المخاطرة المتمثلة في التخزين.

ولقد عرف الفقهاء التسعير بأنه:تقدير السلطان، أو نائبه للناس سعرًا ، وإجبارهم على التبايع بما قدره ([13]).

والتسعير في حاضرنا اليوم يعني: تدخل الدولة ممثلة في وزارة التجارة، أو الغرفة التجارية،أو أي هيئة أخرى مختصة في وضع أسعار محددة لسلع معينة، أو لكل السلع تكون ملزمة للتجار ليس لهم تجاوزها ، وإلا كانوا عرضة للعقاب([14])

د ـ مشروعية التسعير :

1ـ الأصل العام في التسعير هو الحرمة ([15]) ،فالأسواق في الإسلام تقوم على الحرية الاقتصادية التي تدور في إطار الشرع الحنيف،وأصل التعاقد في البيع والشراء والإجارة ونحوهما على الإباحة، فالأثمان تترك لتتحدد وفقا لقانون العرض والطلب ،ولا يحق للدولة أو أحد أجهزتها التدخل في الأثمان بالتعديل كما سبق البيان ،وهذا متفق عليه بين الفقهاء .

وهذا الأصل يوجد له أكثر من سند ودليل من كتاب الله وسنة رسوله ،ومن هذه الأدلة قوله تعالى  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا }([16])

وجه الدلالة من الآية الكريمة :التسعير هو إجبار للبائع للبيع بسعر معين وهو ما يتنافى مع مفهوم هذه الآية الكريمة  بأن يكون البيع والشراء عن رضى ،بل  القول بغير ذلك يشكل أكلا لأموال الناس بالباطل لكونه عن غير رضى .

وأيضا: ما روي عن أنس رضي الله عنه  قال: قال الناس غَلا السعْرُ فَسَعِّرْ لنا، فقال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلم -: إن الله هُوَ المُسَعِّرُ، القابِضُ الباسِطُ الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ عزّ وجلّ وليس أحد منكم يُطالبُني بمظلِمَةِ في دمٍ ولا مالٍ “([17])

ووجه الدلالة من هذا الحديث:أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسعر وقد سأله الصحابة ذلك ،ولو جاز التسعير  لأجابهم إليه([18])

هذا هو الأصل العام حينما تكون السوق في وضع مؤهل لتفاعل قوى العرض والطلب والعمل على سجيتها ،ومع ذلك الوضع الطبيعي للأسواق إلا أنه  قد ينتج عن التفاعل بين قوى العرض والطلب بعض الارتفاع والغلاء  للأسعار نتيجة لشح بعض السلع والخدمات في بعض المواسم أو نتيجة  لثبات المعروض وزيادة الطلب أو نتيجة للتضخم الطبيعي أو غيرها من الأسباب التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بحد لا يشكل خطرا على الأفراد والجماعات.

والحق أن هذا الرفض من الفقهاء للجوء الدولة المسلمة في معالجتها لغلاء الأسعار في حالة الوضع الطبيعي للسوق الناتج الذي يكون ناتجا عن أمور طبيعية بوسيلة التسعير لا يعني أن الإسلام يرفض أن تقوم الدولة الإسلامية بمعالجة ارتفاع  الأسعار حتى ولو كان طفيفا ، بل العكس هو الصحيح ،فإن الإسلام يرى أن هناك من الوسائل الأخرى بإمكانها معالجة هذا الغلاء غير وسيلة التسعير لما لها من الأثار العكسية ما يفوق الإيجابيات بكثر في حالة استخدامها في الوضع الطبيعي ، إضافة إلى تفضيل الوسائل التي لا تشكل تعديا على حرية الإرادة ، ومن هذه الوسائل للعلاج : التعريف والتوعية الدينية والاجتماعية للتجار والمستهلكين ،وتدريب المستهلكين على اتخاذ القرار الرشيد ،وإزالة الدولة العقبات أمام التجار في الحصول على السلع والخدمات من مظانها ،وتقليل أسعار الوقود  وتكلفة الإنتاج عن طريق التسهيلات والإعانات ،وهكذا

بل إنه يمكن في هذا الحالة أيضا أن يقوم ولي الأمر برفض العقوبات التعزيرية على من يحاول استغلال الناس بالغبن أو التغرير أو النجش أو غيرها من وسائل الحصول على أثمان للسلع تفوق مثيلاتها في الأسواق.

ويرى ـ الباحث ـ أن هذا التوجه  من الفقهاء بتحريم التسعير في الوضع الطبيعي للسوق هو توجه صحيح من ناحية التحليل الاقتصادي ؛إذ إنه لا شك أن للتسعير في الأوقات العادية التي قد ترتفع فيها الأسعار ارتفاعا لا يؤدي إلى إعاقة الحياة الاقتصادية قد يؤدي في حالة فرضه إلى أثار عكسية خطيرة ،مثل إحجام التجار والمنتجين عن إنتاج السلع أو تقديم الخدمات  التي تحقق هامش ربح بسيط بسبب تسعيرها ؛مما يسبب مزيدا من ارتفاع الأسعار لندرة تلك السلع والخدمات وارتفاع الطلب عليها ؛ذلك أن الربح حينما لا يكون مغريا بعض الشيء للمنتجين والتجار بسبب التسعير؛ فإن ذلك يؤدي إلى أن التجار والمنتجين يحجمون على الدخول في أنشطة اقتصادية معينة لا تؤتي أرباحها المرجوة أولا تشغل نشاطا اقتصاديا خصبا لجني الأرباح  في ظل ثبات الطلب عليها أو زيادته ؛فترتفع أثمانها طبقا لقانون العرض والطلب عما كانت بطبيعة الحال ولن يجدي التسعير في كبح جماح الارتفاع في أسعارها .

بالإضافة إلى أن التسعير قد يؤدي إلى هجرة رؤوس الأموال لتستثمر في أسواق تؤمن بالحرية الاقتصادية أكثر مما يشكل جوا خاليا من العقبات لتحقق نشاطا أكثر ربحا مما يؤثر على النظام الاقتصادي ككل ويسبب ركودا خطيرا.

ولا يستبعد ـ الباحث ـ أن يكون التسعير مساهما أساسيا في تلك الحالات في خلق أسواقا سوداء تباع فيها السلع بأعلى من الأسعار التي حددتها الدولة؛ إذ إنه ببساطة سيحاول المنتجين والتجار في تلك الحالة إيجاد أسواق باي وسيلة لتصريف سلعهم وخدماتهم بالسعر الذي يرونه مناسبا لتلك السلع والخدمات عن طريق الإحجام عن بيعها في الأسواق الرسمية مما يزيد الطلب عليها فتفتح له الأسواق السوداء سرا وينتشر الفساد في الأسواق مما يهدد حياة الناس وتنتشر على أثره الجريمة بأنواعها.

وبناء على تلك الأسباب وغيرها من الأسباب يرى الباحث أن اتجاه الفقهاء للقول بأن الأصل العام للتسعير محرم هو توجه موفق من الناحية الاقتصادية.

2 ـ أما إذا كان التسعير ناتجا عن افتعال فإننا نجد توجها فقهيا يجيز ذلك :

فنجد  الحنفية والمالكيةوقول عند الشافعية([19])استثنوا من هذا المبدأ  العام  بعدم جواز التسعير حالة إغلاء التجار الأسعار، وكان في ذلك ضرر على المسلمين، وقالوا في هذه الحالة بالجواز .

وقال المالكية ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم،فيسألهم : كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فيجادلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد ، حتى يرضوا ولايجبرون على التسعير ولكن عن رضا([20])ومن يخالف أمر الإمام ويبيع بغير ما سعره يوقع عليه الإمام العقوبة التعزيرية التي يراها  مناسبة  ،وقد يكون التعزير  بالضرب، أو الحبس، أو الإخراج من السوق ؛لما في ذلك من مجاهرة الإمام بالمخالفة([21])

وهذا التوجه حقيقة متفق مع أصول الشريعة وقواعد العقل والمنطق، فإذا قام بعض التجار بتهيئة الأجواء لوضع المستهلكين تحت سياط الأسعار الملتهبة فيحرقون بها ظهورهم ظلما وعدونا واستعبادا عن طريق احتكار المتعمد لبعض السلع عن طريق الخطط المحبكة  المحكمة ليقللوا المعروض منها ليعطشوا الأسواق فتتلهف مهجة المستهلكين للقليل منها فيحسنون بذلك تطويع الجيوب ليأخذوا ما ففيها أكلا لأموال الناس بالباطل ؛ فإن تلك الحالة تشكل ضرورة  تبيح سرعة تدخل الدولة لدفع الضرر عن عموم المسلمين  وبما يحقق المصلحة العامة وترفع العنت عن كواهل المحتاجين وترأب صدع الجشع والطمع في نفوس التجار والمنتجين وتضع حدا لشر إن لم يلاحق أحرق الباطل وقبله حق المحقين ولن يبقى ولا يذر.

إن سكوت الدولة المسلمة عن هذا المشهد الدرامي الكئيب يجعل من الدولة مخرجا فاشلا لا حاجة للأفراد والجماعات به يشاهد مستمتعا بأنين المحرومين ،بل يشكل أكلا لأموال الخلق بالباطل .

وهنا لا يمكن الاحتجاج بأن التسعير هو اعتداء على حرية الإرادة والرضا للتجار والمنتجين الذي تبنى عليها العقود، بل إن سكوت الدولة عن هذا الاستغلال هو أعظم تعدي على حرية الإرادة وانعدام رضا للمستهلكين، فهم في تلك الأحوال حينما يقدمون على البيع والشراء معدومة إرادتهم يشترون غير راضين مجبرين على أن يتلقفوا ما يسد رمقهم ويكفيهم شر الهلاك.

إذ إن الرضا في أصله غير صالح لبناء عقد أو هدمه مالم يكن موافقا لإرادة الشارع الحكيم ،فكما لا يحل بيع الخمر والتجارة بها فإن الرضا في تلك العقود غير مؤثر على صحتها؛ لعدم صلاحية محلها للتعاقد لإن في إجازتها تحقيق للفساد ،فكذلك الرضا هنا إن كان التوقف على وجوده في البيع والشراء يحقق المفسدة ؛فلولي الأمر أن يتدخل لتقويمه وتهذيبه بما يوافق الشرع الحنيف وبما لا يتعداه.

وعلى كل فإن التسعير ليس معناه إجبار البائع لبيع سلعته بما اشتراها أو بخسارة جزء من ثمنها، إنما التسعير هو إلزام البائع بالعدل في بيعه وشرائه بأن يبيع السلعة بسعر مثيلاتها في الأسواق، ويعني ذلك أن ولي الامر إذا اضطر للتسعير فغنه حين يضع سعر مناسبا للسلعة يجب ان يتضمن هذا السعر ثمن السلعة مضافا غليها هامشا من الربح مناسبا فوق ثمن السلعة الأصلي وتكاليف ونفقات جلبها او تصنيعها.

وعلى ذلك يتضح لنا أن الشريعة الإسلامية اعترفت بحرية الإرادة وأسست العقود على الرضا وما يترتب على هذا الحق من حرية المالك في التصرف فيما يملك؛ فحرمت التسعير،وجعلته مبدأ عاما، إلا أنها في الوقت ذاته تأبى أن يتحول ما يملكه البعض وباء على البعض الأخر في حالات خطرها عظيم تنم عن خلق غير قويم مضمونه استغلال، وجشع، وأنانية عمياء، فقررت بناء على ذلك استثناء من الأصل العام،  يظهر جليا فيما قرره الحنفية، والمالكية ،وبعض الشافعية  في جواز التسعير في حالة الضرر المستفحل حفاظا على المجتمع المسلم من ضرر استغلال الملاك الأغنياء للفقراء العاجزين

 

نتائج البحث

توصل الباحث من بحثه إلى عدة نتائج تتلخص في الآتي:

1 ـ أن قيم الإسلام هي قيم عملية وليست قيم نظرية يتغنى بها الناس بل هي قيم تختلط بالإنسان في واقعه اختلاط الروح بالجسد فلا حياة حقيقة للمسلم إلم تكن القيم والأخلاق ممزوجة بكل معاملته شاهدة على إسلامه وتدينه.

2 ـ أن القيم الإسلامية تتجلى في أبهى صورها في الأسواق ومظان البيع والشراء، حيث تبادل الأموال والمنافع، حيث إن الإنسان جلب على حب المال والشح ،فمن زكى نفسه في هذا الجانب  وتعامل بالقسط والعدل فقد أفلح وبرهن على حسن إسلامه.

2 ـ أن الإسلام راعى نوازع الإنسان وشهوته لحب المال فحلل البيع والشراء وحث على السعي في تحصيل الرزق وجني الأرباح بشرط أن يكون هذا السعي محمولا على وسائل مشروعة لا وسائل الغش والخداع والتدليس والاستغلال.

3 ـ أن الاحتكار وسيلة خبيثة من وسائل جني الأرباح وتحصيلها قد يلجأ إليها ضعفاء النفوس قليلو الإيمان وقد حرمها الإسلام وشدد بالوعد والوعيد لمن وقع في براثن غيها وحاربها  بعدة  وسائل  عملية من ضمن هذه الوسائل التسعير.

4 ـ التسعير في أصله محرما لأن الإسلام اعترف بالحرية الاقتصادية الدائرة في فلك الضوابط الشرعية التي تزكي الحرية وتصب في سبل إنمائها وتمتع جميع الأفراد بها

5 ـ يهدف التسعير إلى إعادة ضبط السوق وإعادة التوازن له إذ حدث اضطراب مفتعل من بعض التجار والمنتجين في الأسواق

6 ـ يستخدم الدولة التسعير في أضيق نطاق ولا يباح للدولة الاعتماد على هذه الوسيلة وحدها لضبط الأسواق بل يجب إليها ان تلجأ إليها ضرورة، وتلجأ إلى غيرها من الوسائل متى أمكن.

7 ـ لا يهدف التسعير للحجر على البائعين أو تكبيدهم خسائر، إنما يهدف الوصول بالسلعة إلى سعرها العادل الذي تباع به في الأسواق .

8 ـ يجب ان يراعي ولي الأمر أو سلطات الدولة التي تسعر السلع والخدمات أن تضع للتجار والمنتجين هامشا مناسبا من الأرباح يضمن استمرارهم في الإنتاج والبيع وإلا أحدث التسعير نتيجة عكسية، فتزداد السلع والخدمات ارتفاعا فوق ارتفاعها.

الباحث : دكتور/ ياسر محمد درباله.

جمهورية مصر العربية.

[1])) سورة الحجرات جزء من الآية 10.

[2])) انظر صحيح البخاري 2/862حديث رقم2310 .

[3])) سورة الإنسان جزء من الآية 19 .

[4])) المنظور الشرعي للتكافل المعيشي بين الجماعة في أوقات الأزمات : للدكتور /عمر بن فيحان المرزوقي ص 179بحث منشور بمجلة الشريعة والدارسات الإسلامية العدد78رمضان 140.

 

[5]))سورة المائدة جزء من الآية 2.

[6])) حاشية بن عابدين6/398 .

[7])) بدائع الصنائع 5/129،البحر الرائق 8/229،تحفة الملوك 235،حاشية العدوى1/607، مواهب الجليل 4/227 ،المهذب1/292،،إعانة الطالبين 3/24، المغني 4/154،مطالب أولي النهى3/63،المحلى لابن حزم 9/64 مسألة رقم 1568.

[8])) صحيح مسلم 3/1228حديث رقم 1605،سنن الترمذي 3م567حديث رقم 1267وقال حديث حسن صحيح

[9])) مسند الأمام احمد 14/265حديث رقم 8617 ، وقال الهيثمي في إسناده أبو معشر وهو ضعيف وقد وثق، انظر مجمع الزوائد للهيثمي4/101

[10]))بدائع الصنائع 5/129،البحر الرائق 8/229،حاشية ابن عابدين 6/398،المهذب 1/292،روضة الطالبين 3/411، التنبيه 96،نهاية المحتاج 3/473ط دار الفكر ـ بيروت،المغني 4/154،الإنصاف4/338،الفروع 4/38 .

[11]))البدائع المرجع السابق ، تبين الحقائق 6/27 ،الهداية شرح البداية 4/92،مواهب الجليل 4/227،التاج والإكليل 4/380،الكافي في فقه أهل المدينة 1/360.

[12])) انظر في ذلك رسالة ماجستير لصاحب المقال بعنوان “الأحكام المتعلقة بالغنى والافتقار في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة  ص 122 ،ونقاشها الباحث قسم الشريعة كلية الحقوق جامعة طنطا عام 3013.

[13])) مطالب أولى النهى 3/62، كشاف القناع3/187.

[14])) لتسعير في نظر الشريعة الإسلامية للدكتور/محمد بن أحمد الصالح 4/233بحث منشور بمجلة البحوث الإسلامية : العدد الرابع : الإصدار من محرم إلى جمادي الثانية 1389هـ.

[15])) رسالة الباحث : الأحكام المتعلقة بالغنى والافتقار في الفقه الإسلامي ص

[16])) سورة النساء الآية 29.

[17]))سنن أبي داود 3/272حديث رقم 3451،سنن ابن ماجة 2/741حديث رقم 2200،صحيح بن حبان 11/307حديث رقم4935ط مؤسسة الرسالة ـ بيروت،وللفظ لأبي داود ،وقال ابن حجر في تلخيص الحبير إسناده على شرط مسلم :أنظر تلخيص الحبير 3/14حديث رقم 1158

[18]))المغني 4/151.

[19])) بدائع الصنائع 5/129،حاشية بن عابدين 6/400، ،،التاج والإكليل 4/380،الكافي في فقه أهل المدينة1/360 ،روضة الطالبين 3/411.

[20])) المنتقى شرح موطأ الإمام مالك للباجي 5 /19 .التاج والإكليل 4/380.

[21])) الدر المختار6/400،البحر الرائق 8/230،القوانين الفقهية 169،إعانة الطالبين 3/25وروضة الطالبين 3 / 411 ، ومغني المحتاج 2 / 38 .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.