حصريا

نظرات في مفهوم القوامة وأسبابها

0 104

نظرات في مفهوم القوامة وأسبابها

الأستاذ الدكتور رشيد كُهُوس

أستاذ بكلية أصول الدين–جامعة عبد المالك السعدي-تطوان-المغرب

مدخل:

لقد بيَّن كتاب رب العالمين مبادئ المحافظة على الأسرة وضمان استمرارها، ووزع المهام حسب الاختصاصات لتحقيق هذا المقصد.

فجعل وظيفة الرجل القوامة، ووظيفة المرأة الحافظية، والاختلاف في المهمات اختلاف تنوع تشتد إليه حاجة المجتمع المسلم في مختلف المراحل وفق سنة الله تعالى في الاختلاف والتنوع.

ذلك بأن الأعمال على تنوعها وتعدد أغراضها لا يمكن للأمة الاكتفاء ببعض أفرادها دون بعض، لما يلحق ذلك من تفويت مصالح وتعطيل أخرى، فلا تنهض الأمم بفئة دون أخرى.

وإن الله تعالى كلف الرجل بالقوامة، وهي أمر مقرر في أصل الخليقة وفي كل أمم الأرض على اختلاف قومياتها ومعتقداتها.

والقوامة شرع إلهي ووسيلة تنظيمية ضرورية ولا بديل عن التنظيم إلا الفوضى، والفوضى ليست دعامة بناء، وإنما معول هدم، وطريق فناء وسقوط وانهيار.

فما معنى القوامة؟ وما هي أسبابها؟

 

أولا: في تعريف القوامة

 

لقد بيَّن كتاب رب العالمين مبادئ المحافظة على تماسك الأسرة وضمان استمرارها، ووزع المهام حسب الاختصاصات لتحقيق هذا المقصد.

إن الله تعالى كلف الرجل بالقوامة، وهي أمر مقرر في أصل الخليقة وفي كل أمم الأرض على اختلاف قومياتها ومعتقداتها.

والقوامة شرع إلهي ووسيلة تنظيمية ضرورية ولا بديل عن التنظيم إلا الفوضى، والفوضى ليست دعامة بناء، وإنما معول هدم، وطريق فناء وسقوط وانهيار.

ولذلك فإن القوامة في اللغة: من”قام بالأمر” يقوم” به “قيَّاما” فهو “قَوَّام” و”قائِمٌ”، و”استقامَ” الأمر وهذا “قوامه” -بالفتح والكسر- وتقلب الواو ياء جوازا مع كسرة أي: عماده الذي يقوم به وينتظم.. والقَيِّمُ هو السيِّد، وقَيِّمُ القَوْمِ: سيّدهم الذي يسوس أمورهم، “يقال فلان “قَوَّام” أهل بيته و”قيام” أهل بيته: وهو الذي يقوم شأنهم، وقام الأمير على الرعية: أي ساسهم ورعاهم.

ويقال “قَامَ يَقُومُ قياما وهو قائِم وجمعه قيَّام، وأقامَهُ غيره، والقيام على أضرب: قيام الشخص بتسخير أو اختيار، وقيام للشيء وهو المراعاة للشيء والحفظ له، ويسمى الزوج قيّم المرأة وقوامها[1]، أي وليّها وزوجها الذي يقوم بأمرها وحمايتها.

أما القوامة في الاصطلاح ، فإنها من “القيام بمعنى: قيام الرجال بمصالح النساء” الرجال قوامون على النساء…”[2]. و”القوامة: كفالة ورعاية وإنفاق”[3].

أما التعريف الاصطلاحي الذي أقدمه لقوامة الرجل داخل الأسرة فهو: القوامة هي القيام بشؤون الأسرة الدينية والدنيوية ورعايتها والسعي من أجلها، والمحافظة على تماسكها وأمنها من غير استبداد ولا استكبار، ولا قهر ولا استعباد، ولا إلغاء لشخصية المرأة ولا إهدارا لحقوقها وكرامتها.

والمعاني التي ذكرتها -اللغوية والاصطلاحية- متماسكة يكمل بعضها بعضا والتي تجمع على أن القوامة هي الصيانة والرعاية، والكفالة والحماية، وأمانة ومسؤولية، وقوامة الرجل في بيته تعني أن يوفر لهم أسباب الحياة من مسكن ومطعم وملبس، فضلا عما يتعلق بالحياة الأبدية أي أن يعلمهم دينهم وما ينجيهم من الجحيم لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(التحريم: 6).

والأصل في قوامة الرجل على أسرته قوله تبارك وتعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾(النساء: 34)، والآية بينت أسباب هذه القوامة، فالأول: وهبي لقوله جل وعلا: ﴿بما فضل الله بعضهم على بعض﴾. في العقل والتدبير والطبع… والثاني كسبي لقوله تعالى: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾، لأن الرجل هو الذي يؤدي المهر وهو الذي يتكلف بكفالة زوجته والذب عنها والنفقة عليها، وهو الذي يسهر الليالي الطوال لضمان حياة أسرته واستقرارها.

يتحدث الشيخ الشعراوي –رحمه الله- عن ماهية القوامة فيقول: “في الآية ﴿قوامون على النساء﴾. إنهم مكلفون برعايتهن والسعي من أجلهن وخدمتهن، إلى كل ما تفرض القوامة من تكليفات، إذن فالقوامة تكليف للرجل. والقوامة تحتاج إلى مجهود وحركة وكدح من جانب الرجل، ليأتي بالأموال يقابلها فضل من ناحية أخرى وهو أن المرأة لها مهمة، لا يقدر عليها الرجل، فهي مفضلة عليه فيها… فالرجل لا يحمل ولا يلد ولا يرضع … ولكن إذا نظرنا إلى كل من المهمتين معا، سنجد أنهما متكاملتان، فللرجل فضل القوامة بالسعي والكدح؛ أما الحنان والرعاية والعطف فهي ناحية مفقودة عند الرجل، لانشغاله بمتطلبات القوامة. ولذلك فإن الله تعالى يحفظ المرأة لتقوم بمهمتها ولا يحملها القوامة بتكليفاتها لكي تفرغ وقتها للعمل الشاق الآخر الذي خلقت له”[4].

وهنا من الأهمية بمكان القول إن آيات القوامة نزلت في المدينة المنورة، وفي ظل المفهوم الصحيح لهذه القوامة تحررت المرأة المسلمة من تقاليد الجاهلية الأولى، وشاركت الرجال في بناء المجتمع والعمل العام بمختلف ميادينه؛ فكان مفهوم القوامة حاضرا في والوعي العملي للأفراد والأسر والمجتمع بأكمله، وهو ما تشهد عليه فهوم وتنزيلات ذلك العصر الراشد.

ولم يكن الفهم الراشد لهذه القوامة مجرد تفسيرات أو استنتاجات، وإنما كان فقها محكوما بمنطق القواعد القرآنية الحاكمة على ما سواها، والموجهة للمجتمع والأسرة، بما فيها علاقة الزوج بزوجه..

لقد اختص الرجل بالقوامة بما اقتضته مؤهلاته ومسؤولياته في البذل والعطاء.. وهي قيادة ووظيفة محكومة بالمساواة -﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(البقرة: 228)- والتناصر والتكافل بين الزوج وزوجه في الحقوق والواجبات، ومحكومة بالشورى التي يسهم بها الجميع ويشاركون في تدبير شؤون الأسرة.. هذه الأسرة التي قامت على الميثاق الغليظ؛ ميثاق الفطرة والذي تأسس على المودة والرحمة، حتى غدت المرأة فيها السكن والسكينة لزوجها[5].

ومن ثم فإن القوامة تستحق بالفضل، لا بالتغلب أو القهر أو الذكورة أو الأنوثة؛ إذ فُضِّل الرجال على النساء بدرجة القوامة، وفضلت النساء على الرجال بدرجة الحافظية والحنان.

والآيات القرآنية تؤكد أن الله فضل الرجال على النساء في مواطن، كما فضل النساء على الرجال في مواطن أخرى، ولا ضير في هذا. ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾(النساء: 32)، فعند ذلك فليتنافس المتنافسون..

وهكذا فإن الرؤية القرآنية المقاصدية الكلية عندما تغيب عن نظرنا إلى النصوص الشرعية؛ يؤدي ذلك إلى فهوم تجزيئية تخرج النص الشرعي عن سياقه ودلالته وقصده.

ثانيا- أسباب القوامة.

إن اختصاص الرجل بالقوامة يرجع إلى أمرين أحدهما وهبي والآخر كسبي:

فالأول: “ما فضله الله به من التبصر في العواقب، والنظر في الأمور بعقلانية أكثر من المرأة التي جهزها بجهاز عاطفي دفاق من أجل الأمومة.

والآخر: أن الرجل هو الذي ينفق الكثير على تأسيس الأسرة، فلو انهدمت ستنهدم على أم رأسه، لهذا سيفكر ألف مرة قبل أن يتخذ قرار تفكيكها”[6].

وعلى ذلك فإن التكوين الفطري للرجل يجعله كفؤا لاختصاصه بالقوامة والإشراف والرعاية إضافة إلى ما يبذله لصالح الأسرة، فتكون الحكمة إذن ما يبذله الرجل من ماله ووقته وصحته لزوجته وأبنائه… من الجانب الكسبي، ثم ما أودعه الله فيه من خصائص فطرية تجعله أهلا لتحمل تلك المهمة الثقيلة التي تتطلب قوة وصبرا وشجاعة وتحملا وطول النفس من الجانب الفطري، “ولو كانت المرأة كالرجل في قوة جسدها وذكائها إلا أنها سرعان ما تنصرف عن ذلك عندما يتعرضها الحمل الذي يترتب عليه الآلام والمتاعب، فضلا عما تتطلبه الرضاعة والحضانة وتربية النشء من بيئة مستقرة وتحقيق السعادة لسائر أعضاء الأسرة، من زوج وأبناء وغيرهم، هذا إضافة إلى العادة الشهرية التي تتعرض لها”[7].

يقول سيد قطب–رحمه الله- عن قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾: “تحدد هذه الآية أن القوامة في مؤسسة الأسرة للرجل، ويذكر من أسباب هذه القوامة، تفضيل الله للرجل بمقومات القوامة، وما تتطلبه من خصائص، وتكليف الرجل الإنفاق على المؤسسة، وبناء على إعطاء القوامة للرجل، يحدد كذلك اختصاصات هذه القوامة في صيانة المؤسسة من التفسخ، وحمايتها من النزوات العارضة. والمسلم به ابتداء أن الرجل والمرأة كلاهما من خلق الله. وأن الله سبحانه لا يريد أن يظلم أحدا من خلقه، وهو يهيئه ويعده لوظيفة خاصة، ويمنحه الاستعدادات اللازمة لإحسان هذه الوظيفة. وقد خلق الله الناس ذكرا وأنثى زوجين على أساس القاعدة الكلية في بناء الكون. وجعل من وظائف المرأة أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثمرة الاتصال بينها وبين الرجل… وهي وظائف ضخمة أولا وخطيرة ثانيا، وليست هينة ولا يسيرة. فكان عدلا كذلك أن ينوط بالشطر الثاني –الرجل- توفير الحاجيات الضرورية، وتوفير الحماية كذلك للأنثى، كي تتفرغ لوظيفتها الخطيرة، ولا يحملها أن تحمل وترضع وتكفل… ثم تعمل وتكد وتسهر لحماية نفسها وطفلها في آن واحد وكان عدلا كذلك أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينه على أداء وظائفه هذه. وأن تمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظيفتها تلك. وكان هذا فعلا.. ولا يظلم ربك أحدا…”[8].

إذن، فسبب قوامة الرجل راجع إلى سعيه وكده لضمان استمرارية حياة الأسرة وحمايتها من كل المخاطر والخطوب وتحمله للصعاب وسهره الليالي الطوال، هذا جانب، أما الجانب الآخر فإن الله تبارك وتعالى خلق من كل شيء زوجين، وخص كل واحد بخصائص في خلقته، فخلقة المرأة ليست كخلقة الرجل، وأعد كل واحد لوظيفته الخاصة التي تتناسب مع خلقته وطبيعته الفطرية، وبهذا التنوع في الوظائف يتحقق ذلك التكامل بين الزوجين، فهما وجهان لعملة واحدة، فكانت الشريعة بهذا في منتهى العدل والحكمة.

وما أوجزته هنا فيه الكفاية للدلالة على أن الإسلام فضل الرجل على المرأة بالأناة والتؤدة والقدرة على مواجهة حوادث الحياة وما فيها من موانع طبيعية واجتماعية، وبطء الانفعال والتفكير قبل الحركة، وبذل الجهد والمساعي لتأمين سبل المعاش… مما يجعل هذا مناسبا لوظيفته في السعي في الأرض للكسب والإنفاق على أسرته، فهو الأقدر -في الغالب- على تحمل مسؤولية القوامة من المرأة.

فشأن الإنسان في النهاية إذن لا يصلح إلا بالصلابة، والتؤدة، والاتزان، والتبصر بالعاقبة، والحزم والعقل، والأثر الاجتماعي التي هي من طباع الذكور أصلا، والعاطفة، والرقة، والحنان، والاهتمام، “واللين، التي هي من خصائص النساء، وإلى هذا المعنى اللطيف أشارت الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾( النساء: 32)”[9].

ولهذا كله فإن المنهاج الرباني يراعي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وما يتميزون به من خصائص تجعلهم يتحملون وظائف مختلفة، والله لا يظلم أحدا، فكل واحد منحه الاستعدادات اللازمة ليؤدي مسئوليته على أحسن وجه، وبما يعود بالخير والصلاح على الأسرة.

خلاصة القول:

-إنا بفهمنا للرؤية القرآنية الكلية للقوامة الأسرية ومقاصدها العامةِ والضرورةِ الملحة لتنزيلها في الأسر، نجعل من أسرنا أسرا مؤمنة متماسكة من داخلها، حصينة في ذاتها، مثلها الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قائمة على الاستمساك بشرع الله، والمودة والرحمةِ والتعاون والتفاهم…

– قوامة الرجلِ: تكليف لا تشريف، وأمانة ووظيفة ومسؤولية، وإدارة للأسرة وخدمة لها، ورعاية لشؤونها الدينية والدنيوية.. وهي قبل كلِّ هذا طاعة لله تعالى الذي شرعها لضمان استقرارِ الأسرة وأمنها والحفاظ على تماسكها وتكاملها.

[1]المصباح المنير، الفيومي، ص268، مادة: “قام”. مختار الصحاح، الرازي، ص244، مادة: “قاوم”. أساس البلاغة، الزمخشري، ص711، مادة: “قوم”. معجم مفردات القرآن، الأصفهاني، ص464، مادة “قوم”. معاني القرآن وإعرابه، الزجاج، 2/46.

[2] بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروز آبادي، 4/309، مادة “قوم”.

[3] المرأة في العهد النبوي، كركر، ص216.

[4] فتاوى النساء، الشعراوي، ص99-100. بتصرف.

[5] ينظر: نظرات مستأنفة في آيات القوامة، أحمد عبادي، المنشور ضمن أعمال المائدة العلمية المستديرة التي نظمها مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلامية بالرابطة المحمدية للعلماء بتنسيق مع حركة مساواة الدولية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ط1: 1436هـ/2014م، ص21-22.

[6]مركز المرأة في الحياة الإسلامية، القرضاوي، ص24.

[7]“نقض النظرية المغرضة في ظلم الإسلام للمرأة”، محمد يعقوبي خبيزة، مجلة الإحياء الصادرة عن رابطة علماء المغرب، العدد 15، الرقم المتسلسل 27، شوال 1420هـ/ يناير 2000. ص235-236.

[8] في ظلال القرآن، سيد قطب، 4/353، بتصرف.

[9]حقوق المرأة بين الشرع الإسلامي والشرعة العالمية لحقوق الإنسان، فتنت مسكية بر، ص107-108.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.