حصريا

منهج الإسلام في مكافحة الإجرام. أ. وهيبة سلطاني

      الجريمة سلوك منحرف وظاهرة اجتماعية مدمرة مخالفة للفطرة السليمة التي خلق الله الإنسان عليها،ورغم أنّها ظهرت مع أول ظهور لبني آدم -عليه السلام- على وجه الأرض، إلاَ أنَها لمتتوقف أو تندثر  بل ما فتئت تزداد وتنتشر، وتأخذأبعاداَ خطيرة وصورا وأشكالا مختلفة تنوعت من مجتمع لآخر وأحيانا في ذات المجتمع بحسبالظروف  والواقع .

        وأمام هذا الوضع الخطير اجتهدت المجتمعات البشرية والمنظمات الإنسانية منذ القديم في وضع تشريعات مختلفة وآليات متعددة لمكافحة هذه الجريمة والحدَ من انتشارها، لكنَها كلما وضعت تشريعا أو جربت أمرًا اكتشفت قصوره وعجزه في اجتثاث الجريمة وردع المجرم، مما جعل القائمين على الأمر دوماً في تساؤل: ما هو السبيل الأمثل لمنع هذه الجرائم من الانتشار والازدياد و التقليل من آثارها المدمرة على الفرد والمجتمع ؟

      و في المقابل وبإطلالة بسيطة  على حال العرب قبل وبعد الإسلام، نلحظ وبوضوح كيف غيرَ هذا الدين العظيم المجتمع العربي من مجتمع يعجُّ بكل صور الفساد والانحرافات المتجذرة فيه إلى مجتمع طاهرٍ متعفف تندر فيها الجريمة لكنها لا تنعدم، مجتمع يبتعد أفراده عن كل صور الإجرام والانحراف حُبًا و طواعية برغم توفر الظروف المناسبة لذلك، ليس خوفًا من القانون أو العقاب وإنما خوفاً من الله الذي يعلم الجهر وما أخفى ،وهو بذلك يكون قد حوّل الجريمة من أصل في الوجود إلى استثناء.

     ولقد اعتمد الإسلام في مكافحة الإجرام منهجاً حكيماً يرتكز على شقين هامين هما : شق وقائي أو احترازي و آخر علاجي أو عقابي ، وهما شقين متكاملين يدعم أحدهما الآخر و لا يصلح أن نأخذ بأحدهما ونهمل الآخر، بل يجب تبينهما معا وفق تدرجٍ حكيم ومنظومة عقابية فاعلة، لكي يتحقق فعليا محاصرة الجريمة  و منع تكرارهاوتفاقم آثارها .

     وعليه فجانبي المنهج الاسلامي في محاربة الإجرام هما :

أولا : الجانب الوقائي أو الاحترازي :

 وهو الجانب الأول والأهمّ على الإطلاق، و يعتمد على منع وقوع الجريمة أصلاً وعدم السماح بترتب آثارها على الفرد والمجتمع، و يشتمل على مجموعة من الإجراءات الوقائية التي اعتمدتها الشريعة الإسلامية لمنع الأفراد والجماعات من الاقتراب  من الجريمة بل واستقذار وقوعها وأهم هذه الإجراءات هي :

     1_ التحذّير من الجريمة و عقابها الدنيوي و الأخروي:

    وهنا عمل الإسلام على ربط المسلم بالله تعالى ورسخ في نفسه عقيدة الايمان بأن الله يراه ويعلم سرَه ونجواه، وأنَه سيؤوب إليه لا محالة، وسيجد الله له بالمرصاد يحاسبه ويعاقبه على ما اقترفت يداه من جرمٍ وانحراف، هذا بخلاف العقوبة الدنيوية التي تنتظره إن هو وقع في يد السلطة القانونية المخولة لذلك، قال الله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾[ الفرقان،68/69]

   ولقد أبدع القرآن الكريم في وصف النار و ما فيها من صور العذاب وأشكاله، و وصف  آهات وويلات ساكنيها بما تقشعر له الأبدان و تتأوَه منه الأرواح، قال تبارك تعالى: ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ، كَلَّا إِنَّهَا لَظَى، نَزَّاعَةً لِلشَّوَى، تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى، وَجَمَعَ فَأَوْعَى ﴾ [المعارج، 11_ 18]

   ومع جناح الخوف و الترهيب كان الترغيب والتحبيب، بحيث عَمِل الإسلام على ترغيب المسلم في رضوان الله و مغفرته ، وطمَعه وحببه في جنته، هذه الجنة التي احتوت على خيرات ومسرات بما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كل ذلك بشرط التورع عن اتيان الإجرام و كل صور الانحراف قدر الإمكان، قال تعالى: ﴿ ولمنْ خافَ مَقامَ ربِهِ جَنَتان ﴾[النجم ،46]

               2_ الدعوة إلى الالتزام بالشعائر التعبدية:

 ويقصد بالشعائر العبادات الأربعة التي شرعها الإسلام وهي :الصلاة والصيام والحج والزكاة، و تشكل هذه الشعائر مع الشهادتين أركان الاسلام الخمسة التي لا يصح إلاَ بها، وقد أوجب الإسلام على كل مسلم الالتزام بأدائها ما دام قد استكمل شروط وجوبها، وحثَه في المقابل على الاستزادة منها بالنوافل والطاعات ما استطاع إلى ذلك سبيلا ،

إنَ الالتزام بالعبادات _فرضاً ونفلاً _ هي أقل ما يُدللُ به العبد على حُبه وطاعته وعبوديته لله تعالى، وبقدر تلك الطاعات يتحقق قربه من الله تعالى، وبقدرها يكون امتعاضه عما يغضبه و يسخطه ، لهذا كان للعبادات أثر بالغ في ابعاد المسلم عن المنكرات والآثام والتي في حقيقتها إما انحرافات أو جرائم، و مثال ذلك ما ورد في القرآن الكريم عن دور الصلاة كعبادة يومية في إبعاد المسلم عن المنكرات ،فقال الله تعالى :﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون ﴾[العنكبوت،45]

            3_ الدعوة إلى الالتزام بقيمِ الإسلام العليا وأخلاقه الحسنة:

ونبذ الأخلاق السيئة ،و جعل ذلك علامة على سلامة النفس و نقاء السريرة واستقامة السلوك، ولا يخفى على أحد ما للالتزام بالأخلاق الحسنة والقيم السامية من دور في نمو بذور الخير في النفس البشرية وحفظ العلاقات وتمتين الروابط بين الناس كالصدق والوفاء والتسامح وكظم الغيظ والعفو والإيثار والكرم وغيرها ،و ما لترك الأخلاق السيئة من دور في اطفاء شرارات الشرِ و الخصومات بين الناس، والتي تؤدي حتماً إلى فساد في العلاقات وانتشار الفتن ،قال عليه الصلاة والسلام:” لاَ تَقَاطَعُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ “.[ صحيح مسلم، ح(6704)، 8، 10]

       4_ التحذير من إتيان كل ما يُوصل إلى الجريمة :

أو يؤدي إليها من قريب أو بعيد، وأوصد الأبواب أمام كل الذرائع الموصلة للانحراف، بل جعل المباح أحياناً محرّما إذا كان وسيلة للحرام، ولقد وضع الأصوليون بناء على ذلك قاعدة أصولية تسمى ” سدّ الذرائع ” يُفتى بموجبها بمنع وتحريم كل ما يوصل إلى الحرام وإن كان في أصله حلال ، ومن ذلك :

حرّم الخلوة بالمرأة الأجنبية والنظر إليها، وحرّم التبرج للمرأة والاختلاط الفاضح بينالجنسين لأنه ذريعة إلى فاحشة الزنا، ودعا إلى تحصين النفس بالزواج وغض البصر و الصياموغيره.

حرّمالتشاحن والتباغض والخصومات والشجارات لأنها تفضي إلى التقاتل والتقاذف وغيره.

    حرّم التعديعلى مال المسلم وأخذه عن غير طيب نفس منه، لأن ذلك ذريعة للسرقة والاختلاس وغيره.

حرّمبيع السلاح وقت الفتنة لأن ذلك ذريعة إلى القتل.

حرّمالبيع أثناء النداء لصلاة الجمعة لأن ذلك ذريعة لترك الصلاة.  

حرّمالصلاة وقت شروق الشمس أو غروبها لأن ذلك ذريعة للتشبه بعبدتها من الكفار.

حرّمشرب قليل الخمر لأنه يؤدي إلى الكثير منه المسكر.

        5_ الدعوة إلى التوبة من الذنب و عدم المجاهرة بالمعاصي

   بحيث شجَع المذنب على التوبة والرجوع إلى الله وعدم الإصرار على الذنب أو المجاهرة به، و أكّد له أنه سيجد الله له غفوراً رحيماً كريماُ، يجازيه على ذلك خير الجزاء ويبدل سيئاته حسنات، قال الله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ،يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾ [الفرقان،68/71 ].

    و لقد حثّ الإسلام  على ستر عيوب النفس و الناس وعدم تتبع عوراتهم و فضحهم أمام الخلائق ، و توعّد في المقابل بفضح الله لمن يفضح أخاه، قال عليه الصلاة والسلام :” يَا مَعْشَرَ مَنْ قَدْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لاَ تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِى جَوْفِ رَحْلِهِ ”  [سنن الترمذي، ح 2032، ج4،378]

     كما أكّد عليه الصّلاة والسّلام أنّ كل مذنب مُعافى من العقاب، مادام قد ستر على نفسه ما ستره الله عليه وأقبل على التوبة و الاستغفار، أما الذي يناطح الله بالمعاصي فيرتكبها علناّ، أو يرتكبه سراً ثم يفاخر بها علنَا دون خوف أو حياء من الله أو الناس فهذا لا عافية له ولا غفران، قال عليه الصلاة والسلام :” كلً أمًتي مُعافى إلاّ المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاّ ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه” [الجامع الصحيح ، ح 5721، 5، 2254 ]

     إنَ لستر الذنوب وعدم المجاهرة بها أو إشاعتها في المجتمع حكمةٌ بالغة  تكمن في مساعدة المذنب على التوبة من الانحراف والمحافظة على سلامة سمعته وعرضه بين الناس، و كذا عدم المساهمة في نشرها عندما يرى ويسمع أصحاب القلوب الضعيفة والايمان الهش أن المعاصي والفواحش  شائعة  في المجتمع ،فلا حرج عليهم ان يفعلوها كما فعلها غيره ،قال الله تعالى في سياق حديثه عن قصة الإفك :﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [ النور،19_20]

    وبترسيخ العقيدة الصحيحة في العقول والقلوب، و بالالتزام بالأخلاق والقيم الإسلامية الفاضلة، وبالإكثار من العبادات والشعائر الدينية وأدائها حق الأداء، يكون الإسلام قد حصّن المسلم بمجموعة من المبادئ والقيم والأخلاق التي تنبته نباتاً حسناً و تجعله بعيد النفس و المُنى عن كل  مظاهر الانحراف و الإجرام.

    إنَ الإسلام لم يسع مطلقاً لأن يجعل المسلم معصوم الجانب من الخطأ أو الذنب، لكنه أراد منه أن لا يُقبل على المعاصي والآثام إقبال الفرحِ السعيد، ولا يُصرُ على فعله إصرار الشيطان المريد، فالذنب والخطأ في بني آدم طبعٌ متأصل، والنقص فيه متجذر، وهذا مصداقَا لقول النبيِ الكريم  عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم:” كلٌ ابن آدمَ خطاء وخيرُ الخطائين التوابون ” [ سنن الترمذي، ح رقم 2499،4،659 ]

     ولقد سخّر الإسلام لتجسيد هذه التشريعات في الواقع هيئاتٍ ومؤسسات متعددة، تتعاون وتتكامل فيما بينها لتصل بالفرد المسلم إلى مستوى عالٍ من الرقيً الأخلاقي والحضاري تستقذر فيه الجريمة من تلقاء النفس ، ومن هذه الهيئات نجد الأسرة أولاً ثم المدرسة والمسجد وباقي هيئات المجتمع المدني كالجمعيات الخيرية والثقافية و هيئات الحسبة(الشرطة) والنقابات ووسائل الإعلام المختلفة من تلفاز وجرائد وإذاعة ووسائط الاتصال الإلكترونية المختلفة وعموم أفراد المجتمع.

    و تشترك هذه الهيئات جميعها في مهمةٍ جوهرية في المجتمع هي التربية والتوعية والتذكير الدائم بأوامر الله تعالى، وبما ألزم  به من أخلاق وقيم وتشريعات، هذه المهمات التي تَصبُ جميعها في مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يُعتبر الضمانة الوحيدة لنشر الخير و الفضيلة والتقليل من الفساد والرذيلة في المجتمع، قال الله تعالى:﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران،104]

   ولقد حذَّر الإسلام من التهاون في النّهي عن المنكرات و السّكوت عنها أو مجاراة أهلها  في المجتمع، واعتبر ذلك علامة على قبولها والشراكة الضمنية في وجودها، وهو ما يؤدي إلى زيادة انتشارها و فساد المجتمع، كما يؤدي إلى استحقاق عقاب الله في الدنيا قبل الآخرة، قال رَسُولَ اللَّهِ _ صلى الله عليه وسلم_:” مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بالمعاصي ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لاَ يُغَيِّرُوا إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ”  [ سنن أبي داود ، ح434 ، 4،214]

    ثانيا: الجانب العلاجي( العقابي):

      وهي الخطوة اللاّحقة في منهج الإسلام المتكامل لمحاربة الإجرام، بحيث إذا لم يخف المسلم من عقاب الله الدنيوي و الأخروي، ولم تُلزمه قيمُهُ و مبادؤه وأخلاقه بالاستقامة وترك الفساد، وتجرأ على الاعتداء على حرمات الله وألْحق الأذى بالعباد والبلاد، وثبت لدينا ذلك بالحجة والبرهان، فهنا يصبح واجبا على الحاكم المسلم ايقاع  العقوبة اللازمة عليه لردعه وردع غيره، حفاظا على أمن المجتمع وسلامته من القلق والفوضى الناجمة عن انتشار الاجرام، قال الله تعالى في عقوبة القِصاص على القتل العمد:﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون ﴾[البقرة،179.]

    ولقد جاءت منظومة العقاب في الإسلام متدرجة ومتنوعة بحسب خطورة الجريمة ومدى تجذرها في المجتمع، لهذا لم تُحرَم كثيرٌ من الجرائم في الصدر الأول للإسلام دفعة واحدة  بل جاء النّهي عنها متدرجًا عبر مراحل، بدء باستنكار واستقباح الفعل ثم النّهي الجزئي عنه وصولا إلى التحريم النهائي والتوَعد بالعقاب الدنيوي و الأخروي،  كما هو الشأن في تحريم شرب الخمر والتعامل بالربا والعقاب على الزنا وغيره، هذا التدرج الذي جاء لأسباب وحِكم بليغة منشورة في كتب التشريع ، لكن المؤكد أنَ الشريعة لما حددت العقوبة  جعلتها رادعة بحيث اجتَثًت بها جذور الجريمة من المجتمع حتى أصبح حدوثها نادرا، ذلك أنَ واضعها في الأغلب هو الله الذي يعلم ما يصلح لعباده وما يُصلِحُهم، أليس هو القائل: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك،14].

    ويكفي للاستدلال على نجاعة وصلاحية هذا المنهج الرباني في محاربة الجريمة، أنّ الجريمة انحصرت في عهد النبوة والخلفاء الراشدين لدرجة أن حالات تطبيق العقوبات فيها كانت معدودة محدودة إما بسبب تناقص الجرائم، أو بسبب انعدام شروط إقامة العقاب فيها.

    ولقد حدثنا التاريخ عن استقالة عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه_ من منصب  القضاء في عهد أبي بكر الصديق _رضي الله عنه _عندما مكث فيه عاماً كاملاً لم ترفع إليه قضية واحدة، في حين تعجُ المَحاكم الآن بمختلف القضايا والمخالفات التي يتشاكى الناس فيها بعضهم ببعض لدرجة يعجز القضاء عن استيعابها لكثرتها وتعقيدها وصعوبة التحقق فيها من الظالم والمظلوم

أنواع الجرائم وعقوباتها في الاسلام

   إذا أمعنّا التفكير في مختلف الجرائم التي سمعنا عنها أو شاهدناها في الواقع القديم والحديث، لوجدناها متنوعة و متجددة، تنوّع الاعتبارات والزوايا التي ننظر إليها من خلالها

       _ إذ بالنظر إلى الجريمة إليها من زاوية العقوبات أو الجزاءات المترتبة عليها، نجد أن هناك جرائم خطيرة ومدمرة للمجتمع، وبالتالي فالعقاب عليها كان شديداً ورادعاً، و هذه تشمل على الأغلب الجرائم التي تمس بضروريات الإنسان في الحياة وتخل بمقاصد الشرع الأساسية كالنفس والعرض والمال والدين والعقل، وهناك جرائم أقل ضرراَ و أخفُ أثراً  و بالتالي أقل عقاباً من سابقتها.

     و بناءً عليه فقد قسّم جمهور الفقهاء_ عدا الاحناف _ الجرائم إلى:

  • جرائمالحدود:و هي سبعة: حدّ الزنا، حدّ القذف، حدّ السرقة، حدّ شرب الخمر، حدّ الردّة، حدّ القصاص،حدّ الحرابة أو قطع الطريق
  •      جرائمالتعزير:وهي ماعدا الجرائم السّابقة وغيرها مما سنفصل فيه لاحقاً في محله.

      _أما الاحناف فقد قسموها إلى :

  • وجرائمالحدود:عندهم خمسة هي: حد السّرقة وحدّ الزنا وحدّ القذف وحدّ السّكر وحدّ الشّرب _على اختلافٍطبعاً في حدّ الحرابة الذي ألحقوه بالسرقة بمفهومها العام_  
  •     جرائمالقصاص: و تشمل جرائم الاعتداء على النفس بالقتل و ما دون النفس بالجرح العمديين
  • جرائمالتعزير:و تشمل  ما بقي من الجرائم التي لا حدّ فيهاولا قصاص ولا كفارة .

_         أمّا إذا نظرنا إليها من حيث طبيعة انتشارها أو على أي مستوى من العلاقات كان أثرها، نجد أن هناك:

  • جرائم سياسية : كالحرابة أو البغي أو التجسس والخيانة والإخلال بالنظام العام و غيره
  • جرائم دينية : كالردّة أو الاعتداء على أماكن العبادة و المقدسات الدينية كحرق المصاحف أو إهانتها وسب الله ورسوله و غيره
  • جرائم أخلاقية: كتدنيس الأعراض بالزنا أو القذف أو اللواط و السّحاق وكل الممارسات المخلة بالحياء والمضرة بالخلق الحسن.
  • جرائم اجتماعية: كالاعتداء على الأنفس والجوارح بغير وجه حق، والاعتداء على الأفراد بالخطف والمتاجرة بالأعضاء، والتعدي على حريات وحقوق الآخرين في المجتمع و إفساد راحتهم و غيره  
  • جرائم اقتصادية ومالية: كالسرقة والسلب والنهب واختلاس المال العام وإتلافه والربا والرشوة و الاحتكار والغش والتدليس التجاري وغيره.

      و بتجدد حياة الناس وتطوُرها ظهرت هناك جرائم جديدة وخطيرة على مستويات أخرى لم تخطر على بال السّابقين، وأخذت الجريمة شكلاً أكثر انتظامًا ودقةً، واتسع نطاقها وتعدت آثارها الحدود الجغرافية للفاعل، فظهر ما يسمى:

  • بالجرائم العلمية كتلك المتعلقة بالسرقات العلمية للأبحاث أو الاختراعات و غيره
  • الجرائم الإلكترونية أو المعلوماتية مثل سّرقة الحسابات الشخصية و اختراق وقرصنة المواقع الإلكترونية أو الابتزاز الإلكتروني و غيره   
  • الجرائم البيئية كحرائق المساحات الخضراء و التلوّثات  البيئية السامّة خاصة من مخلفات المصانع
  • ü      الجرائم الطبية أو الصحيّة المضرة بصحة الإنسان كالخطأ في العلاج أو التشخيص والإهمال الطبي المفضي لهلاك الصحة، أو بيع الأغذية الفاسدة والأدوية المنتهية الصلاحية غيره.

 _و بالنظر إلى الجريمة من حيث قصد الفاعل ونيته من الفعل الإجرامي، نجد أنّ هناك:

  • جرائم  العمد : وهي التي يقصد أصحابها الفعل والأثر، بحيث لجأ إليها أصحابها بقصدٍ ونيّة و سابق إصرار و تعدٍّ ، والعقوبة فيها تكون أشد و أنكل لأنها  تُنبئ عن فساد نفس الجاني وانحراف سلوكه.
  • جرائم الخطأ : و هي التي لا يقصد فيها الجاني لا الفعل ولا الأثر ، بحيث ارتكبت من قبل أصحابها إمّا خطأ أو سهواً أو جهلاً، وهذه تكون العقوبة فيها أقل ايلاماً وأخف ضررا.
  • جرائم شبه العمد : وهي التي يقصد فيها الجاني الفعل لكن لا يقصد الأثر، و قد زاد هذا القسم الشافعية والحنابلة والحنفية

  و يجب التنبيه هنا إلى أنّ كل نوع من هذه الجرائم يشتمل في ذاته على جرائم أخرى بدرجات مختلفة فمنها الخطيرة و الأقل خطراً

      _ فالجرائم السياسية مثلاً تشمل جريمة الحرابة وهي من أخطر الجرائم لأنّها من جرائم الحدود كما تشمل جريمة استغلال الوظيفة للأغراض الشخصية أو التعسّف في استعمال المنصب وغيره، _والجرائم الدينية تشمل الردة وهي أخطرهم على الإطلاق، كما تشتمل على جُرم الإفطار في رمضان عمداً أو سبّ الله تعالى ورسوله وغيره

      _وأما الجرائم الاقتصادية فتشمل السرقة وهي من جرائم الحدود كما تشمل أيضا الغصب و النهب والغش التجاري وخيانة الأمانة والتدليس في السلع والتطفيف في الكيل و غيره .

ولقد ارتأيت في هذا الموضوع تسليط الضوء على منظومة العقاب في الاسلام وفق تقسيم الحنفية للجرائم وهو تقسيمها الى ثلاثة: جرائم الحدود، جرائم القصاص والديّات، وجرائم التعزير، والمنطلق في ذلك أن هناك فرق أساسي بين جرائم الحدود وجرائم القصاص، وهو أن جرائم الحدود تكون العقوبة فيها حقاً مطلقاً لله، وبالتالي لا يجوز فيها العفو إذا رُفع الأمر للقاضي حتى من المجني عليه، أما جرائم القِصاص فبالرغم من العقوبة الرادعة والمُلزمة، لكن يعتبر المطالبة بها حق مزدوج لله وللعبد، وعليه يجوز للمجني عليه العفو عن الجاني بإسقاط القِصاص والمطالبة بالدية.

  _ وبناء عليه فالجرائم بالنظر الى عقوباتها ثلاثة أقسام هي:

أولا : جرائم الحدود:

 وهي عبارة عن محظورات شرعية عاقب عليها المشرّع بحدّ كحق لله تعالىّ.

 والحدّ عقوبة اختص المشرّع بوضعها، لعلمه أنّها وحدها الكفيلة باجتثاث الجريمة من جذورها و تطهير المجتمع من آثارها.

وميزة العقوبات في جرائم الحدود أنّها عقوبات مقدرّة و محدّدة ليس لها حدّ أدنى ولا حدّ أعلى بل يجب  تطبيقها كما هيَ، وهي بذلك عقوبات لا يمكن للجاني فيها_ إذا ثبت في حقه الجرم _ أن يستفيد من ظروف التخفيف المعتبرة في جرائم التعزير مثلاً، كما أنّ الحدّ فيها يطبق كما هو دون زيادة أو نقصان، وليس لوليّ الأمر إلغاؤه أو تغييره أو استبداله بغيره بأيّ حال من الأحوال، كما لا يجوز للمجني عليه أو وليّ الأمر أن يعفو عن الجاني مهما كان حاله.

وقد يتساءل أحدهم لماذا اختص المشرع بوضع عقوبات لهذه الجرائم بالذات، ولم يترك لعباده صلاحية تحديد العقوبة كما في غيرها، وهنا يمكن القول أنّ السبب يرجع إلى أن هذه الجرائم هي أكثر الجرائم انتشارا و أخطرها على الإطلاق لأنها تمس بضروريات الحياة البشرية  التي جاء الإسلام للحفاظ عليها .

  فللحفاظ على الدين حرّم الردة وعاقب عليها، وللحفاظ على النّفس حرّم القتل والحرابة وعاقب عليهما، وللحفاظ على العقل حرّم الخمر وكل المسكرات وعاقب عليها، وللحفاظ على العِرض حرّم الزنا والقذف وعاقب عليهما، وللحفاظ على المال حرم السرقة وعاقب عليها.

   و هنا نفهم قصده عليه الصلاة والسلام عندما قال عن تطبيق الحدود:” حدٌّ يُعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا “[سنن النسائي الكبرى، ح 7391،4، 335] ، ذلك أن الخير والمصلحة التي تجنيها الأمة من وراء تطبيق هذه الحدود من أمن نفسي واجتماعي، أفضل من الخير الذي تجنيه من الغيث الذي يمطرونه لأربعين سنة رغم أهميته في الأمن الغذائي والمادي.

    كما نتفهم مدى غضبه عليه الصلاة والسلام من أسامة بن زيد لما تشفّع عنده لإسقاط الحدّ عن المرأة المخزومية التي سرقت فقال عليه الصلاة والسلام له:”…أَتشْفعُ في حَدٍّ من حدود الله”. ثم قام فاختطب في الناس، وقال: “إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا” [ الجامع الصحيح، ح 3475  ، 12،193.]

 _ أهم جرائم الحدود  :

اتفق جمهور الفقهاء على أنّ جرائم الحدود سبعة جرائم يذكرونها على الأغلب تحت مسمّى الحدّود و هيّ:

1_ جريمة الزنا : الزنا كفعل مجرّم هو: وطئ المرأة في قبلها وطأ خاليا من الملك والشبهة

     وهي جريمة فيها اعتداء على عرض المسلم ، لهذا وجب تطبيق الحد عليه وهو بحسب حال الزاني احد ثلاثة:

        أ _الجلد مئة جلدة للمرأة الحرّة غير المحصنة بنص الآية السابقة             

                   ب _الجلد مئة جلدة و تغريب عام للرجل الحرّ غير المحصّن بنص الحديث السّابق

        ج _الرجم بالحجارة حتى الموت للمحصن الحرّ رجلا كان أو امرأة                     

2_جريمة  القذف: وهي الرميّ بالزنا صراحة أو ضمناً

وهي أيضا جريمة فيها تدنيس لأعراض الأبرياء من المسلمين و حدد القرآن الكريم  عقوبة القاذف المفتري ب :

            أ_ الجلد ثمانين جلدة  كاملة و هي عقوبة بدنية موجعة،

               تتبعها عقوبات أخرى نفسية هي:

            ب_ عدم قبول شهادته بين النّاس، لأنه كاذب فلا عدالة له

        ج _ وصفه بالفسق والفجور و النقص في  الدين.

3 _ جريمة السرقة: وهي أخذُ المكلف نصاباً من المال خالياً من الملك وشبهته من حِرْزٍ خفية”

وهي جريمة فيها اعتداء قصري على مال المسلم في محاولة لإلحاق الضرر بحياته و عقوبتها:  قطع اليد اليمنى من الرسغ

 4_ جريمة السكر أو شرب الخمر: السُّكر(بالضم): هو غيبة العقل وزواله بحيث يفقد صاحبه القدرة على التمييز بين الصّالح و الطّالح، الأرض والسّماء، ويغلبُ على كلامه الخلط والهذيان.

وسواء كان بالخمر أو بغيره فيعتبر جريمة من أخطر الجرائم لأنه يغيب عقل الانسان الذي به كُرمَ وبه كُلفَ وبه يُميز ُ الصح من الخطأ .

  وأما حدّ شرب الخمر فهو جلدُ المخمور الذي ثبت سُكره بالرؤية أو الرائحة أو التقيؤ و غيره، وهو ما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم  في قوله:” من شرب الخمر فاجلدوه..” و لم يُؤثر عنه عليه الصلاة والسلام أنّه حدد مقدار العقوبة تحديداً قاطعاً بنص من عنده، لكن ورد عنه صلى الله عليه وسلّم -أنّه ضرب المخمور أربعين جلدة ، ثم فعل مثله أبو بكر رضي الله عنه ، وفي عهد عمر _رضي الله عنه_ جلد المخمور ثمانين جلدة قياساً على القاذف

 5_جريمة الحرابة: هِيَ الخروج لأِخْذِ مَالٍ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ لإِرْعَابٍ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ مكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الْقوَّةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ.

 ومن التعريف يتضح أنّ الحرابة أو قطع الطريق هي جريمة تعتمد على إخافة النّاس مجاهرةً وأخذِ أموالهم أو قتلهم أو الاعتداء على أعراضهم بقوة السّلاح وعلى سبيل الغلبة دون أن يكون للمغلوب قدرة على طلب الغَوثِ والنجدة من الغير نظراً لبعده عن النّاس أو لعجزه عن ذلك.

والحِرابة جريمة يتحدّى فيها الفاعل السّلطة الحاكمة بكل ما تمتلك من قوة وعدة وعتاد وسلاح وقوانين، وينشر الرّعب بين الناس ويسلبهم حقهم في العيش بأمان، لينال مبتغاه منهم دون أن يضع اعتباراً لأحد.

و يجب على الحاكم أن يطبق عليهم العقوبات التالية:

       1_ القتل .

      2_ الصلب.

      3_ قطع الأيدي والأرجل من خلاف .

       4_ النّفي من الارض

6_ جريمة البَغْي: عرفها ابن عرفة من المالكية قال:” البغيُّ هو الامتناع عن طاعة من ثبتت إمامته في غير معصيةٍ بمغالبةٍ ولو تأولاً.

    والبُغاةُ هم أولئك الذين يُقاتلون الحاكم الحق بالقوة والمغالبة على التأويل( أي يستندون إلى أفهام وتأويلات لأدلة شرعية تبرر خروجهم)، مثل الطوائف الضَّالة كالخوارج وغيرهم أو الذين يخرجون على الإمام أو يمتنعون من الدخول في طاعته أو يمنعون حقاً وجب عليهم كالزكاة و غيرها كل ذلك بناء على فهم خاطئ لبعض النصوص أو الأحكام الشرعية.

   وعقوبة البغيِّ في الإسلام_ بعد توفر شروط الجريمة الشرعية كاملة_ هي استتابة البُغاة أولاً ودعوتهم إلى الالتزام بطاعة الحاكم و أمره، والرجوع عن غيِّهم والتزام الجماعة، فإن رفضوا ذلك وجب على الحاكم قِتالهم ومحاربتُهم حتى يرجعوا عن غيهم، كل ذلك حفاظاً على المجتمع من الفتن والفساد ، وتقطع الأمة إلى فرق وجماعات تقاتل بعضهم بعض فيتحقق تشتتها وتضعف شوكتها ويسهل اختراقها والاستيلاء عليها.

7_ جريمة الردًة : الرّدة في اصطلاحا الفقهاء هِي: كُفْرُ الْمُسْلِم الْبَالِغِ الْعَاقِل الْمُخْتَارِ الَّذِي ثَبَت إِسْلاَمُهُ وَإِن لَم يَنْطِق بِالشَّهَادَتَينِ، أَو كُفْرُ مَن نَطَقَ بِهِما عَالِما بِأَرْكَان الإْسْلاَم مُلْتَزِما بِهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالإْتْيَان بِصَرِيح الْكُفْر إمّا بِلَفظ يَقْتَضِيهِ، أَو فِعْل يَتَضَمَّنُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ .

وعقوبة الردّة هي قتل المرتد كفراً بعد أن يُستتاب ثلاثاً على مذهب الجمهور بدليل قوله عليه الصلاة و السلام:” من بدّل دينه فاقتلوه ” ، وكذا ما ورد في حديث معاذ بن جبل لما أرسله عليه الصلاة والسلام والياً على اليمن أنّه قال له :”ٍ أَيُّمَا رَجُلٍ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ فَادْعُهُ فَإِنْ تَابَ فَاقْبَلْ مِنْهُ وَإِنَّ لَمْ يَتُبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ ارْتَدَّتْ عَنِ الإِسْلامِ فَادْعُهَا فَإِنْ تَابَتْ فَاقْبَلْ مِنْهَا وَإِنْ أَبَتْ فاسْتَتِبْهَا”.

   ثانيا : جرائم القصاص

  القصاص هو أن نفعل بالجاني مثل فعله بالمجني عليه، فمن قتل يُقتل ومن جرح لأخيه عضو يُجرح.

والقِصاص هو جوهر العدل في الإسلام، إذ ليس هناك أبلغ ولا أعدل في حال الاعتداء على الروح البشرية المقدسة _ والتي حرم الله إزهاقها إلاّ بالحق _إلاّ أن يُعاقب الفاعل بمثل فعله فيعلم ابتداء أنّ الروح التي سيزهقها أولاً ستلحقها روحه ثانياً.

_ فيما يطبق القصاص:

فرّق العلماء في القتل بين ثلاثة أنواع بحسب قصد الفاعل و هي: القتل العمد، والقتل الخطأ، القتل شبه العمد .

فأمّا النوعين الأخرين فلا قصاص فيهما لانعدام القصد الجنائي في الفعل(وهو أحد أركان الجريمة الكاملة) وبالتالي انعدام صفة الإجرام.

و يطبق القصاص في الإسلام على جريمتين: القتل العمد والجرح العمد.

  • القتل العمد: والقتل هو إزهاق روح آدمي بقصد

وبالنظر نجد أن القتل العمد يقصد فيه القاتل الفعل ويقصد الأثر، فهو يقصد الضرب مثلا ويقصد ازهاق الروح من ورائه( الأثر) ،و يكون  بذلك قد ارتكب جريمة من أعظم الجرائم بشاعة وأكثرها خطورة

  • الجرح العمد: وهو الاعتداء على جارحة أو عضو من أعضاء الإنسان أو أكثر عمداً وتعطيل عملها.   

وعقوبة القتل والجرح العمديين هي الاقتصاص من الجاني ابتداء كحق عادل للمجني عليه  وأهله، قال الله تعالى:﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ[المائدة، 45].

وقال تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة،178]

  و للنّفس البريئة حُرمة عظيمة في ديننا لهذا حرّم الله تعالى قتلها ولو كانت جنينا في بطن أمه، فقال تعالى :﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء،93]

  كما جعل أول ما يحاسب عليه المرء يوم القيامة من حقوق العباد و يُقضَى بينهم فيها هو الدماء، فمن طهّر يده من دم غيره فقد سلِم ونجا، قال عليه الصلاة والسلام :” أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما يُقضى بين النّاس في الدماء ” ذلك أنّ صحة الصّلاة مؤشر على سلامة العلاقة بين العبد وربه، وعدم المساس بدماء الغير أو الاعتداء على أرواحهم  مؤشر على سلامة العلاقة بينه وبينهم.

    والقصاص كما سبق ذكره في التّعريف هو أن يُفعل بالجاني مثل فعله بالمجني عليه، فمن قتل يقْتل ومن جرح أخيه يُجرح، و ليس هذا فقط بل إنّ من الفقهاء من اعتبر أنّ المماثلة في القصاص تقتضي قتل القاتل و بنفس طريقة قتله للمقتول، ذلك أنَ للقتل صوراً رحيمة وأخرى أليمة، ومن العدل أن يُقتل الجاني بنفس طريقة قتله للمجني عليه، فمن قتل أخيه حرقاً أُحرقَ ومن قتله غرقاً  أُغرقَ وهكذا.

    ولقد تعالت اليوم دعوات كثيرة تدعو إلى تعطيل عقوبة القِصاص في العالم والتي يسمونها_ بالإعدام _ وتدعو إلى العفو عن القاتل المجرم والرحمة به أو معاقبته بعقوبات أخرى بديلة و أكثر إنسانية ورحمة كالسجن المؤبد وغيره، بحجة أنّ القصاص تشريع قاسٍ ومُجحف لا يتماشى مع حقوق الإنسان العامة التي كفلتها له الدساتير الوضعية و الإلاهية، وهو الأمر الذي ردّ عليه القرآن الكريم بكلمات أبلغ ما تكون، ليقول إنّ في قتل القاتل حياة، قال الله تعالى:﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾[البقرة،179]

 لكن حياة لمن؟ حياة لكثير من الخلق من الممكن أن يُقتلوا لو بقيَ القاتل حياً دون عقاب ولو بقيت الجريمة دون تجريم، وهو أمر ليس بالجديد في ديننا بحيث ورد في أدبيات العرب و تُراثهم القديم ما يشبهه فكانوا  يقولون ” أنّ القتل أنْفَى للقتل” أيّ لا يمنع انتشار القتل إلاّ القتل.

  ولو تمعنّا في الأمر لوجدنا أنّ الله تعالى قد شرع القِصاص بالذات تماشياً مع الطبيعة التي خلق عليها عباده، فالإنسان مجبول على حبِّ البقاء والخلود، و إذا أدرك المجرم أنّه سيموت بعد موت الضحية مباشرة، فإنّ ذلك يكون أدعى له للحفاظ على حياة غيره ليحافظ على حياته هو.     

   هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد أنّ الإسلام لم يتوَسع في حالات القتل كما في بعض المجتمعات المعاصرة، بل عدَدَ حالات القتل وشدَد في طرق استحقاقها، أما في المجتمعات الشيوعية مثلا فنجد أن أسباب القتل قد وصلت إلى(70) حالة، و في المجتمع البريطاني الإقطاعي وصلت أسباب القتل إلى (200) سبب.

  و في الاسلام لا يُقتل القاتل إلاّ في حالات محدودة كقتله لنفس بريئة أو الزنى بعد الإحصان أو الرّدة أو الحرابة وغيرهم، وفي كل هذه الحالات وضع شروط ومتطلبات وضوابط تجعل العقوبة نادرة الوقوع، إلا إذا ثبت عليه الجرم فعندها فعلاً يستحق القتل.

ثالثا :جرائم التعزير

هي كل جريمة ليس فيها حدّ ولا قصاص ولا كفارة.. و عقوبتها غير مقدرة شرعاً

   و التعزير في ديننا هو الجانب المَرنْ في الشريعة الإسلامية، والذي يجعلها صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، ذلك أنّه يتماشى مع  كل جديد في عالم الجرائم والشرور، كما أنّه يُعطي  للقاضي أو وليّ الأمر صلاحية تحديد العقوبات المتناسبة مع طبيعة الجرائم الواقعة والمتوقعة في حياة الناس، والتي يُراعي فيها عادة حال المجرم  وظروفه وزمانه ومكانه وحتى درجة التحضر في المجتمع الذي يعيش فيه، بما يُحقق التأديب والتخويف والردع المرجو من العقاب، ويحافظ على سلامة المجتمع وأمنه واستقراره.

  ورغم أنّ التعزير نظام وُكّلَ للقاضي فيه صلاحية تحديد تفاصيل العقوبات وصورها، لكن هذا لا يعني أنَه منفصل عن المنظومة العقابية العامة في الإسلام، بل هو مؤصل و مشرّع بوضوح ،بحيث نجد أن مصادرنا التشريعية قد أشارت إلى بعض العقوبات التعزيرية كنماذج يمكن القياس عليها ، كتشريع الله تعالى للزوج حق تأديب زوجته حال النشوز بعقوبات معينة هي: النصح والزجر ثم الهجران في الفراش ثم الضرب غير المبرح، حيث قال الله  تعالى :﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾[النساء،34] ، وكذا تشريعه لضرب الأبناء عند ترك الصلاة إذا بلغوا عشر سنوات _وهو نوع من العقاب الذي يكون  على ترك مأمور_ بدليل ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله :” مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِع ”     و تصوّروا معي لو اقتصرت الشريعة الإسلامية على تصنيف الجرائم إلى جرائم حدود وقصاص فقط، واكتفت بها كتصنيف أولي و وحيد، دون إشارة أو اعتراف بأيّ من الجرائم الأخرى، بحيث لا عقاب ولا حساب إلاّ على ما سبق، فما ستكون النتيجة ؟

   سيُفتح على المجتمعات أبواب من الفساد لن تُسد، و ستظهر منكرات و جرائم ليس لها عدّ، بعضها قديم و كثير منها مستجد، تهلك الحرث والنسل وتأتي على حياة العباد وخراب البلاد، ذلك كله دون أن يكون للسلطة القضائية القدرة أو الصلاحية الشرعية على محاسبة الفاعلين أو معاقبتهم أو حتى تأنيبهم. 

     فقد يمتنع النّاس في المجتمع عن الزنا لأنّه فعلٌ مجرّم يوصلهم إلى العقوبة وهي الجلد أو الرجم، لكنّهم سيفلتون من يد القانون عندما يتجرؤون على إتيان مقدمات الزنا جهاراً نهاراً، أو القيام بالأفعال المخلة بالحياء، أو الجرأة على العُريّ الفاضح أو الاختلاط أو الخلوة بالمرأة الأجنبية وغيره.

     و قد يمتنعون عن السرقة الموصوفة خوفا من عقوبة القطع، لكن ما يمنعهم من أخذ الرشاوى و الاختلاسات أو الغصب و النهب و السلب، أو أكل الربا و أموال اليتامى أو خيانة الأمانة أو التطفيف في الكيل والميزان أو الغش والتغرير بالناس و غيرهم.

    وقد يمتنعون عن الحرابة أو البغي الموصوفتين، لكن ما يمنعهم من ارتكاب جرائم أمْن الدولة كالتجسس أو خيانة البلد أو التهرب من الخدمة العسكرية أو الإخلال  بالنظام العام ، وغير هذا كثير من المخالفات والمحاذير التي قد تطرأ على حياة الناس والتي  لولا تصنيفها في جرائم التعزير لهلكت البلاد والعباد.

_ فيما يكون التعزير  :يكون التعزير في:

   1_ كل جريمة لا حدّ فيها كالزنا والسرقة والقذف وغيره، ولا قصاص كالقتل والجرح العمديين وغيرهما ،ولا كفّارة  فيها  ككفّارة (عتق رقبة مؤمنة) في القتل والجرح الخطأ، و كفارة (الصيام) لمن أفطر في نهار رمضان عمدا، وكفارة ( الاطعام ) لمن حنث في يمينه.

    وعليه  فما سوى ذلك من الجرائم  فللقاضي الحرية في أن يُعزر الفاعل خاصة إذا كان فعله فيه اعتداء على حقٍ من حقوق الله (حق المجتمع) كترك الصلاة أو سبّ الرسل أو الملائكة مثلا، أو فيه اعتداء على حق من حقوق العباد كلمس أو تقبيل المرأة الأجنبية عنه أو السبّ و الشتم وغيره.

  2_ كل جريمة حدّ أو قصاص اختل فيها شرط أو وصف من الأوصاف، كالسرقة دون النصاب أو سرقة الصبي أو القذف بغير الزنا أو المفاخذة دون الجماع أو الضرب والجرح المؤذي دون تعطيل للجارحة وغيره، فكل ما سبق من الجرائم يسقط فيها الحدّ و القصاص على صاحبها لكن يعزر.

     _أنواع عقوبات التعزير:

   من تعريفنا للتعزير نلمس أنه عبارة عن عقوبة غير محددة مسبقا من قبل المشرّع ،بل الأمر متروك للسلطة القضائية التي تجتهد في تحديد العقوبة المناسبة للجريمة أو المنكر الموصوف أمامهم ،وهو ما يجعل  الشريعة الإسلامية مَرنِة وقابلة للتطبيق والتكييّف مع أحوال الناس ومستجداتهم في كل مكان وزمان.

    لكن هذا لا يعني أنَ القاضي يحتكم لهواه في هذا النوع من الجرائم بلا مرجعية أو سند، بل بالعكس نجد أن الشريعة الإسلامية لما أعطت للقاضي ( فرداً أو جماعة) صلاحية تحديد العقوبات التعزيرية على تلك الجرائم ربطت ذلك بأمرين مهمين هما :

   1_ أن يكون القاضي مؤهلاً شرعاً أهلية علمية وأخلاقية لجلوس منصب القضاء والحكم بين الناس، فأمّا العلمية فتعني وصوله إلى درجة من التحصيل والاجتهاد العلمي تؤهله للنظر في الأمور بعمق واستقراء الأحداث المستجدة بحكمة وتبصر والحكم فيها، وهي درجة تستوجب إلمَامه بعلوم القرآن واللغة العربية والفقه وأصوله والحلال والحرام وغيره.

 و أما الأهلية الأخلاقية فتعني اشتهاره بالأمانة وحسن الخلق والبعد عن الكبائر والتنزه عن الصغائر وترك الشبهات، كل ذلك لكي يكون عدلٌ في قضائه، و ثقة مؤتمن في حكمه بين الناس وعلى الناس.

      2_ أن يكون للقاضي أصول ومبادئ يحتكم إليها في تجريمه لأيّ فعل أو الحكم عليه، بمعنى أنْ يكون التجريم للفعل منصوص عليه مسبقا و مقنن من قبل هيئة مختصة، و ذلك تحقيقا لمبدأ :” لا جريمة ولا عقوبة إلاّ بنص ” هذا المبدأ الذي قد يُسقط العقوبة بموجبه على أيّ مجرم لم تنص التشريعات على تجريم فعله، فلا جريمة و لا عقوبة إلاّ بعد بيان وإنذار للناس

    والعقوبات التعزيرية في الإسلام غير محددة في الكم والكيف لكنّها قد تبدأ بالنّصح والزجر و التأنيب اللفظي وقد تصل إلى حدّ القتل إن رآه القاضي سيحقق المصلحة المرجوة.

    ولقد اجتهد المسلمون الأوائل في تشريع بعض العقوبات التعزيرية التأديبية لمختلف الجرائم و المخالفات ومن ذلك نجد: الحبس والضرب أو الجلد أو الغرامة المالية أو التوبيخ اللفظي والإهانة العلنية أو التهديد أو التغريب أو النفي أو التشهير به أو الهجران والمقاطعة وغيره، وكمثال على ذلك: هجرانه عليه الصلاة والسلام للصحابة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك دون عذر مقبول وهم : كعب بن مالك ومرارة بن ربيعة وهلال بن أمية وذلك لمدة خمسين يوماً كاملة لا يكلمهم أو يتعامل معهم أحد، حتى ضاقت بهم الأرض بما رحبت، ووجِلوا أشدّ الوَجل وزاد قلقهم وجزعهم حتى جاءهم الفرج والتوبة من الله تعالى.

   لكن تبقى العقوبات السابقة نماذج فقط على سبيل الذكر لا الحصر، بحيث للسلطة القضائية أن تُشرع عقوبات أخرى تعزيرية متجددة تجدد الجرائم والظروف، بما يحقق المصلحة من الردع ويقضي على الجريمة، ومثال العقوبات التي وضعتها الهيئات التشريعية القضائية الآن نجد عقوبة النّفي الوظيفي من مكان لآخر أسوء منه، أو العزل من المنصب ، أو الحرمان من الترقية، وكذا تأميم ومصادرة الأموال والأدوات المجرمة، كمصادرة الأموال الغير مجمركة وغيرها، وكذا الحرمان من بعض الحقوق المدنية كالسفر والتنقل أو الترشح للانتخابات ،وغير ذلك.

    ولقد سخّر الإسلام لتفعيل دور هذه المنظومة العقابية في المجتمع هيئات متعددة كانت بسيطة ومحدودة في مجتمع الإسلام الأول، لا تتعدى طرفين أو ثلاث سلطة القاضي ومعاونيه و هيئة المحتسب، لكنها الآن أخذت أبعاد أخرى وتوسعت لهيئات جديدة تتناسب وطبيعة و حجم الجرائم المنتشرة اليوم ، فإلى جانب السلطة القضائية المتدرجة من قضاة درجة او وثانية ونقض هناك هيئات أخرى كثيرة تعمل معها، بعضها يدخل تحت مفهوم الحسبة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )  كالشرطة القضائية والجمركية وغيرهما، وبعضها عبارة عن مراكز بحثية علمية و طبية أ و جنائية أو احصائية مكلفة بالتحقيق أو التحري عن الجريمة وأهلها ومحاولة تقصي الحقائق واثباتها بالوسائل العلمية والمخابراتية الحديثة التي تضمن محاصرة الجريمة في المجتمع و دحضها مهما كان حجمها و نشاطها.  

كان هذا اذا تصور عام ومجمل لما جاء به الإسلام من تشريعات في سبيل مكافحة الاجرام في المجتمع تصور يعتمد أساسا على منع الجريمة من الحدوث والاحتراز منها و تجنيب المجتمع آثارها المدمرة، انطلاقا من مبدأ ” درهم وقاية خير من قنطار علاج ” ثم اللجوء للعلاج أو العقاب إن لزم الأمر  واستدعت الضرورة بما تتطلبه كل حالة و ظرف .ليكون بذلك هو المنهج الوحيد الذي وأد الجريمة في  عقر مجتمع جاهلي فوضوي ضائع وحوَّله إلى مجتمع طاهر تندر في الانحرافات

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.