حصريا

مفهوم اليقين في القرآن والسنة والمعاجم العربية والمعاجم الفلسفية.أ.محمد السيد

مفهوم اليقين في القرآن والسنة والمعاجم العربية والمعاجم الفلسفية

( واليقين في الفكر التيمي )

الأستاذ محمد السيد: ‏ماجستير اصول دين في ‏كلية الدراسات الإسلامية بولاية منيسوتا – الولايات المتحدة الامريكية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي َّ بعده.

سنتحدث في هذا المقال عن اليقين  الذي تطمئن إليه النفس سواء بدراسته الذاتية لفكرة ما ، أو بدراسته لنظريات العلماء والمفكرين ، وذلك من خلال التحليل والتسيط والايضاح الشمولي للنظريات المدروسة وهذا المطلب اليقيني المنشود يتطلب من كل باحث أن يكون علي دراية تامة باصطلاحات وتعريفات المدارس الفكرية المدروسة ، لان التعريفات والاصطلاحات تعد مدخلا لكل علم ، لذا رأينا أن نوضح طريقة تحديد هذه الاصطلاحات والمفاهيم عند تلك المدارس ، وذلك حتي تتضح معالم كل مدرسة ومذهب فكري ، لان الباحث اذا عرف تلك الالفاظ والاصطلاحات وكيفية تكوينها سَهُلَ عليه معرفة مسار كل مذهب ومدرسة ، وبالتالي يسهل عليه الحكم علي تلك المدارس والمذاهب الفكرية والفلسفية  التي سنقوم بدراستها باذن الله

لذا كان لزاما علينا ان نتعرف علي  معني اليقين :

   1 –  اليقين في القرآن الكريم  2 – في السنة النبوية  3 – في المعاجم الفلسفية 4 – في معاجم اللغة العربية

1 – اليقين في القرآن الكريم :

من البين أن كلمة اليقين وردت في القرآن الكريم في صيغ مختلفة ، فمنها المصدر ومنها الفعل ، ومنها الصفة ، ومنها الاسم ، وقد جاءت الأسماء وما يشابهها مفردة حينا ومجموعة حينا آخر كما جاءت متضايفة او موصوفة في سياقات أخري مثل = اليقين ، ويقينا ، ويوقنون ، موقنين ، موقنون .

 

أ – ومن أهم معاني اليقين في القرآن الكريم :

1 – وردت كلمة اليقين في آيات قرآنية بمعني الموت

أ – مثل قوله تعالي : ” وكنا نكذب بيوم الدين حتي أتانا اليقين ”  = فسر الايه الزمخشري[1] بقوله [ وتقريره واليقين الموت ومقدماته

ب – قوله تعالي : ” كلا لو تعلمون علم اليقين” = في غرائب القرآن للنيسابوري : [ ويحتمل ان يكون اليقين هو الموت ، كقوله تعالي ” واعبد ربك حتي يأتيك اليقين ” فان الشك يزول ، والاحوال الي اليقين تئول ][2]

2 – وجاءت كلمة اليقين بمعني ( التوحيد ) ، وذلك  في قوله تعالي : ” وفي الارض آيات للموقنين ” = اي للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصل الي المعرفة ، فهم نظارون بعيدون باصرة وأفهام نافذة كلما رأوا آية عرفوا وجه تأملها فازدادوا ايمانا مع ايمانهم وإيقانا الي ايقانهم [3]

3 – وجاءت كلمة اليقين بمعني العلم والمعرفة علي أنه نقيض الشك

أ – مثل قوله تعالي : ” وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسي ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن وما قتلوه يقينا “

ب – وقوله تعالي : ” كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم “

4 – وكذلك وردت كلمة اليقين بمعني الثابت والثبات

أ – مثل قوله تعالي : ” إن هذا لهو حق اليقين ”  = وفسره الزمخشري بقوله : [ إن هذا الذي أنزل في هذه السور لهو حق اليقين ، اي الحق الثابت من اليقين ]

ب – وقوله تعالي : ” وإنه لحق اليقين “

اذن كلمة اليقين في القرآن الكريم وردت بهذه المعاني المتعددة وبنظرة استقرائية واستنتاجية تلاحظ أنها في مجموعها الكلي وردت بمعني = [ المعرفة الواضحة الذي لا لبس ولا غموض ولا شك فيه ، وأن كل هذه المعاني في مجموعها الكلي تدل علي انتفاء الشك والحيرة ]

ب-فوائد من القرآن:
1 ـ قال تعالى: {هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الأعراف: 203] وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِى الأَلْبَابِ مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلكِنْ تصديِقَ الّذِى بَيْنَ يَدَيَهِ وتفصيل كُلِّ شَئ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَة مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاء لَمِا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57].
فقوله: “هذا بصائر من ربكم” عام مطلق، وقوله: “وهدى ورحمة لقوم يوقنون” خاص بأهل اليقين.
2 ـ على حسب اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور وقال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} فأمره أن يصبر ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر فإنهم لعدم يقينهم عدم صبرهم، وخفوا واستخفوا قومهم، ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا وما خفوا ولا استخفوا فمن قل يقينه قل صبره، ومن قل صبره خف واستخف، فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب وعقل، ومن لا يقين له ولا صبر عنده خفيف طائش، تلعب به الأهواء والشهوات، كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف والله المستعان. “التبيان في أقسام القرآن”؛ 1/87

2 – اليقين في السنة:

وردت اليقين في السنة النبوية كثيرا ، وهي في مجموعها الكلي تعبر عن الايمان .

1 – قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” اليقين الايمان كله “[4]  وفي رواية أخري ( اليقين كله الايمان ” = ومعني هذا الحديث أن الايمان يقيني فاذا نزل عن درجة اليقين فقد أصبح ضعيفا لا يقوي عند الامتحان والشدائد ، لان الايمان الضعيف قد يخشي علي صاحبه من سوء الخاتمة فقد يغويه الشيطان اخر حياته ويضله فيكفر

2 – قوله صلي الله عليه وسلم : ” الصبر نصف الايمان واليقين الايمان كله “[5]  = فهذا الحديث ايضا يؤكد ان الايمان يقين فاذا نقص اليقين نقص الايمان ، واذا ضعف اليقين ضعف الايمان

3 – وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: ” اللهم ارزقني من طاعتك ما تحول به بيني وبين معصيتك، وارزقني من خشيتك ما تبلغني به رحمتك، وارزقني من اليقين ما تهون به على مصائب الدنيا، وبارك لي في سمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني”.

4 – كما أن اليقين عند العلماء هو ( التصديق بالموعود ) من الله سبحانه وتعالي ، وذلك أن يعلم أنه لا ضار الا الله ولا نافع الا الله ولا رازق الا الله ولا مفقر الا الله ، وهذا ما بينه الرسول صلي الله عليه وسلم فقال : ” ياغلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف الي الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، واعلم أن الامة لو اجتمعوا علي أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عينك رفعت الاقلام وجفت الصحف ” [6]

5 – عن أبي بكر الصديق، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سلوا الله اليقين والمعافاة، فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية».

فجمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه.

6 – وفي «سنن النسائي» من حديث أبي هريرة يرفعه: «سلوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة»، وهذه الثلاثة تتضمن إزالة الشرور الماضية بالعفو، والحاضرة بالعافية، والمستقبلة بالمعافاة، فإنها تتضمن المداومة والاستمرار على العافية.

وفي الترمذي مرفوعا: «ما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية».

7 – وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: عن أبي الدرداء، قلت: يا رسول الله! لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ورسول الله يحب معك العافية».

_______________________________________

3 – معني اليقين في المعاجم العربية والفلسفية :

أ – االيقين في معاجم اللغة العربية :

اليقين : العلم وازاحة الشك وتحقيق الأمر ، وقد أيقن يوقن ايقانا ، فهو موقن ، ويقن بيقين يقنا ، فهو يقن .

واليقين : نقيض الشك ، والعلم نقيض الجهل ، تقول علمته يقينا

وفي قوله تعالي : ” وإنه لحق اليقين ”  = أضاف الحق الي اليقين وليس هو من إضافة الشيء الي نفسه ، لان الحق هو غير اليقين ، وانما هو خالصه وأصحه ، فجري مجري اضافة البعض الي الكل ( علاقة الحقيقة باليقين )

ب – وقوله تعالي : ” واعبد ربك حتي يأتيك اليقين ”  = أي حتي يأتيك الموت ،

ج – قال عيسي بن مريم ، علي نبينا وعليه الصلاة والسلام : ” وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ” = قال : وما دمت حيا وان لم تكن عبادة لغير حي ، لان معناه اعبد ربك أبدا وأعبده إلي الممات ، وإذا أمر بذلك فقد أمر بالاقامة علي العبادة [7]

ب – اليقين في المعاجم الفلسفية :

1 – سيكولوجيا : طمأنينة النفس لحكم تراه حقا لا ريب فيه ، ويقابل الشك ، وقد يذعن المرء لما هو في الواقع خطأ

2 – منطقيا : كل معرفة لا تقبل الشك

3  حدسي : كاليقين ببعض الاوليات

4 – استدلالي :  غير مباشر ينتهي إليه المرء بعد البرهنة ،

5 – ذاتي :  يسلم به المرء ولا يستطيع نقله الي غيره

6 – موضوعي يعرض نفسه علي العقول كاليقين العلمي [8]

  • وهناك بعض الموسوعات الفلسفية شرحت ( اليقين ) بشيء من التوسع والاحاطة ، وذلك عندما قسمت اللقضايا اليقينية الي اربعة أصناف ، وقيل فيه : = هو ما يفيد شيئا لا يتصور تغيره محال

قال ابن سينا : ” المقدمات التي تؤلف البراهين ، هي = 1 – المحسوسات كقولنا الشمس مضيئة ، 2 –  والمجربات كقولنا : الشمس تشرق وتغرب ، والسقمونيا تسهل الصفراء  3 – والاوليات كقولنا : الكل أعظم من الجزء ، والاشياء المساوية لشيء واحد متساوية ، 4 – والمتواترات كقولنا : إن مكة موجودة ” [9]

وقال ابن سينا ايضا في معرض حديثه عن البرهان وأنه قياس مؤلف من يقينيات لانتاج ( يقيني ) : ” واليقينيات إما الاوليات وما جمع معها ، وإما التجريبيات ، وإما المتواترات ، وإما المحسوسات ” [10]

والقضايا اليقينية أو اليقينيات أربعة أصناف :

الصنف الأول :هو الأوليات العقلية المحضة : وهي قضايا رسخت في الانسان من جهة قوته العقلية المجردة ، من غير معني زائد عليها يوجب التصديق بها .. كقولنا : إن الاثنين أكبر من الواحد ، وإن الشيء الواحد لا يكون قديما وحديثا معا ، وإن السلب والايجاب معا لا يصدقان في شيء واحد فقط … وهذا الجنس من العلوم لا يتوقف الذهن في التصديق به إلا علي تصور البسائط ، أعني الحدود والذوات المفردة .

الصنف الثاني : هو المحسوسات ، كقولنا : القمر مستدير ، والشمس منيرة

الصنف الثالث : المجربات : وهي أمور وقع التصديق بها من الحسي بمعاونة قياس خفي ، كحكمنا بأن الضرب مؤلم للحيوان ، وحز الرقبة مهلك ، والسقمونيا مسهل

الصنف الرابع : القضايا التي عرفت لا بنفسها ، بل بواسطتها وكان لا يغرب عن الذهن أوساطها ، بل مهما وحتي أحضر جزئي المطلوب أحضر التصديق به لحضور الوسط معه ، كقولنا : الاثنان ثلث الستة ، فإن هذا معلوم بوسط ، وهو أن كل منقسم ثلاثة أقسام متساوية فأحد الأقسام ثلث ، والستة تنقسم بالاثبات ثلاثة أقسام متساوية ، فالاثنان إذن ثلث الستة ، ولكن هذا الوسط لا يغرب عن الذهن لقلة هذا العدد وتعود الانسان ” [11]

 

4 – الطرق والوسائل الموصلة الي اليقين :

لقد اختلفت بالباحثين السبل والوسائل التي توصل الي اليقين ، فتعددت الآراء ووجهات النظر وكثرت الاقاويل  ، منهم :

1 – من رأي أن الوصول الي اليقين يجب أن يستخدم فيه ( المنهج التجريبي ) = مؤكدين بأنه بهذا المنهج نصل الي قوانين مجردة تدل علي العلاقة بين الاشياء وبالتالي تستخدم هذه المعرفة في الحياة العلمية ، لذا نجد جون ديوي = يجعل المنهج التجريبي ( قاعدة السلطة الفكرية ) ، وان هذا المنهج التجريبي  هو نموذج البحث الذي يجب أن يطبق علي جميع الميادين حتي الامور الانسانية مثل : علم النفس ، علم الاجتماع ، الدين [12]

2 – ومنهم من يري ان الساعي وراء اليقين يجب أن يستخدم المنهج الرياضي = فالمعرفة الرياضية عندهم هي النموذج الاعلي لليقين  ، وهي التي يجب أن تطبق علي جميع نواحي الحياة من طبيعي وانساني ، وذلك لما في الرياضيات من دقة وضبط

3 – ومنهم من يري ان اليقين لا يأتي بحال عن طريق الفلسفة ( الميتافيزيقا ) وجعل الوسيلة الوحيدة الي الوصول لليقين هي القوانين الفيزيائية  ، يقول استيفن هوكنج :

4 – ومنهم من ادعي ان اليقين هو الدليل الاخلاقي وهو ما ذهب اليه ( كانت ) = حيث جعل الدليل الاخلاقي الطريق الوحيد الذي يمكن من خلاله اثبات الوجود الالهي وانه الطريق الوحيد الذي يمكن للمؤمنين الاعتماد عليه في تثبيت ايمانهم ضد هجمات التشكيك والنقد  ، يقول كانت : ” اذن فما استمسك به هو هذا : اان جميع المحاولات التي تستهدف استعمالا تأمليا محضا للعقل ، وذلك فيما يتعلق بالاهوت ، هي محاولات عديمة الجدوي كليا ، وهي أصلا باطلة فارغة ، بينما أن مباديء استعمالها الطبيعي لا تستطيع أبدا أن تقودنا الي اي لاهوت ، وهكذا فان ما لم نعتمد علي ( القوانين الاخلاقية ) أو نسترشد بها ، فإنه لا يمكن أن يكون هناك اي

5 -ومنهم من يري ان الساعي وراء حصول اليقين هو صناعة المنطق (اليقين المنطقي ):

وممن اعتبر هذه الطريقة الفلاسفة الاسلاميين وتبعهم علي ذلك المتكلمة ..

يقول الفارابي : ” فصناعة المنطق اذا استعملت حصل بها العلم اليقين بجميع ما تشتمل عليه هذه الصناعة ، ولا سبيل الي اليقين بالحق في شيء مما يلتمس علمه دون المنطق ” [13]

جعل الفارابي المنطق ميزانا وحاكما للمعقولات كما أن علم النحو يعد حاكما للالفاظ والعبارات وضابطا للسان واللغات  حيث قال : ” صناعة المنطق هي الصناعة التي تشتمل علي الاشياء التي تسدد القوة الناطقة نحو الصواب في كل ما شأنه أن يستنط بالعقل  . ومنزلته من العقل منزلة النحو من اللسان ، فكما أن علم النحو يقوم اللسان عند الأمة التي جعل أن يغلط فيه . فنسبة علم النحو الي اللسان والألفاظ كنسبة علم المنطق الي العقل والمعقولات . وكما أن النحو عيارة اللسان فيما يمكن فيه اللسان من العبارة كذلك علم المنطق عيار للعقل فيما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات ” [14]

يقول ابن سينا : ” فبدأت بإيراد الكفاية من صناعة المنطق لأنه الآله العاصمة للذهن عن الخطأ فيما نتصوره ونصدق به ، والموصلة الي الاعتقاد الحق بإعطائه أسبابه ونهج سبيله ” [15]

ويقول ايضا : ” وإنما يكون هذا العلم آله في سائر العلوم ، لانه يكون علما منبها علي الأصول التي يحتاج إليها كل من يقتض المجهول من المعلوم ، باستعمال علي نحو وجهة يكون ذلك النححو وتلك الجهة مؤديا بالباحث الي الاحاطة بالمجهول ، فيكون هذا العلم مشيرا الي جميع الأنحاء والجهات التي تنقل الذهن من المعلوم الي المجهول ، وكذلك يكون مشيرا الي جميع الانحاء والجهات التي تضل الذهن وتوهمه استقامة مأخذ نحو المطلوب من المجهول ولا يكون كذلك ” [16]

ويقول العامري علي المنطق : ” إنها آلة عقلية تُكَمِّل بها النفس الناطقة التمييز بين الحق والباطل في الأبواب النظرية ، وبين الخير والشر في الأبواب العملية . ومحلها من الأنفس المستعملة لها قريب الشبه من محل عيار معدل توزن به المعلومات ، فانها هي المراعية للسؤال والجواب ، والمعارضة ، والمناقضة ، والمغالطة . بل بها يقتدر علي حل الشبهات وكشف التمويهات ، وغير ذلك من المعاني العائدة بتحقق الدعاوي . ثم يستفاد بها أيضا من اللذة العقلية التي تصفو باستعمالها ومن الطأنينة في المعارف ما تصير به النفس من ذاتها أحد الدعاة إلي اقتباس الحكممة ، لا لتجلب حَمدَ الاخوان ، بل لتغتبط بإصابة الحق من جهتها وروح اليقين ” [17]

الغزالي نقل عن الفلاسفة جميعا أن ” علم المنطق هو القانون الذي به يميز صحيح الحد والقياس عن فاسدهما ، فيتميز العلم اليقيني عما ليس يقينيا . وكأنه الميزان والمعيار للعلوم كلها ، وكل ما لم يوزن بالميزان لم يتميز به الرجحان عن النقصان ، ولا الربح من الخسران ” [18]

ثم سار الغزالي نفسه علي نهجهم واقفي في هذا أثرهم ، فنص علي أن : ” المنطق غرضه تمييز الامور العقلية من المحسوسات ، وتمييز البرهان من الشك في الاعتقاد ” [19]

وجعل الغزالي المنطق عيارا للمعقولات ، سبيله فيها كسبيل العروض في أوزان الشعر ، زكسبيل علم النحو في تقويم اللسان ، وكان هذا دافعا له وباعثا علي تأليف كتابه ” معيار العلم “وكأنه لمّا كان مشتملا علي المباديء المنطقية صار ضابطا للفكر وشاحذا للأفهام ، وهذا هو الغرض الاساسي من تأليفه . وقد قال في مقدمته : ” فلما كثر في المعقولات مزلة الأقدام ، ومثارات الضلال ، ولم تنفك مرآة العقل عما يكدرها من تخليطات الأوهام وتلبيسات الخيال ، رتبنا هذا الكتاب معيارا للنظر والاعتبار ، وميزانا للبحث والافتكار ، وصقيلا للذهن ، ومشحذا لقوة الفكر والعقل ، فيكون بالنسبة إلي أدلة العقول ، كالعروض بالنسبة إلي الشعر والنحو بالاضافة الي الاعراب ، إذ كما لا يُعرف منزحف الشعر عن موزونه إلا بميزان العروض ، ولا يميز صواب الإعراب عن خطئه إلا بمحك النحو ، كذلك لا يُفرق بين فاسد الدليل وقويمه ، وصحيحه وسقيمه إلا بهذا الكتاب .

والباعث الثاني : الإطلاع علي ما أودعناه كتاب ” تهافت الفلاسفة ” فإنا ناظرناهم بلغتهم ، وخاطبناهم علي حكم اصطلاحاتهم التي توطؤوا عليها في المنطق ، وفي هذا الكتاب تنكشف معاني تلك الاصطلاحات . فهذا أخص الباعثين والأول أعمهما وأهمهما ” [20]

ومما سبق بيانه يتضح التقسيم المعاصر لليقين:

ينقسم اليقين  باعتبار المصدر إلي :

1 – اليقين الطبيعي  = نسبة للمنهج التجريبي

2 ـ اليقين الرياضي

3 ـ اليقين الفيزيائي

4 ـ اليقين الأخلاقي

5 – اليقين المنطقي =  ( المنطق الوسيلة الوحيدة للوصول لليقين )

[1] الكشاف ج4 ص187

[2] غرائب القرآن ج30 ص168

[3] الكشاف للزمخشري ج4 ص16

[4] ذكره المنذري في الترغيب ج4 ص277 وابن حجر في فتح الباري ج10 ص512

[5] انظر مجمع الزوائد للهيثمي ج1 ص57

[6] رواه الترمذي حديث رقم 2516 ، واحمد ج1 ص293 ، 307 والحاكم ج3 ص541 ، 542 ، ومجمع الزوائد ج7 ، ص189

[7] انظر لسان العرب لابن منظور ج6 ، ص4964 ..4965

[8] المعجم الفلسفي مراد وهبة ص216

[9] انظر عيون الحكمة ص11

[10] انظر النجاة ص102  والبرهان من منطقيات الشفاء ص55

[11] انظر عيون الحكمة لابن سينا ص11 ، الموسوعة الفلسفية عبد الرحمن بدوي ج2 ص640

[12] انظر نظرية العلم الارسطية ص16 للدكتور مصطفي النشار

[13] انظر كلام ابي نصر الفارابي في تفسير كتاب المدخل ص97

[14] التوطئة أو الرسالة التي صدر بها المنطق للفارابي ضمن ( المنطق غعند الفارابي ) لرفيق العجم ( 1 / 55 ، 65 )

[15] النجاة لابن سينا ص40

[16] منطق المشرقيين  لابن سينا ص5 ، 6

[17] الاعلام بمناقب الاسلام للعامري ص91

[18] مقاصد الفلاسفة للغزالي ص36 وانظر قواعد الاستدلال بين المتكلمين والفلاسفة في القرنين الرابع والخامس الهجريين  احمد حسن شحاته ص133

[19] معراج السالكين للغزالي ( ضمن مجموعةرسائل الامام الغزالي ) ، ص96

[20] معيار العلم للغزالي ص59 ، 60

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

  1. زينب يقول

    نفع الله بعلمك شكرا على مسهاهمتك في مجلة البريئة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.