حصريا

معاني النَّظم عند عبد القاهر الجرجاني

0 395

إنَّ أفضلَ الفضيلةِ ما كان علّة لفضيلةٍ، وأحسنَ المزيّةِ ما كان منبئًا عن مزيةٍ، وإنَّ إعمالَ العقلِ في العلمِ فهمًا وتحصيلًا، وإيفاءً وتكميلًا، لأفضلُ مشغولٍ به، وخيرُ منقطَعٍ إليه، إنما ينبلُ الكلامُ ويحسنُ، ويبذُّ ويربو، إذا وقفَ العقولَ على حدودِ العلومِ الغامضة، ونبّه إلى أشكالها الغريبة وأجناسها البعيدة، وإنما بانَ العلماءُ من غيرهم، وفضلوا عمن سواهم بسلامة الطبع، وجودة العقل، وقوّة الفهم، وحُسنِ النظرِ فيما أودعوه كتبَهم من حِكَم نادرة، وجواهرَ مبتدَعة. لم يخلُ زمانٌ من عالمٍ يرى بعقلِه ما لا يراه غيرُه بعينِه، ويدرك الجواهر الحسان في أعماق البحار، ثم يبالغُ في تأليفها، ويتأنّقُ في ترصيفِها، حتى يظنّ الجاهل أنه يُحسن مثلَها، بل كان أحقّ بها وأهلَها، وهذا الفارقُ بين العالمِ والمنتحلِ.

ومن هؤلاء العلماء الذي بذّوا أقرانَهم بفضل العقل ومزيّة الفهم عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانيُّ رضي الله عنه وجزاه عن الإسلام وأهلِه أحسنَ الجزاءِ؛ لم يزل منذ خدمَ العلمَ ينظرُ في اصطلاح أهله، فوجد بعضَه كالرمز والإيماء والإشارة في خفاء، وبعضَه كالتنبيه على موضع الخبيء ليُطلب، ومكانِ الدّفينِ ليُبحثَ عنه فيُخرجَ، وبعضَه كالقواعد يُبنى عليها غيرُها، ثم لم يألُ جهدًا في إعمال الفكرة وكدِّ القريحة في طلَب هذه الدفائنِ وتبيينها للناس؛ إذ كان مَن سبقه وضعوا كلامهم على ألَّا يفهمَه إلَّا مَن كان في طبقتِهم، حتّى وقف على غايةِ ذلك، وجملة ما هنالك، وهو أمران:

أحدهما: أن هناك نظمًا وترتيبًا، وتأليفًا وتركيبًا لا تستقيمُ المعاني إلا به، ولا يبينُ المراد من الكلام إلا منه. (دلائل الإعجاز، لفقرة 27)

والآخر: أنَّ المزيّةَ مِن حيِّزِ المعاني دونَ الألفاظِ. (الفقرة 56)

ثم أبانَ عن الوجوه التي منها تعرضُ المزيةُ، وبها يبينُ النُّبل، فبدأ بالحديث عن طرائق البيان “الكنايةِ والمجازِ والاستعارةِ والتمثيلِ”، وهو أولى مفتتَحٍ به، وأوّل مقصودٍ إليه؛ إذ كان المعوّل على أن تعلم أن ههنا سبيلَين للكلمِ: أحدهما الحقيقة، والآخر المجاز، وأنَّ سبيلَ المعاني في الحقيقة كسبيلها في المجاز، وإذا كان كذلك كان ينبغي أن تعلم أن سبيل المجاز منه ما يتعلّق الكلام بعضه ببعض على أنَّ بينهما تشابهًا واتّصالًا، وهو الاستعارة، إلا أنَّ التشبيهَ قعد به عن إدراك الاستعارة ما فيه من ضعف المبالغة، وهو أمر مؤثّل في فطرتِه، وأمّا الكناية فحياةٌ يتعايشون بها، وقصّة يميلون إليها، تسيرُ في أشعارهم، وتنطلقُ بها ألسنتُهم. (ص 66، وما بعدها)

ثم شرع في ييان ما يحصل به التفاضل، ويعظم منه التفاوت، وهو النّظمُ الذي عليه مدارُ المعاني ففسّره تفسيرًا نبُه به من خمول، ونضرَ بعد ذبول، فبيّن أنَّ المزيّةَ لا تتفاوتُ، والفضيلةَ لا تعظمُ إلا بهذا النّظم الذي هو توخّي معاني النحو، ومن هناك كان إعجازُ القرآن؛ فإنه لو كان نظم غير القرآن سجالًا، وأحوالُه دولًا، فإنّه في الذروة العليا من توخّي المعاني مع معرفة القدر الذي به يقع اللفظ على المعنى وقوعًا لا فيه إسرافٌ ولا تقصيرٌ، وذكر طرفًا من فساد النظم عند الشّعراء. (ص 80، وما بعدها)

ثم إن القضيّة الكبرى في هذا النّظم هي أن تكونَ المعاني مرتّبةً في اللفظ على ترتُّبها في قضيّة العقل، فشرع في باب التّقديم والتأخير، فظهر عند ذلك أنَّ ترتيبَ المعاني في السّورة من أعظم البراهين وأوضحِ الدلائل على إعجاز القرآن. (ص 87، وما بعدها)

ثم قاده التوفيقُ وذهب به النّظرُ إلى باب الحذف، وصدّره بكلمة لو أنصف لوضعها بإزاء كلمةِ عليّ والحسن وسيبويه في الرسالة الشافية. إن الحذفَ لهو مجالُ العقل الذي يرتعُ في رياضه كلّ متمكّن، وينبوع الأنس لكلّ متأدّب، يحلو ويرقّ، ويصفو ويدقّ، إذا وقفتَ فيه على الصنعة، رأيته يغازل العقل ويلاطفه، فترى المعنى به يشرف وينبلُ، ويزيدُ ويكثرُ. فهذه جهةٌ أخرى تظهرُ منها فخامةُ المعاني، وما هي إلا ألفاظٌ كما ترى. (ص146، وما بعدها)

ثم انتقلَ إلى فروق الخبر، ولأي شيء يكون بالاسم؟ ولأي شيء يكون بالفعل؟ وما الحكمة من تعدّد أنواع الحال؛ فضلةً مرة، وجملة بالواو مرة، وبغير الواو مرة؟ ولأي شيء يُعرَّفُ؟ ولأي غرضٍ يُنَكَّر؟ فبيّنَ المعانيَ من وراء ذلك جميعِه، ببيانٍ يستميلُ الأهواءَ، وتصغى له الأفئدة، ويروق السمعَ، ويصلحُ به الطبعُ. (ص173، وما بعدها)

ثم ذكر طرفًا من الإخبار بالذي وفروعه، وما لها من المزيّة عن الإخبار بغيرها، وما يلطفُ فيه من حسن الاختيار، ويدقّ فيه من جودة الإغرابِ، وما يعرض له مما يكون به أصون للأغراض، وأدفع للاعتراض. (ص199، وما بعدها)

ثم لمّا كانت المعاني بين الجمل تتّصل اتّصالًا يبلغ أعلى الدرجات، وتنفصل انفصالًا يصل إلى أقصى الغايات، ومنه بينَ بينَ؛ لا إلى هذا ولا إلى ذاك، شرعَ في بيان الفصل والوصل، وما به يقع التباين بين نظم القرآن وغيره من النظوم، حتى وقع بلطيف عقله، وخفيّ نظره على أن بين هذا الباب وباب التوابع في النحو اتّصالًا بيّنًا، وحِكمًا وثيقةً، ظهر عندها فضلُ النّظم القرآني على غيره، فاستبدّ بالمزيّة جملةً، واستفذّ بها تفصيلًا. (ص222، وما بعدها)

ثمّ أعاد الحديث الذي أسلفه أول الكتاب عن النظم؛ لئلا يغترّ مغترٌّ أنَّه أوجبَ المزيَّةَ للمعاني، وأبى أن يجب للفظ فضلٌ، فأعاد قضيّةَ النظم، غير أنّه لإفراط المحاماة ظنّ كثيرٌ أنّه نفى عن المعاني مزيّتها التي أثبتها في أول الكلام. وليس الأمرُ على ما قالوا؛ ألا تراه صرّح بأن اللفظ ليس له من الفضيلة نصيبٌ ونفى عنه المزيّة جملةً فقال: “قد فرغنا الآن من بيان مناط المزيّة، وأنها من حيّز المعاني دون الألفاظ”، فأبان عن مراده هنا، وهو أنه إنّما عنى باللفظ التي لا يجب بها شرف الألفاظ من حيث هي أوضاع لغوية، أما النظم فإنه عيار الفضيلة ومنبع المزيّة في الكلام، ومن هنا اضطرب كثيرٌ من العلماء في بيان شأن المزية عند الشيخ، وقد أوضح الخطيب ذلك في الإيضاح. (ص 13)

ثمّ ختم ذلك كلّه بباب القصر؛ كأنّه يقول: إن من المعاني ما تحتاج إلى قصر، ومنها ما لا يحتاج إليه، وهذا باب ما ينبغي أن تكون عليه المعاني التي يدخلها القصر، وشرع في بيان ما لا يتم لك المعنى فيه إلا به. وذكر فيه نوعَين من القصر؛ القصر بإنّما، وهو لا يكون إلا في أمر ليس فيه إنكار، والقصر بنفي الاستثناء، وهذا لما فيه الإنكار. (ص328، وما بعدها)

هذه جملةُ الجهاتِ التي منها تعرضُ المزيّةُ في المعاني، وهي مآخذُ لفظيّةٌ كما ترى.

فإن قال قائل: إن مناط المزية عند عبد القاهر من حيّز المعاني دون الألفاظ، فكيف كان نظم القرآن عنده هو عمودَ الإعجاز؟! فالجواب عنه ما قُدِّمَ بيانُه.

وليس لأحدٍ أن يعترضَ على ما قاله الأستاذ العلّامة أبو فهر محمود بن محمد شاكر -رحمه الله ورضي عنه-: إن عبد القاهر لم يرتّب كتابَه كما فعل سيبويه في كتابه وابن جني في خصائصه، بل أخذتْه حميّةٌ جارفةٌ لا تعرفُ الأناة.

فإنّ الأستاذ -رحمه الله- أراد أنّه لم يقع تبويب الكتاب على الوجه الأمثل، ولم يجرِ تقسيمُه على السّنن الأبين، أمّا ترتيب العلمِ نفسِه فلم يتعرض له، ولو أراد ذلك فالأمر على ما ذكرتُ لك.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.