حصريا

فقه التربية في زمن المتاعب

  فقه التربية في زمن المتاعب             د :”حجيبة شيدخ “

من المسائل المهمة في حياتنا والتي تحتاج إلى إعادة النظر فيها مسألة تربية الأجيال ، وذلك بسبب الزمن الصعب الذي نعيشه والتحديات المرهقة التي تواجه الأسرة والمجتمع.فإذا كان في الزمن الماضي هناك تعاون بين الأسرة والمدرسة والمجتمع في تنشئة الأبناء وحمايتهم من شتى المخاطر ففي وقتنا الحالي أصبحت كل هذه المؤسسات توجه إليها اتهامات كثيرة ، لما نلاحظه من اضطراب في التربية، كلها تشترك  في تحمل مسؤوليته .

ويرى بعض المفكرين أن من الثغرات الموجودة في المسيرة الإصلاحية عند علماء المسلمين غياب الاهتمام بمرحلة الطفولة التي تعد أهم مراحل حياة الإنسان والتي بصلاحها تصلح حياته كلها لأنها أساس البناء الإنساني ، فحين نراجع الفكر الإسلامي نلاحظ أن جل خطابه موجه إلى المسلم الرجل وكأن الإنسان يوجد رجلا مباشرة ، ولذلك لابد من الرجوع إلى الاهتمام بالطفولة ،و في الإسلام من الكنوز في ذلك الكثير . كما أنه يجب الاهتمام بثقافة التكوين الأسري عند الكبار فكثيرا ما يتخرج الشباب من الجامعة أو غيرها من مؤسسات التكوين وهم يجهلون فن ممارسة الحياة، للاعتقاد الشائع بالتفرغ للعلم وحده والاستعداد المادي لبناء بيت الزوجية  ،فيعيشون في عزلة عن الممارسة الاجتماعية للحياة، ثم يقدمون على الحياة الأسرية ولا يملكون شيئا من فقه الأسرة والتربية ،فيجدون أنفسهم في  مواجهة واقع لا يحسنون التعامل مع تحدياته فتضيع بذلك مقاصد البناء الأسري .

ولعل ما قامت به الجامعة الإسلامية بماليزيا من إنشاء مقاييس تعليمية في هذا المجال يعد خطوة ناجحة تساعد في القضاء على كثير من المشاكل التي تواجه الشباب. ومن أهم عناصر الخلل الموجودة داخل الأسر والتي يعاني منها الكثير منا في مجال تربية الأبناء غياب المسؤولية المشتركة بين الأبوين فكثيرا ما تقع المسؤولية على واحد منهما فقط وبذلك تختل  الموازين ، إذ غالبا ما نجد مسؤولية الرجل تتمركز أساسا حول الجانب المادي للأسرة فنجده عازفا عن المسؤولية المعنوية للأبناء ( الجانب التربوي ) بدعوى الإرهاق بمسؤوليته المادية وانشغالاته العملية والعلمية، ويغيب عنه أن وظيفته الأساسية هي حماية أبنائه وإحاطتهم بالتربية والاهتمام فيكبر كثير من الأبناء ولا تربطهم بآبائهم علاقة سوى العلاقة المادية ، أي أن آباءهم مصروف يومي أو قفة تحمل لهم ما يسد رمقهم  وهذا حال غالبية الأسر في مجتمعنا .وتسلم كثير من الأمهات العاملات أبناءها إلى الخادمات أو الأقارب أو الجيران ، أما الأمهات الماكثات بالبيت فتتمركز أهميتهن في غالب الأحيان على التربية الشكلية فقط ، وتعاملن من قبل أفراد الأسرة على أنهن آلات لا نصيب لها من الراحة والاهتمام ،وفي لحظات اللقاء يضيع الأبناء بسبب الإرهاق وثقل المسؤولية وغياب الحوار وسوء فهم حقيقة البناء الأسري  .

    إن هذا الزمن  الصعب يتطلب أن تكون العلاقة بالأبناء علاقة احتواء بجميع معاني الحب والاهتمام ، وإلا فقدناهم باحتضان من يدمرهم  ( الشوارع ورفقاء السوء وأماكن الترفيه القاتل ) ، و من أخطر المشاكل الموجودة في مجتمعاتنا العلاقة الجافة بين الأبناء والآباء ، وتخلي كثير من الأبناء عن آبائهم عند الكبر والمعاملة القاسية بينهم ، وقد نجد جزء من الإجابة عن سبب ذلك في كلام العربي قديما : ”  يا أبت عققتني صغيرا فعققتك كبيرا وهجرتني طفلا فهجرتك شيخا ”  وقد أوصى الرسول _صلى الله عليه وسلم _ بالرحمة بالأبناء وإعانتهم على تحقيق البر المتبادل فقال  ” رحمَ اللهُ والداً أعانَ ولدَه على بره ” (وهذا الحديث يحتاج إلى وقفات أخرى سنرجع إليها ).ولذلك لابد من حسن الاهتمام بالأبناء حتى نعينهم على حسن طاعتنا ورعايتنا في الكبر.

إن المخرج من الأزمة التربوية التي نعيشها يكمن في الرجوع إلى تعاليم الإسلام في هذا المجال، وإحياء ثقافة التربية الإسلامية عند الآباء والأبناء على السواء ، فالمسلم الذي يجهل أسس التربية الإسلامية و لا يعيشها هو لا يمكنه أن يربي أبناءه عليها، وهذا يحتاج إلى الإرادة القوية والصبر لأن التحديات الواقعية صعبة ومرهقة، ولعل من أساليب إحياء التربية السليمة للأجيال الاهتمام بمقاصد الحياة الأسرية وتفعيلها بدورات الإرشاد الأسري ودورات تأهيل المقبلين والمقبلات على الزواج من قبل مختصين ناجحين في هذا المجال ، و باقتناء كتب تربية الأطفال وأخذ الحكم والعبر منها ،   والاستفادة من آراء علماء النفس في المجال التربوي-بشرط الالتزام بالإسلام أو عدم التناقض مع مبادئه ،و الاحتكاك بالعائلات الناجحة في تربية أبنائها و الاستفادة من خبراتها، ويبقى خير قدوة لنا في كل مجالات حياتنا هو الرسول –صلى الله عليه وسلم- .

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

  1. ضياء يقول

    جزاك الله خيرا شيخنا البروفيسورة حجيبة، مقال طيب مبارك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.