حصريا

عن الإعلام الراشد أتحدّث-د.حسن خليفة

[cl-popup title=”ترجمة الكاتب” btn_label=”ترجمة الكاتب” align=”center”]د.حسن خليفة

عضو المكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين [/cl-popup]

عن الإعلام الراشد أتحدث…

د. حسن خليفة.عضو المكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

من اللائق أن أبدأ هذه الكلمة التي طلب مني الأخ الفاضل مسؤول الربيئة والمشرف على تحريرها  بلخير بن جدو ….أن أبدأها بالإشارة إلى أن هذا الفضاء(“الربيئة”) يمثل ـ بحق ـ إضافة نوعية جديرة بالتقدير ؛ فهي لبنة من لبنات المحتوى المعرفي الراشد ، في فضاء النت الواسع العريض. وقد عبّرت ُ عن هذا التقدير مرارا؛ حيث إن كل إضافة جادة ونافعة هي أمر ينبغي أن نحتفي به لأسباب عدة ، من أهمها :

أـ أن المحتوى الرقمي العربي في مجموعه لا يزيد على 5 بالمائة في مجموع هذا المنسوب الرقمي الضخم الهائل في الانترنيت ،, الذي هو أقرب إلى أن يكون محيطا زخّارا من المحتويات العلمية والمعرفية والفكرية والدينية والفنية الخ ..دون الحديث عن المحتويات “الساقطة ” ، فكل مجال فيه السيء والحسَن ، والحديث هنا عن الجيد والحسن فحسبُ ، فنحن في الذيل شكلا ومحتوى في هذا الجانب .

ب ـ أن المحتوى الرقمي العربي  في أغلبه، حسب معطيات موضوعية قدمتها تقارير عربية ،محتوى تافه..يميل إلى المسائل العاطفية والقضايا ذات الصلة، ويكاد أكثره يتصل بالمسائل السطحية مما يدور من أحاديث وموضوعات تهم الشبان والمراهقين  والمراهقات ، فضلا عن الألعاب وما “يُضيّع به الوقت ” .ما يعني أن الأمة العربية أبعد ما تكون في وجودها الرقمي عن “الفعل الحضاري” والفائدة الحضارية، والانجاز الحضاري..وأنها في  حالة إدبار يكاد يوصلها  إلى حدّ الضمور والاختفاء..

ج ـ أن النخب العربية في معظمها لا وجود حقيقيا لها، في هذا الفضاء الكبير اللامع الذي هو واحد من أهم الوسائل والوسائط الحضارية في مجال : الاتصال، التواصل، الإعلام، المعرفة، نقل الخبرات، التأثير، التعارف، التعاون، التسويق والترويج …إلى آخر ما يمكن أن نتخيله من الفوائد التي يُستطاع بالفعل تحقيقها والثمرات التي يمكن ـ بالفعل ـ اجتناؤها من الانترنيت ووسائطه وأساليبه وتقنياته والخير العميم الذي يمكن الانتفاع به منه .

د ـ بالنسبة للجزائر بصورة خاصة، يمكن القول: على الرغم من ضعف التدفق ،ومع المشكلات الكثيرة المتعلقة بـ”النت” فإن هناك كثرة ووفرة في المستخدمين والمستخدمات ، ذكر الوزير السابق للاستشراف الدكتور بشير مصيطفى في إحدى الندوات  أن العدد في حدود 17 مليونا  . ولكن إلقاء نظرة فاحصة توجب تسجيل ملاحظات مؤلمة .

1ـ انعدام المحتوى المشرّف الراشد ، إلا فيما ندرَ ، وهو ما يطرح الكثير من التساؤلات عن الحجم الكبير للمستخدمين ، في أي ميدان يبحرون ؟ وبأي موضوعات يهتمون ؟ وكم من الوقت يقضون في هذا البحر اللجيّ العميق ؟

2ـ  لا يخفى على المتابع أن يعرف أن الغالبية الساحقة مجرورة إلى الدردشة ،والحوارات القبيحة، والأحاديث غير النافعة، والطروحات المسطحة ..وقلما تجد ما يمكن أن يُبهج ويُفرح معرفيا وفكريا وأدبيا .كما لا تخفى تلك الاستخدامات الغريبة في مجال التعليق والإضافات ،وفيها ما يؤشر على أخطار جسيمة فيما يتصل باللغة العربية الشريفة  (كتابة بالحرف اللاتيني ـ تعابير سيئة ـ لغة عربية مكسّرة ـ فوضى لا مثيل لها .. )…

3ـ ولو أردنا معرفة جوانب أخرى في عالم الإعلام الرقمي لوجب أن نشير إلى ذلك الضعف المهين بالنسبة للهيئات الرسمية الكثيرة التي لا يكاد يكون لها حضور تقريبا، وأعني هنا الوزارات والجامعات والمؤسسات والهيئات المختلفة فبعضها دون موقع أصلا،وبعضها مواقعها بعيدة عن أن تكون محيّنة ومفيدة، وبعضها لم تستوعب بعدُ هذه المسألة الخاصة بالإعلام الافتراضي والرقمي ،فضلا عن الإعلام الجديد بمستوياته وآلياته وأدواته ومحتوياته وسرعته وفعاليته.ما يعني أن ثمة “فجوة رقمية “رهيبة في وطننا خاصة، يحتاج إلى بذل جهود كبيرة لاستدراك ما فات واستيعاب ما يحدث يوميا …

..في ضوء كل ذلك يبدو لي هذا العمل المتمثل في مجلة فكرية دورية تجتهد في الانتظام وأعني بها الربيئة ..يبدو لي ذلك كقفزة كبيرة نحو الأمام ، خاصة وأنها مجلة تعنى بالمجال الفكري وهو مجال عزيز رائق سام ، فكيف إذا كانت بجهود طيبة لقلة قليلة جدا ..من الأفاضل الذين فقهوا دور الإعلام الرقمي ، وسعوا لتحقيق وثبة فائقة القيمة في مجاله .إن ذلك يندرج ـ فعليا ـ في صناعة الإعلام الراشد ، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ودلالة، وإن ذلك يُحسب لهذه القلة المتيقظة المتبصرة العارفة بزمنها والمستوعبة للتحديات …إنها أكثر من مجرد خطوة في مجال تجسيد الإعلام الراشد حقا، إنما هي طليعة متميزة وإرهاص نبيل عن ميلاد مختلف قادم ، بإذن الله، تتعانق فيه الفكرة المؤمنة،مع التبصر، مع الاهتمام ،مع السبق ..مع الجدارة . وعمل يتصف بكل تلك المواصفات لا ريب سيجد طريقه إلى النجاح والانتشار وإن تكاثفت الغيوم وتلاحقت  الصعوبات وتعددت .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.