حصريا

عرض وتقديم كتاب:  “مشاهد من المقاصد ” 

0 96

بسم الله الرحمن الرحيم

عرض وتقديم كتاب:  “مشاهد من المقاصد  

إيمان الزهزي  

تقديم الكتاب:

أصل هذا الكتاب محاضرة ألقاها  الشيخ بن بيه[1] بمكة المكرمة، نظمها مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية؛ صدر في طبعته الثانية المزيدة والمنقحة، عن دار وجوه بالرياض بالشراكة مع دار التجديد بجدة، سنة 1433ه الموافق ل2012م بالمملكة العربية السعودية. يقع في 215 صفحة من القطع المتوسط موزعا على ستة فصول سماها المؤلف “مشاهدا”،  وقد اختار له هذا العنوان (مشاهد من المقاصد) لأنه لم يستوعب فيه كل المقاصد،واعتبره مكملا لكتاب آخر له موسوم ب”أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات

 

 

ملخص الكتاب:

يدور موضوع الكتاب حول العلاقة بين أصول الفقه ومقاصد الشريعة من زاوية تطبيقية، من خلال تفعيل المقاصد عن طريق أبواب الفقه.

وقد بين الكاتب أن المنهجية العلمية اقتضت منه تعريف المقاصد بالجنس والفصل والرسم ؛ ورصد مسيرة تشكل المقاصد وتاريخ الاستكشاف والاستشفاف الذي كان منطلقه دعوة ربانية قرآنية تلقتها آذان واعية من الرعيل الأول الذين أشربت فتاويهم روح المقاصد التي أصبحت لاحقا فلسفة التشريع الإسلامي، حيث يرى المؤلف أن التعامل  بالمقاصد هو مما يكفل صلاحية التشريع الإسلامي لكل زمان ومكان…

كما تطرق إلى قضايا ثلاث ، اعتبر عدم البت فيها من أسباب اختلاف المتعاملين بالمقاصد، مصنفا إياها تحت هذه العناوين:

  • من يعرف المصلحة العقل أم النقل؟
  • العبادات بين المعقولية والتعبد.
  • الكلي والجزئي، أيهما يقدم؟

وقد وضح الكاتب وجه الإشكال في اختلاف الأقوال التي يمثل قطب رحاها التجاذب بين العقلي والنقلي وبين الكلي والجزئي،مع وقفة مع قضية العقل في الإسلام، وقضية الترك أو “بدعة الترك”- كما وصفها المؤلف- بين النفاة والدعاة، ثم ختم كتابه بتناوله لجانب تفعيل المقاصد، – أو كما سماه الاستنجاد بالمقاصد- ومجالات تطبيقها، تناولا لايخلو من جدة. وهذا الباب الأخير اعتبره الشيخ نافعا في هذا الكتاب حيث تحدث عن هذه الجزء موضحا وجه الجدة فيه بقوله:” الجديد في هذا الكتاب هو العلاقة بين المقاصد وبين الأحكام الجزئية من خلال أدلة أصول الفقه، أي كيف نعبر من خلال أدلة أصول الفقه بالمقاصد إلى جوهر المقصود وهو الأحكام الجزئية. أعتقد أن الباب المتعلق وهو تحت عنوان “الإستنجاد بالمقاصد، وإن لم يكن باكورة، فهو جديد على الباحثين والدارسين، وهنا قدمنا بالأمثلة وبالأدلة الترابط بين المقاصد وبين أدلة أصول الفقه، وهو الترابط والتزاوج الذي من خلاله تولد الأحكام الجزئية التي هي الثمرة…”[2]

عرض مضامين الكتاب:

تحدث الكتاب في فصله الأول(المشهد الأول)عن تعريف المقاصد وعن ضابط معرفة مقصد الشارع. وخلص إلى توصيف يدمج المقاصد الابتدائية المنشأة بالمقاصد الثانية الناشئة، مراعيا بذلك المعاني التي أشار إليها الشاطبي متفرقة ومستوعبا مختلف العناصر المكونة للمقصد جنسا ونوعا وفصلا، حيث عرف المقاصد بأنها “المعاني الجزئية أو الكلية المفهومة من خطاب الشارع ابتداء،أصلية أو تابعة، وكذلك المرامي والمرامز والحكم والغايات المستنبطة من الخطاب وما في معناه من سكوت بمختلف دلالاته مدركة للعقول البشرية ، متضمنة لمصالح العباد ، معلومة بالتفصيل أو في الجملة”.

وتطرق في الفصل الثاني(المشهد الثاني) إلى الحديث عن مسيرة العمل والتعامل مع المقاصد، ورصد تطور النظر المقاصدي ابتداء من الصحابة  فأئمة المذاهب، حيث بين فهم السلف الصالح لدعوة القران الكريم إلى إعمال العقول وكشف حكم الشريعة ومقاصدها؛ وذلك اعتمادا على ماخلفوه من إرث فقهي راسخ، يضاف إليه إرث الأعلام من الأئمة -أمثال الشافعي والباقلاني- الأمر الذي يعتبر بداية رحلة صياغة المقاصد التي أثمرت وأينعت على يد الرواد الذين ساروا بمباحث هذا الجانب نحو العلمية والمنهجية.

ومن خلال الفصل(المشهد) الثالث، عرض لثلاث قضايا لم تحسم بعد في نظرية المقاصد وقدمها تقديما واضحا(كما جاء على لسانه) على النحو الآتي:

أولا: ماهو محدد المصلحة، العقل أم النقل؟

فقد عرض المؤلف رأي اتجاهين متقابلين في المسالة؛ اتجاه يرى أن المصلحة لا تعرف إلا من قبل الشرع وهو الاتجاه الذي مثل له بالغزالي والشاطبي إضافة إلى القرافي. ثم الاتجاه القائل بكفاية العقل لتقرير المصلحة، وهو الذي مثل له بالعز بن عبد السلام و الطوفي.

ثانيا: قضية دوران الشريعة بين معقولية المعنى و التعبد:

تحدث عن هذه المسالة مبينا أقوال ثلة من الأعلام (ابن حلولو و الغزالي و الشاطبي) في خفاء المعنى في العبادات، و قرر أن ذلك لا ينافي وجود مقاصد للتعبديات و حكما في العبادات. ثم ساق بعد ذلك نماذج لبواكير كتب المقاصد التي اتجهت لبيان الحكم في العبادات.

ثالثا: قضية التجاذب بين الكلي و الجزئي:

فصل القول بعدم تقديم احدهما على الآخر بإطلاق، و أوكل أمر ذلك إلى المجتهد؛ بعد أن أورد وناقش رأي الشاطبي و القرافي اللذان يقدمان الكلي على الجزئي، مع أن الشاطبي يقرر أهمية الجزئي.

 

أما الفصل (المشهد) الرابع وجعله لأصناف المقاصد: فبعد عرضه لشعب المقاصد التي اهتم بها الأصوليون، ـ وهي ثلاث:المقاصد العامة الكبرى التي يرجع إليها التشريع وتتمثل في الضروريات ، والحاجيات، والتحسينيات. والمقاصد الخاصة بباب من أبواب الفقه أو مجال من مجالاته. والمقاصد الجزئية الخاصة بكل حكم على حدة.- بين أنها مقاصد تشريعية يترتب عليها استنباط الأحكام وترتيب الأدلة ودرجات الطلب. وقسمها باعتبارات:

  • اعتبار العموم والخصوص إلى مقاصد عامة يقابلها مقاصد خاصة؛
  • اعتبار الكلية والجزئية إلى مقاصد كلية ويقابلها مقاصد جزئية؛
  • واعتبار الأصالة والتبع إلى مقاصد أصلية يقابلها مقاصد تابعة.

مشيرا إلى أن لله تعالى مقاصد في الخلق والأمر لا تحصى ولا تستقصى.

كما تطرق إلى قضيتين  مؤثرتين في تصنيف المقاصد التشريعية ويتمثلان في معيار الانتماء إلى المقصد الضروري، وتذبذب الانتماء لبعض القضايا بين الضروري والحاجي؛ ليخلص إلى أن العلاقة بين أنواع المقاصد الثلاثة  اندماجية في الأساس لا تكاملية، متفقا مع الدكتور الريسوني في كون هذا الحصر اجتهادي وبالتالي فهو مفتوح للإضافة، مقررا أن معرفة مرتبة المقاصد (في كل جزئية) مرده النص وضرورات الناس وحاجاتهم.

وفي الفصل (المشهد) الخامس، طرق موضوع استنباط المقاصد واستخراجها، فتحدث عن الكيفية التي يتوصل بها إلى مقصد الشارع، حيث ساق كلام الشاطبي في المسألة، الذي حدد أربع جهات لمعرفة ذلك:

  • مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي
  • اعتبار علل الأمر والنهي
  • المقاصد الأصلية والتابعة للشارع في شرع الأحكام العادية والعبادية
  • السكوت مع قيام المعنى المقتضي له.

ثم تعرض لمسالة الترك أو”بدعة الترك”- كما سماها- والتي اعتبرها “من أدق الأمور التي وقع فيها الالتباس واختلف بل اختصم فيها الناس”[3]؛ وقد أطال النفس في تحرير هذه المسألة ليخلص فيها إلى ثلاثة أصول(رغم انه أتى بها أربعا) يرد إليها أصل الخلاف:

  • هل البدعة صنف واحد أم أنها أصناف بحسب الدليل الذي يشملها؟
  • هل الترك مع قيام الداعي في التعبديات له دلالة على النهي أم لا؟
  • الفرق بين الموجب والمقتضى
  • الفرق بين إضافة المتروك إلى عبادة محدودة واعتقاده جزءا مكملا لها فلا يشرع، أو عدم إضافته فيرد إلى أصل الإباحة أو الاستحباب.

ملمعا إلى أن في هذه المسألة مجالا فسيحا فلا ينبغي أن ينكر البعض على البعض في مواطن الاجتهاد إن في الفعل أو الترك. وخلص في نهاية هذا المشهد إلى انه لا وجود لدليل ،عدا الاستقراء على حصر مقاصد الشريعة ، سواء أكانت كلية أو جزئية، أصلية أو تابعة.

 

أما الفصل السادس، فقد خصصه للحديث عن الاستنجاد بالمقاصد، ويقصد بذلك الاستفادة من المقاصد واستثمارها بعد استنباطها واستخراجها، فبين أن أول استثمار لها هو ترشيح المجتهد(المستثمر)؛ وجرد أكثر من ثلاثين منحى من مسائل الأصول التي يمكن أن يستنجد فيها بالمقاصد، وفصل القول في هذه المناحي، مبرهنا بها على أن المقاصد هي أصول الفقه بعينها، ردا على من يقول بإمكانية استقلال علم المقاصد عن أصول الفقه ومهيبا بطلبة العلم لإمعان النظر وإعمال الفكر فيها، حيث أن إضافة غير تلك المناحي إليها ممكنة… وخلص إلى أن المنهج الصحيح للتعاطي مع المقاصد يتمثل في الموقف الوسط بين الكلي والجزئي بإعطاء الكلي نصيبه ووضع الجزئي في نصابه.

و تطرق لبيان ضوابط التعامل مع المقاصد، مؤكدا بعد ذلك على أن الشريعة منظومة متكاملة، وان للمقاصد أصولا كبرى فوق علم الأصول، وأصولا عامة مشتبكة بمباحث الأصول، وأخرى أخص من ذلك إلا أنها في خدمتها مفصلة لها، مبينة تارة ومكملة تارة أخرى.

ثم بنى على ما تقدم ليحدد المجالات التي يجب الاستنجاد بالمقاصد فيها واستثمارها، والتي تتمثل في ثلاثة مجالات:

أولا: في تفعيل أصول الفقه على ضوء إعمال المقاصد في بنيتها، لتوسيع الدوائر الأربع: الاستحسان، الاستصلاح، استنباط الأقيسة ومراعاة المآلات والذرائع، معتبرا إياها مجالات حقيقية لإعمال المقاصد، وذكر أمثلة لذلك عند ابن العربي المعافري والشاطبي وفي المذهب المالكي بشكل عام.

ثانيا:اختيار الأقوال المناسبة التي تحقق المقاصد الشرعية، حتى ولو كانت مهجورة، مادامت نسبتها صحيحة وصادرة عن ثقة ودعت إليها الحاجة. ضرب لذلك أمثلة لتطبيق هذه المعايير في عدة أبواب منها العبادات. وبين أن الترجيح بالمقصد يمكن أن يصير متعينا(مثل لذلك بنسك الحج).

ثالثا: تفعيل النظرية المقاصدية في وضع فلسفة إسلامية شاملة تجيب على الأسئلة التي يطرحها العصر، في مختلف القضايا الكبرى، التي تشغل الإنسان وشغلته منذ القدم في الكون والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتفسير مختلف الظواهر الإنسانية، ومظاهر العلاقات وتقديم قوانين عامة تنطلق من ثنائية الوحي والعقل.

وقد أحال بعد ذلك على كتابه”مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات” الذي حاول من خلاله تطبيق الرؤية المقاصدية، بتناوله لمجموعة من القضايا العصرية الملحة…

وختم هذا المشهد(الفصل) بالتطرق إلى فقه الأقليات في الغرب ممثلا له بقضية المرأة التي تسلم وزوجها نصراني، وهي القضية التي قرر فيها المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء بقاءها مع زوجها خلافا للمجامع الفقهية الأخرى، في تفعيل لمقصد الحفاظ على الدين باعتباره المقصد الأعلى، وقصد التيسير والتبشير وعدم التنفير.

كما دعا إلى مراجعة الفتاوى وضبطها بمعيار ثلاثي الأضلاع يقوم على فحص الواقع لوزن المشقة والحاجة التي تطبعه، وتقويم العناصر المستحدثة ، ثم البحث عن حكم من خلال النص الجزئي الذي ينطبق عليه إذا وجد، ثم فحص درجته ومرتبة حكمه، ثم ابرازالمقصد الشرعي كليا أو عاما، ملمعا إلى دقة وتركيب صناعة الفتوى وداعيا إلى تكوين فقهاء مقاصديين تكوينا مكثفا ومنفتحا.

ثم انبرى في نهاية كتابه لوضع خلاصة معتصرة لما جاء فيه من فوائد، دبجها بكلمات جامعة مانعة تفصح عن موضوع المؤلف وغرضه قائلا:

“لقد لخصنا في هذا الكتاب الوجيز: الحد والتعريف، ووسائل التعرف على المقاصد، وتصنيف المقاصد، وتصريف أوجه الفوائد؛ الذي دعوناه بالاستنجاد لتوليد الفروع، وتخريج الأحكام الجزئية، استرشادا بالمقاصد أو اعتمادا عليها، وضبط كيفية التعامل، وتجنب معوقات العمل بها…”

 

[1] – هو العلامة الاستاذ الشيخ عبد الله بن بيه بن الشيخ المحفوظ بن بيه، من مواليد سنة 1935 ميلادية بمدينة تمبدغة جنوب شرق الجمهورية الاسلامية الموريتانية .

نشأ وتربى في بيت علم وورع، حيث نهل من علم والده الغزير، القاضي الشيخ العلامة المحفوظ، واخذ ، علوم العربية عن العلامة محمد سالم بن الشين ودرس جميع العلوم الشرعية الاسلامية . شارك في كثير من المؤتمرات من أهمها أول مؤتمر قمة للدول الإسلامية بالرباط وأول مؤتمر تأسيس لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة. وشارك في جولات الحوار الإسلامي المسيحي في روما ومدريد عضوا في رابطة العالم الإسلامي.

عضو في هيئة الاعجاز العلمي في القران والسنة ،ويتقن اللغة الفرنسية. له عدة مؤلفات في الفتوى والفقه والأصول والمقاصد.

ينظر الكثير من المسلمين  الى الشيخ بن بيه كاحد رموز الاعتدال والوسطية، كما اخذت فتاواه واراءه مكانتها في الغرب كواحدة من اهم المصادر والمراجع للاقليات الاسلامية التي تعيش في تلك الدول؛ حيث تتميز اراءه بالاستيعاب العميق للاصول الشرعية، والمعرفة الواعية بالواقع المعاصر، مما يمكنه من ايجاد حلول لما يستجد من عقبات في حياة المسلم المعاصر.

 

 

 

 

 

[2] – القناة الرسمية لمعالي العلامة عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيه،  من كلمة مصورة للشيخ يتحدث فيها عن كتابه هذا.

[3] – مشاهد من المقاصد، ص 110.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.