حصريا

صناعة الحدود والتعاريف الأصولية عند الإمام الماوردي. الحسين مهداوي

تتميز صناعة الحدود والتعريفات عند الإمام الماوردي، بسهولة المأخذ، وإحكام العبارة وضبطها، وهو في هذا كله عَلَمٌ متفرد بين علماء الشافعية، وإن سيره على هذا المنهج، إنما الغاية منه المحافظة على وظيفة التعريفات، وهي: تحقيق المعنى المقصود وتمكين الناظر من القدرة على طلبه دون عسر، كما قد يوجد في الكثير من التعريفات المنطقية، التي تلتزم بقانون الحدود المنضبطة بميزان الجمع والمنع، فالحد في الاصطلاح المنطقي: ” قول دال على ماهية الشيء”[1] أو هو ” قول يشتمل على ما به الاشتراك وعلى ما به الامتياز”[2]، ولا يتم قبول الحد إلا إذا وجدت فيه خاصية الجمع والمنع، فشرطية الجمع والمنع ضرورية في كل حد منطقي، وهي أمر أساسي لدفع كل اعتراض قد يَرِدُ على التعريف، والاعتراضات المقصود منها في الأصل، التضييق على المصطلح حتى لا تتشعب دلالاته وتفقد المعنى الذي وضعت له، فالمنطقي في وضعه للتعريف ينظر في هذا الجانب ليستطيع أن يدفع الاعتراضات الواردة على التعريف، من أجل الوصول إلى حد سليم، جامع لمعاني التعريف، مانع من دخول كل ما ليس منه.

وإن هذا الأمر يختلف تماما عما هو موجود عند الإمام الماوردي، الذي اختار لنفسه منهجا خاصا به، فالحد عنده ” إنما هو بيان المحدود بما ينفي عنه الاجمال والاحتمال”[3]، ” والحد ما يتميز المحدود في حكمه” [4]، فهو برفع الإجمال والاحتمال عن الحد، يجعل فيه التعاريف والحدود خاضعة للمعنى اللغوي أكثر من خضوعها لقانون المنطق، ومعنى ذلك أن الألفاظ التي يتم اختيارها في التعريف، ينظر فيها مدى تحقيقها للمعنى المطلوب، دلالة على التعريف، ولا ينظر فيها إلى مدى التزامها بقانون الجمع والمنع المنطقي، فهو عسير وشاق في صناعة الحدود العلمية، ” فالتعريف بالحد أصعب أنواع التعريف، لأنه يتطلب ملاحظة دقيقة، ومقارنة بين أفراد المعرّف وتحليلا لصفاتها المختلفة، لمعرفتي ما هو ذاتي منها، فيؤخذ في الحد، وما هو غير ذاتي فيترك، والتمييز بين الصفات الذاتية وغير الذاتية في الأشياء من أصعب المشاكل التي يواجهها العلماء”.[5]

وإن مرد هذا الوضع، محاولة البعد عن الإيغال في إدخال صناعة المنطق لعلم أصول الفقه، والميل إلى التيسير في اختيار الألفاظ الدالة على المعنى، لتحقيق وظيفة الإفهام.

وأمام قوة الإمام الماوردي في اللغة العربية وسعة اطلاعه على مختلف علومها، وهو ما نلاحظه في مختلف مصنفاته العلمية، اطلاع تمكن وإتقان، أقدره على نسج نسق جديد في البناء المفهومي للمصطلحات الأصولية، كما نجد أيضا أنه يغلب عليه في اختياره للتعاريف منهج التقاسيم[6]، وهو من أيسر الطرق في البناء المفاهمي للمصطلحات العلمية، إذ الغرض منه الوصول إلى تحقيق معنى المعرَّف، بأيسر عبارة وأسهل السبل، يقول إمام الحرمين: ” حق على كل من حاول الخوض في صنف من فنون العلوم، أن يحيط بالمقصود منها وبالمواد التي منها يستمد ذلك الفن، وبحقيقته وفنه وحده، إن أمكنت عبارة سديدة على صناعة الحدود، وإن عسرت فعليه أن يحاول الدرك بمسلك التقاسيم”.[7]

لقد استطاع الإمام الماوردي أن يبتكر مجموعة من التعاريف التي تجعله على دراية تامة بوظيفتها، في حدود سياقاتها المعرفية التي تمكن من إيصال المعنى المراد، دون تنطع يخرجها عن غايتها الأصلية، التي وضعت لها ابتداء، ويمكننا أن نلحظ خاصيتان أساسيتان في متنه الأصولي، نذكرهما كما يلي:

أولا: سهولة العبارة وعدم تكلف ما يخرج عن معهود الخطاب، وذلك ظاهر في معظم تعريفاته التي صاغها في قالب لغوي سهل غير متكلف في تركيبه، واضح الغاية والمقصد، وليس اختيار العبارة السهلة والبعد عن التقعر في الكلام بالأمر الذي يتحصل لكل أحد، بل هو أمر في غاية الدقة، ولا يقدر على تحقيقه على وجه الكمال، إلا ذو ملكة في العلم، ومنزلة عظيمة في تحصيل المعارف العقلية واللغوية، فالبعد عن عسر العبارة والتكلف في اختيار الألفاظ، هو سبيل تحقيق المعاني وتفعيل الألفاظ في وظيفتها الأصلية وهي وظيفة الإفهام، ولذلك جعل الإمام الماوردي من أسباب معرفة أصول الشرع، معرفة لسان العرب، يقول: ” فاحتاج الناظر إلى معرفة لسانهم، وموضوع خطابهم، ليفرق بين الحقيقة والمجاز، وبين الإثبات والنفي، وبين المطلق والمقيد، وبين العام والخاص، وبين المفسر والمجمل، وبين الناسخ والمنسوخ، ويفرق بين الفاعل والمفعول، ويعرف صيغة الأوامر والنواهي، فإن قصر عنها لم يصح منه النظر”[8]، فأنت ترى كيف يولي اللغة اهتماما بالغا، ويجعلها أمرا ضروريا للحكم على صحة النظر في أصول الشريعة، وهو ما تجلى في اختياراته السهلة العبارة الواضحة الغاية، في معظم تعريفاته الأصولية، التي نوردها هاهنا بإيجاز، كما يلي:

  • (( التكليف هو التزام ما ورد به الشرع تعبدا ))[9]
  • ((الواجب: ما وجب أن يفعل، والندب ما الأولى أن يفعل ))[10]
  • (( المباح: فما استوى فعله وتركه، فلا يجب أن يفعل ولا الأولى أن يفعل ))[11]
  • (( النسخ: هو رفع ما ثبت حكمه في الشرع دون العقل))[12]
  • (( الإجماع: هو أن يستفيض اتفاق أهل العلم من جهة دلائل الأحكام، وطرق الاستنباط على قول في حكم، لم يختلف فيه أهل عصرهم ))[13]
  • (( القياس موضوع لطلب أحكام الفروع المسكوت عنها، من الأصول المنصوص عليها بالعلل المستنبطة من معانيها، ليلحق كل فرع بأصله، حتى يشركه في حكمه، لاشتراكهما في العلة والجمع بينهما بالعلة ))[14]
  • (( القياس إلحاق الفرع بالأصل، بالعلة الجامعة بينهما في الحكم ))[15]
  • (( الاجتهاد طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه ))[16]

فهو في هذه التعاريف يبسّط دلالاتها اللغوية، للحصول على المعاني دون مشقة أو عسر، وليحقق التعريف الأصولي غاياته العلمية والعملية.

ثانيا: دقة المعاني وقوة الصياغة الأصولية، وهذه الخاصية لها تعلق بما سبق في وضعه للتعريفات، فإن القصد من اختيار الألفاظ السهلة الواضحة العبارة، لا يتحقق دون احتوائها على جميع المعاني الدالة على المصطلح الأصولي المراد تعريفه، فالألفاظ قوالب المعاني، وذكرها مجردة من معانيها، لا يحقق الغاية من وضعها، كما أن الصياغة بما تشتمل عليه من عنصري الألفاظ والتركيب، لها أهمية بالغة في تحرير المصطلح وإظهاره، والتعريفات السابقة تكشف لنا عن هذا الجانب، وأن دقة المعاني وقوة الصياغة حاضرة في الفكر الأصولي لدى الإمام الماوردي.

—————————————————-

[1] التعريفات، الجرجاني، تحقيق: نصر الدين تونسي، ط – 1 – 2007، شركة القدس للتصدير، ص: 141.

[2]المرجع نفسه.

[3] أدب الدنيا والدين، الماوردي، تحقيق: محمد أبو الخير السيد، ط – 1-، 1425هـ / 2004م، مؤسسة الرسالة ناشرون، بيروت، ص: 19.

[4]  الحاوي الكبير، الماوردي، ص: 1/185.

[5]  المنطق التوجيهي، أبو العلاء عفيفي، ط – 11 – 1953م، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ص: 29-30.

[6] التعريف بالتقسيم أو التقاسيم، هو  ” تعريف الشيء بذكر أقسامه التي يتكون منها”، انظر: ضوابط المعرفة، حسن حبنكة الميداني، ط – 4 – 1414هـ / 1993م، دار القلم، دمشق، ص: 67-66.

[7]  البرهان في أصول الفقه،  أبو المعالي الجويني، تحقيق: عبد العظيم الديب،، ط – 1 –  1399هـ، قطر، ص: 1/83.

[8] فصول في علم الأصول، أبو الحسن الماوردي، ص: 15.

[9] أعلام النبوة، الماوردي، ص: 15.

[10]  أعلام النبوة، الماوردي، ص: 16.

[11]المصدر نفسه.

[12]  الحاوي الكبير، الماوردي، ص: 130/20.

[13] الحاوي الكبير، الماوردي، ص: 165/20.

[14] الحاوي الكبير، الماوردي، ص: 199/20.

[15] الحاوي الكبير، الماوردي، ص: 199/20.

[16]الحاوي الكبير، الماوردي، ص: 178/20.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.