حصريا

شرح رسالة اليقين لابن تيمية- د. محمد السيد محمد-

1 618

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد…

فقد علقنا على الرسالة الثانية لابن تيمية وهي رسالة:” أَنَّ طَرِيقَةَ اتِّبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ الْمُوَصِّلَةُ إلَى الْحَقِّ دُونَ طَرِيقَةِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِين”، وكان الهدف منها، والمقصد الأعلى من هذه الرسالة كما بينا هو بيان أن الأصل الوجود لا العدم، وبدون الاثبات لا يوجد النفي أصلا ولا فائدة من النفي بدون الاثبات، وأن بدون الوجود لا يمكن تصور العدم فضلا عن وجود العدم أصلاً ولا فائدة من العدم بدون الوجود، وهذا دليل عقلي على كون الأصل هو الوجود والثبوت لا النفي، وهذا الدليل العقلي متعلق بكثير من الأبواب، فمتعلق بالعلم والمسائل والدليل أو الأدلة، ومتعلق بالأحكام، ومتعلق بالمسائل الفقهية، ومتعلق بالواقع وأقوالنا وأفعالنا وتصوراتنا الواقعية، ومتعلق بالصفات الإلهية أيضا، فهي قاعدة عامة لها أفراد كثيرة جدا، ومن ضمن هذه الأفراد تعلقها بالصفات الإلهية. وعلاقتها بالصفات الإلهية، أن الأصل فيها الاثبات التفصيلي، ولا يمكن النفي أي نفي النقائص عن الله سبحانه وتعالى الا عن الموجود المتصف بصفات ابتداء.

ونبدأ الآن في رسالة اليقين ابن تيمية وهي عبارة عن جواب على مجموعة من الأسئلة:” مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اعْتِقَادُهُ؟ وَمَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ عِلْمُهُ؟ وَمَا هُوَ الْعِلْمُ الْمُرَغَّبُ فِيهِ؟ وَمَا هُوَ الْيَقِينُ؟ وَكَيْفَ يَحْصُلُ؟ وَمَا الْعِلْمُ بِاَللَّهِ؟

فَأَجَابَ ابن تيمية على هذه الأسئلة:

فقال في جواب السؤال الأول:

(المتن)

“الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا قَوْلُهُ: مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اعْتِقَادُهُ فَهَذَا فِيهِ إجْمَالٌ وَتَفْصِيلٌ. أَمَّا الْإِجْمَالُ:

 فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيُقِرَّ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ: مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَنَهَى بِحَيْثُ يُقِرُّ بِجَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ. فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ؛ وَالِانْقِيَادِ لَهُ فِيمَا أَمَرَ”.

(الشرح)

فجوابه الاجمال مكون من الإقرار والتصديق والعلم القلبي بكل ما جاء به الله ورسوله، ومكون من عمل القلب من انقياد واذعان وخضوع واستلام وامتثال لأوامر الله تعالى، فهذا أصل الايمان: أصل علم القلب المنافي للشك، وأصل أعمال القلوب وهو الإذعان وهو موقف القلب موقف السمع والطاعة من الوحي من كل ما أخبر الله تعالى ورسوله.

وَأَمَّا التَّفْصِيلُ:

1 – فَعَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يُقِرَّ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ؛ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ بِهِ وَأَمَرَ بِهِ”

أي: من عَلِمَ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بوجود الملائكة بتفاصيلهم كما بينا في دروس العقيدة للمبتدئين، فوجب عليه الإقرار والتصديق بكل ما عَلِمَه من تفاصيل عن الملائكة، أي: تصديق القلب بذلك.

2 – وَأَمَّا مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَلَمْ يَبْلُغْهُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ؛ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ؛ فَهُوَ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الْإِقْرَارِ بِهِ مُفَصَّلًا وَهُوَ دَاخِلٌ فِي إقْرَارِه بِالْمُجْمَلِ الْعَامِّ”

فمن لم يعرف تفاصيل عن الملائكة ونحو ذلك ولا يمكنه العلم بتفاصيلهم لأي سبب من الأسباب، فلا يعاقب على ترك الإقرار بتفاصيلهم.

(المتن)

يكمل ابن تيمية قائلا: “ثُمَّ إنْ قَالَ خِلَافَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا كَانَ مُخْطِئًا يُغْفَرُ لَهُ خَطَؤُهُ؛ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ وَلَا عُدْوَانٌ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ مِنْ الِاعْتِقَادِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى آحَادِ الْعَامَّةِ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ نَشَأَ بِدَارِ عِلْمٍ وَإِيمَانٍ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ نَشَأَ بِدَارِ جَهْلٍ”

(الشرح)

أي: ان لم يعلم التفاصيل وقال خلاف هذه التفاصيل المذكورة في الوحي مثلا عن الملائكة كان مخطئا يغفر له خطؤه،

ومن ثَّم وجوب ما يعتقده العوام أو ما يجب على من نشأ في مكان منتش فيه الجهل ليس كوجوب ما يعتقده العلماء العالمين العارفين بكثير من تفاصيل الذي أخبرهم الله بها، ولا كمن نشأ في مكان منتشر فيه العلم والايمان، فكلما زاد العلم بما أخبرنا الله به زاد الاعتقاد بها ومن ثم وجوب هذا الاعتقاد وتصديقه

إذا محل وجوب الاعتقادات ومن ثَّم الثواب عليها أو العقاب -والحكم على من أنكرها أو كذب بها أو شكك فيها أو أعرض عن الامتثال لها نحكم عليه بالكفر ونحو ذلك- فكل ما سبق من ثواب وعقاب ونحكم عليه بعد معرفة ما أتى به الله ورسوله، فالحكم بالكفر والنفاق والمعاصي ونحوها متعلق بما أتى به الله ورسوله، وما أخبرنا به الله ورسوله.

(المتن)

3 – “وَأَمَّا مَا عَلِمَ ثُبُوتَهُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ دُونَ الرِّسَالَةِ؛ فَهَذَا لَا يُعَاقَبُ إنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ.

وَأَمَّا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: إنَّ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةَ بِالْعَقْلِ هِيَ الَّتِي يَجِبُ الْإِقْرَارُ بِهَا؛ وَيَكْفُرُ تَارِكُهَا بِخِلَافِ مَا ثَبَتَ بِالسَّمْعِ؛ فَإِنَّهُمْ تَارَةً يَنْفُونَهُ وَتَارَةً يَتَأَوَّلُونَهُ أَوْ يُفَوِّضُونَ مَعْنَاهُ وَتَارَةً يُثْبِتُونَهُ لَكِنْ يَجْعَلُونَ الْإِيمَانَ وَالْكُفْرَ مُتَعَلِّقًا بِالصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةِ فَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إذْ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ هُمَا مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالرِّسَالَةِ؛ وَبِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ؛ لَا بِمُجَرَّدِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ.”

(الشرح)

فهذا كلام واضح جدا كون الحكم بالإيمان أو الكفر لا يكون بمجرد الأدلة العقلية المجردة كدليل الأعراض والأجسام عند أهل الكلام، ومن لم ينظر أي يعرف هذا الدليل لا يكون مؤمنا كما قالت طائفة من الاشاعرة ذلك.

وليس الصفات العقلية السبعة التي يؤمن بها الاشاعرة هي التي يجب الإقرار بها ومن خالفها يكفر، أما الصفات الثابتة بالوحي كالصفات الخبرية كاليد والقدم والعين والوجه ونحوها من الصفات التي ثبتت بالسمع والوحي، فيأولونها أو ينفونها أو يفوضونها، ولكن ليست محلا للإيمان ولا الكفر الا الصفات الثابتة بالعقل فقط،  فهذا كلام باطل، فإن الثواب والعقاب لا يكون إلا بالشرع، والحكم بالإيمان والكفر يكون بالشرع لا بما ثبت بالعقل، وطبعا كلام بعض الاشاعرة ان من لم ينظر بدليل الحدوث الكلامي او دليل الاعراض والاجسام ليس بمؤمن ،هذا مناقض لكلام الاشاعرة في التحسين والتقبيح العقليين، الذين يقولون لا يكون ثواب ولا عقاب إلا بالشرع.

نأتي للجواب على السؤال الثاني:

(المتن)

يقول ابن تيمية “وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ عِلْمُهُ؟ فَهَذَا أَيْضًا يَتَنَوَّعُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَيَعْلَمَ مَا أَمَرَ بِالْإِيمَانِ بِهِ؟ وَمَا أَمَرَ بِعِلْمِهِ؛ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ لَهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ عِلْمِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَا يَحُجُّ بِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ عِلْمِ الْحَجِّ وَكَذَلِكَ أَمْثَالُ ذَلِكَ.”

(الشرح)

فقد بين في إجابة السؤال الأمر ما يجب الايمان به مجملا ومفصلا، وهنا يتحدث على ما يجب العلم به من أوامر الله تعالى، وهذا يتنوع بحسب كل شخص، فمن كان عنده مال ووصل للنصاب الواجب به دفع الزكاة عليه وعدى عليه الحول، فلابد من معرفة هذا الشخص لأحكام الزكاة لأنها أصبحت واجبه في حقه، أي وجب العلم بأحكام الزكاة، وهكذا من معه المال ونحوه فيستطيع الحج، فوجب عليه معرفة علم الحج وما يستطيع أن يحج به، ونحوها من الأوامر الشرعية، كالصلاة، فالصلاة واجبة وفرض عين على كل مسلم ومسلمة،

ثم يكمل ابن تيمية قائلا:” وَيَجِبُ عَلَى عُمُومِ الْأُمَّةِ عِلْمُ جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ بِحَيْثُ لَا يَضِيعُ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي بَلَّغَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ شَيْءٌ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَكِنَّ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُعَيَّنُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ: إذَا قَامَتْ بِهِ طَائِفَةٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ.”

وهذا واضح بين، كل منا له فرض عين واجب عليه بعينه كالصلاة مثلا، وأيضا من وصل للنصاب الواجب به دفع الزكاة عليه وعدى عليه الحول، فهذا واجب عليه بعينه، وهكذا في الواجبات المعينة، وما زاد عن ذلك فهو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين.

 

أما الجواب على السؤال الثالث:

(المتن)

 قال:” وَأَمَّا ” الْعِلْمُ الْمُرَغَّبُ فِيهِ جُمْلَةً ” فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ لَكِنْ يُرَغَّبُ كُلُّ شَخْصٍ فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ إلَيْهِ أَحْوَجُ؛ وَهُوَ لَهُ أَنْفَعُ وَهَذَا يَتَنَوَّعُ؛ فَرَغْبَةُ عُمُومِ النَّاسِ فِي مَعْرِفَةِ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ أَنْفَعُ لَهُمْ. وَكُلُّ شَخْصٍ مِنْهُمْ يَرْغَبُ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ وَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ شُبْهَةٌ فَقَدْ تَكُونُ رَغْبَتُهُ فِي عَمَلٍ يُنَافِيهَا أَنْفَعَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.”

(الشرح)

وهذا بديهي وواقع، فمنا من يحب مثلا الفقه وأصول الفقه عن اللغة والعقيدة، ومنا من يحب التعمق في علوم القرآن ونحوها من العلوم عن العقيدة مع أنه عنده القدر المجزيء الواجب من العقيدة ولكنه يحب علوم القرآن أكثر، وهكذا المحب للعقيدة والتعمق فيها أكثر من الفقه ونحو ذلك، فهذا واقع وبديهي.

 

أما السؤال الرابع عن اليقين وكيف يحصل؟

وهذا السؤال سأتوسع في الجواب عليه، وإن كنت ما سأبينه أيضا باختصار شديد، لأن هذا الموضوع له تعلقات كثيرة ومهمة جدا.

وقبل الحديث عن مفهوم اليقين في اللغة والوحي والاصطلاح، ومراتبه وأنواعه ونحو ذلك، فلابد من بيان ان اليقين هو حالة العقل الذي يعلم أن يحوز الحقيقة، أي أن اليقين هو أثر الحقيقة علي” الذات” أو اليقين هو معرفة الحقيقة.

وطالما أن اليقين يتبع الحقيقة بل هو أثر الحقيقة على الذات والنفس والقلب، أو هو معرفة الحقيقة، فلابد من بيان ما هي الحقيقة أولا، وما أنواعها باختصار شديد جدا.

 

أولا: مفهوم الحقيقة:

أولا: الحقيقة في اللغة:

الْحَقِيقَة: هِيَ إِمَّا (فعيل) بِمَعْنى فَاعل من (حق الشَّيْء) إِذا ثَبت، أي الثابتة بمعنى فاعل، وَمِنْه (الحاقة) لِأَنَّهَا ثَابِتَة كائنة لَا محَالة. وَإِمَّا بِمَعْنى (مفعول) من (حققت الشَّيْء) إِذا أثْبته فَيكون مَعْنَاهَا المثبتة فِي موضعهَا الْأَصْلِيّ (الكفوي). يقول الجرجاني: ” الحق: في اللغة هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره..”

فالحقيقة غير قابلة للتغير وإلا لم تكن حقيقة، فالحقيقة واحدة لا تقبل التعدد وهي ثابتة مطلقة – موقف ثابت غير قابل للمناقشة مرة أخرى- غير قابلة للمراجعة.

عندما نقول هذا موقفي النهائي فهذا يعني أني لن أرجع فيه، يعني أن موقفي ثابت غير قابل للمناقشة مرة أخرى، فمعنى “نهائي” أنه مضاد ـ”قابل للمراجعة”، ومضاد “لقابل للتغير”.

ومن هنا نقدر نفرق بين الحقيقة والرأي:

الرأي يمكن أن يكون دوَّارا ويقبل المراجعة ليس مطلقا ولكنه نسبي ، بخلاف الحقيقة التي لا يمكن أن تكون ظلا يمرَّ على الجدار ويتغير بحسب المؤثرات “كتغير الظل لتغير زواية الشمس، ودرجة ميل السطح” ونحو ذلك . فعندما يقول الأطباء مثلا: لقد مات فلان، وقد توقفت جميع وظائفة الحيوية، فلا مجال لأي ظن بأنه يمكن أن يعود للحياة مر أخرى، وهكذا الحقيقة أو أكثر من ذلك، إذا الحقيقة ليست شيئا أو قرارا مؤقتا، بعكس الرأي كما سبق بيانه.

ثانيا: الحقيقة في الاصطلاح:

لا يمكن أن يكون لها مفهوما واحدا، لأنها متعددة بتعدد مصادرها، بل لها عدة مفاهيم بحسب مصدرها، فالحقيقة أنواع: منها الحقيقة الواقعية – ويدخل تحتها الحقيقة الفيزيائية التجريبية، والحقيقة النفسية. وهناك الحقيقة الشرعية ” الميتافيزيقية ” وهكذا، وتختلف كل حقيقة عن الأخرى بحسب طبيعتها ومصدرها.

فالحقيقة الواقعية وهي الثابتة في الواقع، سواء هذا الواقع واقع تجربي نفسي أي شيء نشعر به ونحسه، وليس التجربة موقوفه على التجربة المعملية وانما كل ما نشعر به ونحسه فهو تجريبي، أو واقع حسي خارجي مباشر ومنه الواقع الفيزيائي.

والحقيقة الميتافيزيقية “الشرعية” وهي مطابقة الشيء للعلم الإلهي الأزلي والحكمة الإلهية،

وأيضا الواقع مطابق للعلم الإلهي الأزلي وحكمته، فالواقع لن يخالف البتة بحيث أنه يأتي على خلاف العلم الإلهي الأزلي والحكمة الإلهية. لأن إرادة الله وقدرته على خلق وتقدير هذا الواقع يسير وفق علمه السابق وحكمته سبحانه وتعالى.

ثانيا: أنواع الحقيقة:

1 – الحقيقة الوجودية “الشرعية أو الدينية”: تطابق الشيء مع العلم الإلهي.

2 – الحقيقة الواقعية: تطابق العلم البشري مع الواقع.

3 ـ  الحقيقة الأخلاقية أو المصداقية: وهي تطابق “الكلام” مع الفكرة، ومع الواقع.

وهذه الحقائق الثلاثة حقائق لا يمكن انفكاكهم عن بعض، فإن الحقيقة الواقعية مطابقة للعلم الالهي والحكمة الإلهية، ولا تكون الأقوال والاعتقادات صادقة إلا بعد مطابقتها للواقع، فكل الحقائق ترجع للعلم والحكمة الإلهية.

إذا اللفظ مطابق للمعنى، أي الكلام مطابق للفكرة ولا تكون صادقة إلا بمطابقتها للواقع، وهي (حقيقة أخلاقية)  والاعتقاد والتصور مطابق للحق. وهي (الحقيقة الواقعية) وكل ما سبق من المعاني المتصورة المطابقة للواقع في الخارج متحقق في علم الله تعالى.

أولا: الحقيقة الوجودية “الشرعية”

وهي تطابق الشيء مع العلم الإلهي. وممن أسهب في هذا النوع ابن تيمية، وابن القيم، حيث أرجعوا كل الحقائق إلى العلم الإلهي، أي ان هذه الحقيقة هي أعم الحقائق، وباقي الحقائق ترجع إليها في النهاية.

كل الحقائق تعتمد على الله:

الحقيقة الأخلاقية المتمثلة في التطابق بين اللغة والفكرة، أي: الكلمة مع الفكرة، لتكون صحيحة يجب على الفكرة أن تكون مطابقة للشيء الذي تمثِّله في الواقع وهذه هي “الحقيقة الواقعية”، مثلا كلمة الهاتف، لها معنى في ذهني عن الهاتف، ولابد تكون مطابقة للشيء التي تمثله في الواقع المسماة هاتفا، لأن الكلمة ليست كلمة خاوية من معنى فنحن نتصور الهاتف عندما تقول هاتف، ولها تحقق في الخارج وهو وجوده في الخارج، ووجوده في الخارج هو الحقيقة الواقعية، وكون كلمة هاتف مطابقة لمعناه ووجوده الخارجي فهذه الحقيقة الأخلاقية لأننا حكمنا على من أخبرنا بهذه الكلمة هاتف بعد مطابقتها لما تمثله في الواقع أنه صادقا فيما أخبرنا عنه، وهذا الوجود للهاتف مثلا والكلمة التي تعبر عنه ومعناها الذي في ذهني عنه، يجب أن يكون مطابقاً للعلم الإلهي، لأن كل ما هو موجود هو في تحقيق العلم الإلهي، أي لن يكون شيئا موجودا إلا وهو في علم الله الأزلي لا الزمني، وكل ما حصل في الوجود فهو بإرادة الله ومشيئته وارادته ومشيئته تسير وفق علمه الازلي وحكمته الأزلية فلن يخرج وجود أي شيء في الكون إلا هو في علم الله الأزلي وحكمته ومشيئته وقدرته، وهذه هي” الحقيقة الوجودية الشرعية”. فكل الحقائق تعتمد على الله تعالى وترجع للحقيقة الوجودية الدينية كما تقدم.

يقول ابن القيم في حيال هذا المعنى: ” وتقدم علمَهَ بالأشياء ووقوعها في الأبد مطابقة لعلمه الأزلي“.

أي أن الواقع الموجود مطابق للعلم الإلهي الأزلي، فالواقع هو مطابقة الشيء للعلم الإلهي، فلن يحصل أي شيء في الواقع الا بعلم الله وحكمته وارادته الكونية، ويقول ابن القيم أيضا: ” فإن المعرفة الصحيحة: مطابقة للحق في نفسه شرعا وقدرا ومخالف ذلك فمعرفة فاسدة …”.

وهذه الحقيقة لا غبار عليها، وهي أن كل الحقائق تعتمد على الله، سواء في الوجود “الوقوع والتحقق” أو العلم البشري، وكون الوجود والعلم البشري متوافقان ومتطابقان للعلم الإلهي.

فالمعرفة البشرية من لوازم الكمال الإلهي، ويظهر ذلك في قوله تعالى: الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم” العلق 4 -5، وفي هذه الآية يقول ابن تيمية:” ذكر سبحانه أنه خلق أكرم الأعيان الموجودة عموما وخصوصا وهو الإنسان، وأنه المعلم للعلم عموما وخصوصا للإنسان، وذكر التعليم بالقلم الذي هو آخر المراتب، ليستلزم تعليم القول وتعليم العلم الذي في القلب”.

ويقول:” كما أن الله تبارك وتعالى الخالق والموجد الأول فهو المعلم الأول، وكما أن نفسه أصل لكل شيء موجود فذكره والعلم به أصل لكل علم”.

ويقول ابن تيمية:” ولما كان هو الأول الذي خلق الكائنات، والآخر الذي إليه تصير الحادثات، فهو الأصل الجامع، فالعلم به أصل كل علم وجامعة، وذكره أصل كل كلام وجامعة، والعمل له أصل كل عمل وجامعة”.

ويقول أيضا:” العلم به … أصل للعلم بكل ما سواه، والعلم بما سواه فرع للعلم به، باعتبارات متعددة، فلا يكون الإنسان عالما بغيره على الوجه الذي ينبغي، حتى يعلم ما به وجد وتحقق، وذلك لا يكون إلا مع العلم بالله، ولهذا لا يزال العقل يطلب للموجود – الذي لم يوجد بنفسه – ما به وجد، سواء سمي ذلك مؤثرا أو فاعلا أو علة فاعلة أو صانعا أو ربا، حتى ينتهي النظر إلى الله سبحانه وتعالى فحينئذ يقف الطالب”.

ويقول ابن تيمية: ” من العلم به تتشعب أنواع العلوم، ومن عبادته وقصده تتشعب وجوه المقاصد الصالحة”.

وهذه الحقيقة وكونها أهم الحقائق ويرجع إليها كل الحقائق عندي فيها تفاصيل مهمة ولكن لن يسعفنا الوقت لذا أكتفي بذلك، وهذه الحقيقة هي الأهم لذا سأكتفي بها، وسأبين اليقين التابع لهذه الحقيقة الشرعية الدينية. ونشير لباقي الحقائق.

فالحقيقة الواقعية أو الحسية أو التجريبية، المقصود بها الواقع الخارجي الذي نشاهده بأعيننا أي الواقع الذي نراه بالحس المباشر أو الواقع الفيزيائي الذي يحتاج لآلات كالمكرسيكوب ونحو ذلك، ويدخل في الحقيقية التجريبية كل ما نشعر به ونحسه من الشعور الباطني النفسي كالشعور بوجودنا وذاتنا أو الشعور بأحوال النفس من غضب وألم ولذة ونحو ذلك، أو الشعور بالخالق وافتقارنا لمن خلقنا، فكل هذه من الحقيقة النفسية التجريبية، لأن ليس التجربة متوقفة على التجارب المعملية وانما التجربة أوسع من ذلك ويدخل فيها كل ما نشعر به ونحسه كما سبق.

وهذه المسألة أي مسألة الحقائق وأنواعها وصفات الحقيقة ومعايير الحقيقة وتطبيقاتها ونحو ذلك مسائل ممتعة ومهمة جدا، ولعلنا نبينها بتفصيل في ثنايا قراءتنا لكتب ابن تيمية بإذن الله.

ثالثا: اليقين.

(المتن)

يقول ابن تيمية:” وَأَمَّا ” الْيَقِينُ ” فَهُوَ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ، وَاسْتِقْرَارُ الْعِلْمِ فِيهِ وَهُوَ مَعْنَى مَا يَقُولُونَ: ” مَاءٌ يَقَنٌ ” إذَا اسْتَقَرَّ عَنْ الْحَرَكَةِ، وَضِدُّ الْيَقِينِ الرَّيْبُ. وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحَرَكَةِ وَالِاضْطِرَابِ يُقَالُ: رَابَنِي يَرِيبُنِي وَمِنْهُ فِي الْحَدِيثِ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ فَقَالَ لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ} ثُمَّ الْيَقِينُ يَنْتَظِمُ مِنْهُ أَمْرَانِ: عِلْمُ الْقَلْبِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ. فَإِنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَعْلَمُ عِلْمًا جَازِمًا بِأَمْرِ؛ وَمَعَ هَذَا فَيَكُونُ فِي قَلْبِهِ حَرَكَةٌ وَاخْتِلَاجٌ مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ كَعِلْمِ الْعَبْدِ أَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ؛ وَلَا خَالِقَ غَيْرُهُ؛ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ فَهَذَا قَدْ تَصْحَبُهُ الطُّمَأْنِينَةُ إلَى اللَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَقَدْ لَا يَصْحَبُهُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ؛ إمَّا لِغَفْلَةِ الْقَلْبِ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ وَالْغَفْلَةُ هِيَ ضِدُّ الْعِلْمِ التَّامِّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضِدًّا لِأَصْلِ الْعِلْمِ، وَإِمَّا لِلْخَوَاطِرِ الَّتِي تَسْنَحُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الِالْتِفَاتِ إلَى الْأَسْبَابِ وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ وَالْعَافِيَةَ فَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ الْعَافِيَةِ فَسَلُوهُمَا اللَّهَ} فَأَهْلُ الْيَقِينِ إذَا اُبْتُلُوا ثَبَتُوا؛ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّ الِابْتِلَاءَ قَدْ يُذْهِبُ إيمَانَهُ أَوْ يُنْقِصُهُ. قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} . فَهَذِهِ حَالُ هَؤُلَاءِ. وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} إلَى قَوْلِهِ: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلَّا غُرُورًا} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} الْآيَتَيْنِ.”

(الشرح)

ما هو اليقين؟

أولا: اليقين في اللغة:

هو ” العلم وإزاحة الشك وتحقيق الأمر، من يقين الماء في الحوض؛ إذا استقر فيه

وقال الجرجاني: ” هو في اللغة: العلم الذي لا شك فيه”. وقال ابن فارس: ” اليقين واليقين: زوال الشك”[1]، فكما أن العلم نقيض الجهل، فكذلك اليقين نقيض الشك، يقال: علمته يقينا، أي علما لا شك فيه”[2] فاليقين مشتق من الفعل يقن وأيقن تفيد الاستقرار والثبات وإزاحة الشك وتحقيق الأمر وسكون النفس وثلج الصدر به وتطلق على طمأنينة القلب على حقيقة الشيء بمعنى علم علما لا شك فيه تطمئن إليه النفس اطمئنانا يزيل الشك ويدفع للعمل بالموقن به[3].

فطمأنينة القلب يزيل الشك ويدفع للعمل بالموقن به، فهو علم قلبي وعمل قلبي والعلم التام يدفع صاحبه للعمل بما أيقنه فاستقرار العلم بالشيء ان عمل بما علم، ولن يستقر العلم ان عمل بضد ما عمل، فذها هو المعنى اللغوي وهو نفس المعنى الشرعي، ولكن المعنى اللغوي أوسع فهو متعلق بكل الأشياء، أما المعنى الشرعي لعلم القلب وعمله وكون العلم التام موجب للعمل بالموقن به، فهو متعلق بالإيمان بالله تعالى والايمان برسوله وبما أخبر به، كما سيأتي بيانه، أما في اللغة فهو متعلق بكل الأشياء، مثلا أنا حكيت لكم عن كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم فحصل عندكم علم تام وتصديق تام بما أخبرتكم به، وهذا العلم التام موجب لمحبة هذا الكتاب ومسائله وارادتكم لقراءته ومطالعته، فان كان العلم تاما مع كمال محبته والإرادة الجازمة يحصل القراءة والمطالعة في الواقع،  فهذا معنى اليقين لغة، هو التلازم بين العلم القلبي الذي لا يوجد فيه شك ولا تردد وتطمئن القلب والنفس لهذا العلم  فيوجب العمل بما أيقنا به.

ثانيا: اليقين في القرآن الكريم:

كلمة اليقين وردت في القرآن الكريم في صيغ مختلفة، مثل اليقين، ويقينا، ويوقنون، موقنين، موقنون.

ومن أهم معاني اليقين في القرآن الكريم:

1 – وردت كلمة اليقين في آيات قرآنية بمعني الموت.

مثل قوله تعالي: ” وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حتي أتانا اليقين “، فسر الآيه الزمخشري بقوله:” واليقين الموت ومقدماته”، كقوله تعالي ” وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ” فإن الشك يزول، والاحوال إلي اليقين تئول”.

2 – وجاءت كلمة اليقين بمعني ( التوحيد)، وذلك  في قوله تعالي: ” وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ”، أي: للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني الموصل الي المعرفة.

3 – وجاءت كلمة اليقين بمعني العلم والمعرفة علي أنه نقيض الشك.

مثل قوله تعالي في زعم النصارى أنهم قتلوا سيدنا عيسى: ” وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ” أي جزما لم يقتلوه، فهنا اليقين بمعناه اللغوي، أننا نصدق خبر الله تعالى ونعتقد صدقه ونجزم بقلوبنا على هذا وتطمئن قلوبنا بهذا الصدق والجزم أنهم لم يقتلوا سيدنا عيسى ولكن شبه لهم.

وقوله تعالي: ” كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ” أي لو آمنتم وعلمتم وصدقتم جزما لا تردد فيه ولا شك بما أخبرنا به الله عن البعث ونحو ذلك لأوجب هذا العلم الجازم الذي لا شك فيه الطمأنينة للقلب وخشية الله تعالى وهذا العلم التام الجازم لأوجب الخشية والتعظيم ولم تقعوا في الغفلة عن ذلك والهى قلوبكم التكاثر عن طلب الآخرة حتى صرتم إلى المقابر.

فهنا مادة الحق والمادة الموصلة إلى اليقين علما وعملا هو كلام الله تعالى الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه، وإذا كانت المادة حق في نفسها، أنتج يقينا وجزما وتصديقا مع طمأنينة واستقرار القلب بهذا العلم والجزم به، فيكون يقينا كاملا علما وعملا وليس يقينا علميا فقط أو عمليا فقط.

فلو تلاحظون نحن نريد أن نرسخ في قلوبكم وعقولكم كون الوحي هو مادة الحق ومصدر اليقين علما وعملا، وأن الوحي هو كلام الله ورسوله هو الدين، وأن مسائل ودلائل أصول الدين ذكرها الله ورسوله بأفضل بيان وأقوى براهين ولا يمكن أن يأتي بمثلها أحد.

4 – وكذلك وردت كلمة اليقين بمعني الثابت والثبات

مثل قوله تعالي:” إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ” وفسره الزمخشري بقوله:” اي الحق الثابت من اليقين” وقوله تعالي: ” وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ” أضاف الحق الي اليقين وليس هو من إضافة الشيء الي نفسه ، لان الحق ليس هو اليقين ، فالحق شيء واليقين شيء، بل الحق هو المادة التي من خلالها يحصل اليقين، وإنما أضاف الحق إلى اليقين لأنه هو خالصه وأصحه، فجري مجري اضافة البعض الي الكل.

فاليقين تابع للحق والحقيقة الثابتة في نفس الأمر، فينتج اليقين عن الحقيقية، فالحق ثابت واليقين جزم بهذا الحق مع استقرار القلب وطمأنينته به، فيكون ثابتا لثبات الحق. وهذا هو “علاقة الحقيقة باليقين”

اذن كلمة اليقين في القرآن الكريم في مجموعها الكلي وردت بمعني “المعرفة الواضحة الذي لا لبس ولا غموض ولا شك فيه، وأن كل هذه المعاني في مجموعها الكلي تدل على انتفاء الشك والحيرة مع طمأنينة القلب واستقرار هذا العلم الجازم الذي لا شك ولا تردد فيه في القلب فيوجب هذا العلم العمل القلبي”.

ثالثا: اليقين في السنة:

وردت اليقين في السنة النبوية كثيرا، وهي في مجموعها الكلي تعبر عن الايمان.

1 – قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” اليقين الإيمان كله “. وفي رواية أخري:” اليقين كله الايمان ” ومعني هذا الحديث أن الايمان يقيني فإذا نزل عن درجة اليقين فقد أصبح ضعيفا لا يقوي عند الامتحان والشدائد، لأن الايمان الضعيف قد يخشى على صاحبه من سوء الخاتمة فقد يغويه الشيطان آخر حياته ويضله فيكفر. وقوله صلي الله عليه وسلم: ” الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله ” فهذا الحديث أيضا يؤكد أن الايمان يقين فإذا نقص اليقين نقص الايمان، وإذا ضعف اليقين ضعف الايمان.

وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: ” اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا”[4]

اقسم لنا بمعنى قدر لنا، والخشية هي الخوف المقرون بالعلم، لقول الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ” (فاطر28) ومعلوم إن العلم التام يوجب ويورث محبة الله وارادته ومحبته وارادته وقصد عبادته تورث وتوجب خشيته وعظمته سبحانه وتعالى.

فهذا سؤال لله تعالى أن يرزق العبد خشيته والخوف منه، فإن من رزقه الله الخوف منه، وخشيته امتنع عن فعل المعاصي، لأن الإنسان كلما خشي الله عز وجل منعته خشيته من الله أن ينتهك محارم الله، ولهذا قال: ” مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ “، ومن حرم الخشية والخوف من الله تجاسر على ارتكاب المعاصي.

وقوله: ” وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ ” أي: واقسم لنا من طاعتك ما تبلغنا به جنتك، فإن الجنة طريقها طاعة الله عز وجل، فإذا وفق العبد لخشية الله واجتناب محارمه والقيام بطاعته نجا من النار بخوفه ودخل الجنة بطاعته، وينبغي للعبد أن يداوم على طلب العون منه تعالى على التزام طاعته ويتقبلها منه ويثيبه عليها الجنة.

وقوله: ” وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا “،واليقين هو أعلى درجات الإيمان، لأنه إيمان لا شك معه ولا تردد، بل هو أن تتيقن ما غاب عنك مما أخبرك الله به  كما تشاهد ما حضر بين يديك، فإذا كان عند الإنسان يقين تام بما أخبر الله تعالى به من أمور الغيب،  فيما يتعلق بالله عز وجل أو بأسمائه أو صفاته أو اليوم الآخر أو غير ذلك وصار ما أخبر الله به من الغيب عنده بمنزلة المشاهد، فهذا هو كمال اليقين، وهذا ما قصده ابن تيمية بالعلم الموجب للعمل، ومنه العلم بأسماء الله وصفاته وبتفصيل اليوم الآخر يوجد محبة الله وتعظيمه وخشيته وهذه المحبة والخشية مع العلم التام الذي هو كمال اليقين يوجب العمل في الخارج أعمال الجوارح من طاعات والبعد عن المعاصي وتجنبها ومراقبة الله تعالى في كل كبيرة وصغيرة.

وقوله: “مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا ” لأن الدنيا فيها مصائب كثيرة، لكن هذه المصائب إذا كان عند الإنسان يقين أنه يكفر بها من سيئاته ويرفع بها من درجاته إذا صبر واحتسب الأجر من الله هانت عليه المصائب وسهلت عليه المحن مهما عظمت، سواء كانت في بدنه أو في أهله أو في ماله ما دام عنده اليقين التام، فإنها تهون عليه المصائب، واليقين بأن الله تعالى هو الذي قضى هذا وقدره وأنه إنما قدره لحكمته البالغة فإنه يرضى ويسلم لحكم الله وتهون عليه مصيبته.

ولا تظنوا إن هذا كلام وعظي لتطييب القلوب ونحو ذلك، بل هذا فطري وعقلي برهاني لا يمكن الانفكاك عنه

2 – كما أن اليقين عند العلماء هو ( التصديق بالموعود ) من الله سبحانه وتعالي ، وذلك أن يعلم أنه لا ضار إلا الله ولا نافع الا الله ولا رازق الا الله ولا مفقر الا الله ، وهذا ما بينه الرسول صلي الله عليه وسلم فقال : ” ياغلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف الي الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، واعلم أن الامة لو اجتمعوا علي أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عينك رفعت الاقلام وجفت الصحف”

وعن أبي بكر الصديق، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سلوا الله اليقين والمعافاة، فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية». فجمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه. وفي «سنن النسائي» من حديث أبي هريرة يرفعه: «سلوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أوتي أحد بعد يقين خيرا من معافاة»، وهذه الثلاثة تتضمن إزالة الشرور الماضية بالعفو، والحاضرة بالعافية، والمستقبلة بالمعافاة، فإنها تتضمن المداومة والاستمرار على العافية. وفي الترمذي مرفوعا: «ما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية». وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: عن أبي الدرداء، قلت: يا رسول الله! لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن أبتلى فأصبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ورسول الله يحب معك العافية».

إذن اليقين في الشرع، في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هو طمأنينة القلب واستقرار العلم فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أما الموقن فيقول: “وأما المرتاب فيقول: لا أدري”،

فجعل الريب في مقابل اليقين، وهذا يوافق تعريف الجنيد ـ رحمه الله ـ ” اليقين هو ارتفاع الشك”، والناس يقولون:” ماء يقن” إذا استقر عن الحركة، وعليه كان الريب ضد اليقين، لأن الريب نوع من حركة و الاضطراب في القلب.

وفي الحديث:” أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بظبي حاقف[نائم] فقال: لا يريبه أحد”.

ما هو دور اليقين في المنهج العلمي الإسلامي؟

اليقين ينتظم منه أمران بناء على تعريف الشرع له: علم القلب وعمل القلب

فمن كان عنده علم القلب دون عمل القلب فيكون يقينه ناقص،

علم القلب مثل العلم والتصديق أي التصديق بالمعلومة وهذا المصطلح عليه بـ (قول القلب)

وعمل القلب الذي يستتبع التصديق بهذه المعلومة، مثل المحبة والإرادة والخشية والتعظيم ولذلك وصف الله العلماء بالخشية. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَيَّانَ التيمي – أَحَدِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ – الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ بِاَللَّهِ لَيْسَ عَالِمًا بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ عَالِمًا بِاَللَّهِ، وَعَالِمٌ بِاَللَّهِ وَبِأَمْرِ اللَّهِ. فَالْعَالِمُ بِاَللَّهِ الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ وَالْعَالِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي يَعْرِفُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ. وَقَالَ رَجُلٌ لِلشَّعْبِيِّ: أَيُّهَا الْعَالِمُ فَقَالَ: إنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ. وَقَالَ – عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْمًا وَكَفَى بِالِاغْتِرَارِ بِاَللَّهِ جَهْلًا.

إذا لماذا وصفوا العلماء بالخشية ؟، لأنهم أصحاب العلم التام الجازم الذي لا تردد فيه فوصلوا لكمال اليقين، وهذا يلزم منه ويوجب ويورث عنه كمال المحبة والإرادة التامة ومن ثم يلزم عنه الخشية والتعظيم والانقياد والاستسلام والخضوع والاذعان والإخلاص ونحوها من أعمال القلوب. ومن يتابعنا في دورة العقيدة للمبتدئين فإني قد فصلت ذلك وأن هذا اليقين المكون من قول القلب وعمله أو العلم والتصديق بالمعلومة وما يتبع التصديق من محبة وإرادة وخشية وخضوع وقبول ونحو ذلك هو (الايمان وهو قول وعمل) وبينت أن كل من قول القلب وعمل القلب على مراتب ثلاثة أصل وكمال واجب وكمال مستحب، وأعطيت أمثلة عليها فلتراجعوا ذلك فهو مفيد جدا في فهم كلام ابن تيمية في هذه الرسالة، وفي كتاب الايمان المجلد السابع في مجموع الفتاوى سأفصل القول في التلازم بين الباطن والظاهر  الباطن علم القول وعمل القلب والظاهر من أقوال اللسان وأعمال الجوارح.

وهذه المسألة فصلتها في الدرس الخامس من دروس العقيدة للمبتدئين وأحيلكم عليها، وما يناقض قول القلب وعمله وتلازمهما وكون العلم موجب للعمل هما الغفلة والشهوة، لذا سأبين بأمثلة تطبيقية عن الغفلة التي هي ضد علم القلب وعن الشهوة التي هي ضد عمل القلب

لذا ابن تيمية هنا يقول بأن: “العبد قد يعلم علما جازما بأمر، ومع ذلك يكون في قلبه اختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم، لأن يقينه لم يستجمع علم القلب وعمل القلب، كمثل العبد الذي علم أن الله رب كل شيء ومليكه ولا خالق غيره، وأنه ما شاء كان ومالم يشأ لم يكن، فهذا العلم قد تصحبه طمأنينة وسكون القلب إليه، الطمأنينة عن الله وقد لا تصحبه عمل فيقتضي التوكل على الله وحده، وقد لا يصحبه بذلك، لغفلة القلب عن هذا العلم.

فالإنسان يغفل عن علمه ولا يستحضره وقت حاجته إليه، والغفلة ضد العلم التام، العلم الماثل أمام العينين، وإن لم تكن الغفلة ضد أصل العلم، أي أن الغافل معه أصل العلم، ولكنه لا يستحضره وقت غفلته، علمه غير ماثل أمامه.

فقد لا يصحب العلم العمل بسبب الخواطر السانحة في القلب،

كالالتفات إلى الأسباب

أو وجود الإرادات المتعارضة، كميل النفس إلى فعل الذنب ونفورها من ذلك في نفس الوقت أو كرهها له.

فالقلب إذا التفت إلى غير الله بسبب من الأسباب التي تحركه كالشهوات أو المصائب ولبلايا تخلف العمل عن العلم فيزول اليقين.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “سلوا الله اليقين والعافية، فما أعطى أحد بعد اليقين شيئا خيرا من العافية فسلوهما الله “.

لأن أهل اليقين إذا ابتلوا ثبتوا بخلاف غيرهم، فالابتلاء يذهب الإيمان قد يذهب اليقين، والذي قرن باليقين العافية، ذلك أن اليقين ينفع عند الابتلاء، والعافية تنفع اليقين الذي قد يزول عند الابتلاء، قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}”السجدة”.

وهنا الحديث عن الغفلة التي ضد العلم التام لا ضد أصل العلم فمع صاحبها أصل العلم ولكنه غفل عنه كما تقدم، فعندما يتنبه له يكون العلم ماثل أمامه، والغفلة هي المعارض لعلم القلب، فان كانت هذه الغفلة عن أصل العلم ذهب علم القلب بالكلية

أما بالنسبة للكفار مثلا فهم مستيقنين بأن الله هو الخالق فكيف يتخلف عمل القلب عندهم وان كان عنده يقين جازم؟ فالكفار يوقنون علما فقط علم القلب فقط عندهم العلم دون العمل، فمعلوم ان القلوب إذا عرفت الحق وصدّقت به فلابد أن تحبه وتخضع له وتنقاد له…ولكن بشرط أن تكون خالية من المعارض. لذا قال شيخ الإسلام” وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب إلا إذا كان القلب سليما من المعارض كالحسد والكبر”. وقال أيضا “الأعمال القلبية كلها من الإيمان، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلة للمعلول” فكفار قريش وغيرهم كان عندهم قول القلب. وقد أكدّ القرآن الكريم ذلك بأساليب التوكيد المختلفة ” وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ” “يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ” ومع ذلك تخلّف اللازم وهو عمل القلب لوجود الشهوات كالحسد والكبر والعناد وحب دين الآباء والأجداد وغبر ذلك من الشهوات، فعمل القلب يتضمن قول القلب…فالحب والخضوع والاستسلام يتضمن التصديق والعلم والاعتقاد.  فقول القلب يستلزم عمل القلب بشرط السلامة من المعارض. والكبر.

وكما في قوله تعالى ” وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا” كيف ذلك جحود عمل الجوارح والإستيقان عمل القلب لماذا لم يعملوا بموجب ما استيقنوه، ونحن نقول: إذا وجد قول القلب يلزم وجود عمل القلب ومع ذلك تخلف عمل القلب هنا للشهوات كالكبر والحسد.

فهنا قال تعالى:” وَجَحَدُوا بِهَا”، والجحود يُطلق على معنيين:

الأول: حجود اللسان مع علم القلب، وهو المراد عند الإطلاق

الثانى: جحود القلب: وهو نوع من التكذيب، ولذلك يسمونه بكفر التكذيب

والجحود نوعان:

1-جحود الالتزام أو الإقرار 2-جحود الشرعية.

أولا: جحود الالتزام.

ويُسمّى بجحود الإقرار أيضا، وهو: الامتناع عن الالتزام والقبول والإذعان:

سواء كان ذلك استكبارا وعنادا، أو حسدا، أو عصبية أو غير ذلك:

وبالمثال يتضح المقال: مثل جحود إبليس، فإبليس لم يجحد الشرعية-وهو الإيجاب-أي لم يكذّب أن الله أمره بالسجود، لأن الله باشره بالخطاب، إنما ترك الامتثال للأمر استكبارا وعنادا وإباء، فلم يمتثل لأوامر الله تعالى.

ومثل جحود “أبو طالب”، فأبو طالب امتنع عن الالتزام والإذعان حمية لدينه، واستكبارا من أن تعلو استُه رأسَه

وقد بينا بتفصيل في الدرس الخامس من دروس العقيدة للمبتدئين الفرق بين قول القلب وعمل القلب ومعنى الالتزام للطاعة وامتثال الأوامر وكون ذلك عملا قلبيا، والالتزام التنفيذي وهو العمل بالجوارح ونحو ذلك فلترجعوا إليها.

ثانيا: جحود الشرعية

وهو تكذيب ما جاء به الشرع: سواء في الأخبار، أو في الأوامر والنواهي (الإيجاب والتحريم)

أولا: التكذيب في الأخبار:

مثل مَنْ يسمع أي خبر جاء في الكتاب والسنة فلا يصدقه، كمن سمع مثلا عن قصة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- فلا يصدّق ذلك، أو سمع أن الصراط أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف فلا يصدّق ذلك، أو سمع عن أشراط الساعة، أو أخبار المهدى، أو بلغه أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة فيكذّب بذلك ويقول بدخول غير المسلمين الجنة…أو غير ذلك من الأمور التي جاءت في الكتاب والسنة، فمن جحد شيئا من هذا ،فقد كفر وخرج من الملة، لأن كل خبر يبلغ العبد يُصبح التصديق به شرطا في صحة إيمانه، وعدم التصديق به يعتبر انتفاء “لقول القلب”  وهو اليقين الذي نتحدث عنه المنافي للشك، فيكون تكذيبا للشرع.

مع أن التصديق به ابتداء وقبل بلوغ الخطاب لا يُشترط لثبوت أصل الإيمان، ولذلك لا يكفر من كذّب بذلك جهلا

ثانيا: التكذيب في الأوامر والنواهي (الإيجاب أو التحريم):

مثل من يجحد وجوب الصلاة، أو الصوم، أو الزكاة، أو يجحد حرمة الزنا أو الربا أو شرب الخمر، أو غير ذلك

فهذا مُكذّب بالإيجاب والتحريم، أي عدم اعتقاد الإيجاب فيما أوجبه الله عز وجل، وعدم اعتقاد التحريم فيما حرمه الله عز وجل، وهذا أيضا كفر يُخرج من الملة.

ولكن لابد من التنبيه:

انه قد يجحد الإنسان الشرعية جهلا: فهذا لا يكفر، لعدم بلوغه الخطاب، قال شيخ الإسلام “إن الإنسان قد يكون مكذبا ومنكرا لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذّب ولم ينكر، ولم يكن قبل ذلك كافرا بل جاهلا”

وقد يجحد الإنسان الشرعية متأولا: فهذا أيضا لا يكفر، مثل قدامة بن عبد الله-وكان بدريا- فقد أباح لنفسه شرب الخمر متأولا قول الله تعالى:” ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات” على أنها تباح للمؤمنين المصلحين، ولم يكفّره الصحابة، بل ذكر شيخ الإسلام أن المتأوّل لا يكفر” وإن أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه”218/7

وعلى هامش هذه المسألة سأبين الفرق بين الاستحلال والإصْرار. وكل ذلك له علاقة بنواقض اليقين الشرعي السابق يعني ليس خروجا عن درسنا.

الفرق بين الاستحلال والإصْرار

أولا: الاستحلال:

هو اعتقاد حِلّ الشيء المحرّم، وهو نوعان:

1-استحلال الالتزام.

2-استحلال الشرعية.

أولا: استحلال الالتزام

وهو عدم الالتزام تجاه المحرّم نتيجة تخلّف عمل القلب، أي الامتناع عن قبول التحريم، فهو يعلم ما حرّمه الشرع ويصدّق بذلك، ولكنه يأبى أن ينقاد ويذعن إليه بقلبه، فيستجيز لنفسه الحرام، كمن يعترض على تحريم الربا أو الزنا أو قطع يد السارق، ويصف ذلك بالرجعية ونحو ذلك

ثانيا: استحلال الشرعية.

استحلال الشرعية هو نفسه جحود الشرعية-وقد تكلمنا عليه-وهو ينشأ من تخلف قول القلب أو علم القلب وتصديقه، وهو ثلاثة أنواع:

النوع الأول: استحلال الشرعية تكذيبا: كمن بلغه الخطاب-مثلا-أن الزنا حرام ولكنه يعتقد حِلّه لأنه حدث برضا الطرفين، أو لأنه حرية شخصية

النوع الثاني: استحلال الشرعية جهلا: أي لعدم بلوغه الخطاب، كمن يعتقد حِلّ الربا، أو نكاح المحارم، أو غير ذلك، فهذا لا يكفر، قال شيخ الإسلام رحمه الله” ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث عهد بالإسلام، فأنكر شيئا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول”407/11، وسيأتي قراءة كلام ابن تيمية في ذلك فهو مهم

النوع الثالث: استحلال الشرعية متأولا: وهذا لا يكفر أيضا، كما حدث مع “قدامة بن عبد الله”، وقد تكلمنا عن ذلك.

إذن نحن بينا الاستحلال وأنواع استحلال الالتزام واستحلال الشرعية.

ثانيا: الإصرار.

الإصرار: هو العزم على العودة على المعصية، والبقاء عليها، وعدم التوبة منها، لضعف نفسه، وغلبة شهوته، مع إيمان المُصِرّ بالتحريم، أي اعتقاده حرمة المعصية، واعترافه بالذنب والتقصير.

فهذا قد جمع بين أداء الواجب: وهو الإيمان بالتحريم…وبين فعل المحرم: وهو الإصرار على المعصية

ولذلك فالمصِرّ لا يكفر ولكنه معرض للوعيد، أي في المشيئة، ولشيخ الإسلام كلام رائع-لا مزيد عليه- في مجموع الفتاةى90/20 سيأتي بيانه بإذن الله.

لماذا ذكرت كل ذلك:

أولا: له تعلق بموضوعنا وكون اليقين شرط صحة من شروط أصل الايمان ومن ثم شرط من شروط لا إله إلا الله، وكون العلم التام أو كمال اليقين يوجب ويورث المحبة والإرادة وكمال المحبة والارادة التامة يلزم منها الخشية والاخلاص ونحوها من أعمال القلوب، فهناك تلام بين قول القلب الذي هو علم القلب وتصديقه وبين عمل القلب من محبة وإرادة وخشية ونحوها، ثم بينت كيف ينفك هذا التلازم بين علم القلب وعمل القلب، فذكرت أولا: الغفلة فهي ضد العلم التام، فهو عنده أصل العلم ولكن غفل عن تمام العلم فلم يكن العلم ماثلا أمام عينيه فلم يستحضره لغفلته، فالغفلة معارضه لعلم القلب سواء تمام وكمال العلم أو أصل العلم، إن كانت الغفلة عن أصل العلم فقد تذهب بالعلم كله، وبينت كون الشهوات كالحسد والكبر والعناد وحب الرئاسة واتباع الآباء والأجداد هي معارضه لعمل القلب، فهذا اما معارض لعلم القلب أو معارض لعمل القلب، فهذا معارض لليقين بالمفهوم الشرعي الكامل كما تقدم بيانه المكون من علم القلب وعمله والتلازم بين العلم والعمل.

ثانيا: ذكرت ذلك وخاصة الحديث عن الجحود والالتزام وبسطت فيه شيئا ما، وبينت أنواعه وعوارضه أنه قد يجحد الإنسان الشرعية متأولا فهذا لا يكفر، ونقلت كلاما لابن تيمية عن عدم تكفير المتأول “وإن أخطأ في التأويل كائنا ما كان خطؤه”، لأن هناك أحد طلبة العلم يكفر الأشاعرة عينا، ويدعو لهذا القول واقتنع به بعض الشباب ويكتبون وينشرون في كثير من المجموعات تكفير الأشاعرة بأعيانهم القدامى والمتأخرين والمعاصرين، وهذا قول خطأ من صاحبه، والأمر يحتاج لبيان وتفصيل لعلي أقوم به لاحقا.

خلاصة المعنى اللغوي والشرعي لليقين:

إذن قد بينت معنى اليقين في اللغة وفي الوحي قرآنا وسنة وهما بمعنى واحد ولكن اللغة أعم والمعنى الشرعي هو أخص وهو الايمان وان كان يدخل في المعنى اللغوي من وجوه. فاليقين بالمعنى اللغوي يجمع بين علم القلب وعمله أيضا، ولكنه عام ليس خاصا بالله تعالى، أما اليقين الشرعي المتضمن لعلم القلب وعمله هو الايمان بالله تعالى وبما أخبر به الله ورسوله قولا وعملا، فاليقين الشرعي نوع من أنواع اليقين بالمعنى اللغوي الواسع، فإن المعنى اللغوي لليقين

وهذا المعنى الشرعي لليقين المكون من علم القلب وتصديقه وعمل القلب هو الذي قصده ابن تيمية في رسالته بقول:” الْيَقِينُ ” فَهُوَ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ، وَاسْتِقْرَارُ الْعِلْمِ فِيهِ وَهُوَ مَعْنَى مَا يَقُولُونَ: ” مَاءٌ يَقَنٌ ” إذَا اسْتَقَرَّ عَنْ الْحَرَكَةِ، وَضِدُّ الْيَقِينِ الرَّيْبُ. وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحَرَكَةِ وَالِاضْطِرَابِ يُقَالُ: رَابَنِي يَرِيبُنِي وَمِنْهُ فِي الْحَدِيثِ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ فَقَالَ لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ}” المقصود عنده العلم والعمل، ويقول ابن تيمية أيضا:” وصاحب اليقين ثابت. يقال: أيقن، إذا كان مستقرا، واليقين: استقرار إيمان في القلب علما وعملا، فقد يكون علم العبد جيدا، لكن نفسه لا تصبر عند المصائب بل تطيش”. فاليقين علم القلب وعمله.

وتحديد اليقين أنه استقرار العلم في القلب، وطمأنينة القلب وسكونه، يدل على أن اليقين من أفعال القلب، فأفعال القلب تشتمل على القول والعمل، قول القلب من تصديق ومعرفة وعلم واقرار واعتقاد، وعمل القلب وما ينتج عنه من زيادة اليقين من استقرار وطمأنينة القلب، فكلما زادت الخشية وما تتضمنها من تواضع وذل وطمأنينة وسكينة للقلب زاد اليقين، وبوجود علم القلب وعمل يوجب ذلك وجود أعمال الجوارح كما سيأتي في عملية التلازم بين الظاهر والباطن. وقد أشرت لها في آخر درس من دروس العقيدة للمبتدئين.

ويقول ابن القيم أيضا عن اليقين الشرعي الكامل علما وعملا:” وَقَالَ الْجُنَيْدُ: اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يتحول ولا يتغير في القلب.”  نفس الأمر استقرار العلم فيه، ولا استقرار في النفس والقلب إلا بما تسكن إليها وتطمئن، فهو علم القلب وعمله.

وفي نفس المعنى يقول ابن الجوزي:” اليقين ما حصلت به الثقة وثلج به الصدر”. وثلج به الصدر، أي اطمأن وسكن به القلب، وهذا من أفعال وأعمال القلوب، وليس علما مجردا عن عمل القلب، لأنه يوجد تلازم لا ينفك عن علم القلب وعمله، لابد من تفاعل القلب، أي التلازم بين علم القلب وعمله.

ويقول الكفوي:” وقيل: عبارة عن العلم المستقر في القلب لثبوته من سبب متعين له بحيث لا يقبل الانهدام”. ولن يكون العلم مستقرا في القلب ثابتا فيه إلا مع سكون القلب وطمأنينته، واستقرار العلم هو في العلم التام الموجب لعمل القلب كما تقدم.

ويقول السعدي في كون اليقين هو العلم الموجب للعمل والدافع له: ” اليقين هو العلم التام الذي ليس في أدنى شك الموجب للعمل”

إذن المنهج العلمي الإسلامي منهج يطلب اليقين النفسي (عمل القلب) واليقين العلمي (علم القلب وتصديقه)، لأنه منهج يقود إلى العلم للعمل. لا يقوم على النظرية البحثة أو العبادة العقلية، كما هو شأن عند الفلاسفة يوصف الواحد منهم بالإيمان بمجرد إقراره بالربوبية دون أن يتجه قصده وعمله وحركته في الحياة إلى الله تعالى.

فإن كان المتكلمون والفلاسفة لم ينظروا لليقين إلا في جانبه العلمي العقلي، وظهرا ذلك في منهجهم في الحياة فقالوا: اليقين هو سكون الفهم مع ثبات القضية ببرهان.

وقف في الجانب الآخر من لا يعرفون من اليقين إلا اليقين النفسي القلبي وهم المتصوفة فقالوا: اليقين هو المشاهدة، ومنهم من قال: هو المكاشفة إلا أن بعض محققيهم من كبار العباد كذي النون قد اقترب من الحقيقة الشرعية عندما قال:” ما رأته العيون نسب إلى العلم وما علمته القلوب نسب إلى اليقين.

ولكن اليقين الشرعي فيه تلازم بين العلم والعمل كما تقدم بيانه. لذا ابن تيمية يجيب على السؤال: كيف يحصل اليقين الشرعي الكامل علما وعملا؟

وبهذا نكون قد شرحنا نصف الرسالة الثالثة لابن تيمية وهي مجموعة من الأسئلة:” مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اعْتِقَادُهُ؟ وَمَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ عِلْمُهُ؟ وَمَا هُوَ الْعِلْمُ الْمُرَغَّبُ فِيهِ؟ وَمَا هُوَ الْيَقِينُ؟ وَكَيْفَ يَحْصُلُ؟ وَمَا الْعِلْمُ بِاَللَّهِ؟

وقد شرحت الجواب على السؤال الأول: مَا الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اعْتِقَادُهُ؟، والسؤال الثاني: وَمَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ عِلْمُهُ؟، والسؤال الثالث: وَمَا هُوَ الْعِلْمُ الْمُرَغَّبُ فِيهِ؟.

وبينت السؤال الرابع وهو مَا هُوَ الْيَقِينُ؟، فبينت معنى اليقين في اللغة وفي الوحي قرآنا وسنة، وبينت كون اليقين المراد به في اللغة وفي الوحي شيء واحد وإن كان في اللغة أوسع ،وهو العلم الجازم الذي لا شك فيه ولا تردد فيه مع طمأنينة القلب وسكونها على حقيقة الشيء بمعنى علم علما لا شك فيه تطمئن إليه النفس اطمئنانا يزيل الشك ويدفع للعمل بالموقن به، فاليقين يجمع بين علم القلب والعمل بالموقن به، فيجمع بين علم القلب وعمله، فطمأنينة القلب يزيل الشك ويدفع للعمل بالموقن به، فهو علم قلبي وعمل قلبي وإذا كان العلم تاما دفع صاحبه للعمل بما أيقنه، فاستقرار العلم بالشيء إن عمل بما علم، ولن يستقر العلم ان عمل بضد ما عمل، فهذا هو المعنى اللغوي وهو نفس المعنى الشرعي، والمعنى الشرعي هو الإيمان كما سيأتي.. علم القلب “قول القلب” وعمل القلب من محبة وإرادة وإخلاص ومحبة لله عز وجل.

كيف يحصل اليقين الشرعي الكامل؟

ثم بين ابن تيمية كيفية حصول اليقين الشرعي الكامل بالمعنى السابق “أي معنى الإيمان”،

فأجاب على سؤال: كيف يحصل اليقين الشرعي الكامل؟

(المتن)

يقول ابن تيمية:” وَأَمَّا كَيْفَ يَحْصُلُ الْيَقِينُ فَبِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: تَدَبُّرُ الْقُرْآنِ. وَالثَّانِي: تَدَبُّرُ الْآيَاتِ الَّتِي يُحْدِثُهَا اللَّهُ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّهُ حَقٌّ.

وَالثَّالِثُ: الْعَمَلُ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ قَالَ تَعَالَى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} الْآيَةَ. وَأَمَّا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ: أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى اللَّهِ؛ وَأَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْعَقْلِ؛ فَتَفْسِيرُ الْآيَةِ بِذَلِكَ خَطَأٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا. فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَرَى الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةَ لِيُبَيِّنَ صِدْقَ الْآيَاتِ الْمَسْمُوعَةِ مَعَ أَنَّ شَهَادَتَهُ بِالْآيَاتِ الْمَسْمُوعَةِ كَافِيَةٌ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَدُلَّ عِبَادَهُ بِالْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ – كَمَا يَظُنُّهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يَظُنُّونَ أَنَّ دَلَالَةَ الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ الَّذِي هُوَ الرَّسُولُ، وَالْعِلْمُ بِصِدْقِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ؛ وَالْعِلْمِ بِمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ؛ وَالْعِلْمِ بِجَوَازِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ؛ وَالْعِلْمِ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ وَيُسَمُّونَ هَذِهِ الْأُصُولَ الْعَقْلِيَّاتِ؛ لِأَنَّ السَّمْعَ عِنْدَهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ ضَلَالِ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْبِدَعِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ قَرَّرَ فِيهِ التَّوْحِيدَ؛ وَالنُّبُوَّةَ؛ وَالْمُعَادَ بِالْبَرَاهِينِ الَّتِي لَا يَنْتَهِي إلَى تَحْقِيقِهَا نَظَرٌ؛ خِلَافَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَاحْتَجَّ فِيهِ بِالْأَمْثَالِ الصَّمَدِيَّةِ؛ الَّتِي هِيَ الْمَقَايِيسُ الْعَقْلِيَّةُ الْمُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَمَّا الْآيَاتُ الْمَشْهُودَةُ فَإِنَّ مَا يُشْهَدُ وَمَا يُعْلَمُ بِالتَّوَاتُرِ: مِنْ عُقُوبَاتِ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ وَمَنْ عَصَاهُمْ، وَمِنْ نَصْرِ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَقَعَ وَمَا عُلِمَ مِنْ إكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَجَعْلِ الْعَاقِبَةِ لَهُ وَانْتِقَامِهِ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ وَجَعْلِ الدَّائِرَةِ عَلَيْهِمْ: فِيهِ عِبْرَةٌ تُبَيِّنُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ؛ وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ؛ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُوَافِقُ الْقُرْآنَ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} إلَى قَوْلِهِ: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} . فَهَذَا بَيِّنُ الِاعْتِبَارِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَنَاوَلَ الِاعْتِبَارَ فِي فُرُوعِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} إلَى قَوْلِهِ: {إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} . وَأَمَّا الْعَمَلُ، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ يُثْبِتُهُ وَيُقَرِّرُهُ وَمُخَالَفَتُهُ تُضْعِفُهُ؛ بَلْ قَدْ تُذْهِبُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} الْآيَاتِ. وَقَالَ: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} الْآيَةَ.

وَأَمَّا الْعِلْمُ فَيُرَادُ بِهِ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعِلْمُ بِهِ نَفْسِهِ؛ وَبِمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ مِنْ نُعُوتِ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى. وَهَذَا الْعِلْمُ إذَا رَسَخَ فِي الْقَلْبِ أَوْجَبَ خَشْيَةَ اللَّهِ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَى طَاعَتِهِ؛ وَيُعَاقِبُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؛ كَمَا شَهِدَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْعِيَانُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَيَّانَ التيمي – أَحَدِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ – الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ بِاَللَّهِ لَيْسَ عَالِمًا بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ عَالِمًا بِاَللَّهِ، وَعَالِمٌ بِاَللَّهِ وَبِأَمْرِ اللَّهِ. فَالْعَالِمُ بِاَللَّهِ الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ وَالْعَالِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي يَعْرِفُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ. وَقَالَ رَجُلٌ لِلشَّعْبِيِّ: أَيُّهَا الْعَالِمُ فَقَالَ: إنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ. وَقَالَ – عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْمًا وَكَفَى بِالِاغْتِرَارِ بِاَللَّهِ جَهْلًا. وَالنَّوْعُ الثَّانِي يُرَادُ بِالْعِلْمِ بِاَللَّهِ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ تَرَخَّصَ فِي شَيْءٍ فَبَلَغَهُ أَنَّ أَقْوَامًا تَنَزَّهُوا عَنْهُ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أَشْيَاءَ أَتَرَخَّصُ فِيهَا وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ} وَفِي رِوَايَةٍ {وَاَللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ} فَجَعَلَ الْعِلْمَ بِهِ هُوَ الْعِلْمَ بِحُدُودِهِ. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ التَّابِعِينَ فِي صِفَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: إنْ كَانَ اللَّهُ فِي صَدْرِي لَعَظِيمًا وَإِنْ كُنْت بِذَاتِ اللَّهِ لَعَلِيمًا أَرَادَ بِذَلِكَ أَحْكَامَ اللَّهِ”

(الشرح)

كيف يحصل اليقين الشرعي الكامل؟

هل يحصل اليقين الشرعي علما وعملا بالنظر في كتب الفلسفة؟ هل بالنظر في كتب علم الكلام؟ فالكل يتفق على جنس التفكير والنظر، ولكننا نختلف مع الفلاسفة والمتكلمين في مادة التفكير التي توصلنا إلى اليقين.

عندنا المادة الموصلة إلى اليقين علما وعملا هو كتاب الله وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما يتبع ذلك من الاجماع والتواتر المعنوي ونحوها كما سنبين في أسباب اليقين الشرعي بتفصيل بإذن الله.

ونختلف أيضا مع الفلاسفة والمتكلمين في وسيلة النظر وهي الأدلة التي ننظر فيها فننظر في الأنفس وفي الآفاق، وهم اخترعوا تقسيمات ميتافيزيقية وبنوا عليها أدلتهم الكلامية والفلسفية كما بينت بعض ذلك في بيان فساد دليل الإمكان عند ابن سينا وكما سأبين فساد دليل الحدوث الكلامي بإذن الله.

فالأشياء الجالبة لليقين أي: اليقين الشرعي يحصل بثلاثة أشياء:

الأول: تدبر القرآن.

فإنه قد حوى من البراهين والأقيسة العقلية الصحيحة والآيات ما يفيد اليقين لذا هو مصدر اليقين.

الثاني: تدبر الآيات التي يحدثها في النفس والآفاق التي تبين أنه الحق.

طبعا نحن علمنا أن أصل ربوبية الله على خلقه فطري جبلي مخلوقين عليه علما وعملا، والعلم هو الإقرار بالربوبية وهي فطرة الاسلام كما في إحدى روايات حديث (كل مولود يولد على الفطرة) ثم فطرة الإسلام هو دليل علمي مركوز في أصل الخلقة “في النفس”، الله سبحانه وتعالى خلقنا وجبلنا به كما بينا في الدرس السابق من دروس العقيدة للمبتدئين، والشق الثاني وهو المحبة والإرادة وهو أصل الألوهية، هذا هو معنى اليقين “علماً وعملاً” ومن كان عنده هذا اليقين لابد أن ينضح ويورث النطق بالشهادتين، فهذا فطري جبلي. وهناك أدلة نظرية على الوجود الإلهي.

والفرق بين الدليل الفطري والدليل النظري:

 الدليل الفطري المراد به فطرة الروح، ما فطر عليه النفس والروح والعقل من المعارف التي لا تحتاج إلى الحواس الخمس ولا الوحي ولا التعليم، وأخص هذه المعارف الاقرار بالربوبية والشعور بالخالق، ومنها كون الله عاليا على خلقه فهي معرفة مركوزة في الفطرة، ووعي بذاتي أي معرفة الذات لذاتها أو معرفة النفس لنفسها وأحوالا، فالنفس مفطورة على معرفة نفسها وذاتها وأحوالها، وكل معارف مركوزة في النفس والفطرة فهي من المعارف الفطرية، فيمكن أن يقال إن المعارف الفطرية ما لا سبب لها خارج عن النفس ذاتها والعقل بذاته.

ولكن هل يصح القول بكون هذه المعارف الفطرية (دليلا) فيصح أن يطلق عليها دليل فطري؟  من جهة اللغة يصح القول كونها دليلا، لأن النفس بذاتها تدل على الله تعالى وتشعر بخالقها بذاتها، كونها مفتقرة لمن صنعها وخلقها. لأن من المعاصرين من نفي عن الفطرة كونها دليلا ظنا منه ان الدليل هو بمعنى واحد كونه يحتاج لبحث واستدلال ونظر أي الدليل القياسي هذا بالنسبة للدليل الفطري.

اما الدليل النظري يقصد به معنيان:

المعنى الأول للنظر: بمعنى الرؤية الحسية البصرية.

أي النظر: تأمل الشيء بالعين، والانتظار.

فيدخل في هذا الدليل = دليل الآيات الحسي الذي هو محل حديثنا اليوم. ويكون هذا بمعنى الكسب والنظر بالحواس الخمس في مقابل الدليل الفطري الذي هو من مكونات النفس وخلقتها، والمكون من العلم وعمل القلب..

والمعنى الثاني للنظر: بمعنى التأمل والتفكر والاستدلال.

والنظر هنا بمعنى: الفكر في الشيء، تقدِّره، وتقيسه، وقد حصر المناطقة هذا النظر في القياس المنطقي وهو قياس الشمول ولكن بطريقة منطقية وليست بالطريقة التي تحدثنا عنها، وفي التمثيل والاستقراء، وهو أوسع من ذلك فهناك قياس الأولى ونحو ذلك كما بينت بتفصيل من قبل.

ولابد من التنبيه على كون الحسيات المباشرة هي من العلوم البديهية الضرورية، وهذا العلم البديهي الضروري في مقابل العلم النظري الاستدلالي التأملي، أي في مقابل المعنى الثاني للنظر. فرؤية العالم الخارجي المباشر علم ضرري لا يمكن دفعه عن النفس ولا يحتاج إلى نظر وتأمل وتفكر وبحث ولكنه ليس من العلوم الفطرية بالمعنى الأخص الذي ذكرناه من فطرة الروح كون الذات كافية في معرفة بعض الأشياء بذاتها وكون العقل من لوازم ذاته المباديء العقلية التي لا تنفك عنه

إذا هناك علم نظري في مقابل العلم الفطري، ويدخل في المعنيان للنظر سواء نظر بالحواس أو الرؤية والبصر وسواء نظر البصيرة بالتأمل والتفكر والاستدلال.

وهناك علم بديهي ضروري في مقابل العلم النظري بالمعنى الثاني (التفكر والتأمل)، ويدخل في هذا الحسيات والمتواترات ونحوها من اليقينيات المنطقية، فهي علوم ضرورية في مقابل العلم النظري الاستدلالي التأملي بالمعنى القياسي المنطقي الشمولي…

وبناء عليه فإن النظر يطلق على شيئين:

1 – النظر في الدليل، فهناك آيات وأدلة يتم النظر فيها  سواء كان هذا الدليل حسي أو عقلي أو خبري (ومنه الوحي)

2 – والنظر بمعنى طلب الدليل، أي: البحث ابتداء عن الدليل الذي يدل على المدلول المراد. وهذا المعنى للنظر (طلب الدليل) بمعنى الاستدلال، أي: يعرف الاستدلال بالنظر الذي هو طلب الدلالة والدليل على الأشياء التي نجهلها

ومن الأدلة النظرية ولكن بالمفهوم الأول، أي: النظر في الدليل ويدخل فيه الدليل الحسي دليل الآيات وهو دليل نظري مبسوط في الأنفس والآفاق: أولا: النظر في الأنفس كما في قوله تعالى:”وفي أنفسكم أفلا تبصرون” الذاريات 21. فهذه دعوة إلى النظر والتبصر في الأنفس بأسلوب الإنكار على من ترك ذلك. بل قد صرح بعض العلماء بوجوب النظر في خلق الإنسان، آخذا من قوله تعالى”فلينظر الإنسان مم خلق” الطارق 5.

وهذه نظرة مختلفة عن النظرة القياسية عند المناطقة.

ثانيا: بالنظر في الآفاق

كما قَالَ تَعَالَى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ”

وَالضَّمِيرُ أي الهاء في أنه عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ، أي القرآن هو الحق، وَأَمَّا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُتَكَلِّمَين وَالْمُتَصَوِّفَةِ: أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى اللَّهِ؛ أي أن الله هو الحق وليس عائدا على القرآن، ويقصدون بذلك أن الله هو الحق وأن طريق معرفة الله تعالى بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْعَقْلِ؛ يعني فَتَفْسِيرُ الْآيَةِ بِذَلِكَ خَطَأٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا.

فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَرَى الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةَ لِيُبَيِّنَ صِدْقَ الْآيَاتِ الْمَسْمُوعَةِ مَعَ أَنَّ شَهَادَتَهُ بِالْآيَاتِ الْمَسْمُوعَةِ كَافِيَةٌ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَدُلَّ عِبَادَهُ بِالْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ”.

وإنما بين الله لعباده في الوحي بالبراهين العقلية القطعية التي لا مثيل لها.

ومن حكمة الله تعالى أن الناس جميعا مشتركون في مباشرة هذه الدلالة، فالإنسان هو المستدِل، وفي الوقت نفسه هو الدليل والبرهان والآية، فهذه الدلالة يعلمها الإنسان من نفسه، ويذكرها كلما تفكر في خلقه، ومن يراه من بني جنسه. كما أن في قرب هذه الدلالة من كل إنسان ما يسد بعض القصور الحاصل منه في النظر في ملكوت السماوات والأرض، حيث إن في بدن الإنسان في آثار الصنعة ما يماثل نظيره في سائر المخلوقات. لذا يقول ابن تيمية:” الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دل القرآن عليها، وهدى الناس إليها، وبينها وأرشد إليها، وهي عقلية، فإن نفس كون الإنسان حادثا بعد أن لم يكن، ومولودا ومخلوقا من نطفة، ثم من علقة، هذا لم يعلم بمجرد خبر الرسول، بل هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم، سواء أخبر به الرسول أم لم يخبر”. لكن الرسول أمر أن يُستدَل على ذلك.

(المتن)

يقول ابن تيمية: “أما كون الآيات المسموعة مجرد خبر محض فهو ما يَظُنُّهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يَظُنُّونَ أَنَّ دَلَالَةَ الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ الَّذِي هُوَ الرَّسُولُ، وَالْعِلْمُ بِصِدْقِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ؛ وَالْعِلْمِ بِمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ؛ وَالْعِلْمِ بِجَوَازِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ؛ وَالْعِلْمِ بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ وَيُسَمُّونَ هَذِهِ الْأُصُولَ الْعَقْلِيَّاتِ؛ لِأَنَّ السَّمْعَ عِنْدَهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ ضَلَالِ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْبِدَعِ،”

(الشرح)

ومعنى هذا الكلام هو استقلال العقل في الدلالة على أصول الاعتقاد عند أهل الكلام، ويقوم هذا الأصل عندهم على أمرين:

الأمر الأول: اعتبار أن دلالة النقل خبرية محضة، ليست متضمنة إلى أي براهين وعقلية ولا أقيسة عقلية.

الأمر الثاني: أن التسليم بدلالة النصوص الشرعية إنما يستند إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في الإخبار بها

وهذا أساس الإشكال عند المتكلمين في كل ما يتحدثون عنه، لذلك أولوا الأشياء أو معاني الصفات أو فوضوها وهكذا.

لأن عندهم الدلالات العقلية هي القطعيات، فإن خالفها الوحي أولوه وهذا سيأتي في تاريخ التأويل.

والجواب الإجمالي على ذلك من وجهين:

الوجه الأول: الدلالة الشرعية ، منقسمة الي دلالة شرعية خبرية محضة، ودلالة شرعية عقلية، وأن من النصوص ما يستند إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ( وهذا ما يتعلق بالحقائق الغيبية المحضة التي لا يمكن العلم بها إلا بدلالة الوحي، لكن المطالب التي يمكن أن يدل عليها العقل لابد أن يرد في النصوص ما يتضمن الدلالة العقلية عليها بحيث لا تكون خبرية محضة، وهذا ثابت باستقراء تلك المطالب، وقد بينا أمثلة كثيرة من الوحي على قياس التمثيل والشمول المساوي والأولوي فيما يتعلق بالصفات الإلهية وأفعال الله أو بالقياس الأولوي فيما يتعلق بين الخالق والمخلوق.

الوجه الثاني: القول بأن العقليات أصل النقليات = يقتضي أن دلالة النصوص الشرعية لا تقبل بمجرد ثبوت النص، بل لابد مع ذلك من إمكان دلالتها عقلا، وهذا يتناقض مع أصل التسليم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم.

وطبعا هذا جواب اجمالي، هذا إن صح أن نقول عليه إجمالي أصلاً، لأن الجواب على هذا هو كتاب درء التعارض لابن تيمية وسنقرأه بإذن الله، ولكن هذا نٌتف يسيره.

(المتن)

نكمل كلام ابن تيمية حيث يقول:” فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ قَرَّرَ فِيهِ التَّوْحِيدَ؛ وَالنُّبُوَّةَ؛ وَالْمُعَادَ بِالْبَرَاهِينِ الَّتِي لَا يَنْتَهِي إلَى تَحْقِيقِهَا نَظَرٌ؛ خِلَافَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَاحْتَجَّ فِيهِ بِالْأَمْثَالِ الصَّمَدِيَّةِ؛ الَّتِي هِيَ الْمَقَايِيسُ الْعَقْلِيَّةُ الْمُفِيدَةُ لِلْيَقِينِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.”

(الشرح)

وقد بينا ان الاحتجاج بالأدلة النقلية في أصول العقائد أمر مهم = لأن الاستدلال بمضمون الأدلة النقلية مشتمل على براهين وحجج عقلية، وحينئذ لا ينظر لأدلة السمع باعتبارها نصوصا مقدسة أو أوامر ملزمة من كلام الله ورسوله صلي الله عليه وسلم فحسب، بل ينظر إليها كقضايا مشتملة بالبراهين العقلية، ومن ثَّم يمكن الاستدلال بها على الملاحدة ونحوهم مما ينكرون الوحي، لأنها أدلة وبراهين عقلية في نفسها وليس خبر محض مقدس نسلم له فقط دون براهين عقلية وأدلة قطعية.

ثم يكمل ابن تيمية حديثه عن الآيات المشهودة التي من تدبرها حصل على اليقين في كونه هو الخالق المالك المدبر والمشرع للأوامر والنواهي، بل وصدق وعده ووعيده وكون النبي صلى الله عليه وسلم هو نبي من عند الله فيقول:” وَأَمَّا الْآيَاتُ الْمَشْهُودَةُ فَإِنَّ مَا يُشْهَدُ وَمَا يُعْلَمُ بِالتَّوَاتُرِ: مِنْ عُقُوبَاتِ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ وَمَنْ عَصَاهُمْ، وَمِنْ نَصْرِ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَقَعَ وَمَا عُلِمَ مِنْ إكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَجَعْلِ الْعَاقِبَةِ لَهُ وَانْتِقَامِهِ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ وَجَعْلِ الدَّائِرَةِ عَلَيْهِمْ: فِيهِ عِبْرَةٌ تُبَيِّنُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ؛ وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ؛ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُوَافِقُ الْقُرْآنَ.

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} إلَى قَوْلِهِ: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}.

فَهَذَا بَيِّنُ الِاعْتِبَارِ فِي أُصُولِ الدِّينِ

وَإِنْ كَانَ قَدْ تَنَاوَلَ الِاعْتِبَارَ فِي فُرُوعِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} إلَى قَوْلِهِ: {إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}. وهذا اعتبار في فروع الدين لا أصوله.

والثالث: العمل بموجب العلم.

(المتن)

فتحدث عن العمل أولا وقال:” وَأَمَّا الْعَمَلُ، فَإِنَّ الْعَمَلَ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ يُثْبِتُهُ وَيُقَرِّرُهُ وَمُخَالَفَتُهُ تُضْعِفُهُ؛ بَلْ قَدْ تُذْهِبُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} الْآيَاتِ. وَقَالَ: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} ونحوها من الآيات

(الشرح)

وهذا هو التلازم بين الظاهر والباطن، علم القلب التام وعمل القلب التام هذا يوجب العمل الظاهري من أعمال الجوارح، ومخالفة العلم بأعمال تخالفه فهذا قد يضعف العلم بل يذهبه، وهذا بينه ابن تيمية بتفصيل في مجموع الفتاوى المجلد التاسع وفي كتاب الايمان المجلد السابع كما سنقرأ بإذن الله تعالى.

(المتن)

ثُّم تحدث ثانيا عن العلم الموجِب للعمل قائلا:” وَأَمَّا الْعِلْمُ فَيُرَادُ بِهِ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ:

**أَحَدُهُمَا: الْعِلْمُ بِهِ نَفْسِهِ؛ وَبِمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ مِنْ نُعُوتِ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى. وَهَذَا الْعِلْمُ إذَا رَسَخَ فِي الْقَلْبِ أَوْجَبَ خَشْيَةَ اللَّهِ لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَى طَاعَتِهِ؛ وَيُعَاقِبُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؛ كَمَا شَهِدَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْعِيَانُ.”

(الشرح)

والعلم بالله تعالى وصفاته وكماله المطلق يورث ويوجب محبته ورادته وقصد عبادته لذا فان الصفات الإلهية والكمال الإلهي يستلزم كون الله تعالى مستحقا للعبادة، فتوحيد الصفات يستلزم لتوحيد الالوهية كما بينا في الدرس الثالث من دروس العقيدة للمبتدئين، إذن العلم الصفات الإلهية توجب توحيد الالوهية وكون الله المستحق للعبادة ، فهذا النوع الأول من العلم الذي يوجب العمل بشرط السلامة من المعارض كما بينا، والمعارض في العلم بنوعيه ـ العلم بالصفات الإلهية والعلم بالأوامر والنواهي ـ هو الشبهات، مثل شبهات الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والكلابية على الصفات الإلهية والكمال الإلهي، فهذا يؤدي إلى الغفلة عن فهم والعلم بالكمال الالهي فإن كانت الغفلة ضد العام التام، فهو عنده أصل العلم بالله وبصفاته، ولكنه غفل الان عنه فلم يحصل عنده العلم بالصفات كأنها ماثلة أمامه، وعندما يتنبه أو يتذكرها يحصل ويرجع له العلم التام كأنه أمام عينيه.

 

وإن كانت الغفلة تامة (وهي الإعراض بالكلية عن العلم بالله) فهذه الغفلة التامة أو الاعراض التام ضد أصل العلم فهنا يذهب الايمان واليقين الجازم بالكلية، وهذا كما في قوله تعالى:” إنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ” وكقوله تعالى:” أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” فهؤلاء الذين عندهم غفلة تامة أو اعراض تام وهذا يذهب اليقين والايمان بالكلية فهذا كافر، لأنه غفل عن العلم بالله ورسوله. وكقوله تعالى:” إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ”.

(المتن)

“وَالنَّوْعُ الثَّانِي يُرَادُ بِالْعِلْمِ بِاَللَّهِ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَنَّهُ تَرَخَّصَ فِي شَيْءٍ فَبَلَغَهُ أَنَّ أَقْوَامًا تَنَزَّهُوا عَنْهُ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أَشْيَاء أَتَرَخَّصُ فِيهَا وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ} وَفِي رِوَايَةٍ {وَاَللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ} فَجَعَلَ الْعِلْمَ بِهِ هُوَ الْعِلْمَ بِحُدُودِهِ. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ التَّابِعِينَ فِي صِفَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: إنْ كَانَ اللَّهُ فِي صَدْرِي لَعَظِيمًا وَإِنْ كُنْت بِذَاتِ اللَّهِ لَعَلِيمًا أَرَادَ بِذَلِكَ أَحْكَامَ اللَّهِ”

(الشرح)

فهذا العلم بالأوامر والنواهي، فعندما نقر ونصدق ونجزم بأن الله أمرنا بهذه الأوامر مثلا كالصلاة والزكاة والحج ونحوها، فيجب علينا شيئان وهما أصل اليقين:

 الأول: الإقرار بهذه الأوامر وتصديقها تصديقا جازما لا شك فيه وهذا علم القلب أو ما يطلق عليه قول القلب.

الثاني: محبة وإرادة وقصد الامتثال لهذه الأوامر والنواهي، أي التزام الطاعة الذي تحدثنا عنه في الدرس الخامس من دروس العقيدة للمبتدئين، فمن حصل له الإقرار والعلم الجازم التام والتصديق الجازم التام بهذه الأوامر وحصل عنده كمال المحبة وإرادة تامة وقصد امتثال واذعان وخضوع قلبي تام بهذه الاوامر كالصلاة مثلاً، يلزم عن هذا العلم الجازم التام والعمل القلبي التام حصولها في الخارج.

إذا اليقين علما وعملا يزيد ويتفاوت بين مراتبه الثلاثة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين كما سيأتي، *وعلم القلب يزيد بالكم بعدد المسائل التي يعلمها بعد ما كان جاهلا بها، كان لا يدري شيئا عن الملائكة وصفاتهم مثلا فهنا العلم زاد بالكم بعدد ما لم يكن يعرفه، وعلم القلب يزيد بالكيف وهو عدد الأدلة والبراهين التي تدل على هذه المسائل، فمن علم دليلا واحدا ليس في يقينه كمن علم تسع أدلة، فالثاني يقينه أزيد من الأول. وقد بينت ذلك من قبل باختصار في دورة العقيدة للمبتدئين واللقاء القادم سأفصل هذه المسألة بأمثلة عليها.

*وعمل القلب يزيد حتى يصل إلى أعلى الدرجات، وينقص حتى لا يبقى منه شيء فيكون كفرا، وهو في زيادته على ثلاث درجات 1- أصل،2-كمال واجب، كمال مستحب

فلابد لكى يدخل الإنسان في الإيمان-ويصير مسلما – أن يأتي بأصل كل عمل من أعمال القلوب، أصل الحب، أصل البغض، أصل الشكر، أصل الخوف، وأصل الإخلاص، وأصل الرجاء، ونحو ذلك من أعمال القلوب، وليس من شرط لا إله الا الله فقط القبول والاستسلام ونحوها من أعمال القلوب فقط بل كل عمل قلبي لابد يكون معك أصله، وبينهما تلازم كما سنأخذ غدا بإذن الله تعالى في شرط لا إله إلا الله.

المهم من انتفى عنده أصل أعمال القلوب يكفر، ومن أتى بالأصل وحده: فهو ظالم لنفسه مُعَرّض للوعيد. ومن زاد على الأصل وأتى بالكمال الواجب: فهو مقتصد يدخل الجنة -ابتداء -بغير حساب.  ومن ترقّى وأتى بالكمال المستحب: فهو السابق بالخيرات، يتلبط في الدرجات.

قال ابن تيمية” وطائفة تظن أن التوكل من مقامات الخاصة المتقرّبين إلى الله بالنوافل، وكذلك قولهم في أعمال القلوب وتوابعها كالحب والرجاء والخوف والشكر ونحو ذلك، وهذا ضلال مبين، بل جميع هذه الأمور فروض على الأعيان باتفاق أهل الإيمان، ومن تركها بالكلية فهو إما كافر أو منافق، ولكن الناس هم فيها كما هم في الأعمال الظاهرة، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، ونصوص الكتاب والسنة طافحة بذلك”، يقصد أعمال القلوب.

وقد بينت في الدرس الخامس من دروس العقيدة للمبتدئين أمثلة على زيادة أعمال القلوب ودرجاتها الثلاث علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين كمثال الحب والبغض والصبر ونحو ذلك.

فهذه هي وسائل تحصيل اليقين علما وعملا، وكون اليقين الذي هو الايمان اقرارا وعلما وتصديقا، وعملا وخضوعا وذلا واذعانا واستسلاما ومحبة وإرادة وقصدا يزيد وينقص وهو على درجات ثلاثة علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.

أما الفلاسفة فقد ضلوا في الالهيات = لعدم اتباعهم للنبوة، لذا فشلوا في معرفة العلاقة بين عالم الطبيعة وعالم الإله، أي العلاقة بين الله تعالى وبين العالم فاخترعوا نظرياتهم المعروفة مثل نظرية الفيض … إلى آخره.

فنحن معنا مادة الوصول لليقين، فمن يدعو للتفلسف خارج اطار النبوة فلن يصل إلى اليقين وسيظل في شك وريب وحيرة كما اعترف كثير من علماء الكلام، مثلا انتهى الرازي نفسه للكلام في مطلق الاستدلال العقلي، فقال: “أما العلوم العقلية المطلوبة بالذات، فهي محصورة في أربعة أنواع… القسم الأول: وهو معرفة الإله، وهو أشرف الأقسام، ولكن من الذي وصل إلى عتبة تلك الحضرة العالية! ومن الذي شم رائحة ذلك الجناب المقدس! فحاصل العقول ظنون وحسبانات، ومنتهى الأمر أوهام وخيالات، والذي يقرر ذلك وجوه بعضها إجمالية وبعضها تفصيلية… “، فكلامه صريح في عدم الوصول إلى المعرفة الإلهية الا الظنون والاوهام والخيالات.

فضلا عن الفلاسفة أنفسهم الذين لم يصلوا إلى اليقين في الالهيات وبدأوا يتحدثون في الطبيعيات والاخلاقيات.

ثم يأتي سلفي ويستهزأ بمن لم يقرأ في كتب الفلسفة ويتعمق فيها وكأنها هي طريق ومصدر اليقين ونصل من خلالها إلى الحقيقة. فالفلسفة ان قرأتها من باب الاطلاع على الأفكار وبيان ما بها من بطلان كان بها، ولابد من معرفة القدر الفطري المشترك والقدر النظري المانع من الوصول لليقين منها. وهذا ما نفعله في كتب ابن تيمية، نقرأ وننقد.

مراتب اليقين.

كما اليقين أنواع، فهو على مراتب مختلفة بحسب كل نوع، علم اليقين “يقين خبري” و”يقين دلالي”، وعين اليقين، يقين حسي واقعي “الادراك الحسي المباشر”، وحق اليقين “اليقين النفسي التجريبي” الشعور بالخالق ومحبته وارادته وقصد عبادته، وهو تذوق حلاوة الايمان.

ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة: حق اليقين وعلم اليقين وعين اليقين

فورد: حق اليقين” في سورة الواقعة، و “عين اليقين” و “علم اليقين ” في سورة التكاثر،

قال ابن تيمية:”

علم اليقين ما علمه بالسماع و الخبر و القياس و النظر – وهذا يوافق تعريف المتكلمين والفلاسفة لليقين- وبالتالي لا يوجب أي أعمال، إنما علم فقط.

و” عين اليقين ” ما شاهده و عاينه ببصره -وهذا يوافق تعريف المتصوفة- الذين يحصرون اليقين في أعمال القلوب فقط.

وحق اليقين ما باشره ووجده وذاقه وعرفه بالاعتبار وهذا يوافق التعريف الشرعي لليقين الكامل.

فلا يمكن أن يصل إلى حق اليقين بدون علم اليقين وعين اليقين، فالمسلم فيما يخص إيمانه بالآخرة على ثلاثة أطوار:

الطور الأول: العلم بها بواسطة خبر النبي صلى الله عليه وسلم، وما قام من الأدلة على ذلك عقلية ووجدية وغير ذلك.

الطور الثاني: رؤية ذلك في القبر أو يوم القيامة.

الطور الثالث: مباشرة ذلك يوم القيامة، فمن باشر نعيم الجنة جعلنا الله وإياكم من أهلها فقد عرفها حق اليقين.

فإذا عرفت هذا عرفت هل عندك يقين بدينك وعقيدتك ومنهجك، وأي درجة من درجات اليقين عندك؟

تفصيل مراتب اليقين.

        الأول: علم اليقين:

وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة مثلا، وتيقنهم أنها دار المتقين ومقر المؤمنين فهذه مرتبة العلم كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله، وتيقنهم صدق المخبر. وقد وقع في سورة التكاثر في قوله تعالي: “كلا لو تعلمون علم اليقين” [التكاثر:5]

وهو ثلاثة أنواع:

النوع الأول: يقين خبر: وهو سكون القلب إلى خبر المخبر، وتوثقه به، وهو نوعان:

1 – قبول ما ظهر من الحق:

وهو الذي ظهر منه سبحانه، من أوامره ونواهيه وشرعه، ودينه الذي ظهر لنا منه على ألسنة رسله، فنتلقاه بالقبول والانقياد، والإذعان والتسليم للربوبية والدخول تحت رق العبودية. وهذا كلام ابن القيم.

2 – القبول بما غاب للحق:

وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحق على لسان رسله من أمور المعاد وتفصيله، والجنة والنار، وما قبل ذلك: من الصراط والميزان والحساب، وما قبل ذلك من أمور البرزخ ونعيم القبر وعذابه. فقبول هذا كله [إيمانا وتصديقا ويقينا] وهو اليقين بحيث القلب فيه شبهة ولا شك ولا تناس، ولا غفلة عنه، فإنه إن لم يهلك يقينه أفسده وأضعفه

النوع الثاني: يقين الأدلة:

وهو فوق (يقين الجزم أو يقين الخبر)، وهو أن يقيم له (مع وثوقه بصدقه، الأدلة الدالة على ما أخبر به.

وهذا كعامة أخبار الأنبياء والتوحيد والقرآن فإنه سبحانه مع كونه أصدق الصادقين، يقيم لعبادة الأدلة والأمثال، والبراهين على صدق أخباره، فيحصل لهم اليقين من الوجهين: من جهة الخبر، ومن جهة الدليل نفسه.

النوع الثالث: يقين المكاشفة:

وهذه الدرجة الناتجة من مجموع اليقينين السابقين، بحيث يصير المخبر به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ للقلب كنسبة المرئي إلى العين وهي ما أشار إليه عامر بن عبد قيس في قوله:” لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا”. وقال بعضهم:” رأيت الجنة والنار حقيقة: قيل له: وكيف؟ قال: رأيتهما بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورؤيتي لهما بعينيه آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني، فإن بصري قد يطغى ويزيغ، بخلاف بصره” انظر المدراج (2/102)

ورغم أن هذا النوع من اليقين أي يقين المكاشفة كأني رأـيت الشيء بعينه من زيادة إيماني بصدق النبي وبصدق ما أخبر به النبي لنا، ولكنه نوع من علم اليقين.

الثاني: عين اليقين.

وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة أي: الحاصل بالمشاهدة كما قال تعالى {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}

وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموت ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان، وعلى هذه المسافة أطلق النبي لفظ “الشك “حيث قال: ” نحن أحق بالشك من إبراهيم “ومعاذ الله أن يكون هناك شك منه ولا من إبراهيم، وإنما هو عين بعد علم، وشهود بعد خبر معاينة

وعين اليقين: هو المغني بالاستدلال عن الاستدلال وعن الخبر الصادق، الاستدلال هنا هو الإدراك والشهود، أي الدليل الحسي المشاهد، أي المعاينة.

ومعنى أن عين اليقين: هو المغني بالاستدلال عن الاستدلال وعن الخبر الصادق يعني صاحبه قد استغنى عن (طلب الدليل) فإنه إنما يطلب الدليل ليحصل له العلم بالمدلول، فإذا كان المدلول مشاهدا له، وقد أدركه بنفسه، فأي حاجة إلى الاستدلال؟ = وهذا هو معنى الاستغناء عن الخبر بالعيان.

وهذه معاني جميلة جداًجداً ليست مجرد مواعظ مثلاً.

والبحث عن اليقين والوصول للحقيقة هو مطلب كل من يتحدث في الكون.

هذا هو اليقين “الإيمان بالله عز وجل علماً عملاً”

لذا كان من أقوى الأدلة على الوجود الإلهي عند من فسدت فطرته أو لتأكيد ما هو في الفطرة فنزداد بها يقينا ونصل لعين اليقين، هو الاستدلال بالمخلوقات المشاهدة التي نراها بالعين، فهي آية وعلامة على من خلقها، وهي بذاتها مفتقره لمن خلقها وأوجدها ومفتقرها في بقائها لخالقها بعد خلقها وإيجادها، وهذا يبين أهمية مرتبة عين اليقين، فنحن نرى بأنفسنا المخلوقات توجد من بعد عدم، بل ونرى أنفسنا، لذا قال” وفي أنفسِكم أفلا تبصرون ” وأيضا حثنا على النظر في الآفاق وفي الآيات المشهودة بالعين حتى نحقق “عين اليقين” لذا سنجد إن الوسائل الموصلة لليقين الشرعي علما وعملا هي هذه الآيات المشهودة في النفس وفي الآفاق، وأيضا تدبر القرآن الذي هو الآيات المسطورة التي فيها الحث على التفكر في الآيات المشهودة، كل ذلك من عين اليقين يريها الله لنا في الدنيا..

وفي هذه المرتبة عين اليقين يقول ابن القيم: ” فقوله الدرجة الثالثة مكاشفة عين لا مكاشفة علم أي متعلق هذه المكاشفة عين الحقيقة بخلاف مكاشفة العلم فإن متعلقها الصورة الذهنية المطابقة للحقيقة الخارجية فكشف العلم أن يكون مطابقا لعلومه وكشف العيان أن يصير المعلوم مشاهدا للقلب كما تشاهد العين المرئي ”

ثم ضرب ابن القيم مثالا عن كشف العيان قائلا: ” ومن ظن من القوم أن كشف العين وظهور الذات المقدسة لعيانه حقيقة فقد غلط أقبح الغلط وأحسن أحواله أن يكون صادقا ملبوسا عليه فإن هذا لم يقع في الدنيا لبشر قط وقد منع منه كليم الرحمن  وقد اختلف السلف والخلف هل حصل هذا لسيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه فالأكثرون على أنه لم ير الله سبحانه وحكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعا من الصحابة فمن ادعى كشف العيان البصري عن الحقيقة الإلهية فقد وهم وأخطأ وإن قال إنما هو كشف العيان القلبي بحيث يصير الرب سبحانه كأنه مرئي للعبد كما قال النبي اعبد الله كأنك تراه فهذا حق وهو قوة يقين ومزيد علم فقط..” مدارج السالكين (3/ 228-229- 230).

الثالث: حق اليقين.

وهي مباشرة الشيء بالإحساس به، أي: هو الحاصل بالمعايشة والحال، كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها، فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين، وفي الموقف حين نزلف ونقرب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين، وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حق اليقين.

ومباشرة المعلوم تارة يكون بالحواس الظاهرة، وتارة يكون بالقلب فلهذا قال {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه كما يباشر بالحواس ما يتعلق بها فحينئذ خالط بشاشته القلوب، ويبقى لها حق اليقين، وهذه أعلى مراتب الإيمان، وهي الصديقية التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين.

وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا فقال: إذا قال لك من تجزم بصدقه: عندي عسل أريد أن أطعمك منه فصدقته كان ذلك علم يقين، فإذا أحضره بين يديك صار ذلك عين اليقين، فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين.

السؤال: من هذا التقرير يظهر أن اليقين الحسي ” عين اليقين” غير اليقين التجريبي ” حق اليقين” أم هناك تداخل بين الحس والتجربة؟  والجواب: علم اليقين: تصديق خبري وليس حسي ولا تجريبي.

عين اليقين: هو تصديق بعد حس ومشاهدة دون مباشرة “حس”.

حق اليقين: بعد التجربة والمعاينة بالنفس فهو حس وزيادة “تذوق” كما في الإيمان أو “مباشرة ” أو “تجربة”.

ويوجد علاقة وتداخل بين التجربة والحس، اذ الحس (الواقع) حقيقة ثابتة في نفس الأمر وإدراك هذه الحقيقة الخارجية قد تحقق بالمشاهدة الحسية، فطابق ما في الاذهان ما في الاعيان لذا هو عين اليقين وليس مجرد علم يقين فقط، كما في التصديق الخبري دون رؤية حسية، أما حق اليقين هو زيادة يقين بالحقيقة الثابتة في نفس الأمر بملامستها وحسها بالنفس، كما في مثال العين (البصر واللمس)، فالتجربة زيادة يقين ولكنه في الأصل حسي.

وفي نفس المعني يقول ابن القيم: (… وهذه المرتبة هي أول مراتب اليقين وهي: علمه وتيقنه وهي: الكشَّاف المعلوم للقلب بحيث يشاهده ولا يشك فيه كانكشاف المرئي للبصر، ثم يليها المرتبة الثانية وهي: مرتبة عين اليقين ونسبتها إلى العين كنسبة الأول إلي القلب، ثم تليها المرتبة الثالثة وهي: حق اليقين، وهي: مباشرة المعلوم وإدراكه الإدراك التام، فالأولي: كعلمك بأن في هذا الوادي ماء، والثاني: كرؤيته، والثالثة: كالشرب منه).

الفرق بين علم اليقين وعين اليقين.

هو كالفرق بين الخبر الصادق “العلم” والعيان “المشاهدة”، فعلم اليقين للسمع، وعين اليقين للبصر، وفي المسند للإمام أحمد مرفوعاً “ليس الخبر كالمعاينة”. وحق اليقين فوق هذا. وهذه أمثلة تبين الفرق بينهما:

المثال الأول:

من أخبرنا أن عنده عسلا، ونحن لا نشك في صدقه، ثم 2 – أرانا إياه فازددنا يقينا، ثم 3 – ذقناه. فالأول: علم اليقين، والثاني: عين اليقين، والثالث: حق اليقين.

المثال الثاني:

علمنا الآن بالجنة والنار = علم اليقين، فإذا أزلفت الجنة في الموقف للمتقين وشاهدها الخلائق وبرزت الحجيم للغاوين، وعاينها الخلائق = هذا عين اليقين، فإذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فذلك = حق اليقين.

المثال الثالث:

الصحابي الذي أخبر بتمراته، وكان يأكلها على حاجة وجوع وفاقة إليها، فلما عاين سيوف الشهادة قام، وألقى هذه الأشياء بقوه من يداه، قال :” إنها لحياة طويلة، سماع.

اليقين في الاصطلاح.

 اليقين في الاصطلاح له معنيان:

*معنى عام ومعنى مقيد بحسب كل حقيقة:

الأول: المعنى العام لليقين:

هو الجزم وزوال الشك، إذا اليقين نوع من أنواع الإدراك فهو يعبر عن علم النفس أو علم “القلب” وهو إدراك جازم.

والتعريف العام الحديث لليقين: اعتقاد جازم عن شعور أو عن واقع أو عن حدث، أو اعتقاد جازم عن حقيقة أو عن فكرة، أو عن قناعة، واقعة، أو عن رأي لا يراودنا فيه أي شك، نحن متيقنون منه، تقول: ليست مجرد فرضيات أنها يقينيات”

فهذا التعريف العام أدخل الجزم بكل رأي، وكل شعور، وكل فكرة، وكل قناعة، وكل ادراك للحوادث، فهو عام.

يقول علاء الدين البخاري:” يقينا أي ثبوتا في ذاته من غير شك، واليقين العلم وزوال الشك” وهذا هو المعنى عند المتكلمين.

لكن هل ما اطمأننا إليه، ووثقنا به، هو كذلك في نفس الأمر أم أخطأنا في هذه الثقة كما نخطيء بثقتنا في الأشياء ويكون غير موضع لهذه الثقة؟

لذا المعنى العام لليقين يدخل فيه اليقين الذاتي أو الاعتقاد الجازم غير المطابق، ويدخل فيه الاعتقاد الجازم المطابق.

أولا: الاعتقاد الجازم المطابق:

*هو اليقين الموضوعي، أي الموافق للحقيقة بحسب طبيعتها ومصدرها، فالحقيقة الشرعية مثلا ما يوافقها يتبعها اعتقد جازم ومطابق لما جاءت به الشريعة فهو يقين موضوعي أي هو اعتقاد جازم مطابق للحقيقية الشرعية.

مثال على ذلك الله تعالى متصف بالعلم والقدرة والحكمة ونحو ذلك، فمن اعتقد كون الله متصفا بهذه الصفات اعتقادا جازما كان هذا يقينا موضوعيا لمطابقته وموافقته للوحي أي لموافقته لما أثبته الله ورسوله. وإذا أخبرنا الله تعالى بالجنة وصفاتها، وجب علينا الايمان بها، ومعنى الايمان بها هنا الإقرار بها أي العلم بها والتصديق بها والجزم بهذا العلم والتصديق فلا نشك في وجود الجنة ولا صفاتها، بل ويحصل طمأنينة وسكينة في النفس لهذا اليقين فيوجب العمل لما أيقناه، فنعمل الأعمال الصالحة حتى نحصل على الجنة ونعيمها التي أيقنا بوجودها وصفاتها من خبر الله ورسوله، فنتج عن خبر الله ورسوله وهو الحقيقة الشرعية نتج عنه يقين بما أخبرنا به وطمأنينة النفس به بل أوجب عملا بهذا اليقين الخبري أو اليقين الغيبي.

وهكذا في الحقيقة الواقعية ما يطابقها من اعتقادات جازمه فهو اعتقاد جازم مطابق للواقع أي للحقيقة الواقعية فيكون يقين حسي موضوعي. مثلا سماع المحاضرة اليوم واعتقادكم اعتقادا جازما أنكم تسمعون محمد السيد الآن، فهذا اعتقاد جازم مطابق للواقع، فهو يقين موضوعي لمطابقته لمصدره وطبيعته وهو الواقع الذي تسمعونه، وهذا العلم الجازم تطمئن به النفس وتوجب عملا وهو فتح المايك والانصات إليه حتى تفهمون ما أخبركم به، بل وقد يوجب هذا السماع محبة وإرادة لما تسمعونه ومن ثَّم يوجب عملا في الخارج، فمن اعتقد بجزم أنا ما سنأخذه في هذه المحاضرة أشياء مهمة جدا مثلا، فهذا العلم الجازم يوجب محبة وإرادة على الحرص على سماع المحاضرة ومن ثَم توجب العمل على التفرغ من أي عمل مثلا حتى أستمع إليها إن لم تسجل، وإن كانت ستسجل سأحرص على سماعها أيضا لعلمي الجازم بأهميتها، وهذا الحرص هو الإرادة والقصد وهو عمل قلبي ينتج عنه عملا في الخارج وهو سماع المحاضرة، فهذا اليقين هو يقين حسي وينتج عن الحقيقية الواقعية الحسية من سماع المحاضرة ونحو ذلك من الأمثلة حتى أسهلها على الاخوة والأخوات.

ثانيا: الاعتقاد الجازم غير المطابق: (الذي هو جهل مركب في حقيقته)

وهذا النوع من الاعتقاد الجازم غير المطابق للحقيقية بحسب مصدرها، يطلق عليه يقينا ذاتيا، فسنبين ما هو مفهوم اليقين الذاتي وسنعطي عليه أمثلة حتى نفهمه.

أولا: مفهوم اليقين الذاتي.

هو مثل جزم العامي بأشياء لا يعرف ثبوتها ولا كونها وهما أو خيالا أو حقيقة، فهو شعور داخلي لدى الفرد يجعله متأكدا من شيء ما، دونما برهان واضح أو دليل بين عليه.

إذا اليقين الذاتي “وهو يقين العوام والمثقفين بلا برهان ولا دليل، وبلا مطابقة لأي أنواع من الحقائق، فيدخل في اليقين الذاتي، كل يقين (أي اعتقاد جازم) ليس عليه برهان ولا دليل أو ليس مطابقا للحقيقة، سواء كانت حقيقة واقعية أو شرعية أو أخلاقية، ونحوها.

وكما بينا الحقيقة فإن عكس الحقيقة “المغالطة” وهي أنواع، مغالطة في الحقيقة الواقعية، ومغالطة في الحقيقة الأخلاقية، فاليقين الذي يتبع “المغالطة” ليس يقينا، فقد يتبع المغالطة في الحقيقة الواقعية، فيكون “يقينا ذاتيا” أو “جهلا مركبا”، وقد يتبع المغالطة في الحقيقة الأخلاقية فيكون “كذبا” أو “باطلا”.

 

وبالمثال يتضح المقال: لو شخص أخبرك بشيء وهذا الشيء ليس صحيحا، فهذه مغالطة أخلاقية فيكون كذبا أو باطلا، وشخص آخر قال شاهدت محمد السيد وهو شاهد أحمد، فهذه مغالطة في الحقيقة الواقعية، فالاعتقاد الجازم عن معرفته بأحمد وهو ليس محمد السيد، فهو يعتقد اعتقادا جازما أنه محمد وليس أحمد، هذا يقين ذاتي أو اعتقاد جازم غير مطابق للواقع، أو جهلا مركبا.

وهناك خلاف بين العلماء، هل مثل ذلك يسمى “يقينا ذاتيا” رغم أنه في حقيقته “مغالطة” و”كذب” أم لا يسمى ذلك لأنه مظنة الكذب والغلط والجهل؟

فأغلب العلماء على كونه يقينا ذاتيا في مقابل اليقين الموضوعي المطابق للحقيقية بحسب نوعها ومصدرها، فيدخلوه في قسم اليقيني، وبعض العلماء كالغزالي في المستصفى لم يعتبروه من اليقين أساسا بل اعتقادا جازما باطلا، أي اعتقاد جازم غير مطابق أو مغالطة أو كذبا، أو جهلا مركبا.

وفي الحقيقة الخلاف لفظي، فمن يقول بأنه يسمى “اعتقادا جازما” فهو يرجع للجزم وهو زوال الشك، وثبوت هذا المعتقد في نفسه ثبوتا لا تردد فيه ولا شك، فهو بمعنى اليقين، أي متيقنا في نفسه بهذا الاعتقاد، فلا فرق حقيقي بين القولين، فمن قال يقينا ذاتيا، يقصد به الجزم الذاتي بلا مطابقة لأي نوع من أنواع الحقائق، ومن سماه “اعتقادا جازما باطلا” فيقصد به اعتقاد يقيني خالي من الأدلة والمطابقة أيضا.

ثانيا: أمثلة على اليقين الذاتي:

المثال الأول: الشخص محدود الثقافة فهو موقن:

أولا: موقن بصحة الخبر الذي يقرأه في الجريدة، وهو لا يدري هل هذا الخبر صادق أم لا؟ وصدقة كونه مطابق للحقيقة بحسب طبيعتها

ثانيا: وموقن بصحة الإشاعة التي سمعها عن صديقة، وهو لا يدري شيئا عن صحتها من عدمها، وهل هي مطابقة للواقع أم لا؟ إذا حتى يكون اليقين موضوعي لابد يكون تابعا للحقيقة الموضوعية، فالخبر الذي يحكم بصدقه وهو غير مطابق للواقع، اليقين الناتج عنه هو يقين ذاتي، وهو في الحقيقة جهل مركب، لأن ما جزم به وأيقنه مخالف للواقع وليس علما حقيقيا.

ثالثا: الشخص محدود الثقافة فهو موقن بصحة الخرافة التي ترددت على مسامع طفولته.

المثال الثاني: من أمثلة اليقين الذاتي مثل يقين المقلد وهو ناتج عن تقليد من يحبه او يعظم علمه وليس ناتجا عن دليل وبرهان او ليس ناتجا عن اتباع الحقيقة نفسها في نفس الامر وانما ناتج عن تقليد بمن يثق فيه فقط مثل المقلد لعلماء الكلام فهو موقن بما سمعه من شبهات من أهل الكلام لا داخل العالم ولا خارجه، ولا منفصل وليس له إلا صفات معنوية عند الأشاعرة وليس له صفات عينية ثبوتية في الخارج إلى آخره من شبهات مذهبية ناتجة عن دراسة علم الكلام.

فهذا اليقين الذاتي والأحكام الصادرة عنه، هذه الأحكام مبنية على الميول والإتجاهات الشخصية والمذهبية، وصور الاعتقاد المختلفة التي ترسبت في عقله في مراحل التفكير المبكرة، لذلك من الغريب أن أكثر الناس تأكيدا ويقينا هم أشدهم جهلا.

إذن هذا اليقين الذاتي أو ما يسمى (اعتقادا جازما غير مطابقا للحق. أما اليقين المطابق للحق فهو يقين موضوعي أي هو يقين ناتج عن موافقة ومطابقة للحقيقية بحسب نوعها.

إذن قد بينا المعنى العام لليقين وكونه يدخل فيه اليقين الذاتي أو الاعتقاد الجازم غير المطابق، ويدخل فيه اليقين الموضوعي أو الاعتقاد الجازم المطابق للحقيقية بحسب مصدرها وطبيعتها.

ثانيا: المعنى الثاني لليقين: هو اليقين “الموضوعي”:

وقد بينا إن اليقين “الموضوعي” يتبع الحقيقة، وناتج عن الحقيقة، فاليقين الموضوعي ليس له مفهوما واحدا، بل له عدة مفاهيم بحسب كل حقيقة ومصدرها. أي أن اليقين الموضوعي أنواع متعددة بحسب تعدد الحقائق:

يقول مراد وهبة مثلا في أنواع اليقين بحسب الحقيقة: “1-سيكولوجيا (اليقين النفسي السيكولوجي): طمأنينة النفس لحكم تراه حقا لا ريب فيه، ويقابل الشك، وقد يذعن المرء لما هو في الواقع خطأ. وهذا النوع سنتحدث عنه تفصيلا في مبحث الحس الباطن “الشعور” أثناء قراءتنا لكتب ابن تيمية، وسنشير إليه اليوم في أنواع الحقائق…

2 – منطقيا (اليقين المنطقي): كل معرفة لا تقبل الشك.

3 – حدسي (اليقين الحدسي): كاليقين ببعض الاوليات. مثل علمنا بوجود أنفسنا وشعورنا بأحوالنا الباطنية من لذة وألم وجوع وعطش، والبديهيات الأولية، وهذا يتداخل مع اليقين النفسي ” السيكولوجي”. أو نوع منه.

4 – استدلالي (اليقين الاستدلالي): غير مباشر ينتهي إليه المرء بعد البرهنة

5 – ذاتي (اليقين الذاتي): وهو الناتج عن الآراء الشخصية وتراكمات التربية والتقليد والثقافة بلا أدلة وليس كما قال بعضهم يسلم به المرء ولا يستطيع نقله الي غيره.

6 – موضوعي (اليقين الموضوعي): هو ما يفرض نفسه على العقول كاليقين العلمي ومبرهن عليه ومطابق للحقيقية بحسب مصدرها سواء حقيقة واقعية أو شرعية أو أخلاقية”

ولكن سأكتفي ببيان نوعين من أنواع اليقين وهما اليقين الحسي والخبري:

 

أولا: اليقين الحسي “واقعي أو تجريبي”

أي: أن الحقيقية الحسية نوعان: واقعية، وتجريبية. والتجريبية نوعان: نفسية وفيزيائية.

أنواع اليقين الحسي والتجريبي:

 

أولا: اليقين التجريبي وهو نوعان: يقين فيزيائي ويقين نفسي.

إذا اليقين التجريبي: يدخل فيه اليقين الفيزيائي الناتج عن الحقيقة الفيزيائية التجريبية، ويدخل في الحقيقية التجريبية اليقين النفسي الناتج عن الحقيقية النفسية كالشعور بالخالق والشعور بأحوال النفس والوعي بالذات وبالوجود ونحوها.

وسأكتفي ببيان اليقين النفسي:

وكما بينا ان التجربة لا تتوقف على ما تفرزه تجربة مخبرية فقط بل كل ما يشعر به ويحس هو تجريبي لأن التجربة العلمية المخبرية ليست في الحقيقة إلا امتدادا للحواس.

وهو اليقين النفسي يجمع بين “عين اليقين” و”حق اليقين”: ومنه:

أ – الشعور بالخالق، فهو يقين يتبع الحقيقة “النفسية” التجريبية فهو يقين مطابق للواقع. كون الله حقيقة واقعية وما نشعر به من افتقار إليه وكونه خالقنا معينا لنا فهذه مطابقة للواقع

يقول ابن تيمية عن هذا النوع من اليقين:” وصاحب اليقين ثابت. يقال: أيقن، إذا كان مستقرا، واليقين: استقرار إيمان في القلب علما وعملا، فقد يكون علم العبد جيدا، لكن نفسه لا تصبر عند المصائب بل تطيش”، فأدخل ابن تيمية اليقين النفسي التجريبي، فهو علم وشعور بالخالق، علم جازم بكون الله هو الخالق والاقرار بربوبيته وهذا هو (علم اليقين)، وعمل وفعل القلب، وأول الأشياء الداخلة في أعمال القلوب هو محبة الله وإرادته وقصد عبادته، ولذة الايمان به، وعمل وتذوق أي “حق اليقين” بمحبة الله وارادته.

ب – الشعور بالأنا: وهو الوعي بالذات أو معرفة وجودنا والشعور بأحوالها، وهي حقيقة نفسية تجريبية نشعر بها ونحسها، وينتج عنه يقين نفسي، وهو الشعور الجازم بما نشعر به منةأحوال أنفسنا من غضب وفرح ونحوها، والشعور بأني موجود فهذا الشعور يقيني جازم لا يمكن الشك فيه ولا التردد فيه، فهو يقين نفسي.

أسباب اليقين “الباطني” السيكولوجي “النفسي” منه علم اليقين ومنه حق اليقين

الشعور بأحوال النفس وبوجود وذاتي هو “شعور تلقائي”، والشعور بالخالق “علم اليقين” والشعور بمحبة الله تعالى وارادته وقصد عبادته أي الشعور بحلاوة الايمان هو “حق اليقين” وهما أي الشعور بالخالق والعلم بالجازم بكونه الخالق وافتقارنا إليه في وجودنا وبقاءنا، والشعور بمحبته وارادته وقصد عبادته، هذه شعور إرادي ادراكي فطري جبلي أولي من ذاتيات النفس كما بينا من قبل، وهو مقتضى الوصول إلى اليقين النفسي، فهي معارف غنية عن الاكتساب ليس لها أسباب إلا الشعور بها.

فهو يقين موهبي فطري جبلي قبلي من جهة نفسه وذاته، وأسبابه فطرية جبلية، فمحبة الله وارادته وقصد عبادته جبلية فطرية، ولا محبة وإرادة الا بعد الشعور بالمحبوب المراد لذاته “الله”، والشعور أصلا جبلي فطري، وما ينتج عنه من يقين علمي وعملي فهو يقين نفسي تجريبي.

ثانيا: اليقين الحسي:

وهو اليقين الحسي يتبع الحقيقة الواقعية الحسية” الادراك الحسي المباشر” بواسطة الحواس الخمس.

واليقين الواقعي هو اليقين الحسي “المطابق للواقع” يتبع الحقيقة الواقعية، وهو ناتج عن الواقع أي ناتج عن المشاهدة الحسية لما نراه في الواقع، مثلا أنتم تسمعونني الآن وهذه حقيقة واقعية حسية تسمعونني، وينتج عن هذا يقين حسي، أي اعتقاد جازم بأن محمد السيد الآن يتكلم، فهذا الاعتقاد الجازم ناتج عن السماع والحس، لذا أسميناه يقينا حسيا، وهو نوع من أنواع اليقين الموضوعي، وبينا أن  المقصود باليقين الموضوعي هو الاعتقاد الجازم المطابق للحقيقة بحسبها، وهنا هو اعتقاد جازم مطابق للحقيقية الحسية الواقعية بأنكم تسمعونني الآن. يقول الكفوي:”هو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع. “. فهذا تعريف اليقين الموضوعي الثابت المطابق للواقع الذي لا يتغير من زمان إلى زمان ولا مكان إلى مكان بل هو ثابت لثبوت الحقيقة التي يتبعها

أسباب اليقين الحسي “عين اليقين”:

أي الوسائط والأسباب التي من خلالها نحوز على الحقيقة الواقعية، وندرك بها المتعينات في الخارج، أو ندرك بها صحة القضايا الكلية التي لها أفراد في الخارج.

1 – الحواس، وهي أعضاء الحس الخمسة، السمع والبصر والشم والتذوق واللمس، عندما نرى الأشياء في الخارج يدركها العقل ذاتيا وتلقائيا، فهي غنية عن الاكتساب وليس لها أسباب إلا الحواس الخمس. والذي يدرك ويعرف الشيء في الخارج هو العقل.

2 – قياس التمثيل، وبواسطته ندرك علاقة التماثل والاختلاف بين الأشياء، فهو سبب لحكم العقل على الأشياء بالتماثل.

3 – الاستقراء الناقص المعلل، بواسطته ندرك التشابه أو التماثل في الحكم والاختلاف بين أفراد ما نستقرأه، وهذا قائم على العقل، فالذي يعرف العلة الجامعة ويحكم بتعميمها هو العقل، وبالتالي اليقين الناتج عنه يقين حسي مطابق للواقع.

وبهذا يكون أنهينا النوع الأول من اليقين وهو اليقين الحسي أو الواقعي والتجريبي بأنواعه نفسي وفيزيائي كما تقدم.

ثانيا: اليقين الخبري أو الغيبي (الميتافيزيقي).

وهذا هو أهم الأنواع، وهو اليقين التابع للخبر الصادق “عموما” فيكون مطابقا لمخبره، والوحي من ضمن الأخبار الصادقة.

والحقيقة الشرعية أو الصدق في الشريعة هو التطابق بين المعرفة والموضوع، يعني: التطابق بين المعرفة والشيء في الواقع. وكلام الله ورسوله لا يشتمل إلا على ما هو حق صدق يقين في نفسه، مطابق للحقيقة الواقعية الوجودية، لا يقبل النقيض، فكل ما عارضه باطل بإطلاق، كما أنه لا يختلف باختلاف عقائد الناس أو علومهم، فما أخبر به الوحي موجود ممكن الإحساس والشعور به، وهذا دليل تجريبي نفسي، وكونه مطابقا للواقع فهو دليل حسي.

إذا كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مطابق للعلم الإلهي الأزلي والحكمة الإلهية كما بينا اللقاء الماضي، ومن ثم مطابقا للواقع، بل الواقع مطابقا له، وينتج عنه يقين موضوعي “يقين خبري” لأنه أنتجه الخبر الصادق. فكل ما أخبرنا الله تعالى به هي حقيقية وجودية وليست خيالات وأوهام كما يقول بعض الفلاسفة كابن سينا ونحوه، بل هي حقائق وجودية مطابقة للواقع، واعتقادنا الجازم بصدق كل ما أخبرنا الله عنه ينتج يقين جازم لا يمكن التردد ولا الشك فيه بل ويوجب اطمئنان وسكون قلبي ينتج عنه عملا كما بينا.

إذا كلام الله” الوحي” هو المنتج لليقين: أي: ” الوحي هو مصدر اليقين “.

لذا اسميناه يقين خبري أو يقين غيبي لأن الوحي تخبرنا بالغيبيات وهو مصدر الغيبيات قطعية الدلالة.

عندما نؤمن في الحقائق التي أوحاها الله إلينا فلأننا نعلم أنه بكل شيء عليم و أنه يمتنع أن يغلطنا. فسبب الاعتقاد الجازم الذي نسميه “اليقين”، السبب الأول: علم الله. السبب الثاني: صدقه سبحانه.

فعندما تكون شهادة الله تعالى شاهد ثابتة صادقة لما يقوله أو ينزله يجب أن يكون عالما به صادقا في الإخبار عنه، والشاهد هنا هو الله: “شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”[آل عمران] ومعلوم إن العلم لازم لخلقه أي لكونه هو الخالق فالخلق يلزم منه أن يكون عالما، والصدق لازم لعلمه وسائر صفاته، فمن كان عالما فهو صادقا بما يخبرنا به.

إذا كلام الله يتضمن كل الشروط لإنتاج اليقين. {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء] {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب]،” إنَّ أصدق الكلام كلام الله”.

وهذا اليقين موهبي فطري جبلي، وأسبابه فطريه جبلية، فكون الله بكل شيء عليم، وكونه صادقا، هذا فطري جبلي غير مكتسب. ومعلوم أن العلم والحقيقة هما من صفات الله، فتصديقنا يرتكز ومدعوم على صفات الله لهذا هو يقين غيبي “ميتافيزيقي”. لذا نؤمن بالغيب: “إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ” [يس].

أسباب اليقين الخبري أو الغيبي “علم اليقين”:

قد بينا ان هذا اليقين موهبي من جهة نفسه وذاته، وكسبي من جهة أسبابه. أي الله تعالى هو الذي يهب النفس والقلب هذا اليقين ويقذفه في القلب والنفس وان كان له أسباب معينه لابد منها حتى يحصل هذا اليقين في النفس.

أما كيفية حصول اليقين، فهو حاصل بمطابقة العلم الإلهي.

فان اليقين الخبري أو الدلالة الشرعي “الميتافيزيقي”، يتبع الحقيقة الشرعية، أي هو الناتج عن الحقيقة الشرعية، ومعيار الحقيقة الشرعية “الوجودية الميتافيزيقة ” موافقة ما جاءت به الشريعة، أي مطابقة كلام الله للعلم الإلهي، ووسائل الوصول إلى هذه المطابقة حتى ينتج اليقين الموضوعي، لابد من معرفة قطعية الدلالة للمعاني الشرعية على معنى واحد لا يحتمل غيره، فيحصل من خلالها اليقين والجزم، مع عدم التردد ولا الظن، والدلالة الواحدة غير المحتملة، تعرف من خلال عدة وسائل، وهي ما نطلق عليها:

أسباب اليقين الاستدلالي الخبري” علم اليقين” وهي:

أولا: النظر في الأدلة الدالة على ما أخبر به هذا الصادق، وهذه مرتبة أعلى وثوقا بصدقه.

وهذا يدل على أن علم اليقين متفاوت ويزيد بزيادة العلم بالأدلة الدالة على ما أخبر به هذا الصادق (المخبر بالشيء)، فزيادة العلم هي من يقين الأدلة وزيادة معرفتنا به.

ثانيا: تواتر هذا الخبر.

فإن كان الخبر متواتر من جهة المعنى واللفظ فهو يفيد اليقين والمعنى لا يحتمل غيره.

ثالثا: السياق.

له وظيفة في تحديد المعنى المعين وتعينه، للدلالة، وللمعنى الواحد الذي لا يحتمل غيره، ومن ثم القطع به، فهو من أسباب انتاج اليقين، فعندما تعرف أن هذا هو المعنى المراد ولا يحتمل النص غيره، يحصل وينتج اليقين والجزم والسكون واطمئنان النفس فلا يمكن أن يشك فيه ولا يظن فيه، وها العلم الجازم وطمأنينة النفس به يوجب العمل بهذا الموقن به إن كان له آثار عملية ولوازم عملية. كإخبار الله لنا بالصلاة، فهذا الخبر من الله صادق لابد من الاعتقاد الجازم به وهذا الاعتقاد الجازم يلزم من طمأنينة القلب وسكونه ومحبة وإرادة هذه الصلاة، فينتج عنها عمل الصلاة في الخارج.

رابعا: الاجماع.

أي الاجماع على معنى معين فهو يفين القطع الدلالي لهذا المعنى ولا يحتمل غيره ويدخل فيه فهم السلف على معنى معين وتواتره عنهم.

ويدخل فيها النصوص المتواترة على معنى معين، فمجموع هذه النصوص المتواترة على هذا المعنى المعين تحدده وتعينه ولا تجعله محتمل إلى غيره البتة فيكون قطعيا الدلالة عليه ومن ثَّم يفيد العلم واليقين به، وبالتالي كونه قطعيا لا يعارض به أي أدلة عقلية كانت أو خبرية غيره.

كما بينا في أدلة العلو، دلالتها قطعية فلا يمكن معارضتها.

خامسا: إن كان الخبر آحادا.

ولكن يعضده قرائن تجعله يرتقي من الظن إلى اليقين، وهذه القرائن متصلة ومنفصلة. فينتج عنه اليقين بمضمون هذا الخبر وتطمئن إليه النفس وتوجب العمل بما أيقناه.

ومعلون أن الخبر المجرد لا يكون صدقا ولا كذبا إلا بقرائن تدل على الصدق أو الكذب، لأن كما بينا كون الحكم على الخبر بالصدق يعني كونه مطابقا للحقيقة بحسب مصدرها ان كانت حقيقة شرعية فحكمنا بالصدق يساوي كونها مطابقة للوحي، أي قالها الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ومطابقتها للوحي تعني مطابقتها للعلم الإلهي، فحتى نحكم بصدق خبر لابد من معرفة صدقه، فبين الوسائل التي تدل على كون الخبر صدقا أو كذبا، ومن ثم لابد تكون دلالتها قطعية لا تحتمل عدة معاني حتى تفيد اليقين.

وقد يعلم صدق الخبر الواحد بأنواع من الدلائل تدل على صدقه ويعلم صدق خبر الواحد بقرائن تقترن بخبره يعلم بها صدقه وتلك الدلائل والقرائن أنواع منها:

أولها: قد تكون صفات في المُخبِر من علمه ودينه وتحريه الصدق بحيث يعلم قطعا أنه لا يتعمد الكذب

كما يعلم علماء أهل الحديث قطعا أن ابن عمر وعائشة وأبا سعيد وجابر بن عبد الله وأمثالهم لم يكونوا يتعمدون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأمثالهم بل يعلمون علما يقينيا أن الثوري ومالكا وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل والبخاري وأبا زرعة وأبا داود وأمثالهم لا يتعمدون الكذب في الحديث

ثانيا: قد تكون الدلائل أو القرائن صفات في المُخبَر به:

وهي مختصة بهذا الخبر أو بنوعه فنعلم بهذه الصفات الخاصة بهذا الخبر أن ذلك المُخبِر لا يكذب.

مثل ذلك نائب الرئيس إذا قال في وجود الرئيس نفسه للأمن أن الرئيس قال ان غدا إجازة من العمل، فهم يعلمون قطعا أنه لا يتعمد الكذب في مثل هذا وإن لم يكن الرئيس موجودا أصلا لم يتعمد الكذب فكيف إذا كان موجودا.

ثالثا: قد تكون الدلائل صفات فيه تقترن بخبره:

فإن الإنسان قد يرى حمرة وجهه فيميز بين حمرته من الخجل والحياء وبين حمرته من الحمى وزيادة ضغط الدم وبين حمرته من الغضب وكذلك يميز بين صفرته من الفزع والوجل وبين صفرته من الحزن والخوف وبين صفرته من المرض فكما أن صفات وجه الانسان نعرف بها أحوال بدنه الطبيعية من أمراض ونحو ذلك حتى الطبيب الحذاق يعلم حال المريض من صفات وجهه.

وكذلك نعرف أحوال الانسان النفسية هل هو فرحان أو حزين ويعلم هل هو محب لصديقه ويحب الخير له، هذه كلها قرائن الحال.

ثم إذا تكلم مع ذلك دل كلامه على أبلغ مما يدل عليه صفات وجهه فيعلم أنه كاذب أو صادق من قوله فتكون القرائن بصفات الوجه وفلتات اللسان أيضا.

ومعرفة هذه الأساليب والوسائل في معرفة صدق الخبر من كذبه مهمه في بيان الحقيقة، ومن ثم اليقين التابع لها، فلا يحصل اليقين ويكون موضوعيا إلا بمطابقته للحقيقة بحسب مصدرها، فالأخبار الصادقة يحصل بها اليقين الموضوعي المطابق للحقيقة، لأنه لن يكون صدقا إلا بعد مطابقته للحقيقة فيحصل اليقين الموضوعي من هذه الاخبار الصادقة كونها مطابقة للحقيقة.

الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية وعلاقتها باليقين:

واليقين لا يكون تابعا ولا ناتجا الا عن الحقائق المطلقة، واليقين هو نوع واحد لا ينقسم إلى يقين مطلق ويقين نسبي، لأن اليقين زوال الشك وعدم التردد مع الجزم.

اما النسبي فهو المحتمل لمعاني لا جزم فيه، بل من خصائصه وصفاته المميزة له التردد والاحتمال، حتى في أفضل أحواله الظن الغالب، فيبقى التردد وعدم القطع، وإذا قطعنا به وجزمنا وزال التردد والشك فهو يقين.

ولكنه على مراتب “علم اليقين” وهو أصل اليقين الحد الأدنى الذي إذا زال زال اليقين وأصبح في مرتبة التردد أو الشك أو الظن أو الظن الغالب، لكنه يبقى فيه جزء احتمال،

و”عين اليقين” هي المرتبة الأعلى من العلم، لأنها بمثابة الرؤية الحسية،

و”حق اليقين” هي درجة أعلى من الرؤية، بل هي “تجريبية” وليست حسية فقط، مثل تذوق حلاوة الإيمان، وقد سبق تفصيلها.

ويمكن أن يكون الظن أو الظن الغالب يقين، ووسيلة تحويلة إلى اليقين في اليقين الدلالي، وجود قرائن ودلائل تقوي بعضها فتحول ظن النفس والقلب إلى يقين جازم لا شك فيه ولا تردد.

..وفي اليقين الخبري، قد يكون الخبر مجردا، والخبر المجرد هو حقيقة نسبية، ويتحول إلى حقيقة مطلقة عندما يكون الخبر صادقا مطابقا للواقع، فيكون الخبر مقرونا بالقرائن فيتحول من الحقيقة النسبية الى الحقيقة المطلقة وبالتالي سينتج عنه بوجود القرائن المنفصلة والمتصلة يقين دلالي وقطع بصدق هذا الخبر.

والتابع للحقيقة النسبية الظن أو الظن الغالب بحسب الأدلة مع وجود قدر من الاحتمال والتردد وعدم القطع.

وطبعاً التأويل والتفويض من النسبيات فليس هو من الحقائق المطلقة ولا ينتج عنه يقين، والوحي دلالته على الصفات الإلهية قطعية وبالتالي ينتج عنه يقين.

وبهذا يكون أنهينا الحديث عن اليقين، ثم ذكر ابن تيمية كلاما عن الذات الإلهية.

الذات الإلهية.

(المتن)

يقول ابن تيمية:” فَإِنَّ لَفْظَ الذَّاتِ فِي لُغَتِهِمْ لَمْ يَكُنْ كَلَفْظِ الذَّاتِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ بَلْ يُرَادُ بِهِ مَا يُضَافُ إلَى اللَّهِ كَمَا قَالَ خبيب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: {لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ إلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ كُلُّهَا فِي ذَاتِ اللَّهِ} . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَإِنَّ ذَاتَ تَأْنِيثُ (ذُو) وَهُوَ يُسْتَعْمَلُ مُضَافًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْوَصْفِ بِالْأَجْنَاسِ فَإِذَا كَانَ الْمَوْصُوفُ مُذَكَّرًا قِيلَ ذُو كَذَا؛ وَإِنْ كَانَ مُؤَنَّثًا قِيلَ ذَاتُ كَذَا كَمَا يُقَالُ ذَاتُ سِوَارٍ. فَإِنْ قِيلَ أُصِيبَ فُلَانٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ فَالْمَعْنَى فِي جِهَتِهِ وَوُجْهَتِهِ: أَيْ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَأَحَبَّهُ؛ وَلِأَجْلِهِ. ثُمَّ إنَّ الصِّفَاتِ لَمَّا كَانَتْ مُضَافَةً إلَى النَّفْسِ فَيُقَالُ فِي النَّفْسِ أَيْضًا إنَّهَا ذَاتُ عِلْمٍ وَقُدْرَةٍ وَكَلَامٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ حَذَفُوا الْإِضَافَةَ وَعَرَّفُوهَا فَقَالُوا: الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ أَيْ النَّفْسُ الْمَوْصُوفَةُ فَإِذَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُؤَكِّدُونَ ” الذَّاتُ ” فَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِهِ النَّفْسَ الْحَقِيقِيَّةَ؛ الَّتِي لَهَا وَصْفٌ وَلَهَا صِفَاتٌ. وَالصِّفَةُ وَالْوَصْفُ تَارَةً يُرَادُ بِهِ الْكَلَامُ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ الْمَوْصُوفُ؛ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ فِي {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أُحِبُّهَا لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَتَارَةً يُرَادُ بِهِ الْمَعَانِي الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكَلَامُ: كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. وَالْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُمْ تُنْكِرُ هَذِهِ وَتَقُولُ: إنَّمَا الصِّفَاتُ مُجَرَّدُ الْعِبَارَةِ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْمَوْصُوفِ. والْكُلَّابِيَة وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الصفاتية قَدْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْوَصْفِ فَيَجْعَلُونَ الْوَصْفَ هُوَ الْقَوْلَ؛ وَالصِّفَةَ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالْمَوْصُوفِ. وَأَمَّا جَمَاهِيرُ النَّاسِ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ لَفْظِ الصِّفَةِ وَالْوَصْفِ مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ؛ كَالْوَعْدِ وَالْعِدَةِ؛ وَالْوَزْنِ وَالزِّنَةِ؛ وَأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ تَارَةً هَذَا؛ وَتَارَةً هَذَا. وَلَمَّا كَانَ أُولَئِكَ الْجَهْمِيَّة يَنْفُونَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَصْفٌ قَائِمٌ بِهِ: عِلْمٌ أَوْ قُدْرَةٌ؛ أَوْ إرَادَةٌ أَوْ كَلَامٌ – وَقَدْ أَثْبَتَهَا الْمُسْلِمُونَ – صَارُوا يَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا صِفَاتٍ زَائِدَةً عَلَى الذَّاتِ. وَقَدْ صَارَ طَائِفَةٌ مِنْ مُنَاظِرِيهِمْ الصفاتية يُوَافِقُونَهُمْ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ وَيَقُولُونَ: الصِّفَاتُ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ الَّتِي وَصَفُوا – لَهَا صِفَاتٌ وَوَصْفٌ – فَيُشْعِرُونَ النَّاسَ أَنَّ هُنَاكَ ذَاتًا مُتَمَيِّزَةً عَنْ الصِّفَاتِ وَأَنَّ لَهَا صِفَاتٍ مُتَمَيِّزَةً عَنْ الذَّاتِ. وَيُشَنِّعُ نفاة الصِّفَاتِ بِشَنَاعَاتِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الذَّاتَ الْمَوْصُوفَةَ لَا تَنْفَكُّ عَنْ الصِّفَاتِ أَصْلًا وَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ ذَاتٍ خَالِيَةٍ عَنْ الصِّفَاتِ. فَدَعْوَى الْمُدَّعِي وُجُودُ حَيٍّ عَلِيمٍ قَدِيرٍ بَصِيرٍ بِلَا حَيَاةٍ وَلَا عِلْمٍ وَلَا قُدْرَةٍ؛ كَدَعْوَى قُدْرَةٍ وَعِلْمٍ وَحَيَاةٍ لَا يَكُونُ الْمَوْصُوفُ بِهَا حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا بَلْ دَعْوَى شَيْءٍ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ قَدِيمٍ أَوْ مُحْدَثٍ عَرِيَ عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ. وَلَكِنَّ الْجَهْمِيَّة الْمُعْتَزِلَةَ وَغَيْرَهُمْ؛ لَمَّا أَثْبَتُوا ذَاتًا مُجَرَّدَةً عَنْ الصِّفَاتِ صَارَ مُنَاظِرُهُمْ يَقُولُ: أَنَا أُثْبِتُ الصِّفَاتِ زَائِدَةً عَلَى مَا أَثْبَتُّمُوهُ مِنْ الذَّاتِ؛ أَيْ لَا أَقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ إثْبَاتِ ذَاتٍ بِلَا صِفَاتٍ. وَلَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ ذَاتٌ ثَابِتَةٌ بِنَفْسِهَا؛ وَلَا مَعَ ذَلِكَ صِفَاتٌ هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى هَذِهِ الذَّاتِ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ الذَّاتِ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: الصِّفَاتُ غَيْرُ الذَّاتِ. كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ؛ والكَرَّامِيَة؛ ثُمَّ الْمُعْتَزِلَةُ تَنْفِيهَا: والكَرَّامِيَة تُثْبِتُهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الصِّفَةُ لَا هِيَ الْمَوْصُوفُ وَلَا هِيَ غَيْرُهُ. كَمَا يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ الصفاتية كَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ كَمَا قَالَتْ الْأَئِمَّةُ: لَا نَقُولُ الصِّفَةُ هِيَ الْمَوْصُوفُ؛ وَلَا نَقُولُ: هِيَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّا لَا نَقُولُ: لَا هِيَ هُوَ؛ وَلَا هِيَ غَيْرُهُ فَإِنَّ لَفْظَ الْغَيْرِ فِيهِ إجْمَالٌ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْمُبَايِنُ لِلشَّيْءِ أَوْ مَا قَارَنَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؛ وَمَا قَارَبَهُ بِوُجُودِ أَوْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ؛ وَيُرَادُ بِالْغَيْرِ: أَنَّ مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْآخَرِ.

وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَيْسَتْ الصِّفَةُ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ وَلَا بَعْضُ الْجُمْلَةِ غَيْرَهَا. وَعَلَى الثَّانِي فَالصِّفَةُ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وَبَعْضُ الْجُمْلَةِ غَيْرُهَا. فَامْتَنَعَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ الْغَيْرِ عَلَى الصِّفَةِ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِجْمَالِ وَالتَّلْبِيسِ؛ حَيْثُ صَارَ الجهمي يَقُولُ: الْقُرْآنُ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُ اللَّهِ، فَتَارَةً يُعَارِضُونَهُ بِعِلْمِهِ فَيَقُولُونَ: عِلْمُ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُهُ؛ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُثْبِتُ الْعِلْمَ؛ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ نَفْيُهُ. وَتَارَةً يُحِلُّونَ الشُّبْهَةَ وَيُثْبِتُونَ خَطَأَ الْإِطْلَاقَيْنِ: النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّلْبِيسِ بَلْ يَسْتَفْصِلُ السَّائِلُ فَيُقَالُ لَهُ: إنْ أَرَدْت بِالْغَيْرِ مَا يُبَايِنُ الْمَوْصُوفَ فَالصِّفَةُ لَا تُبَايِنُهُ؛ فَلَيْسَتْ غَيْرَهُ. وَإِنْ أَرَدْت بِالْغَيْرِ مَا يُمْكِنُ فَهْمُ الْمَوْصُوفِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَهُوَ غَيْرُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.”

(الشرح)

وهنا الحديث عن لفظ “الذات”، له عدة معان في اللغة، وله معاني في الاصطلاح.

أولا: الذات في اللغة له عدة معان:

*المعنى الأول: بمعنى “صاحبه” كما لو قلت تزوجت امرأة ذات علم، أي: صاحبة علم، فهذه “ذات” مؤنث ذو “الذي” بمعنى صاحب، فيكون ألفها مبدلة عن الواو، “أي أصل ذات وهي مؤنث لذو، فيكون الالف في ذات مبدلة عن الواو في ذو، وعلى هذا المعنى وقعت (ذات) مضافة إلى الجهات والأزمان مثل ذات ليلة، وذات صباح.

فهذا المعنى إذا كان لمذكر قيل: ذو علم مثلا أو ذو كذا، وإن كان لمؤنث قيل: ذات كذا ذات علم أو ذات سوار.

وهذا المعنى جاء في الكتاب والسنة وفي اللغة مقرونا بالإضافة، كقوله:” وأصلحوا ذاتَ بينِكُم”، وقوله تعالى:” عليم بذات الصدور”، وقول خبيب الذي في صحيح البخاري:

وذلك في ذات الإله وإن يشأ             يبارك على أوصال شلو ممزع.

فاسم الذات في كلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وفي اللغة المحضة بهذا المعنى.

*المعنى الثاني: بمعنى (التي) وهي عند طيء نسبة لجبل طيء يجعلون الذات بمعنى (التي)، ويجعلون ذو بمعنى (الذي).

*المعنى الثالث: تأتي بمعنى (جهة) كما قلنا: تضاف إلى الجهات، فنقول: ذات اليمين، وذات الشمال. وكما قيل: أصيب فلان في ذات الله فالمعنى في جهته ووجهته، أي فيما أمر به وأحبه ولأجله.

*المعنى الرابع: زائدة للتوكيد، يسمى توكيد التنكير، مثل: أتينا مكة ذات يوم فوجدنا المسجد خفيفا، فقول “ذات يوم” هذا زائد، فلو قلنا: أتينا مكة يوما فوجدنا المسجد خفيفا لاستقام الكلام، وهذا يوجد في الحديث، مثل: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ذات ليلة، وهكذا.

**ثانيا: المعنى الاصطلاحي لكلمة الذات**

أطلقه المتكلمون على النفس فإنهم لما وجدوا الله في القرآن قال:” تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ” [المائدة:116]، ويقول: ” وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ” [آل عمران:28]، فوصفوا النفس فقالوا: نفس ذات علم، وقدرة ورحمة ومشيئة ونحو ذلك، ثم حذفوا الموصوف (أي العلم والقدرة والرحمة والمشيئة ونحو ذلك) وعرَّفوا الصفة فقالوا: الذات وهي كلمة مولدة ليست من العربية في شيء.

فهذا عندهم لفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها، فأطلق بإزاء النفس حتى يجعلوا لفظ الذات مجردة عن الصفات. فالجهمية ومن تبعهم من المعتزلة ونحوهم ينفون أن يكون لله وصف قائم به علم أو قدرة أو إرادة، وانما الذات الموصوفة، أي النفس الموصوفة، فإذا قال هؤلاء المؤكدون: “الذات” فإنما يعنون بها الذات الحقيقة التي لها وصف ولها صفات. فلا يوجد في الواقع الفعلي الخارجي ذات بدون صفات ولا صفات بدون ذات، أما هذا فهو تقسيم بياني ذهني للتوضيح.

والذات التي هي موصوفة بصفات تميزها عن الموجودات، ولها من الخصائص الوجودية أو الصفات الثابتة لها التي تجعلها متصفة بكل صفات الكمال هذا هو المقصود بالذات عند أهل السنة والجماعة.

لذا قال ابن تيمية:” والتحقيق أن الذات الموصوفة لا تنفك عن الصفات أصلا، ولا يمكن وجود ذات خالية عن الصفات” وهنا الحديث عن العلاقة بين الذات والصفات في الخارج، علاقة تلازميه “شرطية”، فالصفات ملازمة لذاته سبحانه لا تنفك عنها، فالصفات ليست هي نفس الذات، وليست غير الذات، بل هي ملازمة للذات، ولا يعقل وجود أحدهما دون الآخر.

وأما الذات المجردة عن أي شيء (عن الصفات) فهي لا توجد إلا في عقول نفاة الصفات، فالذات لا تكون موجودة حقيقة إلا بصفاتها اللازمة لها، أي أن الصفات ليست زائدة عليها ولا هي غيرها، وفي هذا يقول ابن تيمية:” وإذا قال من قال من أهل الإثبات للصفات: (وأنا أثبت صفات لله زائدة على ذاته)، فحقيقة ذلك أنا نثبتها زائدة على ما أثبتها النفاة من الذات، فإن النفاة اعتقدوا ثبوت ذات مجردة عن الصفات، فقال أهل الإثبات: نحن نقول بإثبات صفات زائدة على ما أثبته هؤلاء.

وأما الذات نفسها الموجودة فتلك لا يتصور أن تتحقق بلا صفة أصلا، بل هذا بمنزلة من قال: أثبت إنسانا لا حيوانا، ولا ناطقا، ولا قائما، ولا غيره، ولا له قدرة، ولا حياة، ولا حركة، ولا سكون أو نحو ذلك”.

ملخص مسألة هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟

أولا: فإن أريد بها الذات الموجودة خارج الذهن فتلك مستلزمه لصفاتها لأنه يمتنع وجود ذات في الخارج بدون تلك الصفات فلا يتصور أن يقال: هي زائدة أو ليست زائدة

فيستحيل عقلا وعلما وجود ذات دون صفات، ولا صفات دون ذات. فأي موجود فهو بالضرورة له صفات تناسبه، والذي ليس له وجود هو المعدوم فقط، لأنه غير موجود. وبما أن الأمر هكذا فإن الصفات تابعة للذات وجودا وعدما، طبيعة وخصائص، ولا مبرر للتركيز على حكاية أن الصفات للذات، وليست زائدة على الذات، وأنها عين الذات، فهذا أمر ثابت مُسلم به، ولا توجد ذات صفاتها زائدة على ذاتها في الخارج فهذا – عند التحقيق-كلام لا يصح. فإذا كانت الذات مخلوقة فصفاتها مخلوقة، وإذا كانت الذات أزلية فصفاتها أزلية. وعليه فبما أن الله تعالى هو الخالق الأزلي الحي الذي لا يموت فلابد أن تكون صفاته أزلية بالضرورة، ولا يُمكن أن تنفك عنه، وهذا ثابت قطعا بدليل العقل والشرع.

ثانيا: وإن أريد بالذات = الذات الموجودة في الذهن فتلك قد تقدر في الذهن مجردة عن الصفات، فتكون الصفات زائدة على هذه الذات المقدرة في الذهن.

ولما كان المعطلة يثبتون ذاتا مجردة عن الصفات = صح أن يقال: أن الصفات زائدة على الذات يعني: الصفات زائدة عن ” الذات التي أثبتها هؤلاء لا أن في الخارج ذاتا قائمة بنفسها والصفات زائدة عليها.

فمثلا: الحي الذي يمتنع ألا يكون إلا حيا كيف تكون له ذات مجردة عن الحياة؟، وكذلك ما لا يكون إلا عليما قديرا كيف تكون ذاته مجردة عن العلم والقدرة ” انظر المطالب العالية ( 3 / 248 )

ثم بين ابن تيمية المخالفين لنا في ذلك:

الأول: المعتزلة والكرامية: يقولون الصفات غير الذات، ثم المعتزلة تنفيها أي تنفي الصفات.  والكرامية تثبتها.

الثاني: أبو الحسن الأشعري: قال: الصفة لا هي الموصوف ولا هي غير الموصوف

الثالث: ومن المثبتة للصفات (الصفاتية) من يقول: لَا نَقُولُ الصِّفَةُ هِيَ الْمَوْصُوفُ؛ وَلَا نَقُولُ: هِيَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّا لَا نَقُولُ: لَا هِيَ هُوَ؛ وَلَا هِيَ غَيْرُهُ. يقول ابن تيمية:” فَإِنَّ لَفْظَ الْغَيْرِ فِيهِ إجْمَالٌ:

1 –  قَدْ يُرَادُ بِهِ الْمُبَايِنُ لِلشَّيْءِ أَوْ مَا قَارَنَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؛ وَمَا قَارَبَهُ بِوُجُودِ أَوْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ؛ 2 – وَيُرَادُ بِالْغَيْرِ: أَنَّ مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْآخَرِ.

وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَيْسَتْ الصِّفَةُ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ وَلَا بَعْضُ الْجُمْلَةِ غَيْرَهَا.

وَعَلَى الثَّانِي فَالصِّفَةُ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وَبَعْضُ الْجُمْلَةِ غَيْرُهَا.

فَامْتَنَعَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ الْغَيْرِ عَلَى الصِّفَةِ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِجْمَالِ وَالتَّلْبِيسِ”

وخلاصة ما يريد قوله ابن تيمية هنا، إن الله تعالى له ذات وله صفات وله أفعال، وإطلاق التغير على الأفعال، كإطلاق لفظ (الغير) على الصفات، وإطلاق لفظ (الجسم) على الذات، وكل هذه الألفاظ فيها إجمال واشتباه وإبهام. ومذهب السلف والأئمة: أنهم لا يطلقون لفظ (الغير) على الصفات، لا نفياً ولا إثباتاً، فلا يطلقون القول بأن الصفات غير الذات، ولا بأنها ليست غيره، لأن اللفظ مجمل:

فإن قصد بـ “الغير” المباين، أي أن الصفات شيء مخلوق منفصل عنه، فليست غيراً للذات.

وإن قصد بـ “الغير” ما قد يعلم أحدهما دون الآخر، فهي غير، أي أن صفة العين مثلا ليس هي صفة الوجه، وصفة السمع ليست هي صفة العلم مثلا، فهذه الصفة ليست هي هذه الصفة، فإن قصد بالغير هذا المعنى إن الصفات غير الذات اي صفة العلم غير صفة الوجه وهذا صحيح

*والسلف والائمة يجيبون على هذه الشبهة أي شبهة الغير بمسلكين:

..المسلك الأول: هو المسلك السابق يحللون الشبهة ويستفصلون في المعاني ونقبل المعنى الموافق للكتاب والسنة.

..المسلك الثاني: الالزام، فنلزمهم بما يجيبون به على إلزام الجهمية، فالجهمية تلزم من يثبت صفة العلم بأن العلم هل هو الله أو هو غير الله؟ حتى يلزموهم بأن القرآن أيضا هل هو الله أم غير الله؟ وما ردوا به على الجهمية نرد به عليهم ونلزمهم بكلامهم.

وهذا هو معنى قول ابن تيمية:” حَيْثُ صَارَ الجهمي يَقُولُ: الْقُرْآنُ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُ اللَّهِ، فَتَارَةً يُعَارِضُونَهُ بِعِلْمِهِ فَيَقُولُونَ: عِلْمُ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُهُ؛ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُثْبِتُ الْعِلْمَ؛ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ نَفْيُهُ.

وَتَارَةً يُحِلُّونَ الشُّبْهَةَ وَيُثْبِتُونَ خَطَأَ الْإِطْلَاقَيْنِ: النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّلْبِيسِ بَلْ يَسْتَفْصِلُ السَّائِلُ فَيُقَالُ لَهُ: إنْ أَرَدْت بِالْغَيْرِ مَا يُبَايِنُ الْمَوْصُوفَ فَالصِّفَةُ لَا تُبَايِنُهُ؛ فَلَيْسَتْ غَيْرَهُ. وَإِنْ أَرَدْت بِالْغَيْرِ مَا يُمْكِنُ فَهْمُ الْمَوْصُوفِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَهُوَ غَيْرُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.”

الفرق بين الوصف والصفة

آخر شيء تحدث ابن تيمية عن مسألة مهمة وهي الفرق بين الوصف والصفة:

وأهل السنة والجماعة يقول ان الوصف والصفة بمعنى واحد لغة، أي: أن الوصف والصفة له معنىً واحد كلغة، ولكن الوصف والصفة يطلقان على معنيين في الاصطلاح.

أولا: الوصف والصفة بمعنى واحد من كجهة اللغة:

1 – قال ابن منظور في لسان العرب حرف الواو :”وصف الشيء له وعليه وصفا وصفة: حلاه ، والهاء عوض من الواو ، وقيل : الوصف المصدر والصفة الحُلية ، الليث : الوصف وصفك الشيء بحليته ونعته…الخ”. والشاهد قوله: (حلاه)، ثم قال ابن منظور:” وقال الليث: “الوصف وصفك الشيء بحلية ونعته”

ثم قال ابن منظور متممًا لكلامه: وأما النحويون فليس يريدون بالصفة هذا- أي لهم اصطلاحٌ خاص- فمن فرق بين الصفة والوصفِ دخل عليه اصطلاح النحاة، ومن فَرَّق بين الصفة والوصف والنعت دخل عليه اصطلاح النحاة، وأما في لسان العرب فالوصف والصفة والنعت بمعنى واحد .

إذًا لا فرق بين أن يقال نعوت الله وصفات الله وأوصاف الله، لا فرق بينها لماذا؟

لأن لسان العرب استعمل هذه الألفاظ الثلاثة بمعنى واحد، فإن قيل: قد يراد بالنعت كذا ما يكون مستقرًا ثابتًا، أو متغيرًا كالخلق، وقد يراد بالصفة مكان لازمًا نقول: هذا اصطلاح نحاة وليس بلسان العرب، وقد نص ابن منظور على ذلك، قال ابن منظور: وأما النحويون فليس يريدون بالصفة هذا، لأن الصفة عندهم هي النعت، والنعت هو اسمٌ الفاعل نحو ضارب، والمفعول نحو مضروب، وما يرجع إليهما من طريق المعنى، نحو مثلٍ وشبهٍ، وما يجري مجرى ذلك يقولون: رأيت أخاك الظريف. فالأخ هو الموصوف، والظريف هو الصفة، فلهذا قالوا: لا يجوز أن يضاف الشيء إلى صفته كما لا يجوز أن يُضاف إلى نفسه، لأن الصفة هي الموصوف عندهم ألا ترى أن الظريف هو الأخ ……الخ”

النتيجة والحاصل من هذا الكلام أن ابن منظور يُفَرِّقُ بين المعنى اللغوي لهذه الألفاظ الثلاث وبين اصطلاح النحاة، فالنحاة لهم اصطلاح خاص يخالف المعنى اللغوي وحينئذٍ العبرة بماذا؟ بالمعاني اللغوية.

2 – قال ابن فارس: ” الصفةُ الأمارة اللازمة للشيء، والنعت وصفك الشيء بما فيه من حسن”

قد يقال بأنه يرى الترادف، وقد يقال بأنه يفرق، يعني: قوله الصفة الأمارة اللازمة لأن الصفات نوعان: صفةٌ لازمة، وصفة غير لازمة. صفة لازمة لا تنفك عن موصوفها والتي تعنون في باب الصفات أنها الذاتية، والتي تنفك وتتعلق بالمشيئة الاختيارية “الفعلية”.

إذًا الاختيارية “الفعلية” ليست ملازمة من حيث الآحاد، حينئذٍ على كلامه الصفة الأمارة اللازمة للشيء، يعني ما كان ذاتيًّا، والنعت وصفك الشيء بما فيه من حسنٍ يعني أعم فيشمل اللازم وغير اللازمة.

3 – في “مختار الصحاح”: “الصفة عندهم – يعني النحويين – هي النعت، وهذا على خلاف – قال المناوي في ” التوقيف على مهمات التعاري “الصفة لغة النعت”، فعلى هذا لا فرق بين الصفة والنعت، والتفريق بينهما لا يَخْلُ من تكلفٍ ولم تثبت أمثلة له واضحة بينة .

4 -ابن جرير وابن كثير وغيرهم من أئمة السنة أنهم لا يفرقون بين الصفة والنعت، يعني أمرٌ عملي، فجاء في قول ابن جرير الطبري في تفسير في قوله تعالى:﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [ الأنعام : 14]. قال ابن جرير: يقول الله فاطر السماوات والأرض اتخذ وليًا، ففاطر السماوات من نعت الله وصفته “.

فاطر بمعنى ماذا؟ خالق، إذًا هي من الصفات الاختيارية ” الفعلية” التي تتغيرـ ـوهنا نرد بذلك على الأشاعرة وأن ابن جرير أطلق لفظ الصفة على الصفات التي تتغيرــ، ومع ذلك أطلق عليها أنها صفة، فمن فرق بأن الصفة لما لزم نقول هنا ابن جرير وهو إمام من أئمة السلف قد أطلق الصفة على ما يتغير، بل أردف اللفظين وجمع بينهما على موصوفٍ واحدٍ، فقال: “ففاطر السماوات من نعت الله وصفته ولذلك خفض”.

ثانيا: الوصف والصفة يطلقان على معنيين في الاصطلاح:

 المعنى الأول: الكلام الذي يوصف به الموصوف.

أي الوصف بمعنى الكلام الذي يوصف به الموصوف -الكلام فقط- أو القول الذي يوصف به الموصوف.

مثال ذلك: كقول الصحابي في الحديث “قل هو الله أحد” أنها صفة الرحمن؛ فالصفة هنا هو الكلام الذي يوصف به الموصوف أو القول الذي يوصف به الموصوف “قل هو الله أحد”، أي: هنا المقصود بصفة الرحمن أي القول الذي يوصف به “قل هو الله أحد”.

المعنى الثاني: تطلق على المعاني التي دل عليها الكلام.

مثال ذلك: العلم والسمع والقدرة، ونحوها من الصفات، وهذا هو محل النزاع الذي نفاه الجهمية والمعتزلة، وهذا هو معنى الصفة وكون القدرة والعلم ونحوها صفات ومعاني قائمة بالذات الإلهية.

فالمعتزلة والجهمية يقولون: الصفات مجرد القول التي يعبر بها عن الموصوف، فقالوا: إن إضافة الصفات إلى الله -سبحانه وتعالى- إضافة وصف دون قيام معنى.

والكلابية والأشاعرة أيضا يفرقون بين الوصف والصفة، فيجعلون الوصف هو القول والصفة هي المعنى القائم بالموصوف.

أما أهل السنة والجماعة عندهم الوصف والصفة بمعنى واحد لغة، وتطلق على معنيين اصطلاحا

كما سبق؛ إما الكلام الذي يوصف به الموصوف أو المعاني التي دل عليها الكلام.

إذًا قد يُطلق ويراد به الكلام الذي هو الألفاظ، وقد يطلق الصفة والوصف ويراد به مدلول الكلام، كالعلم والقدرة فنقول: العليم هذا يطلق عليه أنه صفة ووصفٌ من حيث كونه لفظًا دالاً على معنًى، والعلم الذي هو مدلول العليم كذلك هو صفة إذ لا فرق بينهم من حيث الإطلاق، خلافًا لبعض أهل البدع فإنهم يُطلقون الوصف والصفة على اللفظ، ولا يطلقون الوصف والصفة على المعنى المدلول باللفظ.

وأهل السنة والجماعة –كما سبق-يُطلقون اللفظ الصفة والوصف تارةً على الألفاظ الدالة على المعاني وتارةً على المعاني المدلول عليها بالألفاظ، إذا كل واحدٍ من لفظ الصفة والوصف مصدرٌ في الأصل كالوعد والعدةِ والوزن والزنةِ، وأنه يراد به تارةً هذا يعني اللفظ، وتارةً هذا يعني المعنى.

وأما (الجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر إطلاق لفظ الوصف والصفة على المعاني، لأن ليس عندهم معاني، وإنما هي ألفاظ، وتقول: إنما الصفات مجرد العبارة التي يُعَبَّرُ بها عن الموصوف. يعني حملوا الصفة والوصف على اللفظ فحسب، وأما المعنى فلا يُطلق عليه أنه صفةٌ أو وصفٌ، وهذا باطل كما عند أهل اللغة والسلف كما تقدم.

وينبى على هذا التفريق مسألة أخرى وهي:

هل لفظة الصفة الصفات ثابتة في الكتاب والسنة أم لا؟

والحديث عن اللفظ نفسه هل وجد لفظ الصفة أو الصفات في الكتاب والسنة على المعاني القائمة بالات الإلهية؟

الجواب: ليس ثابتاً في الكتاب ولا في السنة. وأقرب شيء لها هو حديث الرجل الذي كان يصلي بالناس ويقول مع الفاتحة “قل هو الله أحد”، فاشتكاه الناس للنبي صلى الله عليه وسلم فقال هذه صفة الرحمن، فهل هذا الحديث يدل على أن المعاني القائمة بالذات الالهية أو بذات الله سبحانه وتعالى سواء اللازمة أو المتجددة الفعلية اللازمة أو الذاتية تسمي صفة كما في نص الحديث في الحديث “صفة الرحمن”، في الحقيقة لا يدل على ذلك، لماذا؟

ومما سبق تبين أن حتى حديث الصحابي “قل هو الله أحد” أنها صفة الرحمن، إن دلت تدل على معنى الكلام الذي يوصف به الموصوف ولا تدل على المعنى القائم بالموصوف التي هي الصفات.

إذن لم يثبت لفظ الصفات على المعاني القائمة بالذات الإلهية لا في الكتاب ولا في السنة.

وقد بينا من الجهة العقلية أن اليد المضافة لله سبحانه وتعالى والسمع والحكمة والعزة ونحوهم صفات أي: اضافة صفة لموصوف فهي صفات قائمة بالذات الإلهية.

ولكن هنا البحث عن لفظ من أين استقينا لفظ الصفة؟

فالجواب: من اللغة، ومعلوم ان الوحي نزل بلسانٍ عربيٍ مبين، ويمكن بيان ذلك من وجهين:

الوجه الأول: هي صفات عند السلف والمفسرين.

السلف سموا اليد والقدم والساق والعين ونحوها من الصفات صفاتًا لله سبحانه وتعالى، والسلف هم أهل الاحتجاج اللغوي. حتى أهل التفسير، ومنهم الإمام الطبري وابن كثير –كما سبق -بينوا ذلك وسموها صفاتًا. وقد وردت صفات النبي صلى الله عليه في الصحيح وسماها العلماء والصحابة صفة، كقول محمد بن سيرين لمن قال له رأيت النبي صلى الله عليه في المنام: ” صفه لي”.

الوجه الثاني: الوصف عند أهل اللغة هو الإخبار عن الشيء. -أي يخبر عن الشيء-.

ومن أهل اللغة ابن فارس وابن منظور ونحوهم بينوا ذلك – كما سبق بيانه – فهذا الإخبار يتناول كل صفة ثبوتية في الموجود الذي يخبر عنه، وبدون ذكر الصفات الثبوتية سواء كانت أعيانًا أو معاني أي الأعيان مثل اليد والقدم والساق والعين والوجه ونحوها، كونها ترى بالعين وهي مناط الرؤية الحس، أو المعاني مثل السمع والبصر والكلام والعلم والحكمة ونحوهم.

فبدون ذكر هذه الصفات الثبوتية لا يوجد إخبار عن الموجود ابتداءً، فالصفة عند التفصيل في اللغة هي الأشياء اللازمة الثابتة للذات، والوجه واليد والقدم والعين ونحوها صفات ذاتية كما سنبين في مقال قادم بإذن الله.

فنحن في اللغة نخبر عن الموجود أو الشيء بالصفات الذاتية له أو الاختيارية ” الفعلية”، الذاتية التي نقول عنها صفات أعيان التي نشاهدها بالعين، مثل: مثل اليد والقدم والعين والوجه ونحوهم، أما صفات المعاني التي هي معنى لا نشاهده بالعين، أن صفات الأعيان التي نشاهدها بالعين، مثل: السمع والبصر والكلام والحكمة والعزة والعلم ونحوهم.

فالعرب عندما تقول: صف الشخص الذي رأيت؟، لا تريد منك أن تصف صفاته المعنوية كما يقول الأشاعرة فقط، بل كل صفاته بما فيها لونه وطوله وعرضه ومنكبيه وضخامة رأسه إن كان ضخما وطول ذراعيه وقوتها وضمور ساقيه، وهكذا.

فإذا وصف أحدهم رجلا فقال: أبيض اللون، خفيف اللحية، طويل العنق، أخمش الساقين، طويل الذراعين، سريع الخطو … الخ فماذا يعده سامعه؟

والعرب الأقحاح تقول لك: صف لي بيتك، مدينتك، فكيف لا تكون اليد والعين من الصفات؟ فكل ما له صفة يوصف، الوحيد الذي ليس له صفة ثبوتية هو العدم فما الوصف إلا: وصفك الشيء بحليته –كما سبق عن ابن منظور وابن فارس- ونعته يعني بصفته فيتصف. وعليه يكون استثناء اليد ومثل هذه الأمور من كونها تسمى صفة غير معقول في العقل الصريح وفي المعهود من لغة الناس.

والوصف: في اللغة وعند الناس هو القول أو الخبر عن الصفة، ولهذا سميت بالصفات الخبرية.

وهذه المسائل من الظهور بمكان “بديهية” بحيث يستغرب السؤال عنها؟ ـأي: من أظهر الضرورات أنه لا يصف نفسه بأنه سميع إلا إن كان له سمع، ولا يحتاج القرآن إلى مخاطبة الناس بالضروريات في لغتهم، فما تقوله المعتزلة لا أصل له في قرآن، ولا تقره اللغة ولا الضرورة.

وأرجو أكون قد وفقت في بيان هذه الرسالة، وأكتفي بهذا القدر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

[1] معجم مقاييس اللغة (6/157)

[2] (انظر مقاييس اللغة السابق ولسان العرب (3/115)، والصحاح (6/2219).

[3] انظر تهذيب اللغة (يقن) (9/325)، والصحاح (يقن) (6/2219)، ومعجم مقاييس اللغة (يقن) (6/157).

[4] سنن الترمذي ومستدرك الإمام الحاكم بسند صحيح، وهذا لفظ الترمذي وقال حسن غريب، وصححه الألباني.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.