حصريا

دور منَاهِج التربيَة الإعلاميَّة في منظُومة التربية والتعليم -خولة مرتضوي- قطر

0 14

دور منَاهِج التربيَة الإعلاميَّة في منظُومة التربية والتعليم

خولة مرتضوي .
إعلاميَّة وباحثة أكاديميَّة- جامعة قطر
khawlamortazawi@gmail.com

بدأت التربية الإعلاميَّة في مطلع القرن العشرين، وذلك عندما اقترح Levi Thomson تعليم الشباب بكيفية تمييز الثقافتين العُليا والشعبية خلال خمسينات القرن الماضي في بريطانيا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية ظهر مفهومُ التربية الإعلاميَّة ليُصاحِب التأثير الكبير والمتنامي لوسائل الإعلام حينئذٍ مثل: الراديو والتلفاز. وقد أُطِّر مفهوم التربية الإعلامية في شكلِ نظرياتٍ ومناقشاتٍ علميَّة في ستينات القرن الماضي، وهدفت هذه المناقشات العلمية الجادَّة إلى تنمية الوعي والثقافة الإعلاميَّة. تلَت تلك المرحلة انتقال هذه المناقشات المحليَّة إلى طورٍ عالمي، فأصبحت التربية الإعلاميَّة ضمن مناهج التدريس في العديد من جامعات العالم وقد ناقشت تلك المقررات التساؤل العريض: (ما الذي يتعلمه الجماهير المختلفة من وسائل الإعلام؟).
لقد هدفت التربية الإعلاميَّة منذُ بدايتها إلى نفض التبعيَّة العمياء والاستعباد والإدمان المرضي الذي يسيطر على الجماهير عند متابعتهم لمضامين وسائِل الإعلام المختلفة، وانطلقت التربية الإعلاميَّة من هدف حِماية الجماهير من الآثار السلبيَّة لهذه الوسائل ولبعض المضامين السامة التي تقدمها، وقد تطوّر هذا الهدف عندما أصبحت وسائِل الإعلام جزءًا أساسيًا ومحوريًا من حياة الفرد اليوميَّة، فتطوَّرت الأهداف لتشمل توعية الجماهير بأشكال الاستهلاك الإيجابي لهذه الوسائِل الجماهيريَّة وفهم دورها ووظائفها في هذا الزمن. إنَّ أهداف التربية الإعلاميَّة متنوعة ومتعددة نظرًا لتنوُّع النظريات والمعايير المختلفة في هذا المجال وارتباطِها بمفاهيم أُخرى مثل: الثقافة الإعلاميَّة، الوعي الإعلامي، المضامين الإعلاميَّة، ورُغم هذه الأهداف المختلفة إلا أنَّها تتفِق في ضرورة إكساب الجماهير مهارات التحليل والنقد -(نموذج المتلقِّي النشِط: أي يتحكَّم الفرد في تفسير المضمون الإعلامي الذي يتعرَّضُ له)- والوعي والاستنتاج وانتقاء المضمون الهادف بما يتّفِق مع المبادئ والمعايير الأخلاقيَّة.
قارئي العزيز، تعتمِد مبادئ التربيَة الإعلاميَّة اعتمادًا كُليًا على الاتصال وذلك مِن أجل تحقيق عددٍ من الأهداف الإعلاميَّة التربويَّة المُعدَّة خِصيصًا لطلبَة العِلم والتي تُقدِّمُ بدورِها مجموعةً مِن المهارات والمعلومات والأساليب الضَرورية للتعامُل الأمثَل مع وسائِل الإعلام الكلاسيكية والجديدَة وما تبُثُهُ هذه الوسائِل المتنوِعَة من مضامِين واضحَة ومُتسَتِّرَة. وعليه، فإنَّ مفهوم التربيَة الإعلاميَّة يُعتبَرُ مفهُومًا شُموليًا يُعنَى بالاستفادة والفهم والتقييم والنقد الإعلامِي والوعِي والتعرّف على جوانِب الاستفادة والضَرَر مِن هذِهِ الوسائل المُختلِفَة.
وهُنا تجدُر الإشارة إلى أنَّ أهم عناصِر التربية الإعلاميَّة الرئيسيَّة تتكوَّن من التالي:
أولًا: الوعي بتأثير وسائل الإعلام على الفرد والمجتمع ودفع الأفراد لاتخاذ مواقف معينة بناءً على تجارب التأثر الإعلامي السلبية والإيجابية.
ثانيًا: استيعاب عملية الاتصال الجماهيري بشكلٍ واعٍ وشامِل وربطها بمقومات التربية الإعلامية المختلفة.
ثالثًا: اعتماد استراتيجيات وأساليب متنوعة ومناسبة تقوم بدور تفسير وتنقيح المضامين الإعلاميَّة المختلفة، وفهم الرسائل العميقة التي تقدمها للجماهير.
رابعًا: مراعاة الجوانب الجمالية عند فهم واستيعاب المضامين الإعلاميَّة المختلفة وذلك تبعًا لاختلاف أذواق الجماهير.وعليه، فإنَّ التربيَة الإعلاميَّة تقومُ على مجموعة من المَحاوِر والمُرتكزات العمليَّة، مِن أبرزِها: دراسَة تكنولوجيا\تقنيَّة المعلومات، طُرُق التعامُل والاستفادَة من وسائِل الإعلام الكلاسيكيَّة والجديدَة، حارِس البوابَة الإعلاميَّة\القائِم على الاتصال، الوعِي الإعلامِي، الاستخدام الآمن لوسائِل الإعلام المُختلِفَة، استراتِيجيَّات وسائل الإعلام\الأجندَة الإعلاميَّة لكُل وسيلَة، وغيرِها من المُرتكزات والمحاوِر الضروريَّة التي من شأنِها أن تُحقِّق هدَف التربيَة الإعلاميَّة وتُوعِّي الطلبَة عِند تعرُضِهِم واستفادَتِهِم من الرسائِل الإعلاميَّة المعروضَة في مُختَلَف الوسائِل الإعلاميَّة.
إنَّنا نعيشُ اليوم في قريةٍ عالميَّة تسُودُها بيئةٌ مُشبعَةٌ بالوسائل الإعلامية المختلفة التي تبُث مضامينًا مؤدلجَة ومُسيسة تحقِّق من خِلالها أهداف واستراتيجيات ورؤى ومصالِح القائم على الاتصال في هذه الوسائِل، ومن هُنا تبرُز أهميَّة الوعي بالتربية والثقافة ومحو الأُميَّة الإعلاميَّة، فهي أنجعُ سبيلٍ لتفكيك الرسالة الإعلاميَّة والتعرّف على هدف تصنيعها وبثِّها وفهم المُنتَج الإعلامِي بشكلٍ متبصَّر وبالتالي فهم كيفيَّة وآليَّة استخدامها بالشكل الصحيح النافِع.
وعليه، أرى أنَّ العناية بمقررات التربية الإعلاميَّة في المرحلة الجامعيَّة ستُعالِج الكثير من الأمراض الثقافيَّة والاجتماعيَّة والنفسيَّة التي يُعانِي منها جيل الشباب، مثل مشكلة الأُميَّة الحضاريَّة والتعصُّب المحلِّي، التخلُّف الإعلامي التكنولوجي، الأُميَّة السياسيَّة، مشاكِل الحوار مع الآخرين. وفي مقابل ذلك ستمكِّن مُقررات التربية الإعلاميَّة من تحقيق أهداف تربويَّة وتنمويَّة عظيمة، تكمُن في: تعبئة الشباب بالشكل الإيجابي النافِع لمواجهة الأحداث الجارية والمُحتملَة والطارئَة في محيطه (فهم ما يجري وتقدير تبعَات ما يجري)، استيعاب الشباب لآليّات ومُقتضيات عصر العولمَة والتفاعُل الحيوي والأصِيل معها ومساعدتهم للتصدِّي لأشكال الغزو والاستعمار الحضاريَّة والثقافيَّة الجديدة، تحقيق متطلبات المواطنَة الصالحة وتنمية الوعِي بالثقافة والخُصوصيَّة المجتمعيَّة الأصيلَة وعِلاقتها بالمتغيرات الجارية، إكساب الشباب مهارات الاتصال الفعّالة التي تساعدُهُ في النماء اجتماعيًا وثقافيًا وتمكِّنُهُ بالتالي من مواجهة التحدِّيات التي يواجهُها بشكلٍ فعّال.
إنَّهُ من واجِب الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسِها المؤسسات التعليمية أن تعتنِي بنشر الوعي والتربية والثقافة الإعلامية، هذا الغائب المنتظر، فهي تُعتبر اليوم عُنصُرًا حيويًا وهامًا من عناصِر تكوين المواطِن الواعِي المُستنِير في هذا الفضاء المعولَم، فمتى كانَ المواطِن واعيًا بهويته وثقافته الأصيلَة ومُلمًا بمُجريات الساعة كان مؤهلًا لاستخدام أدوات الإعلام والاتصال بطريقة ناجحة وهادفة، وبالتالي التعبير عن نفسِهِ ووطنِهِ وهويتِه بشكلٍ مسؤولٍ وملتزِمٍ وصحيح.
ومن الثمار الإيجابيَّة التي تُحققها التربية الإعلاميَّة هي المشاركة الفعّالة في المجتمع، فهي تُمكِّن الجماهير من تقييم وتفسير وتحليل المضامين الإعلاميَّة وتكوين آراء واتجاهات واعية نحوها، كما تمكِّنُهُم من أن ينتقِلُوا من مرحلة استهلاك المضمون الإعلامي إلى مرحلة إنتاجه بشكل فعّالٍ وهادفٍ ومتميِّز.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.