حصريا

دراسة أحاديث القُرَشِيَّة في الإمامة

دراسة أحاديث القُرَشِيَّة  في الإمامة

الأستاذ: محمود ولد باب.

 

يعد موضوع القرشية في فقه السياسة الشرعية من المواضيع الشائكة التي اهتم العلماء بتحريرها اهتماما بالغا تباينت فيه أفهامهم وتعارضت  فيه أقوالهم، ويرجع اختلافهم لمعارضة بعض ظواهر الأحاديث للأحاديث الواردة في اشتراطها في الإمام، فمذهب الجمهور لزوم اشتراط نسبها في الإمام واستدلوا بجملة من الأحاديث منها ما رواه الشيخان.

عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان.[1]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (االناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم)[2]

قال النووي عند تعليقه على هذا الحديث: هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة، فكذلك من بعدهم ومن خالف فيه من أهل البدع أو عارض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين[3]

وذهب بعض متأخري السنة إلى عدم اشتراط نسب القرشية في الإمام واستدلوا بمعارضة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اسمعوا وأطيعوا وان استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)[4]

وهذاا يدل على جواز أن يكون الإمام عبدا حبشيا وليس قرشيا، ورد على هذا الاستدلال بأن الحديث خرج مخرج التمثيل وليس الفرض بالمبالغة في السمع والطاعة.

كما استدلوا بالأثر المروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال عند موته: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا ما تالجني فيه الشك.[5]

وقد رد ابن قتيبة دعوى المعارضة بهذا الأثر بقوله: وإنما كان يكون تناقضا لو قال عمر لو كان سالم حيا ما تخالجني الشك في توليته عليكم أو تأميره، فأما قوله ما تخالجني فيه الشك فقد يحتمل غير ما ذهبوا إليه، وكيف يظن بعمر رضي الله عنه أنه يقف في خخيار المهاجرين وال>ين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فلا يختار منهم فيجعل الأمر شورى بينهم ولا يخالجه الشك في تولية سالم عليهم رضي الله عنهم فهذا خطأ من القول وضعف في الرأي[6]

ومن القائلين بعدم اشتراط نسب القرشية في الإمام إمام الحرمين، فقد رد الأحاديث الموجبة لاشتراطها لكونها أخبار آحاد لا تفيد العلم معترضا على  من زعم تواترها مستبعدا صدورها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نقل الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم( الأئمة من قريش) وذكر بعض الأئمة أن هذا الحديث في حكم المستفيض المقطوع بثبوته من حيث أن الأمة تلقته بالقبول، وهذا مسلك لا اوثره فإن نقلة هذا الحديث معدودون لا يبلغون عدد التواتر والذي يوضح الحق في ذلك أنا لا نجد في أنفسنا ثلج الصدور،  واليقين الميثوث بصدور هذا  من فلق في رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما لا نجد ذلك في سائر الأخبار، فإذا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة[7]

وقد ذهب ابن خلدون إلى تعليل الأحاديث الموجبة لاشتراط نسب القرشية بما كانت عليه قريش في ذلك  الوقت من القوة والعصبية التي يرى ابن خلدون أنها قوام الخلافة، قال فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم العصبية والغلبة علمنا أن ذلك إنما هو من الكافية فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية.

فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية.[8]

قلت والذي يترجح عندي بعد عرض أدلة كل الأقوال في ضوء قواعد الاستدلال رجحان  أدلة القائلين بعدم اشتراط النسب قي الإمام لملائمتها لكليات قواعد الإسلام وبيان ذلك من وجوه:

أولا: الأحاديث التي اعتمد عليها القائلون باشتراط النسب في الامام أخبار آحاد لا تقوم بها الحجة لمعارضتها للأصول منهج أصيل عند علماء الأصول.

قال الشاطبي في معرض الكلام على ضوابط إعلال خبر الأحاد وأما الثالث وهو الظني العارض  لاصل قطعي ولا يشهد له أصل قطعي فمردود بلا إشكال، ومن الدليل على ذلك أمران أحدهما أنه مخالف لأصول الشريعة، ومخالف أصولها لا يصح لأنه ليس منها وما ليس من الشريعة كيف يعد منها، والثاني أنه ليس له ما يشهد بصحته وما هو كذلك  ساقط الاعتبار إلى أن قال رحمه الله وللمسالة  أصل في السلف الصالح، فقدرت عائشة رضي الله عنها حديث أن (الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)[9]

في هذا الأصل نفسه  لقوله تعالى: (ألا تزر وازرة وزرة أخرى وأت ليس له إلا ما سعى)[10] وردت حديث رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء لقوله تعالى: ألا تدركه الأبصار)[11] وإن كان عند غيرها غير مردود لاستناده إلى أصل أخر لا يناقض الآية وثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة بأدلة قرأنية وسنية تبلغ القطع  ولا فرق في صحة الرؤية بين الدنيا والآخرة.وقد ردت هي وابن عباس خبر ابن هريرة في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء استنادا إلى أصل مقطوع به وهو رفع الحرج، وما لا طاقة به على الدين فلذلك قالا كيف يصنع بالمهراس.[12].[13]

ثانيا: القاعدة في الولايات كلها أن مناط الاختيار فيها على من  فيه أهلية التدبير لمصالحها، قال العز بن عبد السلام: والضابط في الولايات كلها انا لا نقدم فيها إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها فيقدم الأقوم بأركانها وشرائطها على الأقوم بسننها وأدابها[14]، وقد أشارت الآية الكريمة لهذا المعنى، قال تعالى: ( إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم).[15]

ويقول القرطبي: عند تفسيره للآية فتضمنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة وأنها مستحقة بالعلم والدين والقوة لا بالنسب، فلاحظ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس وأنها متقدمة عليه لأن الله تعالى أخبره أنه اختاره عليهم لعلمه وقوتهوإن كانوا أشرف نسبا[16]. ويقول ابن عاشور أيضا: فاعلمهم نبيؤهم أن الصفات المحتاج إليها في سياسة أمر الأمة ترجع إلى أصالة الرأي وقوة البدن لأنه بالرأي يهتدي لمصالح الأمة، لاسيما في وقت المضايق وعنج تعذر الاستشارة أو عند خلاف أهل الشورى وبالقوة يستطيع الثبات في مواقع القتال فيكون بثباته ثبات نفوس الجيش.[17]

ثالثا: الإجماع الذي ساقه الإمام النووي تعقبه الحافظ بن حجر بقوله: قلت: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: إن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة حي استخلفته، فذكر الحديث وفيه فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل الحديث ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش فيحتمل أن يقال الإجماع انعقد بعد عمر على شرط أن يكون الخليفة قرشيا أو تغير اجتهاد عمر في ذلك والله أعلم.[18]

[1]البخاري، كتاب المناقب، باب مناقب قريش، الحديث رقم 3051.

[2]البخاري، كتاب المناقب، الحديث رقم 3195

ومسلم، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، الحديث رقم: 1820

[3]شرح النووي على مسلم، م 12، مرجع سابق، ص200.

[4]البخاري كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، الحديث رقم 7142.

[5]

تأويل مختلف الحديث، ج 1ص 191

[6]مسند الإمام أحمد الحديث رقم: 12307

[7]غياث الأمم في التياث الظلم، ص  80

[8]مقدمة ابن خلدون، ص 371.

[9]البخاري، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ( يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته) الحديث رقم 1287_1288

ومسلم باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، الحديث رقم 927.

والموطأ، الحديث رقم 320

ومسند أبي داود الطيلساني، الحديث رقم1608

ومسند الحميدي الحديث رقم 222.

ومسند الإمام أحمد الحديث رقم 288

[10]سورة النجم، الآيتان 38، 39.

[11]سورة الأنعام، الآية: 103.

[12]الموافقات، م 3، ص: 113.

[13]المهراس: بالكسر حجر منقور يدق فيه ويتوضأ منه، مختار الصحاح مادة هرس، ص 326.

[14]قواعد الإحكام في مصالح الأنام، ج1 ، ص:76.

[15]سورة البقرة، الآية، 247.

[16]تفسير القرطبي، ج 3، ص 246.

[17]التحرير والتنوير، م 2 ، ص: 489.

[18]فتح الباري لابن حجر، ج 13، ص 119

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.