حصريا

حوارٌ في التاريخ مع د.عبد الجليل قريان -الجزائر-

0 154

يعد الدكتور عبد الجليل قريان من الباحثين المتميزين في تخصص التاريخ الوسيط بالجامعة الجزائرية (جامعة الأمير عبد القادر) كيف لا وقد قام بخطوة جبارة في مسيرته العلمية والمهنية يمكن أن تكون أنموذجا في التحدي للجيل الجديد من الباحثين.
عبد الجليل قريان من مواليد بلدة خليل شرق ولاية برج بوعريريج حاز بها على شهادة التعليم الابتدائي كما تدرج في كتاتيب المنطقة على يد والده الشيخ عمار وبعض من شيوخ المنطقة وتمكن من حفظ القرآن الكريم، لينال شهادة التعليم المتوسط ببلدة عين تاغروت وشهادة البكالوريا من ثانوية رأس الوادي شعبة العلوم، وقد اختار تخصص الكيمياء العضوية بجامعة قسنطينة التي تخرج منها بشهادة الدراسات المعمقة متفوقا في الدفعة، وهو ما جعله ينال منحة نحو الاتحاد السوفياتي. لكن ظروفه الأسرية الخاصة منعته من التنقل للخارج.
وقد سمحت له هاته الشهادة الجامعية بولوج عالم التدريس أستاذ لمادة الفيزياء في ثانويتي ابن تيمية وابن باديس بقسنطينة، لكن شغفه بالثقافة الإسلامية والتاريخ على وجه الخصوص هذا من جهة وتواجده بقسنطينة من جهة ثانية جعله يقرر الانتساب لجامعة الأمير عبد القادر للدراسة من جديد، ونال منها على شهادة الليسانس في التاريخ والحضارة الإسلامية سنة 1995م، وبعد ثلاث سنوات من ذلك نجح في مسابقة الماجيستير بجامعة قسنطينة، والتي نال منها على شهادة الماجيستير سنة 2004م وشهادة الدكتوراه عام 2017م تحت إشراف الأستاذة القديرة بوبة مجاني تناول موضوع دقيق وصعب حول العلوم العقلية بالمغرب الأوسط وظف فيها خبرته الطويلة في مجالي الفيزياء والتاريخ.
وعلى المستوى المهني وبعد مسيرة طويلة بصفته أستاذ لمادة الفيزياء تحول الدكتور عبد الجليل قريان لتدريس التاريخ الوسيط بجامعة قالمة لينتقل سنة 2019م لجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة مشرفا على هيئة تحرير مجلة الآداب والحضارة الإسلامية، وإلى جانب الأستاذية مارس الدكتور عبد الجليل قريان مهنة الصحافة عبر جريدتي العقيدة والأصيل ومجلة العصر، كما نال عضوية المكتب الوطني لمؤسسة الإمام عبد الحميد بن باديس مكلفا بالتراث، وهي المؤسسة التي يرأسها الدكتور عبد العزيز فيلالي، وعلى مستوى الإنتاج العلمي أثث الدكتور عيد الجليل قريان المكتبة التاريخية الجزائرية بعشرات الأعمال بين مؤلفات ومقالات، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: (تاريخ العلوم العقلية بالمغرب الإسلامي في العصر الزياني، 2ج)، (أبحاث في التاريخ الحضاري بالغرب الإسلامي الوسيط)، (التعليم بتلمسان في العهد الزياني)، (أم البواقي إطلالة فاتنة)، (حرب 33 يوما هل هي بداية النهاية لإسرائيل ؟)، (كنزة الأَوْرَبِيَّة ودَورُها في التَّمْكِين لِلدَّولَة الإِدْرِيسيَّة، قراءة في المنحى السياسي)، (المدارس الزيانية وأثرها في المنظومة العلمية المغاربية)، (الواقع والآثار في العلاقات التجارية بين تلمسان والسودان الغربي خلال العهد الزياني 633-962ه/1235-1554م)، (المدرسة الفلكية القسنطينية في القرن 8هـ/14م)، (العلوم العقلية والنوازل الفقهية بالمغرب الإسلامي الوسيط قراءة سوسيوثقافية)، (التلاقح العلمي بين حاضرتي بجاية وتلمسان في العصر الوسيط قراءة تاريخية)، (قراءة في استراتيجية الفتح الإسلامي ببلاد المغرب من خلال حملة أبي المهاجر دينار)، (الحركات الطلابية الجزائرية خلال الاحتلال الفرنسي رصيد الوعي بالذات والمصير)، (حركة التأليف بتلمسان في العهد الزياني633-962هـ/1235-1554م)، (جوانب من تاريخ مدينة باغاية في العصر الوسيط)، (حول تاريخ المذهب المالكي في المغرب الأوسط إلى نهاية العهد الزيان).
وقد حاولنا في هذا الحوار أن نستكشف بعض من المحطات المهنية والعلمية للدكتور عبد الجليل قريان، ونلامس بعض من القضايا العلمية التي اشتغل ويشتغل عليها.
—————————
س/- عبد الجليل قريان من أستاذ في مادة الفيزياء للتعليم الثانوي إلى أستاذ في شعبة التاريخ بالجامعة. ماهي أسرار هذا التحول في مسيرته العلمية والمهنية؟
■بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
“كل ميسر لما خلق له”، الحقيقة أن سر ذلك يرجع إلى فترة أطوار/التعليم الأولى، فقد كان هدفي منذ أن كنت تلميذا في المتوسط وبدرجة أكبر في الثانوي أن أكمل دراستي الجامعية ما بعد التدرج، أي الدراسات العليا، في إحدى الشعب العلمية وخاصة الفيزياء، فقد كانت تجذبني إليها التكنولوجيات المختلفة، وكنا في السنة الثالثة ثانوي وتحضيرا لشهادة البكالوريا نستعين بشكل أساسي بسلسلة الخوارزمي في الرياضيات، وهي سلسلة متميزة، وكنت أطالع في تاريخ العلوم عن علمائنا الذين برزوا في العلوم كالخوارزمي، وابن سينا، والزهراوي، والرازي، وابن النفيس، وابن زهر، وغيرهم، وكنت شديد الاهتمام بذلك، من أجل استعادة ثقتنا بأنفسنا وأمتنا والتأكد من أن لنا علماء كانت لهم بصماتهم العلمية التي شغلت العالم وكانت محط أنظارهم.
وبعد نجاحي في السنة الأولى جذع مشترك في شعبة العلوم الدقيقة اخترت الدراسة في جامعة قسنطينة في شعبة الكيمياء لأنها الشعبة الوحيدة التي تمكننا من متابعة الدراسة في الماجستير والدكتوراه بينما في الشعب الأخرى -الرياضيات والفيزياء- لم يكن متاحا سوى الحصول على شهادة الليسانس التي توجه المتخرج نحو التدريس في الثانوي ، ورغم أنني كنت لا أحبذ الكيمياء إلا أنني اخترتها من أجل إكمال الدراسة، وتحصلت فيها على شهادة الدراسات العليا في الكيمياء العضوية وأصبحت الكيمياء بالنسبة إلي أحسن المواد، وتحصلت على منحة إلى الخارج ضمن السبعة الأوائل غير أن ظروفا خاصة لم تسعفني للذهاب، فاضطررت للعمل في التعليم الثانوي بقسنطينة في مادة الفيزياء والكيمياء، وكان توقاني نحو إكمال الدراسة لم يتوقف، وكنت أشعر بأن الله قد منحي طاقة وطموحا أكثر من الوقوف عند هذا الحد، وبتوفيق من الله تعالى يسر لي الانتساب إلى جامعة الأمير عبد القادر وتخرجت منها في التاريخ الإسلامي، وبعد نجاحي في مسابقة الماجستير في جامعة الإخوة منتوري تحصلت على شهادة الماجستير في التاريخ الإسلامي، وتوظفت بجامعة قالمة في قسم التاريخ.
والحمد لله فقد استعدت من خلالها الجمع بين التخصص العلمي والتاريخ، وكانت أطروحتي للدكتوراه حول تاريخ العلوم العقلية في المغرب الإسلامي.
—————————
س/- هل يمكن للدكتور عبد الجليل قريان أن يسرد لنا بعض من حياته الأولى ببلدته خليل (النشأة الأسرية والعلمية)، وكيف أثرت في مشواره المهني؟
■بلدة خليل بلدة طيبة مباركة، جمعت بين طيب الساكنة وطيب الهواء والماء، ولدت بها ودرست في مدارسها وتتلمذت على أساتذتها وترعرعت في جنباتها بين “مرجتها” المخضرة على طول السنة، وبين أشجارها الوارفة التي كانت تمدنا بالراحة والاستجمام كلما احتجنا إلى ذلك.
– نشأت في أحضان أسرة بسيطة مثل غيرها من الأسر في بلدة خليل. وكانت أولى خطواتي نحو المسجد القريب من بيتنا، تربينا فيه منذ نعومة أظافرنا، وكان الوالد رحمه الله مؤذنا فيه تطوعا فكنت أرافقه في جل الأوقات، وتوطدت علاقتي ببيت الله باستمرار وترسخت بمرور الأعوام.
وكان الوالد يحرص على تعلمي وحفظي للقرآن الكريم، خاصة في العطلة الصيفية، وتتلمذت على ثلة من المشايخ الأجلاء أمثال: الشيخ مزيان سبتي رحمه الله، والشيخ المنور بن جدو رحمه الله، والإمام الشيخ عبد الرحمن طواهرية رحمه الله، والشيخ دودو بن عريب حفظه الله ورعاه وأمد في عمره، وفي فترة الجامعة على يد الشيخ سي لوصيف رحمه الله في بلدة بئر قاصد علي. ولا شك أن حفظي للقرآن الكريم كان له أثره الكبير في تربيتنا وتغذيتنا بالطموح الإيجابي نحو العلوم.
إن فترة الدراسة الابتدائية ببلدتنا خليل كانت على ثلة من الأساتذة المميزين الذين طبعوا فينا حب الدراسة والمنافسة داخل الأقسام، وكانت أخلاقهم العالية وتفانيهم في عملهم يظهر من خلال الاهتمام الكبير بتدريسنا وتنمية شخصيتنا، ومن أبرز الأساتذة الذين كان لنا شرف التتلمذ على أيديهم في الابتدائي وأثروا فينا أيَّما تأثير: الأستاذ سي الحسن بن طالبي، والأستاذ عبد الحفيظ براهيمي حفظهما الله، فهما من الشخصيات النادرة في التربية والتعليم، ويتميزان بتنويع طرق تحفيز التلاميذ للدراسة والمنافسة وتشجيع المجتهدين.
—————————
س/- يغيب عن الكثيرين الذين يعرفون الدكتور عبد الجليل قريان بأنه مارس مهنة الصحافة من قبل، هل يحدثنا أكثر عن هذه التجربة؟ وماذا أضافت له؟
■إن اهتمامي بالصحافة يرجع إلى سنة 1989 حيث كتبت أول مقال لي بجريدة النصر بقسنطينة في يوم 16 أكتوبر تحت عنوان “تلفزتنا لمن؟”، ثم بمقال آخر في 2 نوفمبر 1989 بعنوان” يريدون…ويأبى”، وكنت حينها أستاذا في الثانوي، وقد كنت شغوفا بالكتابة في المواضيع العلمية ومواضيع الساعة، وبعدها انضممت سنة 1993 متطوعا إلى أسبوعية العقيدة التي فتحت لي أبوابها، فصرت أكتب المقالات، وأجري الحوارات، وأغطي الندوات والملتقيات، ثم انضممت متعاونا إلى يومية الأصيل الناطقة بالعربية، وكنت المشرف على صفحتها الثقافية الإسلامية، وبقيت بها مدة سنتين، كما كنت مراسلا لمجلة العصر الصادرة عن وزارة الشؤون الدينية لمدة وجيزة، وانقطعت عن الصحافة أثناء تحضيري لرسالة الماجستير، وبعدها كانت لي بعض المقالات في جريدة الأخبار الأسبوعي وجريدة المستقبل، والجمهور.
وكان لصلتي بالصحافة فوائد جمة أهمها الترويض على الكتابة بمختلف صورها، والتفتح على كثير من النشاطات الثقافية والفعاليات العلمية التي تزخر بها مدينة قسنطينة، والاطلاع عن كثب على الهواجس التي كانت تضع الصحافة في المراقبة الذاتية وتمنع الصحافيين من كتابة الرأي إلا بعد أن يمر على مجموعة من المرشحات، وكيف يتمكن الصحافي في هذا الجو من تمرير رسالته بسلاسة وحكمة.
—————————
س/- بعد تجربة مهنية بجامعة قالمة قرر الدكتور عبد الجليل قريان العودة مجددا لجامعة الأمير عبد القادر، فماهي الأشياء التي جذبته أكثر لقسنطينة المدينة والجامعة؟ رغم أن الخيار (المادي) بجامعة قالمة هو الأفضل لدى الكثير من الباحثين.
■كانت جامعة 8 ماي 1945 الجامعة الأولى التي بدأت فيها مشواري في التعليم الجامعي بعد سنوات من التدريس في التعليم الثانوي، وقد وجدت فيها ثلة من أعز الأساتذة الأفاضل الذين احتضنوني بقلوبهم الكبيرة، وأصبحت علاقاتنا قوية ترتقي إلى قرابة الأسرة الواحدة، ولذلك فإنني أُكِنُّ لهم كامل الاحترام والود والتقدير، ولا تزال تجمعني ببعضهم أخوة لا نظير لها. وعلاقة مستمرة.
وبعد سنوات، قررت التحويل إلى جامعة الأمير عبد القادر لسببين أساسيين: القرب من السكن واستغلال الزمن الذي كنت أضيعه في الذهاب والإياب وتبعاته النفسية، والاستفادة والمساهمة في النشاطات العلمية والثقافية التي تزخر بها مدينة قسنطينة وجامعة الأمير عبد القادر بالخصوص، فقد درست فيها مرحلة الليسانس الثانية ولي فيها علاقات ممتازة مع الكثير من الأساتذة الأفاضل.
أما ما يتعلق بالجانب المادي والفارق بين جامعة قالمة وجامعة قسنطينة فإنني لم أكن أفكر فيه البتة لأن ما أحرص عليه وأطمح إليه من الاستفادة والمساهمة في المناخ العلمي والثقافي بالجامعة والمدينة لا يمكن مقارنته مطلقا بالمال، وأسأل الله أن يسدد خطانا وأن يلهمنا مراشد أمورنا.
—————————
س/- يشكك البعض في التاريخ بأنه لم يرتق لمصاف العلوم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء … بحكم أنه لا يخضع لمبدأ التجربة، والتي تعتبر أهم أساس في العلوم. بحكم مزاوجة الدكتور عبد الجليل قريان في التكوين بين العلوم المادية (الفيزياء) والعلوم الإنسانية (التاريخ). هل يمكن أن يحلحل لنا هذه النقطة الشائكة؟
■هذه إشكالية قديمة حديثة واستمرارها يؤكد وجود سوء فهم أو تقدير بين العلوم المادية والعلوم الإنسانية، إن محاولة توظيف المناهج الفيزيائية والكيميائية في البحث التاريخي كان في إطار التأثر بما حققته هذه العلوم من قفزات عملاقة في أوروبا فكانت الوضعانية التي أرادت أن تدخل التاريخ إلى المختبر، وربما حققت بعض النتائج الجزئية فيما يتعلق بالتاريخ المادي للإنسان في كيفية تعامله مع المادة وتطور علومه وتنوع استغلاله للطبيعة، وكيفية بناء اللاحق على السابق، وهذا ما أدى إلى تراكم العلوم وتطورها، ولكن في جانب الأحداث التاريخية العامة اصطدم المخبر بالجانب الروحي الذي لا يمكن قياسه في المختبر.
إن الدراسات الفيزيائية والكيميائية تتعامل مع المادة الصماء التي تخضع لسلسة طويلة من التجارب، وتبدأ بالمشاهدة والملاحظة ثم الاستقراء وتحديد المتغيرات والثوابت، وجمع البيانات، وطرح الفرضيات، وإجراء التجارب المختلفة وتكرارها، وإيجاد العلاقات بين عناصر التجربة، والتناسبات الطردية والعكسية، والتحليل والاستنتاج، إلى أن نصل إلى القانون الذي يربط بين جميع العناصر ويحقق النتيجة، وهذا القانون يصبح ساريا مفعوله ولا يتخلف في أي وقت نريد تطبيقه، فإذا تخلف تبين أنه ليس قانونا وأن تجاربنا تحتاج إلى تعديل وتقويم أكثر، وهكذا دواليك، إلى أن نصل إلى قانون ثابت، يستغل في أي مكان في شروطه التجريبية.
أما ما يتعلق بالتاريخ فإنه يتعامل مع حركة الإنسان ونشاطاته بما يحمله من روح وعقل وقلب ونفس ومشاعر وأحاسيس، وما يتعرض له من فعل وردود أفعال، والأحداث التي يصنعها في هذه الحياة نتيجة لتفاعلات هذه العناصر، وكلها تحتاج إلى مراقبة مستمرة حتى يتبين للباحث كيف يتفاعل الإنسان مع مختلف الظروف والأحوال.
البحث في علم التاريخ أكبر بكثير من البحث في عالم الطبيعة الصماء. لأن التعامل مع الإنسان يختلف عن التعامل مع المادة. الإنسان جهاز معقد التركيب، إنه كتلة من المادة والمشاعر والأحاسيس والعواطف والعقل والقلب، وجزء كبير منها يحتاج إلى معرفة دقيقة بمكامن النفس الإنسانية وقيمها الثابتة وما هي المؤثرات الحقيقية في عقله وفي قلبه وفي مشاعره، وهل مشاعر الإنسان واحدة أم مختلفة، وما هو الثابت منها والمتغير، فقد رأينا كيف تتغير مواقفه بسرعة من النقيض إلى النقيض إذا ما تعرض لشعور أو إحساس ما، وقد تغيِّر مسارَه كلمةٌ أو موقف لا يؤبه له، ومن ثمَّ فإن المدارس التاريخية بمناهجها المختلفة تحاول جاهدة للوصول إلى القدر الأكبر من العناصر التي تؤثر في حركة الإنسان وتدفعه لصناعته الحدث التاريخي حتى تقترب من التجربة الحقيقة للإنسان، وتراكم نظرتها وتكتشف السنن العامة التي تسيِّره، ومن ثمَّ كانت كل العلوم المساعدة الأخرى -التي هي جزء من سيرورة تاريخ الإنسان- ذات أهمية بالغة في لَـمْلَمة كل الخيوط الناسجة لحركة الإنسان، وفهمها، وإيجاد العلائق وحدود التأثر والتأثير بينها.
وإذا كانت القوانين والمعادلات الفيزيائية والكيميائية لا تُعَدُّ ولا تحصى وهي قابلة للتطبيق والاستغلال في كل مكان فإن السنن التاريخية قليلة وفي كثير من الأحايين تأخذ طابع العموم أو القواعد العامة، ولا يمكن تحديدها بدقة باعتبار أن المؤرخ مهما حاول الوصول إلى العناصر التي تفاعلت في معادلة حركة الإنسان واستقرائها من مختلف الظواهر، فإنها تبقى مفتقرة إلى تحديد نسبة مساهمة كل عنصر ودرجة تأثيره، وشروط التفاعل، ونوعية الوسائط المساعدة، كما تبقى عناصر أخرى غائبة، وكلما وسَّعنا دائرة البحث زادت معرفتنا بالعناصر الفاعلة، واقتربنا أكثر من الحقيقة التاريخية، وهذا ما تجتهد فيه مختلف المدارس الحديثة، وغني عن القول بأنه لحد الساعة لا يوجد قانون في العلوم الإنسانية يمكننا تطبيقه كقوانين الفيزياء. لأن حركة الإنسان تتجاوز الجانب المادي الذي يعتبر تابعا لها وليس أصلا لها.
من الفوارق البيِّنة أن القوانين الفيزيائية لا يمكنك تزويرها أو تزييفها أو تحريفها، ولو تعرضت لذلك بَطَل مفعولها، أما التاريخ فإنه حقل من الحقول التي تتدخل فيها ذاتية الإنسان ومزاجه وايديولوجيته، فكثيرا ما يتعرض التاريخ إلى التزوير والتزييف والافتراء والتشويش والتشويه في أحداثه أو في قراءته، كإعدام الأصول أو محو الآثار، وإزالتها، أو انتقاء أجزاء منها، أو تغيير ملامحها أو النسج على منوالها، من جهة، ومن جهة أخرى عندما لا يلمُّ الباحث بكل خيوط الحدث، ويتسرع في إعطاء الأحكام والنتائج ويتعسف في تحليلها وقراءتها وتطويعها بما يتفق مع مصالحه ومشاريعه المستهدفة، ويتحول التاريخ من تراكم للتجربة الإنسانية إلى سلاح لتبديد الحقيقة وصناعة أوهام جديدة، ويتعرض بذلك كثير من البشر إلى تغيير قناعاتهم، وربما عاشت أمم كثيرة أجيالا وأحقابا تقتات على تاريخ مصطنع وتحتفي بأحداث لا أصل لها. ويصبح التاريخ مشوها بعيدا عن الحقيقة التي صنعها الإنسان بتفاعله مع الحياة، وأقرب إلى الدروشة والدجل والخرافة منه إلى التجربة الإنسانية.
والباحث في التاريخ له مهام جسام في الوصول إلى الحقيقة التاريخية كما هي دون تزييف ولا تحريف، أنه يتعامل مع أحداث مضت وبقيت بعض آثارها جزء منها مادي وأكثره لا مادي، وإذا استطعنا أن نوظف مناهج الفيزياء في بعضها فإن معظمها تحتاج إلى مناهج إنسانية وتختلف القراءة من باحث إلى آخر، وهذا ضروري لتنويع زوايا الرؤية وتوسيع آفاقها، بعد بذل الوسع في استقصاء كل الدوائر المؤثرة والمتفاعلة، وتبقى جل القراءات نسبية تتجدد بتجدد المصادر والمناهج والرؤى.
—————————
س/- استكمالا للسؤال السابق، وبحكم التجربة الكبيرة للدكتور عبد الجليل قريان في تخصص الفيزياء قبل ولوجه لعالم التاريخ، ألا يعتبر بأن التكوين (الأدبي) في مرحلة التعليم الثانوي لطلبة التاريخ هو الذي عطل ملكة النقد والتحليل لديهم، كما انعكس أيضا على إنتاجهم العلمي، فأغلب الرسائل الجامعية يسودها المنهج السردي (الحكواتي)؟
■الثانوي طور له منظومته الخاصة ببرامجه الروتينية المحددة والمقررة على الأساتذة الملزمين بها، والمستهدف من ذلك هو نيل شهادة البكالوريا، والتاريخ هو جزء من هذه المنظومة الأدبية، غير أن التبعة تلقى على منهجية طرح الدروس والمقاربة الموظفة في التاريخ وكيفية معالجة الإشكالات التي ربما تحولت من مادة تحليلية إلى مادة محددة للحفظ .
أما الجامعة فإن دورها في الحقيقة مرهون بالبحث العلمي وتطويره وتوسيع آفاقه، وتجديده، وإنتاج المعرفة في مختلف الميادين ومنها التاريخ، ولا شك أن المنهج النقدي من لوازم البحث التاريخي وتطويره، والتبعة أساسا تلقى على الأستاذ الجامعي الذي لا يمارس النقد في الدراسات التاريخية، ولا يرسخه في محاضراته.
أما الرسائل الجامعية التي يغلب عليها السردية فهي نتاج أساتذة الجامعة ومستوى تكوينهم وطبيعة تفكيرهم، وإذا جاز لنا أن نحمل الطلبة الباحثين الجزء الأكبر من محتوى الرسائل لأنها منتوجهم واجتهادهم ومن مستلزمات البحث أن يكون للباحث بصمته الخاصة واجتهاده المميز في إخراج عمله في منتهى الكمال المرجو، ولا يتسرع في الإنجاز-فإنه من جانب آخر لا يمكننا التغافل عن الإشراف الذي يعتبر مسؤولية علمية مقدسة، فالمشرف هو الذي يسدد العمل، ويوجهه في جانبيه المنهجي والموضوعي إلى منتهاه، وإذا خرج العمل ناقصا أو مشوها فإن المسؤولية تتجه إلى المشرف الذي لم يقم بدوره، ولم يقدر حجم مسؤوليته.
ويجب التأكيد على أن نظام الألمدي (ل م د) قد ساهم بشكل أساسي في تردي البحث العلمي في الجزائر وبلدان المغرب العربي، فقد تخرج منه جيل لم يتحصل إلا على جزء يسير من التكوين المتسرع، وفي زمن غير مدروس، فكيف يمكن للطالب أن ينجز مذكرة ماستر في ستة أشهر، وكيف للطالب الباحث أن ينجز رسالة دكتوراه في ثلاث سنين، أو أربع، والمعلومات الأساسية لم تستقر بعدُ في ذهنه فضلا عن تفاعلها ثم تحليلها والوصول إلى نتائجها، وهذا ما أدى بالطالب إلى أن يلهث وراء إكمال بحثه ويتحول إلى حاطب ليل، والأستاذ المشرف لا يستطيع إلا أن يوافق على هذا العبث، ويكون بشكل أو بآخر متواطئا مع هذا الوضع، وإننا ندعو بإلحاح إلى تجاوز هذا النظام العبثي الذي يضرب البحث العلمي والتاريخي في الصميم.
– الفكر النقدي أو العقل النقدي يتأسس عند الباحث بفعل عاملين أساسيين:
1- المطالعة المستمرة للمصادر والمراجع والدراسات الحديثة ذات التوجهات المختلفة. التي تمكن الباحث من الخروج من قوقعة الروتين والمؤتلف فيه إلى فضاء المختلف، حتى ينفتح على مختلف الطروحات، ويتأكد من وجود الآراء التي تصدر عن عقليات مختلفة ذات نوازع متضاربة، ومن زوايا مختلفة.
2- أن يجمع الباحث بين عقل المؤرخ وعقل المفكر، فبعد أن يبذل قصارى جهده في الغوص في النصوص والتفاصيل ويستوفيها حقها من التمحيص، يسلط عليها أدوات الاستفهام المختلفة التي تمكنه من الوصول إلى أعماقها، ويحاول أن يجيب عليها بما استقر له من ذكاء الفكرة ودقة الملاحظة وقوة الطرح وعمق التحليل وتكون له الشجاعة الأدبية والجرأة الكافية لإبداء رأيه ونتائج بحثه.
—————————
س/- عرف الدكتور عبد الجليل قريان أستاذة الأجيال الدكتورة بوبة مجاني عن قرب، فقد لازمها كأستاذة ومشرفة وزميلة له بالجامعة، فهل من كلمات في حق هذه الباحثة الفذة؟
■الأستاذة الدكتورة بوبة مجاني أستاذة من طراز فريد، كفاءتها العلمية محل إشادة بين الطلبة والأساتذة على حد سواء، لقد تخرج على يديها المئات من حاملي شهادة الليسانس، والعشرات من حاملي شهادات الماجستير والدكتوراه.
الأستاذة بوبة مجاني لا تتساهل في التدريس وفي تقييم الطلبة تقييما حقيقيا بعيدا عن الذاتية، كما تقدر وتحترم كل من يجمع بين الجدية في البحث وحسن الخلق، وفي ميادين الإشراف كانت تترك للباحث فرصته الكاملة ولا تتدخل في كيفية تسييره لبحثه، ولها من الإشارات السديدة والتنبيهات القويمة والملاحظات الدقيقة ما يفتح على الباحث فضاءات فكرية وزوايا رؤيوية متعددة.
وكثيرا ما أصفها بصاحبة الصادات الثلاث: الصرامة والصدق والصبر، فبارك الله فيها وأطال عمرها ومتعها بالصحة والعافية ورعاها وحماها من كل مكروه.
—————————
س/- اشتغل الدكتور عبد الجليل قريان على العلوم العقلية بتلمسان الزيانية، فكيف يفسر لنا تراجع الاهتمام بهذا المجال بالجزائر خلال الفترة العثمانية (1519-1830م) على حساب العلوم النقلية؟
■الحقيقة أن العلوم العقلية في العهد الزياني كان لها حضور لافت في القرن الثامن والتاسع الهجريين حيث تبنتها المنظومة العلمية التلمسانية والمغاربية، وكانت ضمن المواد المدرسة في المدارس، ولكن مناهجها كانت تعتريها ما يعتري مناهج العلوم النقلية المهيمنة على العلوم، التي كان معظمها يسير في فلك القديم ويعيد إخراجه عبر الشروح والمختصرات والحواشي، غير أنه في نهاية القرن التاسع الهجري وإثر السقوط المدوي لغرناطة سنة 897ه وما لازمه من تنكيل بالمسلمين وتهجيرهم إلى السواحل المغاربية، وما أعقبه من تغول إسباني على دول المغرب الإسلامي واستباحة شواطئه ومدنه، وما أثارته من حالة اللا أمن والخوف والهلع، في غياب المقاومة الفاعلة، كل ذلك ساهم في حالة التردي النفسي والعلمي، وفي تشكل حالة من اليأس والاستسلام إلى المصير والأقدار، والتجأت الذهنية المغاربية إلى التصوف وانحجرت فيه، ملتمسة منه الدواء، وكان الالتجاء إلى المجاهدين الأتراك للمساعدة في رد النصارى، وحينما أصبحت الجزائر تحت جناح الدولة العثمانية التي يغلب عليها التوجه العسكري لم يكن لتلمسان وغيرها من المدن الجزائرية إلا السير في ركاب التوجه الجديد للدولة، وتغلغل التصوف بطرقه وطقوسه وتصوراته المختلفة إلى مختلف طبقات المجتمع، وازداد تراجع العلوم العقلية بشكل كبير، ويبقى لآراء المختصين في التاريخ الحديث المقام الأوفر في تتبع مسار العلوم العقلية في الفترة العثمانية.
—————————
*كلمة أخيرة من الدكتور عبد الجليل قريان:
■طلبتنا في كل التخصصات يمتلكون طاقات نووية مذهلة يكفي أن يكتشفوها في أنفسهم وبأنفسهم، ويحسنوا توظيفها واستغلالها، وإذا مكنوا لها بالإرادة والإصرار والصبر والمتابعة والاستمرار، فإن مستقبل بلدنا وأمتنا سيكون زاهرا في كل التخصصات. وكلما اكتشف الإنسان طاقاته، تطورت طموحاته وأعماله ومشاريعه.
– ملاحظة في غاية الأهمية:
بعض الباحثين في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية ينحون نحو التقليد في كل شيء فتراه مستميتا في الأخذ عن مشاهير العلماء من فلان وعلان من القدماء أو المحدثين ومن الشرق أو الغرب.
إن العقول التي تؤمن بالشخصيات الملهمة لا تتطور، وقد تصاب بالصدمة والإحباط، وكثيرا ما أسمع عن بعض الطلبة والأساتذة ذهولهم أمام ما كتبه ابن خلدون أو هيجل أو دوس أو مالك بن نبي، أو غيرهم من المفكرين والمؤرخين، ولاشك أن احترام العلماء والمفكرين وتوقيرهم من لوازم العلم ومن الأدب الإسلامي الرفيع، ولكن لا مجال لتقديس العلماء فهي العبودية والاسترقاق الطوعي.
هناك فرق كبير بين التلمذة والعبودية، التلمذة التي تعتبر أصلا من أصول بناء العلم وصياغة الفكر إلى أن يبلغ التلميذ أشده ويستوي على سوقه، ومن طبيعة التلميذ أن لا يبقى تلميذا أو أن تبقى صفة التلمذة مسيطرة على كيانه وعقله، بل من طبيعة التلميذ أن يتطور إلى أستاذ وينتقل من الأخذ إلى العطاء، ويتحرر من أفكار أستاذه وأن يستقل بأفكاره ورؤاه، وهكذا تنمو الأفكار وتتلاقح، وتتراكم وتتجدد، وتتطور وترتقي.
بعبارة أخرى أن يفرق الباحث بين التلمذة والعبودية الطوعية للأستاذ، فالتلمذة محطة للعبور إلى الأستاذية والاستقلالية في الفكر والنظر، بينما العبودية هي البقاء في أغلال الأستاذ وتحت قيوده ووصايته أبد الآبدين، ونعني بالأستاذ كل من يتوجه إليه التلميذ للأخذ من علمه وفكره، من الماضي أو الحاضر ومن الشرق أو من الغرب.
وما ينبغي التفكير فيه والتنبيه إليه هو أن يكون الباحث على ثقة كبيرة بنفسه وشخصه، وأن يتحرر من الاستلاب الفكري ومن الهزائم النفسية التي يحاول البعض أن يرسخها في عقول الباحثين، وأن يكون على ثقة بأمته رغم كل ما تعانيه، لأنه هو المكلف بأن يرتقي بها في رحاب العلم والفكر السديد، وأن ينتشلها من براثن التبعية والاسترقاق الثقافي الذي يوردها موارد الاستعمار والاستحمار.
دكتور الصالح بن سالم بارك الله في علمك واهتماماتك وجهودك وطموحك، وجعلك من العلماء العاملين، والرساليين النابهين.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.