حصريا

تفسير سورة الماعون-أ. العبد بن علية

تفسير سورة الماعون 

أ. العبد بن علية

قال ابن عطية:هي مكية بلا خلاف أعلمه وقال الثعلبي :هي مدنية وقال بعضهم أن آياتها الأول مكية والأخرى مدنية وجاء في التحرير والتنوير أنّ لها ست أسماء سورة الماعون لورود اللفظ فيها وسورة أرأيت كما عنوانها في صحيح البخاري وعنونها ابن عطية ب:سورة “أرأيت الذي”وقال الكواشي في التلخيص  سورة الماعون والدين و أرأيت وفي الإتقان:تسمى سورة الدين وفي حاشية الخفاجي وسعدي تسمى سورة التكذيب  وقال: البقاعي  في نظم الدرر تسمى “اليتيم”

القول في “أرأيت الذي يكذب بالدّين”:

قال ابن عطية:هذا توفيق وتنبه لتذكر نفس السامع كل من يعرفه بهذه الصفة “الدّين”الجزاء ثواباً وعقاباً والحساب هنا قريب من الجزاء

القول في” فذالك الذي يدّع اليتيم”:أي راقب فيه هذه الخلال السيئة تجدها

قال القرطبي:يدّع أي يدفع ومنه قوله تعالى”يدعون إلي نار جهنّم دّعا”وقال ابن عطية:أي دفعه بعنف وذلك إما أن يكون عن إطعامه و الإحسان  إليه إما أن يكون عن حقه وماله فهذا أشد .

القول في”ولا يحضّ على طعام المسكين”:قال القرطبي :لا يأمر به  من اجل بخله وتكذيبه بالجزاء وهو مثله في سورة الحاقّة “ولا يحضّ على طعام المسكين “وليس الذم عاماً حتى يتناول من تركه عجزاً ولكنهم كانوا يبخلون ويعتذرون لأنفسهم ويقولون “أنطعم من لو يشاء الله أطعمه “فنزلت هذه الآية فيهم وتوجه الذم إليهم فيكون معنى الكلام لا يفعلونه إن قدروا ولا يحثون عليه إن عسروا.

وقال ابن عطية:أي لا يأمره بصدقة ولا يرى ذلك صواباً ويروى أن هذه السورة نزلت في بعض المضطرين في الإسلام بمكة الذين لم يحققوا فيه وفتنوا فافتتنوا وكانوا على هذا الخلق الغشم   وغلظ العشرة و الفضاضة   على المساكين وربما كان بعضهم يصلي أحيانا مع المسلمين مدافعة وحيرة فقال الله تعالى فيهم “فويل للمصلين “.

قال ابن جريج :كان أبو سفيان يذخر كل أسبوع جزوراً فجاءه يتيما فقرعه بعصا فنزلت السورة فيه

القول في “فويلٌ للمصلّين الذين هم عن صلا تهم ساهون “:جاء في التحرير والتنوير :قوله”فويل للمصلين”إظهارٌ في مقام الإضمار كأنّه  قيل فويل له على سهوه عن الصلاة وعلى الرياء وعلى منع الماعون وقال ابن عطية:قال سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه :سألت النبي صلى الله عليه وسلم “الذين هم عن صلاتهم ساهون “قال هم الذين يؤخرونها عن وقتها “يريد تأخير ترك وإهمال وإلي هذا نحا مجاهد وقال قتادة:”ساهون “هم التاركون لها أو الغافلون الذين لا يبالي أحدهم صلى أم لم يصلِ وقال القرطبي:”فويل للمصلين “أي عذاب لهم وقال ابن وهب عن مالك قال ابن عباس :ولو قال في صلاتهم ساهون لكانت في المؤمنين وقال عطاء بن ياسر”الحمد الله الذي قال عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم .

قال الزمخشري:في الفرق بينهما معنى عن أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها وذلك فعل المنافقين أو الفسقة الشُطار من المسلمين ومعنى في أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة الشيطان أو حديث النفس وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلاً عن غيره ومن ثَم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم .

وفي قراءة ابن مسعود “لاهون” بدل من “ساهون” و جاء في التحرير والتنوير فوصفهم بالمصلين تهكمٌ والمراد عدمه لقوله تعالى :”لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين “وقرينة التهكم وصفهم بالذين هم عن صلاتهم ساهون

القول في “الذين هم يراؤون “:قال ابن عطية :فيه بيان أنّ صلا ة هؤلاء ليست لله تعالى بنية إيمان وإنّما هي رياءٌ للبشر فلا قَبول لها وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو الأشهب”يرؤن”مهموزة مقصورة مشددة الهمزة وروى ابن أبي إسحاق بغير شَدٍ في الهمزة .

وقال القرطبي :في قوله ” الذين هم يراؤون “أي يرى النَّاس أنّه يصلي طاعة ًوهو يصلي تقية ًكالفاسق وحقيقة الرياءِ طلبُ ما في الدنيا بالعبادة وأصله طلب المنزلة في قلوب النّاس

القول في “ويمنعون الماعون “

قال ابن كثير في تفسيره:في قوله”ويمنعون الماعون “أي لا أحسنوا عبادة ربهم ولا أحسنوا إلي خلقه حتى ولو بإعارة ما يُنتفع به ويستعان به مع بقاء عينه ورجوعهم  إليهم فهؤلاء يمنعون الزكاة  وأنواع القربات أولى وأولى .

قال ابن عطية :وصفٌ لهم بقلة النفع لعباد الله وتلك شر خلة وقال علي ابن أبي طالب وابن عمر رضي الله عنهم :الماعون :الزكاة

وروى أشهب عن مالك :الماعون الزكاة

قال القرطبي :في الماعون فيه اثنا عشر قولا

_الأول:زكاة أموالهم

_الثاني :أنّهُ المال

_ الثالث :أنّهُ اسم جامع لمنافع البيت كالفأسِ والقدرِ والنارِ وما أشبهَ ذلك

_الرابع:ذكرَ الزجاج وأبو عبيد والمبرد أنّ الماعون في الجاهلية كل ما فيه منفعة

وأنشدوا بيتاً للأعشى قالوا:والماعون في الإسلام الطاعة والزكاة وأنشدوا قول الراعي:

أخليفة الرحمان إنّ معشر/ حنفاء نسجد بكرة ًوأصيلاً

عرب نرى لله من أموالنا / حق الزكاة منزل تنزيلاً

قول على الإسلام لما يمنعوا / ماعونهم ويضيعوا التهليلا

_الخامس:أنّه العارية

_السادس:أنّه المعروف كله

_السابع:أنّه الماء ُوالكلأُ

الثامن:الماء وحده قال الفراء:سمعت بعض العرب يقول الماعون:الماء وأنشدني فيه

يمج  صبيره  الماعون صباً والصبيرُ :السحاب

_التاسع :أنّه منعُ الحقِ

_العاشر:أنه المستغل من منافع الأموال مأخوذ من المُعَنِ وهو القليل قال قطرب:أصل الماعون من القلة والمعن :الشيء القليل تقول العرب:”ماله سعنه ولا معنة “

أي شيء قليل فسمى الله تعالى الزكاة والصدقة ونحوهما من المعروف ماعونا لأنه قليلٌ من كثيرٍ.

الحادي عشر :أنه الطاعة والانقياد حكى الأخفش عن أعرابي فصيح “لو قد نزلت لصنعت بناقتك صنيعاً تعطيك الماعون “:أي تنقاد لك  وتعطيك

الثاني عشر:وقيل ما لا يحل منعه “كالماء والملح والنار” قال الماوردي:”ويحتمل أنّه المعونة بما خف فعله وقد ثقله الله .

قال القرطبي:كونها في المنافقين أشبه وبهم أخلق لأنهم جمعوا الأوصاف الثلاثة ترك الصلاة ،والرياء ،والبخل، وقيل لعكرمة مولى ابن عباس :”من منع شيئا من المتاع كان له الويل فقال :لا ولكن من جمع ثلاثتهن فله الويل “يعني ترك الصلاة والرياء والبخل بالماعون .

قال:”وإذا قاموا إلي الصّلاة قاموا كُسالى يُراءون الناّس ولا يذكرون الله إلّا قليلاً”

وقال:”ولا ينفقون إلا وهم كارهون”

وهذه أحوالهم ويبعد أن توجد من مسلم محقق وإن وجد بعضها فيلحقه جزء من التوبيخ.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.