حصريا

تحقيق المسألة في تصحيف الأرنبة د.محمد جمعة الدِّربيّ -مصر-

0 163

 

في المكتبة العربيَّة بحوث غير قليلة عن التصحيف والتحريف([i])، وقد كان لي من  هذه البحوث نصيب؛ حيث نشرتْ لي مجلة الأزهر بمجمع البحوث الإسلاميَّة بالقاهرة في عدد ذي القعدة عام 1437ه مقالًا بعنوان(التصحيف وادِّعاء القراءات القرآنيَّة)، ثم نشرتْ لي مجلة البيان برابطة الأدباء الكويتيِّين في العدد رقم(595) لعام 2020م بحثًا بعنوان(أثر التصحيف في بناء المعجم العربي)، وقد أبان العملان عن مخاطر الإهمال والتقصير في حدوث التصحيف!

وللإهمال والتقصير صور شتَّى منها التسرُّع في قراءة الكلمة أو النص، ومنها الانخداع بالمراجع الوسيطة التي بادرتْ بالتصحيف والتحريف؛ وأسوق هنا- على سبيل التمثيل- بضعة نصوص وقعتْ فيها كلمة الأَرْنَبة تصحيفًا لكلمة الأُرْبِيَّة([ii]):

ففي كتاب الطب النبويّ لابن قيِّم الجوزيَّة(ت751ه):” الطاعون من حيث اللغة نوعٌ من الوباء قاله صاحب الصحاح([iii])، وهو عند أهل الطب ورم رديء قتَّال يخرج معه تلهُّب شديد مؤلم جدًّا، يتجاوز المقدار في ذلك، ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر أو أكمد، ويئول أمره إلى التقرُّح سريعًا، وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع: في الإبط وخلف الأذن والأرْنبة(!) وفي اللحوم الرخوة… …قال الأطباء:إذا وقع الخراج في اللحوم الرخوة والمغابن وخلف الأذن والأرْنبة([iv])! هكذا في الموضعين من المطبوع بين أيدينا:” الأرنبة” بنون وباء!

وفي فتح الباري لابن حجر العسقلاني(ت852ه):”وقال جماعة من الأطباء منهم أبو علي بن سينا: الطاعون مادة سُمِّية تُحدِث وَرَمًا قتَّالًا يحدُث في المواضع الرِّخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط أو خلف الأُذن أو عند الأرنبة”([v])! ولم يوضِّح لنا الحافظ ابن حجر المصدر الذي اعتمد عليه في النقل عن ابن سينا؛ والذي في كتابه القانون في الطب بلفظ:” الأُرْبيَّة”([vi])!

ويبدو أن الحافظ ابن حجر نفسه-وإن لم يفطن إلى التصحيف- كان في نفسه شيء من كلمة الأرنبة في هذا السياق الذي ذكره؛ ولهذا قال في كتابه بذل الماعون:”(الأرنبة)؛ أي قصبة الأنف، وهي ممَّا يقلّ وقوع الطاعون به، حتى أنكره بعضهم، لكن قد وُجد مصداق ذلك في الفناء الكبير بالدِّيار المصريَّة والشاميَّة سنة تسع وأربعين، واستغربوه جدًّا؛ حتى ذكره الصفدي في رسالة له متعجِّبًا منه([vii])!

ولم يرجع الدكتور مصطفى خضر دونمز التركي محقِّق كتاب الطب النبويّ لأبي نُعيم(ت430ه) إلى المصادر الطبيَّة الأصيلة؛ واكتفى في حواشي تحقيقه بالنقل عن مراجع وسيطة([viii])؛ فوقع في أخطاء أهمُّها تصحيف كلمة(الأُربيَّة) إلى الأرنبة([ix])، واستمرَّ التصحيف في الكتب الطبيَّة الحديثة؛ فلم يفطن إليه الدكتور محمد علي البارّ في كتابه العَدْوَى بين الطب وحديث المصطفى صلَّى الله عليه وسلم([x])!

وبعد؛ فقد كان اشتراك الأرنبة والأربية في الهمزة والراء والتاء، وكونهما موضعين من جسم الإنسان([xi])، بلْهَ التشابه في الرَّسم بين النون والباء وبين الباء والياء من أسباب تصحيف الأُرْبِيَّة إلى الأَرْنَبة، وقد ساعد على ذلك كلِّه الغفلة عن مواضع الطاعون في جسم الإنسان، وأنه يقع في المواضع الرِّخوة والمغابِن من البدن التي تكون غالبًا تحت الإبط وخلف الأُذن وعند أصل الفخذ الذي يسمَّى الأُرْبيَّة؛ ويلفت نظرنا تعريف العلامة الزمخشريّ للأُرْبيَّة بأنها ” لحمة في أصل الفخذ تنعقد من ألم”([xii])؛ ولا أستبعد أن يكون هذا الألم هو ألم الطاعون!

ولعلَّ شيوع هذا التصحيف العجيب في أكثر من كتاب محقَّق مطبوع أو مؤلَّف منشور مَدْعاة لاستزادة المحقِّقين والباحثين من مراجع النقل والتوثيق لا سيَّما المراجع الطبيَّة الأصيلة؛ وأرجو- وإن أوجزتُ- أن أكون قد أثرتُ إشكاليَّة جديدة من إشكاليَّات التصحيف في المطبوع العربيّ تحفِّز على قراءة النُّسَخ الخطيَّة التي تزيد في تحقيق المسألة؛ والبقيَّة تأتي، والله حسبي.

 

***

([i]) التصحيف تغيير في نَقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط كما فى: نَمَتْ ونِمْت وحمزة وجمرة، وأمَّا التحريف فقد يكون بالزيادة أو النقص أو التبديل، وبعض القدماء جعل التصحيف والتحريف مترادفين.

([ii]) ترتيب النصوص حسب الترتيب الزَّمنيّ للتأليف.

([iii]) عبارة الجوهري(ت بعد 393ه) في الصحاح- تحقيق أحمد عبد الغفور عطار- دار العلم للملايين- بيروت- لبنان ط2/1979م.(ط ع ن) جـ6/2158:” الطاعون: الموت الوَحِيّ من الوباء”.

([iv]) الطب النبوي لابن قيِّم الجوزيَّة- تحقيق مركز الدراسات والبحوث بمكتبة نزار مصطفى الباز- الرياض- السعودية ط1/1996م.ص56: 60.

([v]) فتح الباري لابن حجر العسقلاني(ت852ه)- عناية عبد العزيز بن باز ومحمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب- دار المعرفة- بيروت- لبنان(د.ت)- كتاب الطب- باب ما يُذكر في الطاعون- حديث 5732، 5733 جـ10/180.

([vi]) القانون في الطب– تأليف الشيخ الرَّئيس ابن سينا(ت428ه)- مصوَّرة عن طبعة بولاق بالقاهرة- مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع- القاهرة- مصر(د.ت).جـ3/121: 122.

([vii]) بذل الماعون في فضل الطاعون لابن حجر العسقلاني(ت852ه)- تحقيق أحمد عصام عبد القادر الكاتب- دار العاصمة- الرياض- السعودية(د.ت). ص173

([viii]) في كتاب أبي نعيم مبحث بعنوان(باب اختيار البُلدان الصحيحة التَّرِبة وتوقِّي الوَبيَّة)كذا! ولعل الأصل(الوبئة) بالهمز على وزن الفعِلة كما في المعاجم؛ فانظر إلى آثار التحقيق! وراجع المحيط في اللغة للصاحب بن عبّاد(ت385ه)- تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين – عالم الكتب – بيروت- لبنان ط1/1994م.(و ب أ) جـ10/451.

([ix]) الطب النبوي لأبي نعيم- دراسة وتحقيق د.مصطفى خضر دونمز التركي- دار ابن حزم- بيروت- لبنان ط1/2006م.جـ1/253: 258.

([x]) العَدْوَى بين الطب وحديث المصطفى صلَّى الله عليه وسلم- د.محمد علي البارّ- الدار السعودية للنشر والتوزيع-الرياض- السعودية ط5/1985م. ص 76، 92، 94: 95.

([xi]) الأُرْبيَّة -كأُثفيَّة- أصل الفخذ ممَّا يلي البطن، والأَرْنبة طرف الأنف؛ راجع تاج العروس للزبيديّ(ت1205ه)– تحقيق  مجموعة من الأساتذة– التراث العربيّ (16)– سلسلة تصدرها وزارة الإعلام(الإرشاد والأنباء)– مطبعة حكومة الكويت– الكويت ط/1965-2001م.(ر ن ب) جـ2/535، (ر ب و) جـ38/120.

([xii]) نقله عنه الزَّبيديّ في تاج العروس(ر ب و) جـ38/120، ولم أقف عليه في مادة      (ر ب و) من أساس البلاغة للزمخشريّ- قدَّم له وشكله وشرح غريبه وعلَّق حواشيه الدكتور محمد أحمد قاسم- المكتبة العصرية- صيدا- بيروت- لبنان ط1/2003م، وراجع تعريف المغابن في تاج العروس للزبيديّ(غ ب ن) جـ35/470.

***

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.